مدينة سيزان تستحضر أعمال تال كوا بمئة وثمانين لوحة بين الطّبيعة والتَّجريد

 

يحظى رواد الثّقافة الفنيّة هذه الأيّام في مدينة إكس- إن- بروفانس الفرنسيّة الجنوبيّة، بمشاهدة لوحات الفنّان التشكيلي الفرنسي بيير تال كواTAL COAT، إذ خصصت له إدارة متحف غراني GRANET مساحة تتجاوز الـ500 متر مربع لعرض ما لديها من أعمال تجريديّة -على الخصوص- تحت عنوان “الحريّة الشرسة للرسم”، فيما كانت أعمال أخرى تزيّن جدران صالة الفنون في مكتبة ميجان وسط المدينة تحت عنوان “لغة الفنّ”.

يستمرّ المعرضان اللّذان افتُتحا في 18 نوفمبر الماضي، حتّى 11 مارس 2018، حيث يتاح لمتذوقي الفنّ التشكيلي الاستمتاع بمعرض استثنائي للرّسام التّجريدي، وهي  مجموعة موجودة لدى متحف غراني – AIX-EN-PROVENCE  منذ العام 1985، تمّ تعزيزها بلوحات أخرى تبرعت بها مؤسّسة فيليب ماير في العام 2000.

رحلة الستين عاماً

المعرض الّذي يُشرف عليه كبير أمناء متحف غراني جان- باسكال ليغر وبرونو إلي، هو عبارة عن رحلة تتجاوز ستين عاماً من فنون الإبداع التّصويري لدى بيير جاكوب ديت تال كوا (1905-1985)، وتتضمن نحو 180 لوحة منذ بداياته التصويرية وأحياناً التعبيرية إلى الفترة التجريديّة الّتي واصل فيها بقية مسيرته الفنيّة، خصوصاً بعد إقامته في إكس (1940-1956)، حيث تطوّر فنه إلى مستويات عالميّة في مدينة الفنّان بول سيزان (1839-1906).

من هنا، هدف متحف غرانيت لإظهار ثراء إبن منطقة بريتاني (شمال غربي فرنسا على المحيط الأطلسي)، جنباً إلى جنب مع اللّوحات المائيّة لسيزان المعروضة في الطابق الأرضي من المتحف نفسه. لعلّ هذا الجمع بين عملاقين تشكيليين فرنسيين واحد من الشمال وآخر من الجنوب يشير إلى كيفية استلهام تال كوات سيزان في أعماله الطبيعيّة، خصوصاً، حيث اختار الإقامة في مدينة إكس- إن – بروفانس، في قلب المناظر الطبيعيّة والأماكن الجميلة الدافئة نسبياً.

“لغة الرّسم”

في مدينة الكتاب، la cité du livre ، حيث مكتبة ميجان، قامت مؤسسة سانت جون بيرس بتنظيم المعرض، حيث ظهرت لوحات تال كوات مع كلمات صديقه الشاعر آندريه دو بوشيه (1924-2001) تحت عنوان “لغة الرّسم” لتبين أهميّة تناغم التّعبير مع الألوان الهادفة في عمليّة توليفيّة جماليّة تجعل الريشة تنطق شعراً وترفد الكلمات بألوان الرّسم التجريدي العميق. هذا المعرض تمّ تنظيمه في إطار سلسلة من المعارض شهدتها كل من مدن كولونيا، ميونيخ، باريس، بريتاني النورماندي ورويال وأوزي، فضلاً عن المنشورات الجديدة.

تعود علاقة الشاعر دو بوشيه مع تال كوا إلى العام 1948، عندما كان الرسّام يقيم في قصر نوار، على إحدى تلال إكس-إن- بروفانس. وقد أسس كلاهما مع الفيلسوف هنري مالديني، أفكاراً مشتركة وخبرة في الرّسم والشّعر.

محطات من حياته

ولد تال كوا في العام 1905 في Clohars-Carnoët، على بعد عشرة كيلومترات من كويمبيرل (فينيستير) في مقاطعة بريتاني. قتل والده في العام 1915 على جبهة أرغون. في العام 1918 بدأ ممارسة هوايته في الرّسم والنّحت، إلى أن أصبح محترفاً في العام 1924، حيث رسم بقلم الرّصاص والفحم، سجن الباستيل ومشهد الريف في بريتاني إضافة إلى أشخاص عديدين.

العام 1924، كان عام وصوله إلى باريس، حيث التحق بـأكاديميّة la Grande Chaumière، وفي العامين 1925 و 1926، قام بأداء خدمته العسكريّة في باريس أيضاً.

أمّا معرضه الأول فقد نُظّم تحت اسم مستعار هو بيير جاكوب، في صالة فابر الّتي كان يشرف عليها هنري بينيزيت، وكان عنوان المعرض  “جبهة الخشب” في بريتون.

تعرّف تال كوا إلى العديد من الكتاب والفنانين في باريس في العام 1930، من بينهم الرسام والكاتب فرانسيس بكابيا، الروائي أرنست همنغواي، الشاعر الأميركي غيترود شتاين والنّحات دييغو غياكوميتي وغيرهم.

وفي العام 1936، رسم العديد من اللوحات الاحتجاجية على المجازر التي ارتكبت خلال الحرب الإسبانية.

“رسام الرّسامين”

في العام 1938 عرض أعماله في “معرض جوليان ليفي” في نيويورك. كما عرض في العام 1975 لدى “متحف أوينو الملكي” في طوكيو، و”متحف الهواء الطلق” في هاكون في اليابان.

لطالما زينت لوحات تال كوا صالات العرض الفرنسية الأكثر شهرة (بين العامين 1943 و1950 عرض أعماله بشكل منتظم ومتواصل في “غاليري دي باريس”)، فيما مثّلت لوحاته فرنسا في المعارض الدولية الكبرى، فزارت الولايات المتحدة واليابان، و”بينالي –البندقيّة” و”دوكومنتا” في مدينة كاسل الألمانيّة. لعل لقب تال كوات “رسام الرسامين”، يتّخذ اليوم مكانه الصحيح في تاريخ الفنّ.

بعد مكوثه في إكس –إن في العام 1940، تزوج تال كوا من كزافيير انجيلي التي توفيت في العام 1970، وفي العام 1942 رزق بابنته الأولى بييرت. ترك تال كوات إكس في نهاية العام 1956 واستقر في فورجس ليه باين، بالقرب من ليمورس، في منزل جان بازين، وفي العام 1958، انتقل إلى بريويل، بالقرب من شيفريوس، حيث أقام في استوديو فرناند ليجر السابق.

بعد وفاته في شارترزو دي دورمونت في11 يونيو 1985، ظل تال كوات حاضراً بتراثه الفنّي فاستمرّت لوحاته تزور المعرض تلو الآخر عبر العالم. لقد بدأ الرسّام الفرنسي حياته رسامًاً ونحاتاً، فرسم الطبيعة والوجوه والأشخاص، ثمّ تحول تدريجياً بين مدارس فنية جعلته يغتني بتنوع أعماله الّتي رست على الفنّ التجريدي. واستخدم بشكل مكثف الألوان المائيّة لتصبح اللّوحة أكثر إشراقاً من أي وقت مضى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق