الإصلاحات الجذريّة لا تجديد الخطاب الديني..

في الدّعوة إلى التَّحفظ على بعض الآيات وإضافة هوامش توضّح السّياق في متن المصاحف

إنّ الدّين عند الله الإسلام، هكذا تكلّم القرآن الكريم، يتبع هذه الخصخصة أنّ الإسلام هو الدين الأمثل والأكمل والأحقّ بالاتباع، وتكون منه النتيجة المعروفة لدى الإسلامويين وغالبية المسلمين بمن فيهم المعتدلون أنّ الأديان الأخرى مرجوحة بل هي باطلة ومضللة، هذا الاستنتاج يعطي للمسلمين أو إذا أحسنا الظنّ فنقول الإسلامويين باعتبارهم الجناح الأشدّ ظلمة ودوغمائية من بين المسلمين- يعطي لهم الحقّ باعتبار باقي الإنسانية من أتباع الديانات وغير الديانات كفارا لا يستحقون الرحمة ولا الحياة، فهل الإسلام حقا دين التسامح والمرحمة، أم هل فعلا هو أكثر الديانات جبريّة وتعصّبا كما يقول منتقدوه؟

إذا نظرنا إلى أفعال من ينتسبون إليه ويحتجّون بنصوصه المقدّسة في أعمال الإرهاب وفظاعاته، التكبيرات التي تلجلج في السماء بعد ارتكاب المذابح الجماعية والجرائم الكبرى ضد الإنسانية طيلة العقود القليلة الماضية؛ فإنّ الإجابة ستكون نعم هو دين شموليّ، دين إقصاء وعنف!!

لكن في المقابل إذا نظرنا إلى جانب آخر في القرآن تلوح لنا تباشير دين صبوح ضاحك في وجه الدنيا رحيم بالانسانية، آيات يجللها الحبّ وتعلوها المودّة والرحمة، أنظر إلى قوله “لا إكراه في الدين” أو إلى قوله “من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا” أو قوله “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”، تكاد تدهش لهذه الجمل الحلوة التي تحمل ذوقا عاليا، وأسلوبا كريما فيه من الحضارة والمدنية والأفق الواسع ما يمكن أن نقول إنّه فهم وتصوّر سبق ذلك العصر بمراحل، فهو يعلن للناس أنّ الأرواح جميعها متساوية، وقتلها كقتل الإنسانية كلها، وأنّ الغرض من خلقهم هو لكي يتعارفوا بينهم، يندمجوا ويتعايشوا، يتصادقوا ويتوادّوا دون تحفظ أو احتراز أو أحكام مسبقة، ثمّ فوق ذلك جعل التّقوى (الأخلاق) في الإنسانيّة جمعاء باختلاف أديانها ولا أديانها…أليس عجيبا؟

لكن أليس مؤسفا ومؤلما في آن، في مقابل هذه الآيات النيرات المتسامحات، أن ينحط خاطرك وينكسر حماسك، وأنت تتابع القراءة في القرآن، أن يصادفك نص آخر بعد نص، مناقض لهذا النّسق الإنساني، يقلب كيانك المعنوي رأسا على عقب، ويجعل الدنيا المشبوبة بالرحمة والتآخي الإنساني، دنيا تتعارف فيها الكائنات وتنطلق فيها الإنسانيّة مرحبة ببعضها في لطف ولين، ورحابة وسعة، إلى سخط وويل، وضيق و جهامة، ولعنة وتحريض، وغلظة وشدة، وتنقلب المودّة إلى خصام، وتغدو الشّعوب المتعارفة أمما متقاتلة يضرب بعضها رقاب بعض.

خذ مثلا قوله “يا أيّها الّذين آمنوا إذا لَقِيتُم الّذين كفروا فضرب الرّقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق”، أو “اقتلوهم حيث ثقفتموهم” أو “فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان”، أو “إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف”.

فهل الإسلام دين السلام والتّعايش حقّا كما يقول المسلمون المعتدلون؟ أم إنّه دين القتل والذبح والإرهاب كما يقول نقاده، وكما يقول الجهاديون أنفسهم الّذين يعتبرون أنفسهم يمثلون الإسلام الصحيح ولا يصدرون في إرهابهم إلّا عن رخصة ودليل من آية أو حديث؟ أيّهما الإسلام؟

في القرآن وجهان للإسلام نفسه، إسلام آيات المحبّة والرّحمة وقبول الاختلاف، إسلام النبي الذي أرسل رحمة للعالمين وبعث ليتمّم مكارم الأخلاق الذي يهادي اليهودي ويتزوّج من مسيحية، وإسلام آيات القتل والأحاديث والآثار التي يقول فيها النبيّ جئتكم بالذبح، ويصف نفسه بالضحوك القتال، ويبيد فيها قرى بأكملها، ويخبر المؤمنين بأن رزقه جعل تحت ظل رمحه، وأنّ الجنة تحت ظلال السيوف، وأنّ الجهاد هو ذروة سنام الإسلام وهو ماض إلى يوم القيامة، وأن من مات ولم يحدث نفسه بالغزو فقد مات ميتة جاهلية.

هناك 500 آية في القرآن تدعو للعنف وعدم التسامح مع غير المسلمين-أي كل 12 آية-وهناك في مقابلها آيات إنسانية بديعة، لكنها مهمشة وغير متداولة في الخطاب الديني والإعلامي.

لكن آيات العنف والقتل هي آيات مفصلات واضحات، رغم أنّ المسلمين المعتدلين يدافعون عن مدنية الإسلام ويرونه بشكل من الأشكال متوافقا مع مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان، ويؤكدون للعالم أن تلك الآيات العنيفة التي يستغلها الإرهابيون إنما اجتزئت من سياقها التاريخي، وأن حركة الزمن وتبدل الأحوال الزمنية والمحلية يجعلها نصوصا تعادل تلك التي نسخت معانيها مع بقاء لفظها، بغض النظر عن مشروعية وجهة النظر التي ترى أن تلك الآيات ما كان ينبغي أن تدون في المصحف من الأساس، إذ أن القرآن باعتباره كلام الله الخالد الأبدي ينبغي أن يشتمل فقط على المبادئ الكونية والمثل العليا والأخلاق الإيجابية الخالدة، ويتنزه عن سياق المواجهات العدوانية والحربية المحلية وحروب التأسيس الأولى، والخطاب الذي يفهم منه خوض حروب دينية لإجبار الناس على اعتناق الإسلام بقوة السيف وقهر الإكراه.

لذلك يجب التّحلي بالوعي النقدي والابتعاد عن الوعي التلقائي بالذّات، وتعزيز النّظرة المقاصدية للدين انطلاقا من مقاصده الأساسية وعلى رأسها حفظ النفس، ومن هنا ينبغي إعادة النّظر في عملية طبع المصاحف بشكلها الحالي، بحيث تلغى منها تلك الآيات الّتي تجاوزها السّياق التاريخي ويخشى منها أن تؤثّر على السّلم العالمي أو يفهم منها دعوة إلى العنف والإرهاب استلهاما لمبدأ النسخ في القرآن ولتجربة المسلمين الأوائل في حذف بعض الآيات كآية “الشيخ والشيخة إذا زنيا…” وهي معروفة بآية الرجم.

أو يتمّ إضافة هوامش توضيحية للقارئ المسلم تبيّن له أنّ تلك الآيات لها سياق زمكاني خاصّ لا ينسحب على العصر الّذي يعيش فيه، ولا تبنى عليها تصوّرات وعقائد تجاه الأفراد والجماعات من غير المسلمين، أو إضافة علامات التّنصيص أو الأقواس للتّحفظ على بعض الآيات اقتداء بحركة تزيين المصاحف وإضافة الشّكل والنّقط وكتابة الأرقام في المصاحف العباسيّة في القرن الثّاني للهجرة.

كما ينبغي أن تنكبّ الهيئات الدينيّة الرسميّة على إعادة تعريف كثيرا من المصطلحات وتعديل عدد من المفاهيم الّتي لم تعد تتوافق مع قيم العصر مثل الكفر والرِّدة وأهل الذمّة وأنّ اليهود والنصارى لن يرضوا على المسلمين حتّى يتّبعوا ملتهم وأنّهم أحفاد قردة وخنازير…

ومن بينها كمثال تلك التفاسير القديمة التي تفسر مثلا المغضوب عليهم والضالين في سورة الفاتحة باليهود والمسيحيين إذ لا يعقل أن يتعايش المسلم معهم -خاصة في الغرب- وهو يقرأ في صلاته اليومية هذه السورة الأساسية وهو يعتقد بتلك التأويلات، كما أن الله الذي يقول “لا تزر وازرة وزر أخرى” لا يمكن أن يجعل الغضب والضلال صفة ملازمة على وجه الإطلاق لكلّ يهودي أو مسيحي جاء بعد قرون من نزول الوحي.

فإن كثرة تلك الآيات في القرآن واستمرار سماع الناشئة لها مع كل صلاة -خصوصا إذا كان الإمام من السلفيين وأنصار الجهادية- ودوام ترددها في استشهادات خطباء الجمعة وتراويح رمضان وإذاعات القرآن والبرامج الدينية على الفضائيات وفِي المقررات التعليمية، كل ذلك يجعل نفوس المسلمين مشبعة بالكره والعداء على باقي الانسانية، وتسهل الطريق أمام الإسلامويين وتنظيماتهم الجهادية على استقطاب شباب المسلمين وتجنيدهم في طريق الإرهاب الإسلاموي.

إنّ هذه الصّورة الّتي يروجها الإسلاميون للإسلام وإهمالهم المتعمد لآيات السلام والتسامح تساهم في شيطنة هذا الدين العظيم، وتعطي صورة مجتزأة وغير كاملة له، لأن كلّ دين فيه جانب الخير وجانب الشر باعتبار السياقات التاريخيّة والثقافيّة الّتي تقلب فيها وأثرت فيه.

إنّ القضاء على أفكار الإرهاب وطاعون الجهاديّة الإسلامويّة الّذي استفحل في الشّعوب المسلمة وفِي غيتوهات المجتمعات المسلمة الإثنية في الشتات الأوروبي؛ يستدعي قرارات جريئة وشجاعة من القادة العرب والمسلمين، فلا يكفي أن يضع أحدهم قُنّة رأسه في الرمال وينفي عن الإسلام ما ينسبه له الإسلامويون الذين يتحدثون باسمه، ويحاربون تحت رايته، ويقطعون الرؤوس وهم يكبرون -لا يكفي ذلك لنفي التهمة عن الإسلام أو وضع حد لهذا الخطر المتنامي الذي يهدد الانسانية جمعاء.

لقد خاض الأوروبيون بجسارة هذه المعركة مع أديانهم يهوديّة ومسيحيّة منذ أزيد من قرنين، وشهدت الديانتان عملية إصلاح شاملة وجذرية بجهود العلماء والأكاديميين المتخصّصين في علم اللاهوت الدينيّ، وطوّروا مناهج حديثة وناجعة تناولت النّص المقدّس بالنّقد المنهجيّ في ما يعرف بـtextual criticism .

وقد آتت تلك الكتب والبحوث والدراسات أكلها وانعكست على الطريقة التي أصبح الأوروبيون بمن فيهم المتديّنون ينظرون بها إلى الدين ومكانه الصحيح في المجتمع، ونزعت جرثومة التعصب والأصولية من نفوس المتدينين، وعززت الحريات الفردية وطوّرت معنى الأخلاق، وجعلت الناس يتخلون بأريحية عن جملة من المسلمات والقناعات المخالفة للقيم والمبادئ المدنية، مقتنعين بأن من مصلحة الدين ومصلحة الحياة أن يكون الإيمان شأنا خاصا بعيدا عن المجال العام، وأن الفصل بين الدين والدولة هو أنجع وسيلة لصيانة الدين والحفاظ على السلم الاجتماعي وانطلاق العقل في اكتشاف العالم دون قيود وأغلال رجال الدين.

في بلاد الإسلام مازالت مثل هذه الدراسات وتلك المناهج التي يمكن إعمالها في دراسة نصوص القرآن والتراث الإسلامي غائبة ومغيّبة، بل إن العلماء والمؤرخين الغربيين الذين بدأوا يهتمون بإعمال تلك المناهج على النصوص الإسلامية يجدون مناهضة في الأوساط الأكاديمية الغربية نفسها ويلقون عراقيل وعقبات في الوصول إلى المخطوطات والنصوص الأولى للإسلام.

ويجد المراجعتيون revisionists، وهم فريق معدود من العلماء الغربيين المرموقين من أمثال الراحلة باتريشيا كرونا وكريستوف لوكسامبورغ وتوم هولاند وكيث سمول وغيرهم- إقصاء ومعارضة شديدة من الغربيين أنفسهم، وكثير من تلك الاعتراضات تأتي من الحكومات النفطية التي تحاول شراء ذمم الباحثين والمؤرخين بملايين الدولارات.

وآخرون ممن تشبث بأمانة العلم ومضى في بحوثه ومؤلفاته النقدية؛ يضطر إلى إخفاء هويته خوفا من فتاوى إهدار الدم التي تنتجها الآلة القمعية الإسلاموية التي تمارس عملا شبيها بالمخابرات في تتبع واستقصاء كل شاردة وواردة تتعلق بالأبحاث والإصدارات الجادة التي تصدر في الغرب، ويعملون على التعتيم عليها وتشويهها والطعن في مصداقيتها ووصفها بالجهود الاستشراقية لما بات لمفهوم الاستشراق من معنى كولونيالي استعماري معاد للدين، رغم أن شمس الاستشراق قد غابت منذ عقود طويلة، أو يصفونهم بالإسلاموفوبيا وهو المصطلح الذي نحتته فلول الإسلاموية في الغرب لحفظ بيضتهم من أي نقد.

وكمثال على المقاومة الإسلاموية المحفوفة بأموال النفط نذكر الفلم الوثائقي الذي يبحث في جذور الإسلام للمؤرخ والروائي البريطاني توم هولاند بعنوان Islam :The Untold Story، فقد عرضته القناة الرابعة البريطانية مرة واحدة ثم اضطرت إلى عدم عرضه مرة ثانية تحت الضغوط التي مارسها اللوبي الإسلاموي الذي يقف حجر عثرة أمام أي جهود تبدل من أجل التوفيق بين الإسلام والحداثة، بينما عرضت نفس القناة وثائقيات تتناول الديانة المسيحية بالنقد وتراجع مسلماتها دون أن يثير ذلك حفيظة الكنيسة أو المجتمع المسيحي.

نلاحظ أن الإسلامويين أصبحوا قوة عالمية، ليس ذلك لمميزات فكرية أو نبوغ عقلي أو عدالة قضية؛ ولكن لأن وراءهم دولا وحكومات وقوى بالغة الثراء تسخّر كلّ إمكاناتها الهائلة وأموالها الوافرة ووسائل إعلام ومراكز بحوث بالغة التأثير وقادرة كل القدرة على إيصال رسائلها إلى جماهير المسلمين من أقصى الأرض إلى أقصاها.

قطر هي واحدة من تلك الدول، والجزيرة هي واحدة من تلك الوسائل، فرغم المظهر التكنلوجي الخلاب واستغلال التقنية والوسائل الدعائيّة الحديثة وطاقات بشريّة تبدو متحضرة ومتمدنة ظاهريا؛ فإنّ المحتوى الإعلامي لا يخرج عن إطار فقه القرون الوسطى والدعاية المغرضة للإسلام السياسي والرجعية الأخلاقية، والجهد الدعائي للقناة موجّه أساسا لدعم السلفيّة على حساب الحداثة، والإسلامويّة في مناهضة العلمانيّة، والإسلام القطبي الحركي لمواجهة الإسلام المدني والليبرالي.

نلاحظ المكر والدهاء في تمرير الرّسائل الهمجيّة، ودعم قوى الإرهاب وخوض حرب الأفكار ضد القيم الغربية الديموقراطية التي تبنتها الدول المسلمة وتعارفت عليها شعوب الأرض في إطار الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

إنّنا أصبحنا نعاني من الإسلامويّة من أبعاد مختلفة؛ البعد الشعبي والبعد الحركي والبعد المؤسّساتي الدولي “محور طهران اسطمبول الدوحة”، وغلبتنا الإسلاموية وربيبتها الوهابية بشقيهما الشّيعي الإيراني والسنّي الخليجي التركي المدعومة بأموال النّفط والغاز على الإمكانيات الهزيلة التي يتوفر عليها الليبراليون ودعاة الدولة العلمانية من العرب والمسلمين.

قد يقوم الفكر المستنير للفكر الظلامي، وينهض المنطق لمقارعة الخرافة، ويزهق حق العلم باطل الجهالة، ويمحق منطق المثقف هرطقات رجل الدين، لكن المال يأكل العقول، ويشتري الضمائر، ويغسل الأدمغة، ويمسخ المنطق، ويستلب الإرادة، ويعكس الوجهة، إنها معضلة معقدة.

المعركة ليست مع الاستبداد العادي، ولا ينبغي أن تكون معه مرحليا، لأن هذا الاستبداد مهما بلغ به الفساد في الحكم والتسلط في السلطة فهو يصدر عن مبادئ علمانية، ويعترف بالقيم الديموقراطية، ويقر بما توافقت عليه البشرية من معاهدات ومواثيق دولية، لا يُقِيمها لكنه يدَّعيها، لا يجحدها ولكنه يعصاها، يحاربها ليس من منطلقات الأيديولوجيا ولكن لطبائع الاستبداد فيه، وهنا يقف.

لكن الاسلاموية التي تعدّ نفسها لتكون بديلا لهذه الأنظمة وجعلت من الربيع العربي الذي انطلق بنفس علماني يدعو إلى الحداثة والديموقراطية خريفا إسلامويا يدعو إلى مُثُل وأفكار القرون الوسطى- هي ليست نظاما استبداديا أو ديكتاتوريا أو حتى فاشيا، هي نظام شمولي وهنا تقف، ومن هذه الأرضية تنطلق وإليها تنتهي، فالنظام الشمولي الإسلاموي له طبيعة النازية وخصائص الهتلرية، فهو يذهب أبعد مما يذهب إليه الاستبداد، إذ يعمل على السيطرة المطلقة على كافة مظاهر الحياة دون أن يتهاون في مساحة مهما كانت لحرية الأشخاص، يُعدِم أي مظهر للفردية أو الحرية الشخصية، يحكم قبضته على عقائد الناس، على القوانين والنظم، على الأخلاق والسلوك، على المظهر واللباس، على السياسة والاقتصاد، على الثقافة والفكر والأدب والعلوم…فالاستبداد يقصي التعددية ويهمشها أما الشمولية فتفني بذرتها من الوجود ولذلك هي ذات طبيعة إبادية genocidial.

لقد كان أتاتورك مستبدا لكن استبداده لم يكن بلا غاية، ولقد أدت سياسته الجذرية والقوية في علمنة تركيا الحديثة إلى نشوء تركيا الكمالية التي رأت في ضوئها الأمة التركية مصيرًا نيرا وتطورا مبهرا للحياة المدنية ودخلت مصافّ الدول المتقدمة من أوسع الأبواب، لكن هذه النهضة الكمالية بدأت تضمحل وتذوى مع تولي حزب العدالة والتنمية الإسلامي سدة الحكم وانتهاجه سياسة الأسلمة المتدرجة creeping Islamization  كما يسميها بعض المفكرين الأتراك، لقد تمكن أردوغان من توجيه ضربات قاصمة إلى العلمانية الكمالية، بدأت بتعديل الدستور من خلال الاستفتاء وملاحقة الصحفيين والتضييق على حرية التعبير وإضعاف دعامتين أساسيتين للعلمانية التركية: القضاء والجيش.

ومن ثم بدأ في نشر أفكار مناهضة للعلمانية وممجدة لتاريخ الخلافة العثمانية على يد العثمانيين الجدد وعلى رأسهم وزير خارجيته داوود أوغلوا، وبدلا من الجهود التي كان تبدلها تركيا في سبيل دخول الاتحاد الأوروبي؛ أصبح اهتمام أردوغان الحالم بالسلطنة والخلافة منكبا نحو السيطرة على العالم العربي.

وشكل مع قطر والإخوان المسلمين الذين يستضيفهم ويفتح لهم قنوات دعائية(قناتا الشرق ومكملين مثلا) للخلافة العثمانية محورا إسلامويا يهدد سيادة الدول العربية على أراضيها ويهدد النظام العالمي القائم على معاهدات ويستفاليا عام 1648 التي أسست لمبدأ السيادة الوطنية وأقرت الحدود الجغرافية، فالنظام الأسلاموي حسب تنظير الأب الروحي للثقافة الإسلاموية سيد قطب لا يعترف بهذه الحدود ولا بتلك السيادة ويعمل على إحلال النظام الإسلاموي الشمولي في إطار دولة الشريعة على أنقاض النظام الدولي القائم على التعدد والتنوع ومنع إقامة الحروب الدينية.

ينظر العلمانيون والليبراليون إلى تونس بعين الرضى والفخر، تونس التي تبدو اليوم كجزيرة علمانية مستنيرةenclave  تحيط بها أمواج من الظلام العربي الإسلاموي من كل الجهات، لقد أسس بورقيبة تونس الحديثة على مثال الكمالية التركية، وظلت النخبة و الطبقة الوسطى القوية في تونس وفية لتلك المبادئ المدنية والقيم العصرية، ورغم محاولات الإسلامويين المدعومين بالنفط والغاز والإرهاب؛ تمكنت حتى مع سقوط نظام بن علي من الحفاظ على شخصيتها المتفردة بعد معاناة ومكابدة.

ولقد كان لتونس أن تكون في مصافّ الدول الأوروبية الأكثر تطورا وتفوقا وديموقراطية، لكنها رزقت محيطا عربيا ينظر إليها شزرا ويجرّها إليه جرّا، ويعتبرها نموذجا مارقا ينبغي مقاومته والقضاء عليه حتى لا تصيب عدواها باقي الحمى، ورغم الانتصارات التي تحققها المرأة التونسية والثورة التشريعية التي تشهدها القوانين التونسية؛ فإنها تواجه من قبل الإعلام النفطي والإسلاموي بأكبر قدر من التجاهل والتعتيم.

فإذا أردنا التخلص من وباء الإسلامويين وباء التخلف وباء الإرهاب وكافة الأعراض المصاحبة؛ فإنه علينا أن نتكفل بِدائِنا بأنفسنا، أن نعود إلى تلك الأصول المقدسة ونعالجها بمناهج النقد والتحليل، وبنظر العقل وقوة المنطق و الجرأة اللاّزمة، لدينا ركام من التراث مئات الألوف من الروايات والأقوال والأحاديث والوقائع، لُجَج يموج بعضها في بعض، خيوط معقدة ومتشابكة شكلت قناعات ومسلمات لا سند لها، علينا تفكيكها بعناية ومثابرة وتصَبُّر، الغرب قدم لنا الأدوات والمناهج والطرق الكفيلة، لكنّه لن يذهب أبعد من ذلك.

فالخطوة الأساسيّة ينبغي أن تنبع من الداخل، من عقول مسلمة أدركت حجم التحدي و قررت أخذ القرار الحاسم مهما كان صعبا وقاهرا، ولا بد بالموازاة مع ذلك التوجه إلى الأجيال الناشئة بحمايتهم من الأفكار المتطرفة من خلال مناهج إصلاحية جذرية لتدريس الدين؛ يظهر فيها الفرق واضحا لا لبس فيه ولا شبهة؛ بين الإسلام المتسامح وإسلام الحركات الإسلاموية، وإلاّ فإنّ الإسلامويين مهما تأخّروا في الوصول فإنّهم قادمون، ومهما سقطوا فإنّهم لا محالة قائمون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق