“بائعو الرّيش” عن غجر يوغسلافيا.. الكوميديا في قالب دراميّ

رغم كلّ الجوّ المآساوي الّذي يحكم المشاهد فإنّ ثمّة بقعة ضوء لا تزال تسم فيلم “بائعو الريش” (بحسب العنوان الصربي)، حيث تطغى الموسيقى والرّقص واللّهو على حياة الغجر، في استعادة جميلة للقضايا المُهمّشة. الفيلم الّذي حمل عنواناً آخر اشتهر به منذ اصداره في العام 1967″j’ai même rencontré des tziganes heureux”، تمّت استعادته في العام 2007 بعدما نال جوائز عديدة أهمّها جائزة “أوسكار أكاديمي” لأفضل فيلم ناطق باللّغة الأجنبيّة العام 1968، وترشيحه لمهرجان كان مرّتين؛ في العام 1967 بنسخته الأولى وبنسخته الجديدة في العام 2007. يمكن للمشاهد أن يلحظ جانبا آخر من حياة الغجر في أوروبا الشرقيّة، والّذين أغنوا الحياة الفنيّة بمواهبهم وتراثهم الجميل مع هذا العمل الّذي كتبه وأخرجه ألكسندر بتروفيش (يوغسلافيا سابقاً).

سهل الغجر

هي لفتة جميلة من “التّجمع من أجل العمل الإجتماعيّ” في مدينة Aix-en-provence – جنوب فرنسا، بعرضه لهذا الفيلم يومي 19 و20 جانفي/ كانون الثاني، في قاعة معهد العلوم السياسيّة Science Po في المدينة، من ضمن نشاط طويل تضمن معارض صور ورسومات وأشغال يدويّة للغجر وعنهم، إلى جانب ندوات أكاديميّة ومداخلات قام بها صحافيون ومتخصّصون متابعون لشؤون الغجر أو Tziganes.

أحداث هذا الفيلم تدور في قرية Sombor في سهل فويوفودينا، صربيا، حيث تعيش عائلات عديدة من الغجر الّذين يعمل معظمهم بتربية الإوز وبيع ريشها. تتوقف سيارة الشّاب المتهور بورا (بيكيم فهميو) على أحد مداخل القرية الفقيرة، وتترجل منها فتاة جميلة كانت بصحبته. بورا هذا متزوج من امرأة أكبر منه سناً ولديه عائلة كبيرة، لكن روح الشباب والاندفاع الزّائد كونه يملك المال من تجارته المتواضعة، يدفع الرّجل إلى ممارسة عادات سيّئة مثل لعب القمار وملاحقة الفتيات.

كوميديا سوداء

في جوّ تلتحم فيه الكوميديا مع المآساة أو ما يسمّى بالكوميديا السّوداء، يظهر جانب مهمّ من حياة الغجر الّذين يعيشون في فوضى كبيرة وبيوت متهالكة وأعمال لا تكاد تكفي خبز يومهم. مع ذلك يجدون فسحة للغناء والرّقص في الوحول الّتي تملأ شوارعهم الترابيّة، وقريتهم المُهملة الّتي لا تعرف الحكومة طريقاً اليها إلاّ  حين تقع جريمة قتل. يلتقي بورا الفتاة تيسا (غوردانا جوفانوفيتش) ويقع في حبّها. لكنّ الفتاة الّتي يحاول زوج والدتها ميرتا (باتا زيفوجينوفيتش) تزويجها من طفل بحسب عاداتهم العشائريّة تهرب من بيت الزوجيّة بسبب عدم قدرة العريس القاصر عن القيام بواجباته الزوجيّة لتقع فريسة نزوات ميرتا الّذي يحاول اغتصابها. وتبدأ المنافسة بين بورا وميرتا حول تيسا بعدما كانت هناك منافسة تجاريّة بينهما ومنافسة على طاولة القمار، إلى أن يقتل بورا ميرتا الذّي غرق بدمه في كومة كبيرة من ريش الإوز الأبيض. أمّا الفتاة الّتي تهرب خارج القرية فتقع في أيدي سائق شاحنة يحاول اغتصابها وترفض الإنصياع له فيقتلها ويرميها إلى جانب الطّريق.

حياة بلا سياق

“التقيت بنفسي غجراً سعداء” شريط درامي مهمّ بأحداثة وشخصياته والبيئة الّتي تجري فيها الأحداث، حيث يأخذنا ألكسندر بتروفيتش إلى عالم آخر مهمل لكنّه مجهول بالنسبة للكثيرين. هذا العالم الّذي لا تتوفّر فيه أبسط شروط العيش الصحيّة والحياتيّة، هو مجتمع له طابعه الّذي يعطيه ميزة التّغلب على المآساة بالفرح الدّائم، وعلى الإهمال والغبن بعيش اللّحظة الفوضويّة من دون تفكير بالمستقبل. الحياة عندهم لعبة قمار وجرعات متواصلة من شراب الراكي المُسكر. عنف وعواطف جميلة، حبّ وكراهية، مشاعر لطيفة ونساء تنفثن دخان الغليون أو السّجائر المصحوبة بالفلتر مثال الرّجال. تجاعيد وجوههنّ تحكي قصص التّعب والمشقّة وتقاعس رجالهم عن القيام بمسؤولياتهم الأبويّة. حياة بلا سياق على إيقاع رقصات مجنونة تنغرس فيها الأرجل بالوحول وقذارات الحيونات الّتي تنتشر بينهم مثل الحمير والكلاب والطّيور الدّاجنة.

لعلّه فيلم يجمع بين الاضطراب والغضب بألوان داكنة أحياناً وبصور مذهلة أحياناً أخرى. ثمّة طاقة غير طبيعيّة تسعى إلى التّحرر بجنون وبتهوّر أحياناً. لعلّ هذا التّوق إلى الحريّة الّذي يسم معظم أبطال الشّريط الدراميّ، جاء في سياق موجة عارمة حملت إلى الفنّ السّابع هموم الحريّة والشّباب والتّقدم واليسار في أواخر الستينات في أوروبا خصوصاً.

الصَّوت الجميل

أبدعت الممثلة والمغنية والكاتبة الصربية أوليفيرا فوكو في دور لينس، حين قدّمت أجمل مشاهد من الفيلم بغنائها الجميل، الّذي صاحبه أحياناً جوّ من التّشنج نتيجة لتصرفات بورا الجنونيّة العنيفة الّتي حوّلت أجواء الموسيقى والرقص الجميلة إلى ما يشبه الحياة المحمومة المشحونة بالشّغف.

يقدّم الشّريط الدراميّ النّاطق باللّغتين الرومانيّة والصربيّة مصحوبتين بترجمة فرنسيّة، ثقافة الغجر على طبيعتها متناولاً الخير والشّر والعادات والتّقاليد من دون أن يتجاهل فساد المؤسّسة الدينيّة المتمثلة بكاهن القرية.

ترتبط ثقافة الغجر ارتباطاً وثيقاً بطريقة حياتهم غير المستقرّة، كما يبدو في فيلم بتروفيتش، الّذي يتضمّن في جزء منه جانباً وثائقياً يبيّن حرف الغجر التقليديّة مثل جمع المعادن القديمة، وبيع ريش الإوز، والحدادة ومشاريع التّجارة الصّغيرة.

أهميّة هذا الفيلم أنّه يعيد إلى هذه الشّريحة المغبونة من البشر إعتبارها، سيّما أنّهم سكّان أوروبيون لهم هويّتهم من دون نظام مجتمعي منظّم على أسس قانونيّة. فوجودهم في أوروبا قديم، يعود تاريخه إلى القرنين الرّابع عشر والخامس عشر، مع ذلك كان غجر يوغسلافيا السّابقة محرومين من حقوقهم في عهد الديكتاتور الرّاحل تيتو،  لكنّهم حصلوا في العام 1981 على وضع الأقليات الإثنية وتمّ منحهم حقوقاً ثقافيّة، ومنذ العام 1983، تمّ إدخال لغة الغجر في مدارس الدولة اليوغوسلافيّة. لكن لم يحصلوا على الحقّ السياسيّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق