محمود درويش وتحويل الذّات الشعريّة إلى ذات سرديّة

محاولة في شبك الأنماط الأدبيّة

“حميميةُ الشّعراءِ: الشّعراء قليلو الحياء

حيال تجاربهم: إنّهم يستغلونها”.

(نيتشه).

المقدمة:

تعالج هذه المقالة مسألة الذات في بعض أشعار محمود درويش، انطلاقاً من تصور مفاده: أنّ الذات الشاعرة هي أقرب الذوات انصاتاً للوجود. من خلال هذا المنطلق، تكونت مضامين المقالة والتي توزع شكلها الهندسي في ثلاث محاور أساس. الأول: الأخر كتجربة للوعي بالذات، وفيه نتحدث عن تجربة درويش مع الأخر. أما المحور الثاني: الموت وعد للذات، وهو تكثيف لمعاني الموت من خلال ديواني “الجدارية وكزهر اللوز أو أبعد”. وفي النهاية المحور الثالث: سردية الشعر ومصادفة الحياة، ونقدم في هذا المحور بعضاً من سردية الذات من ديوان لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي. مع البدءِ بمدخل تمهيدي، وخطاطة تركيبة في نهاية المقالة. وقد أفردنا لهذه المقالة الدواوين الأصلية لمحمود درويش وعقدنا مقارنة مع بعضها البعض بصور متداخلة، متنقلين من ديوان إلى ديوان، جيئة وذهاباً، والعكسُ كذلك. مستخدمينَ كفاءة التأويل والتحليل الذاتي، مع حدوسَ تأويلية ناتجة عن طول معاشرة نصوص درويش الشعرية والنثرية.

مدخل:

تتبعثر الذات وتضطربُ بل يكون مآلها التشظي، كلما كان إحساسها شفيفاً بالحياة، وبمآسيها وبخبراتها المعاشة. فلاشكّ أنّ الإحساس كيفما كانَ نوعهُ هو تعلةٌ لحضورِ بداهةِ النتيجة في السطح. آي أنّ الإحساس هو كيمياءُ الجسد والأحداث، تكاثف المعنى (الأحداث، التجارب، الصور) والمبنى. لذا لا نستغرب أن يكون أكثر الناس حساسية بالحياة، هم أقرب الناس إلى حقيقة معناها في الزمانِ والمكان. ولعل معنى كلمة شاعر في لسان العرب، التي تحيلُ على معاني الشعور والنباهةِ والفطنةِ[1]، تُعرب عن تمخض الذات الحساسة أي الشاعرة، عن علو كعبها في الإحساس بمعاني الأشياء وماهياتها Sense. فالشّعر قبل أن يكونَ شعراً أي صناعة، يُعنى بها في دنيا الناس، هو إحساسٌ دافئ بمنطق الأشياء، وهو إعلاءٌ وتسامي للغريزة، التي تنتقلُ الى أفق الكينونةِ على مستوى الوجود، والذات بمستوييها الفردي والجمعي، أي كصيغة اجتماعية.

كل ذات تُقدم على تقديمِ نفسها، كمجال للسرد والحكي، أي أنها تجودُ بذاتها، بتجاربها، بعريها، بتناقضاتها. فهذا يعني أنها ذاتٌ تفصحُ عن حالها، في مجال الظهور والعموم. تُؤثر هذه الذات أن تقدم نفسها بهذه الطريقة، كرؤية في الحياة، وكصورة للدمج بينَ التنظير والممارسة. فمهما كانت تجربةُ كاتب ما أو شاعرٍ، فإنّ الأفق الأبعد عن هذا الإفصاح الذاتي وتعريتها، إنما هو سليلُ رؤية في العمق مفادها: أنّ الإفصاح عن الذات محلُّ نموذج، لصيق بقيم الحياة الاجتماعية. من هذا المنطلق تسقط الذات رغم ادعاء تحللها من آصار الاجتماعي والعرفي، في زمنية الزمان، وزمنية اجتماعية. هذا الإعلان الخاص عن الذات، هو ما يشكلُ نظاماً سردياً متقطعاً، تبعاً لحركيةِ الذات في زمنيتها. وإلى أن تفضي الذات الى استخلاص ذاتها، كما تستخلص قطعة الذّهب من النار، كذلك تتمرحل الذات، وتستخلصُ حرارة وجودها، من عالم المعيش بما هو مجال لإغناءِ الذات وصقلها.

وبما أنّ التجارب الوجودية الكبرى، لابد وأن تنسل من عينِ الوجود، كما ينسل الخيط من ثقبِ الإبرة. فإنّ آثر هذه التجارب، هي من يصنعُ السرديات الكبرى في التاريخ، بل هي ما يُكونُ لنا روحاً تراجيديا من حضارة لآخرى ويميزها عن الآخرى. لكن هذه الروحُ التراجيديا قيل قد ضُيعت في الحضارة العربية! وبزلة بسيطة ايضاً! لكنها كانت كبيرة. ودعنا حتى لا نقول في الحضارة العربية ككل ويصير حكماً قيميا. فلنحدد مجال القول، ونقول: أنّ غياب روح التراجيديا عن الآدب العربي، فوتَ عليها، صناعة ذات تراجيديا، ذات أفق وجودي، وأخرّها ولا زال يؤخرها، والسبب في ذلك كلمتان خفيفتان على اللسانِ ثقيلتان في ميزان الحضارة، هما التراجيديا والسخرية، والسبب ترجمة متى بن يونس، التي أخطأتِ الدّلالة، فأخطأ الآدب العربي موعده مع التاريخ أي مع النهضة[2]. من هنا يمكنُ أن نلجَ عوالم الذات العربية، لنسائل أنفسنا عن أهمية سؤال الذات في التراث والثقافة العربية. هل لسؤال الذات من أهمية في الإنتاج الأدبي والفلسفي العربي؟ كيف يمكنُ أن نؤسس لسؤال الذات في الثقافة العربية المعاصرة؟ وما هي مداخل هذا التأسيس؟ كيف يضطلع الأدب بهذه الخاصية؟ وما هي تجليات الذات في الشعر العربي المعاصر؟ هل يمكنُ أن نعتبر شعر محمود درويش تأسيسياً في هذه الموضوعة؟ وما طبيعة الذات في شعر محمود درويش؟

1-الأخر كتجربة للوعي بالذّات:

ماهو المدخل في قراءة نصوص، تتراقصُ فيها المعاني والدّلالات والصور، والاستعارات والإنزيحات؟ بل كيف يمكنُ القبض على المعنى في هذه النصوص وصاحبها يبشركَ بأنّ مآلكَ قبض الريح، كلما طابقتَ بينَ خيالكَ والنّص؟ ما سر هذا العسر في قراءة نصوص درويش؟ أهو اغتناء الذات بتجاربِ الحياة؟ أم هو دقةُ المعنى وجزالةُ الأسلوب؟ أم أنّ قصائد درويش ونصوصه هي توأمٌ بينَ هذا وذاك؟ كل هذه الأسئلة هي احتمالاتٌ بسبب تنوعِ الموضوعات والقضايا التي شغلها محمود درويش في الآداب العربي المعاصر. فإن كانت الذات الفلسطينية تعيشُ المرار والألم منذُ شرنقتها الأولى، وانفتاحها على العالم الخارجي. فدرويش لن يشد عن هذه القاعدة، بل هو أجدرُ النّاس بهذه المرارة والألم! وربما لن نحيدَ عن الصواب، إن قلنا أنّ الذات الدرويشية تمخضت عن هذه المعاناة والألم. وإن كانَ درويش حوّل هذه المعاناة إلى غنائية إنسانية، شكلت مجرى الإبداع الشعري في الآداب العربي المعاصر. فصدى درويش لم يقف عندَ حدودهِ العربية، بل امتد إلى أفق إنساني رحب.

عرفت قصائد درويش منعطفاتٍ عدة، وذلك عائدٌ لمعطيات عديدة من بينها، الأفق الفكري للشاعر واختمار الذائقة الشعرية، ثم انفتاح الذات على التجارب الوجودية الكبرى (الحرب، الحب، المرض، الموت). فكل قصيدة لدرويش هي الصورةُ الكاشفة، عن مدى انفتاح الذات على تجربة وجودية كبرى. ولعلَّ أبرز هذه التجارب، تجربةُ المرض والقرب من الموت.

تنفتحُ قصيدة كزهر اللوز أو أبعد (سنة 2008) وهي من أواخر القصائد التي كتبها محمود درويش، على الأفق الذي اختطهُ درويش منذ ورد أقل (سنة 1986)، مروراً بديوان أحد عشر كوكباً (سنة 1992)، إلى ديوان جدارية (سنة 2000). وهو انفتاح الذات على نفسها، أي الانكفاء على اختبار الذات عبر سؤال الآين، والكينونة، والمصير، وسؤال الآخر، والحب. هذا المسار ظلّ ملازماً لدرويش منذ الجدارية، إلى أخر ديوانهِ (سنة 2009)، لا أريدُ لهذي القصيدةِ أن تنتهي.

تتبرعمُ في هذا الديوان كزهر اللوز أو أبعد، أفكارُ درويش، كما تتبرعمُ أزهارُ اللوزِ على الشجرة. يبلغُ في هذي القصيدة، المدى الإنساني، فافتتاحيةُ القصيدة التي تبدأ بوصفِ الأشياءِ، حتى كأنها تتجسدُ صورةً ومادة، في خيالك ومتخيلكَ وِمخيالكَ، تنفذ إلى الذات وتستقرُ في الذاكرة، كلّما مرتْ أمامكَ حياة ومعاشاً، الصور الواقعية، التي يشكل جسدها درويش، في حِرفيةٍ عالية، وإحساسٍ يفصحُ عن ادمانِ التخييلِ في الصورة الواقعية: (كزهر اللوزِ أو أبعد: ص13).

وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ

[لا تنسَ قُوتَ الحمامْ]

وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ

[لا تنسَ مَنْ يطلبونَ السلامْ]

وأَنتَ تُسدِّدُ فاتورةَ الماءِ، فكِّر بغيركَ

[مَنْ يرضعون الغمامْ]

وأَنتَ تعودُ إلى البيتِ، بيتكَ، فكِّر بغيركَ

[لا تنس شعب الخيامْ]

وأنتَ تنام وتُحصِي الكواكب، فكِّر بغيركَ

[ثمَّةَ مَنْ لم يجد حيزاً للمنام]

وأَنتَ تحرِّرُ نفسكَ بالاستعارات، فكِّر بغيركَ

[مَنْ فقدوا حقّهم في الكلامْ]

وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك

[قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ]

يصدرُ هذا التشخيص Diagnostic، عن متفرقاتٍ لصورٍ من الحياةِ الإنسانيةِ، بدأً بوصفِ أصغرِ الأشياءِ إلى أكبرها، عن اقتراب الذات إلى الإنصاتِ العميقِ لوقائعَ حية، بل هي رصدٌ لأحداث تاريخية، ولصور إنسانية، لا تنعدمُ مشاهدها في الزمانِ والمكانِ.

يتكونُ عنوانُ هذه القصيدة من كلمتين: “فكر بغيركَ“، وتعادُ الكلمتينِ على شكلِ لازمةٍ عند انتهاءِ السطر الشعري الأول، ويفتتحُ السطر بكلمة “وأنتَ” التي تعاد عند بداية القصيدة إلى انتهائها. لابد وأنّ استعمال هذه الكلمات الثلاث، التي تحيل على معجم ال “أنا” وال “أنت“، والتي تبدأ هكذا متمحلة شرطي منَ الزمانِ والمكانِ، تتوالى روابطها البنيوية، دونَ الحاجةِ إلى معرفةِ سياقاتها التي تفاعلت في الخلف، حتى تتمخض عنها هذي القصيدة، فيمكنُ قراءة القصيدة على سبيل التمثيل بعدَ مئةِ سنة أو أقل، ومعانيها لازالت معتقة فيها، والسبب في ذلك: انّ درويش أثناء القصيدة يلامسُ على مستوى الإدراك ماهية الأشياء، وهذه جبلةُ الشاعر الأولى. ويلامسُ أيضا الذوق الفني بعدَ اختمار الذائقة الشعرية للشاعر، عبرَ تمرحل الذات في مخاضتها الوجودية.

تتضحُ في هذا الديون تيمة الآخر، كأس مفهومي، يحقق اكتشاف جزءٍ من الذات، فالآخر في قصائدِ درويش، ليس سلباً تماماً ولا جحيماً، بل هو ظل من الظلال التي تعرفني على ذاتي (كزهر اللوز أو أبعد: ص 83).

هِي: هَل عرفتَ الحب يَوماً؟

هُو: عِندما يأتي الشِّتاء يمسني

شغٌف بشئٍ غائبٍ، أضفي عليهِ

الاسمَ أيَّ اسم، وَأنسى …

هِي: ماِ الذي تنساه؟ قلْ!

هُو: رِعشةُ الحمَّى، ومِا أهذي بهِ

تَحتَ الشَراشفِ حينَ أَشهقُ: دثرني

دثِّريني!

هِي: ليس حُباً ما تقولُ

هُو: ليس حباً ما أقولُ

هِي: هل شعرتَ برغبةٍ في أن تعيشَ

الموت في حضنِ امرأةْ؟

هُو: كلما اكتملَ الغيابُ حضرتُ …

وانكسر البعيد، فعانق الموتُ الحياةَ

وعانقتهُ … كعاشقينَ

هِي: ثم ماذا؟

هُو: ثم ماذا؟

هِي: واتحدتَ بها، فلم تعرف يديها

مِن يديكَ وأنتما تتبخَّران كغيمةٍ زرقاءَ

لا تتبينان أأنتما جسدانِ … أم طيفانِ

أمْ؟

هُو منْ هي الأنثى- مجازُ الأرضِ

فينا؟ منْ هو الذّكرُ- السماء؟

هِي: هكذا ابتدأت أغاني الحبّ. أنتَ إذن

عَرفتَ الحب يوماً!

يمثلُ هذا الحوار البيني، الذي يعقدهُ درويش في عديد المرات، من مجموع دواوينهِ، أُنموذج Figure التعرف الذاتي، إحالة على الآخر، كمرجعية تُختبر الذات أمامها. يصيرُ الآخر هنا مرآة للذات، تتكشف الذات أمامها وتتعرى، لايخرجُ هذا الأنموذج Figure عن عمليةِ التحويل Transformalisation في التحليل النفسي، وصورة المحلل والمريض في العيادة، كشكلٍ من أشكال التداعي الحر. صحيح أنّ هذا الإسقاط بكل هذه الحمولة الدلالية والثقافية والسيكولوجية، لمفاهيم التحليل النفسي على هذا الحوار في هذه القصيدة فيهِ من المبالغة، لكن لا يخرجُ هذا الحوار كيف ما كانَ الأمر عن عمليةِ استكشافٍ للذات، ليس من أجل مُجاوزةِ عقدٍة ما والتعرف عليها، بل السبب: هو هذا النظام الرمزي الذي يضطلعُ بهِ الآخر بكل حمولاتهِ. -على أن نفهمَ الآخر في هذا المستوى، ذاكَ الذي ليس شبيها بي جسديا، وجنسياً، فالمرأة تظلُّ أول المكونات في استخلاص الذات لنفسها، ولقربها من ذاتها، لذا فالحوار الذي يقيمهُ درويش في هذه القصيدة، هو حوارٌ سيكولوجي بالأساس، ينبني على عملية تعبئة Mobility الذات من خلال الآخر، الذي يُزجي تجربتي “بيذاتي“. وإذا كانت هذه هي صورة الآخر ووظائفه، فما هي أساليب تعرية الذات بدءً من الغير؟

يطلقُ درويش لإدمانهِ المعتاد العنان، وهو تصوير الواقعيِّ بالمجازيِّ (كزهر اللوز أو أبعد: ص65).

لا أعرفُ الشخص الغريب ولا مآثرهُ …

رأيتُ جنازةً فمشيت خلف النعش،

مثل الآخرين مطأطئ الرأس احترماً. لم

أجد سبباً لأسأل: مَنْ هُو الشخص الغريبُ؟

وأين عاش، وكيف مات [فإن أسباب

الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة].

سألتُ نفسي: هل يرانا أَم يرى

عدماً ويأسفُ للنهاية؟ كنت أعلم أنه

لن يفتح النَّعشَ المُغطَّى بالبنفسج كي

يُودِّعنا ويشكرنا ويهمسَ بالحقيقة

[ما الحقيقة؟]. رُبَّما هُو مثلنا في هذه

الساعات يطوي ظلَّهُ. لكنَّهُ هُوَ وحده

يلعبُ الحوار المونولوجي Monologue speech في هذه القصيدة، أسلوباً لتحليلِ الذات في علاقتها بذاتها من خلال الغير، فتواجد درويش في جنازةِ الغريب/ الغير، هو من ممكناتِ التساؤل عن نسيانِ الذات الغيرية، التي تعيش في الخلف، أي خلف مشاهد الحياة، أو ربما خلف الحقيقة التي يدفنها المجتمع (كزهر اللوز أو أبعد: ص66).

ولمْ أجد سبباً لأسأل: مْن هوَ الشخص

الغريبُ وما اسمه؟ [لا برق

يلمع ُفي اسمهِ] والسائرونَ وراءُه

عشرون شخصاً ما عداي [أنا سواي]

فالشخصُ الغريب، قد يكونُ أي شيء في دنيا الناس، انطلاقاً من موقعهِ الاجتماعي، لكنهُ مجرد من كلِّ اعتبارٍ أمامَ الموتِ، وربما ما أدى بدرويش إلى ادخالِ صورةَ الغريب/ الغير في القصيدة، ليس هو الغريب بحد ذاتهِ، أي كشخص يشاركني نفسَ ماهيتي، بل قد يكونُ هذا الغير من ماهية أخرى، وهو الموت. أليسَ الموت كائنٌ ينتشلنا عنوة من انصهارِ العالمِ فينا؟ أليسَ هو الكائنُ الذي يعيدُ تأثيث حسابتنا مع الحياة والذات؟ من هذا المنطلق ما طبيعة الموت في قصيدة الجدارية؟

2-الموتُ وعد للذّات:

يظهر الموت متجسداً في قصيدة الجدارية (سنة 2000) صحيح أنّ الموت هو الغريب والآخر والمختلف عن كينونتي، لكنهُ يظهر في خيال درويش ومتخيله، في شكلِ كائن، كاملِ التكوين محروم من إنسانية الإنسان وطبيعتهِ. فهو لا يحزن ولا يتناسل ولا يحب ولا يحيا، إنهُ فقط خادمُ الغيب، الذي لا يفاوض ولا يعارض.

يدخلُ درويش في حوارٍ انطولوجي مع الموت، تتمازجُ فيه نبرةُ السخرية، والحاحُ المستجدي، وأمنياتُ الحالم المنقضية آماله. يعكسُ الحوار طبيعة الموت التي يحاولُ درويش أن يقبضَ على كنهها (جدارية: ص 58-59).

…كُنْ صديقاً طيباً يا

موتُ! كنْ معنىً ثقافياً لأدركَ

كنهَ حكتمكَ الخبيئة! ربمَّا أسرعتَ

في تعليمِ قبيل الرماية. ربما

أبطأتَ في تدريب أيُّوب على

الصبر الطويل. وربما أسرجتَ لي

فرساً لتقتلني على فرسي.

لا يجدُ درويش أمامَ الموتِ إلاّ اللغة، كي يعلل مقاومتهُ للموتِ، فما من قوةٍ تقفُ في وجهِ الموت، فلا الحضارةُ المعاصرة بتفوقهِا العلمي، ولا أجهزتهُا الطبية المتطورة تسطيعُ أن تعرفَ كنهَ الموتِ. لذا ليس من مقاومة للموتِ سوى اللغة.، واللغة هي جماعُ الفنونِ ووعائها، وهي استدراكٌ مجازيٌ على الكارثة الأولى في الوجود، كارثةُ غضب الإله على البشر!!

وبما أنّ اللغة هي شكل من أشكال المقاومةِ في الوجودِ، فإنّ مسوغ الدخول في تحدي الموت عبر اللغة، هو بحدّ ذاته تكثيفٌ لحضورِ الغياب الذي يملأني. بمعنى أن اللغة هي شكلٌ يمثلُ حضورَ الذات وغيابها، على أن تكونَ اللغة التي تعنى بهذا تمتلئ كينونةً.

يعادُ صياغة سؤال الموت في قصائدَ درويش، بصفتهِ الكائن الميتافيزيقي الدائم الحضور، ففي ديوان “الجداريةوكزهر اللوزِ أو أبعد، يتكررُ بصفة دورية، وهذا يحدثُ لأنه طبيعي جداً، لأنّ درويش في قصائده هاته التي نحيل عليها، ما ينفك يعيد الأسئلة الكبرى للوجوديين، فلو دققنا النظر سنجدُ المناداة بالحرية كقيمة علية يتمتعُ بها الإنسان، وسنعيد الكرة أيضاً ونكتشف أنّ أسئلة درويش عن الآين والمصير، هي أسئلة وجودية، لا يعني هذا أننا نتخندق في سراديب الوجودية، بل الربط كانَ على أساس القيم التي تمنحها القصيدة، وإبراز الأسئلة الكبرى التي تنفتحُ عليها قصائد درويش، وهي محاذاة الأفق الإنساني والإنسي.

من الجوانبِ الشعرية وأصالتها في شعر درويش، أنهُ يربط شعرهُ بالتجارب الإنسانية العميقة، فتعبيرهُ عن حالة الموت أتى انسجاماً مع تجربةِ مرضهِ، بحيث تجسدت موضوعة الموت في قصائدهِ خصوصاً الجدارية، كتأبين قَبلي ومغامرة رمزية في عالم الموت والموتى، والملفت للنظر أنّ درويش كانَ يعدُ طقوس موتهِ بيده، وما بعد موتهِ أيضاً، نسجَ عالماً متخيلاً، من قيامة وملائكة وموتى. تصبحُ رؤية الشاعر بهذا المعنى فلسفية أكثر منها شاعرية، بل تخرجُ عن قالب الشعرية نحو السردية، ذلكّ أن طريقة البناء الشعري في قصيدة الجدارية اتخذت أشكالاً عدة: حوارية، شعرية، استفهامية، مونولوجية. لكنها تُستجمع في خيط السردِ الذي يُنبينا عن تداخل كل هذه الأنماط في السرد، وهذا بالتحديد سيفضي بنا للحديث عن التداخل الذي يحصل بينَ الاجناس الأدبية، في الفصل الموالي.

اذن، الموتُ هو حقيقة فينا، يعرفنا ذواتنا ويعيدنا إلى جَسر المسافةِ التي نقيمها عبر ثلاث أقانيم الذات- الموت- الحياة. الموتُ هو نقطة العبور والوصل بينَ مثابتين، تتحركُ هذه الأقانيم على حبل الموتِ، جيئة وذهاباً، وكأنّ الحياة في النهاية لعبة نرد، راهنَ عليها درويش، واستكمل المغامرة لأنها منذ البداية لعبة نردٍ.

3-سرديّة الشعر ومصادفة الحياة:

مثلما انتبه باختين إلى الجوانبِ الشعرية في روايات دوستويفسكي، فإنا على شاكلتهِ فاعلون، فليسَ بالصعبِ رصدُ جوانب السرد في بعض قصائد درويش، صحيح أنّ الّرواية هي أقدر الأجناس الأدبية هيمنة على أنماط الخطابات والأنظمة المعرفية المعاصرة، حتى أننا نقول مع الدكتور جابر عصفور، أنّ زمننا هو زمنُ الرواية بحق. ويظل الشّعر هو أحد الأجناس الأدبية مقاومة لهذا الانفتاح أو الاختراق الذي يصدعُ هوية القصيدة، لكن هذا لا يعني ابداً أن القصيدة لا تستعملُ صيغاً سردية، تنزحُ بها عن الإيقاع الداخلي، والجِرس الموسيقي، وشَعرنة اللغة. من هذا المنطلق سنحاولُ أن نستجلي ما ذهبنا إليهِ من خلال قصيدة لعب النرد من ديوان لاأُريدُ لهذه القصيدةِ أن تنتهي ( سنة 2009). (لا أريد لهذه القصيدةِ أن تنتهي: ص33)

ولدتُ إلى جانِب البئرِ

والشجراتُ الثلاثُ الوحيداتُ كالراهباتْ

ولدتُ بلا زفةٍ وبلا قابلةْ

وسميتُ باسمي مُصادفةً

وانتميتُ إلى عائلةْ

مصادفةً

لاشكّ أنّ درويش هنا يعيدُ سردَ حياتهِ انطلاقاً من ذاكرته الفردية، التي كونتها الذاكرة الجمعية، فهو يرسمُ في هذي القصيدة، ملامحَ ِولدتهِ، فمن المعروف أنّ ابنَ الجليلِ يعيدُ ترتيبَ أمكنة وأشياء واحداث متخيلة، في ذهنِه، ويعيدُ سردها في صيغة أقرب من الحكي منهُ إلى الشعر. (لا أريدُ لهذه القصيدة أن تنتهي: ص35- 36).

كانَ يمكنُ أن لا أكونَ

كانَ يمكنُ أن لا يكوَن أبي

قد تزَّوج أُمي مصادفةً

أو أكونْ

مثل أُختي التيِّ صرختْ ثم ماتتْ

ولمْ تنتبه

إلى أنها وُلدت ساعةً واحدةْ

ولم تعرف الوالدةْ

أو كبيضِ حمامٍ تكسر

قبل انبلاج فِراخ الحمام منَ الكِلس/

بينَ الممكن واللاممكن، يقبعُ الواقعي الثابت بأظافرهِ في ذاكرة درويش. ذلك أنّ صورة الحكاية الفلسطينية، لا تفارق لغته التي ِهي هُو الم يقل ” أنا لغتي”، واللغة حملُ الحقيقة إلى المجازِ، والمجازُ بيتُ الشاعر ومسكنهُ، على ان لا يحملَ المجاز، معانٍ ليست فيه، فيصيرُ كذباُ وتوهماً، بل المجاز هو الصيغة الأقرب إلى الذات الساردة- الشاعرة. ودرويش هنا يحكي جزءاً منَ الذات الحقيقية، أي الذكرى التي تؤلمهُ. (لا أريدُ لهذهِ القصيدةِ أن تنتهيَ: ص 42)

كانَ يمكنُ ألاّ أحبّ الفتاة التي

سألتني: كم الساعةُ الآنَ؟

لو لم أكن في طريقي إلى السينما …

كانَ يمكنُ ألاّ تكون خلاسيةً مثلما

هي، أو خاطراً غامقاً مبهما …

مرةً أخرى يقفُ درويش، على الترددِ والانفتاح على الاحتمال، وهذا ليسَ غريباً أو خارجاً عن سياق العنوان، الذي يفتحُ القصيدة طولاً وعرضاً، مجازاً وحقيقةً، ايقاعاً وجرساً. على لعبة النرد، المبنية على المصادفة والرهان على الحظ، ما يدفعنا الى التساؤل عن وظيفة المجاز هنا؟

يبدو أنّ المعنى المجازي ليسَ إلا قيمة صدقية في الواقع، فبينَ سؤال الفتاةِ عن الساعة، وحب درويش لها، يحضر رهان لعبة النرد، وهي الصدفة، الصدفة التي رافقت درويش منذ الولادة، اخذت بيدهِ في كل حياتهِ، هي من أمكنتهُ من النجاةِ من الغرق، وهي من أمكنتهُ من النجاةِ من الموتِ، وهي من أمكنتهُ من ان يحب مصادفةً، وهي من أمكنتهُ من ان يظل محباً (لا أريد لهذهِ القصيدةِ أن تنتهيَ: ص 50).

ومصادفةً، صارت الأرض أرضاً مُقدسةً

لا لأنَّ بحيراتها ورُباها وأشجارها

نسخةٌ عن فراديس علويَّةٍ

بل لأن نبياً تمشى هناك

وصَّلى على صخرةٍ فبكتْ

وهوى التلُّ من خشية الله

مُغمىً عليه

منطقُ المصادفة، هو منْ يصنعُ التاريخ، ويعلي من قيمة الحدث. ويحولهُ إلى مقدس، ينتجُ عنهُ أحداثاً صارت تاريخية مقدسة، بفضل صدفة. (هنا مفارقة في غاية التعقيد وهي أن تمثل التاريخ كصيرورة من الصدف، أو إعادة التمثل الزمان السردي على شكل صدفة)، ولعلنا نسأل عن دور الصدف في التاريخ، في الحياة، في الوجودِ. ما دور الصدفة في انتاج الحدث؟ وكيف تصيرُ الصدفة مرادفاً للعبةِ النرد القائمة على منطق الصدفة؟ أليس درويش يحمل وعينا إلى أنّ منطق الحياة مبنيٌّ على الصدفة، فكما ولد ابن الجليل في فلسطين، كانَ في الإمكان أن يولد في فرنسا أو السويد أو جنوب السودان. هل لهذه المعاني علاقة بالموتِ؟ قد أقول بنوعٍ من التأويل، أنّ الانسان حينما يقتربُ منَ الموتِ يصبحُ أكثر حساسية من ذي قبل بمنطق الحياة، يحمل بين ضلعيهِ احساساً مفارقاً وغريباً، إحساس بالهشاشة والضعف، ومن جهةٍ أخرى إحساس بالشماتة بالغبن. هو تمزقٌ داخلي ناتج عن ألم الذاكرة، والندم على الذات في لحظاتِ الهشاشة والاحساس العميق بقيمة الحياة ومسارتها. إنهُ الزمن سليلُ الصدفة! (لا أريدُ لهذه القصيدةِ أن تنتهي: ص 52).

ومن حسن حظيَ أني أنام وحيداً

فأصغي إلى جسدي

وأصدقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ

فأنادي الطبيب، قُبيل الوفاة، بعشر دقائق

عشر دقائق تكفي لأحيا مُصادَفةً

وأخيب ظنّ العدم

منْ أنا لأخيبَ ظنّ العدم؟

  خلاصة وتركيب:

على أكثر من جهة، تستخلص الذات وتنفتح، ان على مستوى التجارب، أو على مستوى الرؤية الجمالية للحياة، وكلما عبرت الذات من نفق الوجود إلى الحياة التأملية كشكل حضوري، واثباتي للذات بصيغ مختلفة، الانا، الغير، الآخر، الحب. الا واضطلع صاحبها بإحساس عميق بمنطق الحياة، كما ذكرنا منذ البداية، وبما انّ درويش انكشفَ لنا كذات ساردة ومسرودة في آن، فإن المحتمل الأكيد في هذه السردية هو فرادة تجربةُ درويش وغناها، ما يحفزُ المرء أكثر للتنقيبِ عن نماذج مؤسسة لسؤال الذات في التراث والثقافة العربية.

 

  خطاطة تركيبة:

تجسدُ هذه الخطاطة على شكل دوائر، مركزية الذات في صياغة نفسها، وتفاعلها مع الاحداث والتجارب والأشياء، بصيغة دائرية في الحياة، وهي تفسر ايضاً مدى حضور هذه المفاهيم في القصائد التي تطرقنا إليها.

 

خاتمة:

بعد أن قدمنا بإيجاز شديد، مفهوم الذات في بعض قصائد درويش، فإنّ ما يمكنُ الوقوف عليه أو تأكيدهُ، هو تلكَ المسألة المتعلقة بطبيعة التعامل مع الشعر العربي، التي تجعله في الذيل أو في الهامش، خارج عن حسابات المعرفة بما هي معرفة. وفي الحقيقة هذا تجني على الشعر العربي بكاملهِ، والذي كانَ يعتبر ديوان العرب قديماً، لذا لا مناص من معاودة التفكير والتأمل في طبيعة التعامل مع الشعر، والنقر في موضوعاتهِ ومن أهمها سؤال الذات، الذي يعتبر مؤسساً لفكر حر وجذري، عن كل سلطة تحده، ومن جهة أخرى فإنّ هذا التجاسر المعرفي، يفضي إلى اكتشاف نواة تلاقي بينَ نوع أدبي مع نوعٍ أخر، أو مع نمط معرفي أخر، وهو بغيةُ هذه المقالة، التي حاولت جسر العلاقة بينَ ماهو ادبي وفلسفي وبينَ ما هو أدبي-أدبي، وان كان بطريقة غير مباشرة.

********

لائحة المصادر والمراجع:

  • أ- المعاجم:

ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عامر أحمد حيدر، مراجعة عبد المنعم خليل أحمد إبراهيم.

  • ب- الدواوين الشعريّة لمحمود درويش حسب الصدور:

درويش، محمود، جدارية، بيروت- دار الرايس للكتاب والنشر الطبعة الثانية 2001.

درويش، محمود، كزهر اللوز أو أبعد، بيروت- دار الرايس للكتاب والنشر الطبعة الأولى 2008.

درويش، محمود، لا أريدُ لهذه القصيدة أن تنتهي، بيروت- دار الرايس للكتاب والنشر الطبعة الأولى سنة 2009.

  ج- المراجع:

كيليطو، عبد الفتاح، لن تتكلمَ لغتي، ضمن الأعمال الكاملة الجزء الأول بعنوان “جدل اللغات”، الدارالبيضاء- دار توبقا للنشر الطبعة الأولى 2015.

*******

[1]  ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عامر أحمد حيدر، مراجعة عبد المنعم خليل أحمد إبراهيم، (بيروت: لبنان- دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 2009) 476.

[2]  عبد الفتاح، كيليطو، لن تتكلّم لغتي (بيروت-لبنان، الطبعة الثانية، 2012) 112-113.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق