الذّاكرة المتصدّعة أو سارق الطماطم، أسير النوستالجيا

(1من 2)

شهدت الرواية العربية، خلال حيز زمني ضيق نسبيا لا يتجاوز القرن من الزمان (وهي فترة قصيرة مقارنة بتاريخ الشعر في الثقافة العربية، أو بتاريخ الرواية الغربية) تحولات عديدة في مراحل تكوّنها، فنضجها، ثم حداثتها، فإذا كانت حقبة الربع الأول من القرن العشرين هي مرحلة التأسيس للرواية بوصفها جنساً أدبياً وتأكيد الوجود والهوية الخاصة، فإن عقود الأربعينات والخمسينات والستينات كانت مرحلة نضج الرواية العربية وتأصيل الفن الروائي أو تجذيره ضمن السلسلة الأدبية العربية، ذلك أن الرواية بفضل عدد من الروائيين المتميزين، سارت خلال هذه المرحلة تجاه إرساء جملة من التقاليد الروائية، التي كان لها أثر كبير في مسيرة الرواية لاحقاً، حيث أسهمت هذه التقاليد في بلورة تصور مشترك للرواية إبداعياً وتلقياً، مما مهد الطريق أمام تكوّن ذاكرة روائية حقيقية بعد أن ظلت الرواية العربية لفترة طويلة مجرّد تقليد للتجربة الغربية في هذا المجال (1).

والراوية ليست بمعزل عن النزعة الخصوصية للمجتمعات، فروايات ابراهيم الكوني كانت أشبه بدليل سياحي لليبيا، ويحصل أن تحبّ خان الخليلي من كتابات نجيب محفوظ، أو الشيخ ضاهر وطرطوس واللاذقية من كتابات حنّا مينا؛ الرواية والسير الذاتي والأدب عمومًا، ليس بمعزل عن المجتمع ومشاكله وآلامه وأحلامه، شعرًا أو  نثرًا، ولئن قال شاعر دمشق نزار القباني؛

الشعرُ ليـسَ حمامـاتٍ نـطيّرها  نحوَ السماءِ، ولا ناياً.. وريحَ صَبا

لكنّهُ غضـبٌ طـالت أظـافـرهُ ما أجبنَ الشعرَ إن لم يركبِ الغضبا (2)

فأنا أقول؛ ما أجبن الأدب والأثر إنْ لم يركب الغضبا. أن نكون ملتزمين بمشاكلنا، هو نضال يومي من أجل الانسانية، هو قوت يومي نستطعمه، هو خبزنا اليومي الذي نأكله.

يقول الأستاذ هشام جعيّط؛ في محاضرة ألقاها بمناسبة الذكرى السادسة للثورة، إنّ النظام السياسي، هو من يبلور ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ولئن كانت مرحلة ما بعد – الاستقلال، مرحلة تحديث البلاد، ومرحلة الزجّ بالمعارضين أيضًا في السّجن، فقد مثّلت تلك الحقبة، مادة روائية يُكتب لها وعنها.

لماذا أقتل الآخرين؟ ولماذا يقتلونني؟ لماذا أكرههم ولماذا يكرهونني؟ ”، هذه التداعيات الحرّة والأسئلة العبثيّة يطرحها المجند الفرنسي (فرديناند باردامو أو أناه الأخر بمعنى من المعاني) بطل رواية (سفر إلى آخر الليل) للكاتب الفرنسي (لويس – فرديناند سيلين)، هذا المجند بعد غوصه في الذات الإنسانية ونبشه في تفاصيل حياة الموت واكتشاف عبثية الحرب التي تقوم على القتل والقتل المضاد وانتزاع الحياة من الآخرين، يفر من الجبهة ويتولى يوم الزحف، خلال حرب الفرنسيين ضد الألمان (الحرب العالمية الأولى)، كتب سيلين روايته أواسط الثلاثينات من القرن العشرين قبيل الحرب العالمية الثانية مستلهما بعض تفاصيل الحرب العالمية الأولى، حيث أنّه كان طبيباً بالإضافة لكونه روائيّا، وكوّن من تجاربه في الاغاثة على جبهات الحروب زادًا برز في روايته، خاصة بعد أن اكتشف عبثيتها التي سيطرت على جيل أوروبي بأكمله..

وباعتبار أنّ علاقة الفن بالحرب، السجن، الفقر، المأساة، هي علاقة عضويّة، لا يكتمل أحدها إلّا بحضور الأخر، كانت شهادات السجون ترجمانًا للسجن وأحواله، تعصرها وتسكبها روحًا بلا جسد في الأدب أو السينما أو المسرح أو الشعر.  حيث مثّلت مادّة روائية شيّقة تجد من يسمعها من جهة، وفضحًا للأنظمة السلطوية والشمولية من جهة آخرى. ولأنّ الأدب مأساة أو لا يكون كما عبّر محمود المسعدي، برزت في الآونة الأخيرة عدّة أعمال روائية، سير ذاتية، سير غيريّة، وبورتريهات وغيرها.. ولئن اختلفنا في تصنيفاتها، فإننا لا نستطيع تقويضها والحطّ من قيمتها الفنيّة. باعتبارها خرجت من عالم لا نسمع عنه إلّا همسًا.

ولئن كانت النظرية الأدبية والثقافية المعاصرة، تزعم بطريقة متزايدة، فكرة التمركز الثقافي للسرد، فهذه الفكرة ترى أنّ السرد هو شكل جوهري للمعرفة، وأنّ القصص والحكايات ’’هي الطريق الرئيس الذي يمكّننا من فهم الأشياء، سواء من خلال التفكير في حياتنا بوصفها تسلسلا دالا على مكان ما، أو من خلال إخبارنا عما يحدث في العالم‘‘ (3).  حيث تحطّ من قيمة الذات الساردة حتى تؤول بها إلى أن تكون حلقة وصل بين المستمع والقارئ. فلئن كان الشرح العلمي يفهم الأشياء من خلال وضعها تحت قوانين معينة، باعتبار أنّ الفكر الابستمولوجي، – يتميّز بإخضاعه لنفسه، في مسميّاته بالذات، إلى الفكر النقدي-  فإنّ الحياة عموما لا تشبه ذلك، ولا تتبع منطق القصة أو الحكاية، وتصبح الحياة نفسها، كما يطرح “بول ريكور”، سلسلة من المتواليات السردية، ويصبح السرد واقعًا معيشا (4)؛ أو بعبارته الأثيرة: ’’إن القصص تُروى ولكنها أيضا تُعاش على نحو متخيّل‘‘ (5).

على هذه الشاكلة كان كتاب الصادق بن مهني؛ المعنون بـ”سارق الطماطم، أو  زادني الحبس عمرًا”، كتاب لا يقرأ ،لا يُسمع، وإنّما مغامرة تُخاض في أتون السجن، مأساة تراجيدية اجترحها من شقوق الذاكرة، وعلى شاشة الذاكرة المتصدّعة يروي الكاتب؛ تفاصيل الحياة في السجن، عن التعذيب الممنهج، عن البوليس السياسي وأعوان سلامة أمن الدولة، عن الاعتقال، عن البطش والاستفزاز، لم يكتب الصادق كتابه بحبر وقلم، وإنّما كتب بمعول وفأس يهوي بها على صخرة الذاكرة، عن التمزّق النفسي، عن هلاكه، عن التشظّي الذاتي في الدروب الوعرة، كتب الصادق بن مهني عن هلاكه، مثل سحابة حمراء عبر كامل تاريخ ذلك السجن، برج الرومي، سحابة ترتسم بشكل غامض إبان فترة سجنه، تجربة دوّنت نفسها بأحرف بيضاء على رايات الانتصار، سحابة تغذي النار الحمراء للمناضلين.

الذّات المناضلة؛ سارق الطماطم:

أثار السرد الذاتي، منذ ظهور النصوص الأولى التي انتسبت إليه، أسئلة كثيرة وجدلا واسعا، وذلك بسبب وقوفه في منزلة بين جنسين أدبيين معروفين ومكرسين هما: الرواية والسيرة الغيرية، مستمدًا أدواته وآلياته منهما جميعًا في الوقت نفسه، وعلى المستوى النصي الواحد، غير منحاز بالكلية إلى أحدهما على حساب الأخر، فمن الأوّل يستمد مشروعية التخيّل، بكل ما يتيحه التخيّل من حرية مطلقة في بناء الأحداث والشخصيّات، خصوصا الفضاء المكاني، ومن الثاني، يستمدّ مشروعية الذات والمرجع، إذ تؤسس الذات محوريًا لتصير القطب والمناط والمبتدى والمنتهى، تبصر العالم، وتستعيد الأحداث السابقة، تحللها وتعلق عليها وتستكنهها وتعيد تأويل تفاصيلها وفق منظورها الراهن بمحموله من خراب الحياة والتجارب والثقافة، وتمارس من حيث –تدري أو  لا  تدري- أسمى تمظهرات النرجسية الأدبية؛ لأنّ السارد فيها هو الكاتب نفسه، وليس راويا تخيليا ينوب عن الكاتب نيابة أدبية وأخلاقية. (6)

أحداث الكتاب، تختزل ردحًا من معاناة جيل كامل، هي ليست معركتك وحدك صادق بن مهني، هو ليس ثأرك وحدك يا صادق بن مهني؛ “قليلًا من الحق في هذه السنوات القليلة، إنه ليس ثأرك وحدك، لكنه ثأر جيلٍ فجيل.. وغدًا” (7). هي جيل يسار شُتِّتّ بين المنافي والسجون، هي سيرة ذوات تعذّبت، سيرة سجين، قضّى أيامه يصفّي حسابه مع الأيّام، لم يجني من النضال سوى الهمّ والغمّ؛ النظام طاحونة كبيرة تجلس بمؤخرتها على أحلامهم، وهم مجموعة من الذباب المتناثر، سيرة سجين، ألهب الانتظار صدر  أمه، لم يجني سوى الشقاء، هجر سعادة القطيع، وراح يهذي بتعليمات لينين، سيرة سجين، ترك الممكن، وواجه المستحيل، سيرة سجين تقوّس ظهره وهو يقطف الديمقراطية وحقوق الإنسان، من سلّة الوهم الإشتراكي.

ومن السجن -المسرح الرمزيّ لأحداث الكتاب- ذلك  الطيف الحالك الذي يجثم قابعًا على خيالهم وطيفهم، كانت حكايات الكتاب وطرائفه، عن مأساته، عن الظلم، عن الشبق المكبوت في أقبية لا إنسانية، عن الشرّ حين يخرج من طوره، عن الجلّاد، عن الموت بالتقسيط، حيث نسجت العناكب خيوطها على أحلامهم، يقول  الكاتب؛ نمت فور أن أغلقوا عليك باب الزنزانة، ثم تحيّرت أيّ السطلين البلاستيكيين المتماثلين شكلًا ولونًا وسعة، أيّهما لقضاء الحاجة، وبأيّ رياضة يمكنك أن تستغيث لتقدر على اعتلاء ذلك الذي تختاره مرحاضًا. (8)

الإمتحان الأوّل.

نجح الصادق بن مهني – والحق يقال- إلى حين، في تجاوز الإمتحان الأوّل الذي يعدّه للقارئ والناقد، وهو شدّ الانتباه، وإبعاد أيّ لبس أو ملل حول الكتاب، الكتاب يبدأ بعد الثورة، منذ سنتين تقريبًا، حين يأتي سمكري، لم تكن جمعته بهِ معرفة سابقة، هذا اللقاء غير المبرمج، كان شعلة ألهبت نار الحديث، نار اتقّدت في خواء الكاتب، نار الحديث الذي انطلق من موضوع إلى موضوع، ومن سؤال عن الكتب، إلى السجن والإيقاف والتعذيب. وبنظرة خلفية (flashback)، يقف الصادق بن مهني على أطلال الوجود وهو يعزف سيمفونية حياته، ينتقل الكاتب الى مرحلة مبكّرة جدًا من حياته، كقطار من محطّة إلى محطّة.. في تسلسل زمني يفاجئ القارئ، حتى نجد أنفسنا في الفصل الثاني من الكتاب.

,,أنت الأن فتى عشرينيّ نحيف إلّا رأسك الممتلئة أحلاما للنّاس تمضي بخطى أردتها واثقة رغم الشكّ بل التأكّد تدخل تلك الدّار بواد قريانة الّتي تركتموها على عجل قبل أسبوعين تحسّبا من أن يكشفها حمّه الذي وقع بالصّدفة، أو هكذا سيشيع، بين أيدي البوليس السياسي الّذي كنتم تتخفّون عنه منذ عام أو أزيد،، (9).

هكذا، بدأت مغامرة، أرادها الكاتب أن تسرد بطريقة درامية ومشوّقة أكثر، كُل فصل يمضي في التشويق أكثر، وكلّ فصل يوغل في تفاصيل الموت، في نسج خيوط التعذيب، عن أقبية الداخلية، كيف يُربّى الجلاّدون على الجِلْدِ والجَلَدِ، عن الشرّ حين يخرج من طوره، عن الساديّة والتعذيب.

يتبع، في علاقة بملفّ أدب السجون في تونس.

********

المصادر:

بن مهني، الصادق، سارق الطماطم ـ أو زادني الحبس عمرا، (سراس للنشر، تونس، 2017).

المراجع:

  1. خليفة الغيلوفي، الرواية العربية.. من تأسيس الهويّة إلى رهانات الحداثة، سلسلة عالم الفكر 171 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2017)، ص57.
  2. قباني، نزار، من مفكرة عاشق دمشقي، قصيدة اعتذار لأبي تمّام، (بيروت، منشروات نزار القباني، 1971).
  3. برادة، محمد (2011)، الرواية العربية ورهانات التجديد (دبي: كتاب مجلة دبي الثقافية).
  4. الرافعي، طالب (2009)، الثوب، الطبعة الأولى (دمشق، سورية، دار المدى للثقافة والنشر).
  5. ريكور، بول (1999)، الحياة بحثا عن السرد، ضمن كتاب: الوجود والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور، ترجمة وتقديم: سعيد الغانمي (بيروت والدار البيضاء، المركز الثقافي العربي).
  6. عبد الله شطاح، تسريد الذات بين الرواية والسيرة الروائية.. المرجع والمتخيل، سلسلة عالم الفكر 171 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2017)، ص9.
  7. دنقل، أمل، الأعمال الكاملة، (مصر، مكتبة مدبولي، 2005) الطبعة الثانية.
  8. بن مهني، الصادق، سارق الطماطم أو زادني الحبس عمرًا، (تونس، سراس للنشر، 2017) ص 34.
  9. بن مهني، الصادق: سارق الطماطم أو زادني الحبس عمراً، ص19.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. طائر حرّ

    مقال استثنائي، رغم أنّ صاحب المقال كما يبدو، متعصّب للأيدولوجيا الشيوعية إلّا أنّه يفيد القارئ..

    1. أسامة سليم

      شكرًا لمرورك، لست متعصّباً أبدًا، لست مؤدجًا أو شيوعيًا كما يبدوا لك صديقي، المقال في مجمله يمثّل قراءة في كتاب لمناضل ماركسي ينتمي لمنظّمة ,,أفاق،، اليسارية، يتحدّث فيه عن ذكرياته في السجن، وعن التعذيب.. لذلك وجب التطرّق في بعض مواضع المقال إلى البعد الفكري للكاتب وتصوّره.
      قراءة طيّبة.
      فائق مودّتي.
      أسامة سليم، صاحب المقال

أضف تعليق