الإسلام الشيعي: تاريخه وعقائده وحاضره

تأخّر الاهتمام الأكاديمي الغربي بدراسة الإسلام الشيعي حتى العقود الأخيرة، وسيطر على بعض الأدبيات الاستشراقية –السابقة- المهتمة بهذا الحقل من تاريخ الأديان نزعتان: الأولى، الأخذ من المصادر التراثية السُنيّة التي غالباً ما تنظر إلى الشيعة نظرة مشوهة؛ والثانية، التأثر بالأعمال الأوروبية التي بدأت بالظهور إبان الحروب الصليبية والعصور الوسطى. عربياً، تطورت الأبحاث المعنية بهذا التخصص، ويمكن ملاحظة تنامي الإصدارات التي تسلط الضوء على الحقبة التكوينية للجماعات الشيعية ومدارسها الفكرية وعقائدها منذ النصف الثاني من القرن المنصرم، علماً أن المؤرخ السوري عارف تامر (1921_1998) ساهم مساهمة جادة في الدراسات المعاصرة حول الإسماعيليين.

يُعدّ “معهد الدراسات الإسماعيلية” في لندن أحد أهم الصروح العلمية الهادفة إلى تعزيز المعارف العامة حول الإسلام الشيعي، ونشر فهم أفضل لتاريخه وعقائده وممارساته ضمن تجلياته التاريخية والمعاصرة. نشر المعهد مجموعة من الكتب أبرزها ما وضعه فرهاد دفتري الذي انشغل بالإسماعيليين، فأصدر المؤلفات الآتية: “الإسماعيليون: تاريخهم وعقائدهم”؛ “الإسماعيليون في مجتمعات العصر الوسيط الإسلامية”؛ “تاريخ الإسماعيليين الحديث”؛ “معجم التاريخ الإسماعيلي”.

في “تاريخ الإسلام الشيعي” (ترجمة: سيف الدين القصير، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2017) يقدم فرهاد دفتري مسحاً شاملاً عن المذاهب الشيعية، فيدرس مراحلها التأسيسية وأصولها وعقائدها وتاريخها المعاصر. سعى المؤلف إلى استجلاء تطور الدراسة حول الجماعات الشيعية، مصنفاً إياها ضمن هذه المصادر –تبعاً لتطورها التاريخي والمنهجي-: المفاهيم السُنيّة في العصور الوسطى، المفاهيم الأوروبية في العصور الوسطى، منظورات المستشرقين، البحث الحديث في الإسلام الشيعي. في ما يتعلق بالفهم الأوروبي لتاريخ الإسلام الشيعي- قبل الفترة الحديثة- يخرج دفتري بخلاصتين: أولها، ” استمرار الأوروبيين في العصور الوسطى في جهلهم المريع لأبسط الجوانب الأساسية للرسالة الإسلامية، فمما لا شك فيه أنهم كانوا أقل معرفة حتى بتقسيماتها الداخلية، بما في ذلك على نحو خاص الانقسام السُني – الشيعي، وبتعقيدات التفسير المتعلق بالجماعات الإسلامية وعقائدها”؛ ثانيتها، في القرن التاسع عشر “ابتدأ الباحثون الأوروبيون في تلك المرحلة إنتاج دراساتهم للإسلام على أساس من النصوص العربية، التي توفرت لهم آنذاك في صورة مخطوطات، وعلى التراث الإسلامي نفسه، لكن جُلّ النصوص الأصلية المتوافرة في أوروبا في ذلك الوقت، كانت من تأليف مؤلفين من أهل السُنّة وعكست منظوراتهم الخاصة، في حين أن عدداً قليلاً من النصوص الشيعية وجد طريقه إلى المكتبات الأوروبية إبان القرن التاسع عشر ميلادي. كانت النتيجة أن المستشرقين درسوا الإسلام طبقاً للمنظورات السُنية لمصادرهم المخطوطة. وباستعارتهم التصنيفات من سياقاتها المسيحية الخاصة، عاملوا التفسيرات السُنية للإسلام باعتبارها تمثل “الرشدية”، بالمقابلة مع الشيعية التي اعتبروها تمثل “الزندقة” أو “الإلحاد” عندما تكون في صورتها المتطرفة”.

استندت الدراسات الحديثة في الإسلام الشيعي إلى النصوص الشيعية، فأصبحت أقل حديّة وميلاً إلى الاعتماد على المصادر السُنية، فطرحت مساهمات رائدة قدمها –على سبيل المثال- رودولف شتروطمان (1877-1960) الذي درس الزيدية والإسماعيلية، في حين ركزت أبحاث لويس ماسينيون (1883-1862) وهنري كوربان (1903-1978) على المذهب الشيعي الإثناعشري. وتعتبر أبحاث المستشرق الروسي فلاديمير إيفانوف Vladimir Ivanov)) (1886-1970) أساس الدراسات الإسماعيلية الحديثة خصوصاً كتابه ( Ismaili tradition concerning the rise of the Fatimid’s) الصادر عام 1942.

ينتمي (15%) من المسلمين إلى مختلف فروع الإسلام الشيعي، ومن هؤلاء يشكل الإثناعشريون العدد الأكبر، ويأتي بعدهم الإسماعيليون، الجماعة الشيعية الثانية كُبراً في العالم، ويبلغ عدد المسلمين حوالى (1,3) مليار مسلم. يضعنا دفتري أمام أصول الإسلام الشيعي وتاريخه المبكر، آخذاً بالاعتبار الإرهاصات الأولى التي أسست لأفكار وميول أوائل الشيعة وتعبيرها الكامل في عقيدة الإمامة، التي تم صوغها بحلول منتصف القرن الثاني الهجري/ الثامن ميلادي. لقد شهد التشيّع في بداياتها التاريخية حراكاً درامياً ودينامياً، صنعته الصراعات السياسية التي بلورت وجه الإسلام وطوائفه ومذاهبه. يتطرق المؤلف إلى العقائد “الكيسانية” –نسبةً إلى أبي عمرة كيسان، رئيس الحرس الشخصي للمختار بن أبي عُبيد الثقفي الذي قاد شيعة الكوفة ودعا إلى الثأر والانتقام لمقتل الحسين- التي دعت إليها مجموعات من الغلاة في التشيع المبكر في مجال المسائل الدينية التي تبدلت مع مرور الزمن، خصوصاً ما يتعلق بالعقائد الإيسكاتولوجية المبكرة الخاصة بالغيبة والرجعة والمهدية، التي سبق أن صارت وجهات نظر مقبولة عموماً، فلم تعد تمثل غلواً كما نظر إليها أوائل الإمامية.

يتناول دفتري المذاهب الشيعية: الإثناعشريون، الإسماعيليون، الزيديون، العلويون ضمن مستويات عدة، فلا يركز فقط على المستوى التاريخي، وإنما يناقش تفاعلها العقدي وانشقاقاتها الداخلية المتأتية من مسارات التراكم والتأويل الديني، إلى جانب التحولات الكبرى التي أرست دعائم الإسلام الشيعي. عمل المؤلف على الإحاطة بمجمل التاريخ الشيعي بغية طرح شرح وافٍ يساعد الدارسين والمتخصصين في الدراسات الإسلامية وتاريخ الأديان.

يؤرخ دفتري للشيعة الإثناعشرية  ضمن خمس حقب: أواخر الأئمة الإثني عشر والمهدي المستور؛ من غيبة الإمام الثاني عشر حتى الغزوات المغولية؛ من نصير الدين الطوسي حتى وصول الصفويين، من ظهور الصفويين حتى أوائل الأزمنة الحديثة؛ من نحو 1215 هـــــــ/ 1800 م حتى الوقت الحاضر. يقسم رصده للإسماعيلين إلى المراحل الآتية: أوائل الإسماعيليين؛ العهد الفاطمي في التاريخ الإسماعيلي؛ الإسماعيليون الطيبون: العهدان اليمني والهندي؛ الإسماعيليون النزاريون: عهد آلموت؛ التطورات اللاحقة في التاريخ الإسماعيلي النزاري.

لم يطلق الإسماعيليون على معتقدهم تسمية “الإسماعيلية”، بل إن هذا الاسم أطلقه عليهم كتّاب الفرق الأوائل، لا سيما النوبختي والقمّي. أشاروا إلى أنفسهم ببساطة على أنهم “دين الحق” أو “دعوة الحق (انظر: شفيق، فيراني: صراع البقاء: الإسماعيليون في العصور الوسطى،  دار الساقي، الطبعة الأولى، 2013). يُشار إلى أن مخطوطات الإسماعيليين النزاريين تعرضت للتدمير والحرق بسبب سقوط قلاعهم في آلموت أو جراء صراعهم مع المسلمين من الأكثرية السُنية. تشترك الإسماعيلية النزارية مع بقية الفرق الإسماعيلية في عقائدها العامة، ويؤمن أتباعها بالأركان السبعة: الصلاة والصيام والزكاة والحج والطهارة والجهاد والشهادة، وبوجود تفسير باطني للقرآن. إلا أنهم على غير السبعية والمستعلية الطَّيِّبية، فإن النزاريين لا يؤمنون بغياب الإمام، فالإمامة متصلة من الإمام علي بن أبي طالب إلى الإمام الحاضر الآغاخان الرابع شاه كريم الحسيني (1936).

جاء التأريخ للمذهب الزيدي ضمن ثلاث محاور: أوائل الزيديين؛ الزيديون في مقاطعة قزوين في فارس؛ الزيديون اليمنيون. من الخلاصات التي يكشف عنها دفتري التغيرات العقدية التي عرفها الزيديون في اليمن، جراء احتكاكهم بأهل السُنّة؛ أي إضفاء الصبغة السُنية على الشيعية الزيدية التي بدأت في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. يقول: ” مع تغلغل الزيدية في المناطق المنخفضة ذات الأغلبية السنية [في اليمن]، وجد الأئمة أنه من المرغوب بصورة متزايدة تقبل بعض الآراء الدينية لرعاياهم السنيين [أي بعد تحول الإمامة الزيدية إلى حكم ملكي] الذين شكلوا الأكثرية هناك. نتج عن ذلك أن نوعاً من التقارب أخذ شكل حركة، ابتعدت عن الزيدية الشيعية من المذهب الهادوي بصورة أساسية، وراحت تتقرب من سُنية المُحدّثين كما عرضها علماء السُنة وأعضاء مذهب السنية –المُحدَثة الذي نشأ ضمن الحركة الزيدية. وصل المذهب الأخير، المتجذر في تعاليم ابن الوزير، ذروته في النفوذ والتأثير في عهد محمد بن علي الشوكاني (ت. 1250 هــــ/ 1834 م)، الذي خدم مفتياً وقاضياً لقضاة اليمن في ظل حكم عددٍ من الأئمة. تأثر هذا المذهب السُنّي –المُحدَث بالتقليدية السُنية وبالمذهب السُني الحنبلي في الفقه وتعاليم ابن تيمية (ت. 728 هـــ/ 1328 م) (ص 217).

يمثل النصيريون الأكثر تمركزاً اليوم في سوريا الفرقة الشيعية الأكثر غموضاً بالنسبة لبقية الفرق الإسلامية من الشيعة والسُنة، بدلوا اسمهم إلى العلويين منذ أوائل عشرينيات القرن الماضي من أجل تأكيد جذورهم الشيعية. عقدياً، تستقي العلوية  نظامها الفكري الديني المعقد- المرتكز إلى كوزموغونية من طبيعة عرفانية- “من تقاليد إسلامية ومسيحية ووثنية جمعت بوجه خاص مع عناصر شيعية راديكالية سبق لغلاة الشيعة الأوائل أن تعرضوا لها وشرحوها، كما يلجأ العلويون إلى التفسير الرمزي الباطني لآيات القرآن الكريم، بصورة مشابهة للإسماعيليين. الشيء المركزي في نظام الفكر الديني النصيري/ العلوي هو تقديس علي بن أبي طالب” (ص 233-234).

شكّلت الدراسات الحديثة حول الإسلام الشيعي نقطة تحول في فهم تاريخ المذاهب الشيعية، وأماطت اللثام عن الكثير من التصورات الملتبسة التي أُسس لها تراثياً في فترة زمنية حرجة ومضطربة، لم تنأى عن مقولة قدسية جماعة دينية على حساب أخرى. من المفيد النظر إلى الفرق الإسلامية المتنوعة خارج علم البدع (hérésiographie) والتطلع إليها من زاوية التطور التاريخي والعقدي والتأويلي الضخم الذي شهده تاريخ الإسلام.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق