الروائي اللبناني عصام حمد يحتجّ على غياب القارئ العربيّ

"إم 44 الفلسطينيّة" تنتقل إلى لغة شكسبير

لم يوفق كثيراً القاصّ والروائي اللبناني عصام حمد في روايته “إم 44 الفلسطينية” أو  “The Palestinian Centipede” بتحويل زعماء الحرب اللبنانيّة وعناصرها والمتورطين بها من الداخل والخارج إلى رموز حيوانيّة في غابة تسيطر عليها الحشرات. لعلّه أراد أن يحذو حذو الحكيم الهندي بيدبا في كتابه الشهير “كليلة ودمنة” الّذي ألّفه لملك الهند دبشليم، مستخدماً الحيوانات والطّيور كشخصيات رئيسيّة فيه، وهي ترمز في الأساس إلى شخصيات بشريّة وتتضمّن القصص عدّة مواضيع من أبرزها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بالإضافة إلى عدد من الحِكم والمواعظ. بيد أنّ حمد الّذي أعاد كتابة روايته بالإنكليزيّة مع بعض التّعديل، بقي غارقاً في المباشرة وأفقد عمله البعد الرمزي الّذي ينبغي أن يبقى في حدود التخيّل لا أن يجنح إلى الواقع بهذا الشّكل العفوي.

العرب ولغة شكسبير

يحتجّ حمد على غياب القارئ العربيّ وعدم حصول مؤلّفاته على اهتمام كاف من الصّحافة والقرّاء العرب، فيهجر لغة الضّاد ويتّجه بحكم اتّقانه للغة الإنكليزية إلى كتابة قصّتين ورواية (من أعماله التي كتبها بالعربيّة) بلغة شكسبير.

في روايته “إم 44” الّتي ترمز إلى حشرة (تسمّى بهذا الإسم في لبنان بسبب وجود 44 رجلاً لها وهي سامّة)، بدأت الحرب الأهلية اللبنانيّة في العام 1975 حين قام بعض الصبية برش حافلة تحمل عشرات الفلسطينيين، بالمبيدات الحشريّة. قطعت الحافلة (بوسطة عين الرمّانة كما عرفت من يومها) المنطقة ذات الأكثريّة المسيحيّة في الضاحية الشرقيّة للعاصمة اللبنانيّة بيروت، كان الركّاب الفلسطينيون داخلها يلوحون بأيديهم من النّوافذ على الجانبين. صبية الحي الّذين كانوا يقفون على جانبي الطّريق اختلط عليهم الأمر فلم يعودوا يميّزون بين الحشرات وبين من يعتبرونهم حشرات بسبب نظرتهم العنصريّة إلى الشّعب الفلسطينيّ اللاّجيء في لبنان.

ينقل على لسان كمال جنبلاط “كبير الصبية المسلمين” كما يسمّيه حمد في روايته، قوله “كيف يمكن لهؤلاء الوحوش رشّ حافلة مليئة بالفلسطينيين؟.. لقد تمّ تحشير هؤلاء النّاس (تحويلهم إلى حشرات)”.

يردّ بشير الجميل “كبير الصبية المسيحيين” على جنبلاط بالقول: “ما رشه أصدقاؤنا في عين الرمّانة هو حشرة إم أربع وأربعين، هذه الحشرة عضّت رجلاً يدعى جوزف أبو عاصي”.

لعبة رشّ المبيدات

انخرط الصبية في لعبة رش المبيدات، وبدأت عمليات رشّ السّموم، وانقسم الصبيان اللبنانيون؛ مسلمون ضدَّ مسيحيين، “النّاس الكبار فوجئوا بكثافة الغازات السامّة في الهواء ولم يستطيعوا شيئاً سوى أن يزحفوا الى جانب الجدران، ويهبطوا إلى الطوابق السفليّة من منازلهم حيث لجأوا إلى حجرات المؤونة والمراحيض واستقروا هناك يترقَّبون ويستمعون إلى أصوات الرشّ في الخارج”.

هنا بدأ حمد يتعامل مع البشر كحشرات تتحوّل تدريجياً من طبيعتها البشريّة إلى طبيعة حيوانيّة حشريّة. فسمّى السّجن بالزّجاجة والمخطوفين الأسرى لدى هذه الجهة أو تلك بالصراصير والفراشات، والّتي يتمّ تبادلها في وقت لاحق من قبل الفتيان، قاصداً عمليات تبادل المخطوفين الّتي كانت تتمّ بين الميليشيات اللبنانيّة.

يبسّط الروائي اللبناني قضية الحرب اللبنانيّة وأبعادها الإقليميّة والدوليّة حين يحسر أطراف الحرب بشخصيتين أو زعيمين لبنانيين إقطاعيين هما: كمال جنبلاط حليف الفلسطينيين “الوطني” العروبي وبشير جميل حليف إسرائيل “الانعزالي”، حيث تدور المنافسة بينهما على إدارة حديقة التوحش. بدأت التّدخلات الخارجيّة فقفز “الفهد” السعودي فوق السّياج الواطئ الى داخل الحديقة اللبنانيّة وتحرّك “الأسد” من الغابة السورية، فيما كانت “الدبابير الخضراء الفلسطينيّة” تحفر أوكارها تحت الأرض في الحديقة اللبنانيّة.

الدبابير الفلسطينيّة

يوجّه بشير الجميّل قائد الميليشيات المسيحيّة (أصبح رئيساً للبنان في العام 1982 بدعم جيش الاحتلال الإسرائيليّ)، صبيانه نحو مخيم تل الزعتر في بيروت الشرقيّة، لقتل من فيه متذرعاً بأنّ “هذه الدبابير الغريبة” هي السّبب الرئيسي لتدهور الوضع في الحديقة اللبنانيّة. لكن جنبلاط يذكّر الجميل بالأصل الإنساني لهذه الدبابير قبل أن يتمّ “تحشيرها”. يلعب جنبلاط هنا دور المدافع التاريخي عن القضية الفلسطينيّة؛ فالفلسطينيون لم يكونوا حشرات لكن “هم أناس مثلنا، وأقارب لنا.. تمّ تحشيرهم في العام 1948 وطُردوا من وطنهم، فلسطين، من قبل الشركة الإسرائيليّة لمكافحة الآفات الّتي تأسّست بشكل غير قانوني هناك.. لقد لجأوا إلى حديقتنا، وينبغي أن نساعدهم على العودة إلى فلسطين، وليس إبادتهم! “لعبة الأطفال في الحديقة الصّغيرة تأخذ أبعاداً خطيرة”.

يعتبر الكاتب أنّه “من المؤكّد أنّ الدبابير الفلسطينيّة الخضراء لن تُحلّق داخل أعشاشها وتنتظر أن تُقتل؛ بعيداً عن ذلك، استعدت هذه الدبابير للدّفاع عن أنفسها وصغارها ضدّ أولاد البشير، الّذين يحاصرون تل الزّعتر. سيحاول الفلسطينيون في المقام الأول العودة إلى ديارهم في أسراب صغيرة ومهاجمة المستوطنين اليهود في الجليل عبر الحدود بين فلسطين والحديقة اللبنانيّة”.

العملية الصهيونيّة

العملية الصهيونيّة “تُحشّر الآلاف من النّاس، اللبنانيين والفلسطينيين على حدّ سواء وتبيدهم في الطّرقات والمنازل والملاجئ، بذريعة أنّها “أضرار جانبية” أو “آثار جانبيّة”، كما يقول رئيس حكومة العدو الأسبق الرّاحل آريل شارون. وستهيج الدّبابير للدّفاع عن الأرض و النّاس المحشّرين– لا الدّبابير الخضراء الفلسطينيّة وحسب، بل الحمراء اللبنانيّة، والسّوداء والصّفراء… ففي الوقت نفسه ستظهر دبابير جديدة لبنانيّة (المقاومة الوطنيّة وفي ما بعد الإسلاميّة) في بيروت الغربية المحترقة للدّفاع عن حديقتها المحبّبة وبعد ذلك في الجنوب والبقاع الغربي.

بهذه الصّورة الّتي لم تستقر في مقام الرّمز الأدبي وبعده المُتخيّل، ظلّ حمد أسيراً للواقع الّذي أصبح معروفاً لكلّ النّاس، فبدلاً من كتابة عمل أدبي يوظف الوقائع في رواية رمزيّة، جنح إلى التّوضيح والشّرح كأنّه يكتب سيرة تاريخيّة لقرّاء لا يعرفون شيئاً عن الحرب اللبنانيّة وعناصرها والمتورطين بها.

لقد ضاع حمد بين نحت عمل جمالي هادف يشبه إلى حدّ كبير “كليلة ودمنة” وبين محاولة كتابة تاريخ الحرب اللبنانيّة والمسألة الفلسطينيّة، مستخدماً أرشيف الصّحافة والأحداث الّتي عايشها أو المعلومات الّتي أخذها عن أسلافه ممن عايشوا هذه الحرب.

أعمال أخرى

عصام حمد قاص وروائي لبناني ولد في العام 1969 في بيروت، درس العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة. لكنّه اتّجه نحو كتابة القصّة القصيرة الّتي تميزت بجرأتها وتجاوزها لحدود التابو من التّعابير والأوصاف والإيحاءات، فصدرت مجموعته القصصيّة الأولى عن دار “عشتروت” في بيروت بعنوان “المُنعطف المُضاء” في العام 2004، أمّا روايته الأولى “طموح مخطوطة” صدرت العام 2005، وهي قصّة رمزيّة عن أوراق بيضاء تبحث لها عن كاتبٍ يُعطيها، بكتابته فيها، قيمةً ومعنىً.

كما صدرت مجموعته القصصية الثانية “أوَّل آكلٍ للحم الحيوان” في العام 2008، وهي من نوع الأدب الإيروتيكي الرّمزي- أشهرها القصة القصيرة التي يحمل الكتابُ عنوانها- وهي قصة فتى مُراهق اسمُه ياسر، يعيش في قريةٍ لا يأكل أهلُها إلا الطعام النباتي، في حين يشعر هو بالرّغبة في أكل لحم الحيوان.

بخصوص روايته ما قبل الأخيرة “في وجهك يا وقح”، فهي سياسيّة ساخرة، وُصفت بأنّها جريئة جداً. نُشرها الكاتب بالتّسلسل في مطلع العام 2011 على مدونته الخاصّة، إذ لم يتجرَّأ أحدٌ على نشرها. من القصص الّتي عاد وكتبها باللّغة الإنكليزية وصدرت عن “آمازون” “المتعريّة” (The Stripper)، و”الرّجل الّذي رفض أن يُدفن (The Dead Man Who Refused To Be Buried).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق