مقتطف من كتاب أفكار لأزمنة الحرب والموت لفرويد

العامل الرّاهن الّذي أعزو إليه شعورنا بالغربة في هذا العالم الّذي كان في يوم مّا جميلا وملائما هو الاضطراب الّذي وقع في موقفنا إزاء الموت. وهو موقف كنّا في السّابق نتشبّث به بكل قوة… وقد كنّا مستعدّين لأن نعتقد أن الموت هو النتيجة الضروريّة للحياة، وأنّ كلّ فرد يدين للطبيعة بدين وعليه أن يتوقع سداد الفاتورة…وباختصار فإنّ الموت طبيعي، لا يمكن تفاديه ومع ذلك فإنّنا في الواقع كنّا معتادين على أن نسلك كما لو كان الأمر خلافا لذلك. فكنّا نبدي ميلا… لأن نترك الموت “على الرّف” وأن نزيله من الحياة… والمقصود هنا موتنا نحن طبعا. وأن موتنا هو بالفعل أمر لا يمكن تخيله وكلّما حاولنا أن نتخيّله ندرك في الواقع أنّنا نعيشه كمتفرجين… وعاداتنا هي أن نضع كلّ التّركيز على العلّة العارضة للموت: حادث، مرض، عدوى، تقدم في السّن… وبهذه الطّريقة تفضح محاولاتنا لتعديل دلالة الموت من ضرورة إلى عرض.

ومن الواضح أنّ من شأن الحرب أن تجتاح هذه المعالجة التقليديّة للموت. فلن نعود نكرّر الموت فنحن مضطرون لأن نؤمن به لأنّ النّاس يموتون حقّا. ولم يعودوا يموتون الواحد بعد الآخر. وإنّما يموت الكثير منهم في وقت واحد وغالبا ما يموت عشرات آلاف في يوم واحد، كذلك لم يعد الموت موتا عرضيا. ومن المؤكّد أنّه لا يزال مسألة صدفة إذا كانت رصاصة معينة تصيب هذا الرّجل أو ذاك. و لكن الّذي يبقى على قيد الحياة يمكن بسهولة أن يصاب برصاصة أخرى، و يضع التراكم نهاية للانطباع بأنّ الموت عرضي. لقد أصبحت الحياة في الحقيقة مثيرة للاهتمام من جديد، لقد استعادت الحياة أهميتها كاملة.

******

المصدر:

س. فرويد: أفكار لأزمنة الحرب والموت، ترجمة: سمير كرم، دار الطليعة للطباعة والنّشر، بيروت، الطبعة الثانية، حزيران (يونيو) 1981.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق