عن اليسار والطّغيان

ربّما كانت الثّورة السورية، لحظة كبرى لنتأمّل الفصل الأخير من مشهد السّقوط الأخلاقي لليسار العربي، بعد عدّة تداعيات وإرهاصات ونكوص، كان اليسار العربي يولد من رماده لينبعث حيًا كطائر العنقاء في الميثولوجيا الكنعانيّة، حارب الاستبداد، ناصر جميع القضايا التحرريّة وعلى رأسهم القضيّة الفلسطينيّة، حارب الإرهاب والاستبداد، وشهر بسلاح نقده للأوضاع المزرية، حتّى ولو تعدّدت تمفصلات اليسار العربي وتوجّهاتم ومحاورهم، بين تيّار إصلاحي وأخر  ثوري.

لا يخفى على أحد أنّه في كلّ دولة عربيّة مستبدّة، كان اليسار هو من يدفع الضريبة الباهظة، سواء بالنّفي والسّجن والاعقتال وحتّى الإعدام، فقد تمّ إعدام الشيوعيين والعروبيين التوّنسيين في عهد الراحل الحبيب بورقيبة ( أحداث قفصة/ تونس، سنة 1980)، وكذلك في عهد صدّام حسين (الإعدام الجماعي للشيوعيين العراقيين عام 1978) وغيرهم في جميع الأقطار العربيّة، من مغربها إلى مشرقها.

ولكن، ورغم هذا التّاريخ الحافل والزّاخر بالنّضالات والتحررّ لليسار، كان موقف اليساريين من الثّورة السورية، مخيبًا للآمال، اليسار العربي، الّذي استبدل بيريّه شي غيفارا بعمامة الخميني،  متناسيًا آلام شعب بأكمله، بين هروب وهجرة ونفي واعتقال وإعدام، اليسار العربي، الّذي أصبح يستحضر بطولة بشّار الأسد، باعتباره الأداة الفعّالة في مواجهة الأعداء الأساسيين (أمريكا والكيان الصهيوني) والأعداء الثانويين (داعش والتنظيمات الأصولية) حسب تصوّره، الّذي لا ينمّ سوى عن طفوليّة، مختزلًا الوضع في سوريا، في معادلة شطرنجيّة ضيّقة لا تقبل آيّ طرف ثوري ثالث، تحرري، يؤمن بالعدالة الاجتماعية وينادي بالديمقراطيّة.

هل هذا يسار؟

أعلام ورايات، مطرقة ومنجل وسيف ذو القفّاز؟ آيسار هذا؛ لربّما أفهم مساندة حسن نصر الله للأزمة السوريّة والعداء والكره الّذي يكنّه للثورة، لتقارب كليهما في المرجعيّة العقائديّة، حسن نصر الله، الّذي بارك الثّورة التونسيّة والليبيّة والمصريّة، ولكنّه كان في آن من أوائل أعداء الثّورة السوريّة.

لكن، ما الّذي يبرّر مساندة اليسار للسفّاح؟ ما الّذي يجعل من اليساري متعطِشًا للدماء، مستكملين بعض رجولتهم المبتورة على شعب، وجد نفسه بين نيران الإرهاب والاستبداد، ما الّذي يجعل من اليسار الطغياني على حدّ عبارة عدي الزعبي يحتفي بستالين وماو، ويدافع عن طغاة العالم الثّالث، العرب وغير العرب.

هل هذا يسار؟

في سنة 1966، صدّح المفكّر السوري ياسين الحافظ بضرورة الثورة الكليّة، على الاستعمار والاستغلال والتّفكيك الشوفيني للبنى الاجتماعيّة، وفي سياق أخر، تمّ تثبيت بمعيّة العديد من اليساريين السوريين من طرابيشي إلى إلياس مرقص وصادق جلال العظم؛ الأقانيم الثلاثة لليسار، أي ما يجعل من اليسار يسارًا، كالقضيّة الوطنية (التأميم، اللاّ-تبعيّة، الحريّة) والمسألة الاجتماعية (العلمانيّة، تفكيك البنى الاجتماعية التقليديّة، ومحاربة العادات البالية التي عفى عنها الزّمن) وإشكاليّة الحداثة (حريّة الضمير والمعتقد)، لنجد اليوم انشطار  الآراء وتباين المواقف. تصدّع المرجعيّة الفكريّة، جعل من تناول المسألة السوريّة، يتمّ على أسس طائفية للبعض، (مساندة حزب الله، إيران، للنظام السوري فقط لمرجعيّة دينية مشتركة) أو على أسس ماركسيّة بائدة، ( محاربة الإمبرياليّة والعولمة والصهيونيّة).. ليقع اليسار نفسه على اختيار، الفاشية على الإمبرياليّة، متبنيًا سرديّة ثقافيّة أحادية يروّجه لها النّظام، وقد نجح في ذلك، مفادها مكافحة الإرهاب.

داعش؟ هل هي المعارضة الوحيدة لسوريا؟

قراءة متأنيّة للوضع السوري، تكشف لنا أنّ ولادة تنظيم الدولة (المعارض الوحيد للنّظام “العلماني” السوري كما يُروّج لذلك)  لم يكن جزءً من المشهد السوري سوى ابتداء من سنة 2013، أي بعد نشوب الانتفاضة والثورة بسنتين كاملتين، أين كان اليسار  قبل ذلك الموعد، كان اليسار مساندًا النظام السوري، عدوًا للثورة السورية، والحجّة أنّ الثّورة مؤامرة صهيونيّة أمريكيّة…

الأمر بسيط، ليس معقدًا كما تظنّ يا رفيق:

إحدى الحجج الأخرى التي يقذفها اليساري، متناسيًا بشاعة ودمويّة النظام وحلفائه، هي تعقّد الوضع وضبابيته، وأنّنا لسنا أوصياء على الثّورة السوريّة، وأنّ الشعب السوري قال كلمته، وهي لا للإرهاب، نعم لبشّار الأسد (توضيح: ربّما يقصد ما بقي من الشّعب السوري)  الأمر  ليس معقّد كما يوضحّ في ذلك طائفة من اليساريين، الأمر أسهل بكثير، الشّعب السوري، نادى منذ سنين، بالتعدديّة، بالحريّة، بالسلم، بالديمقراطيّة، بالعلمانيّة، (والعلمانيّة هنا ليست تلك الّتي يختزلها النّظام في تمكين المواطنون من ذوي أصحاب الأديان المختلفة من ممارسة شعائرهم الدينيّة، ومحاربة الإرهاب السنّي)

الأمر واضح، جليّ، وبسيط، يروي الكاتب البريطاني الشهر، جورج أورويل في مقدّمة آثره الرّائع، مزرعة الحيوان؛ ,, كنتُ آنذاك أعيش في قريةٍ صغيرةٍ في الريف. شاهدتُ ولداً صغيراً، لم يبلغ العاشرة من عمره، كان يقود عربةً في ممرٍ ضيق، وكان يسوط الحصان بقوّة في أي لحظة يفكر فيها هذا الأخير بالالتفاف نحو طريقٍ فرعي. فجأة باغتتني هذه الفكرة: لو أنّ هذه الحيوانات الجبارة أدركت قوتها الحقيقيّة بالمقارنة بمن يقودها، لما امتلكنا أي تحكم فيها وبمصائرها،، كذلك الشبه هنا، السوريين أدركوا مدى ضعف ووهن النظام السوري، وأنّ ذلك الاستبداد والتعتيم المفرط كان بسببهم، بسبب صمتهم، وأنّه آن الأوان من أجل سوريا أجمل، وانّهم لم يسألوا لمذا استبدّ الطغاة، بل لمذا ركع العبيد..

كلّ دقيقة تأخير؛ مذبحة آخرى:

حين أصبح المشهد المأساوي، رأس مال رمزيّ للبعض، وحين يصبح المدنيّ ضحيّة لتواطئ قوى رجعيّة، وحين يصبح اليساري مهلهلًا بانتصارات النّظام، أيّ رثاء يليق بشاعريّة هذا الحزن، أي خطاب تأبين لضمائرنا، لذواتنا، لإنسانيّتنا، النظام السوري الّذي أصبح خبزه اليومي هو القتل والتفنّن في الساديّة، كل دقيقة تأخير، هي مذبحة آخرى، طيف أخر للموت يجثم على قلوب السوريين،  أن نختزل الوضع بين نظام علماني ديمقراطي تُحاك له المؤامرات، ومعارضين جبُناء باعوا الوطن بالدولارات؟ أيّ سفالة وانحطاط؟

أن ننسى الإمبرياليّة الاشتراكيّة، الدبّ الروسي، ونختزل الشرّ في شرطيّ العالم أمريكا، أن نخندق الإرهاب في تنظيم الدولة، ونتناسى النّظام السوري بتعلّة مواجهة الإمبرياليّة والإرهاب، هذا ليس دفاعًا عن أمريكا بقدر ما هو ادانة لأمراء الغزو وأمريكا من بينهم، أليس خالد الذكر جورج حبش  هو القائل؛ ‘‘نحن لا نبريء كل من لا يرفع إصبع الاتهام في وجه مضطهدي الشّعوب،،

بدل أن يستكمل اليسار  المسار الثوري لإنتفاضة شعب بأكمله، وتقويض الوضع الراهن واصلاح ما يمكن إصلاحه، اصطفّ اليسار إلى جانب الاستبداد.

سوريا، يا وجع القصيدة، يا جرح غرسه الزمن في وجدان أطفالك، يا أرض تختزن الجمال وعذوبة الأرض والتوليب والبرتقال والعنبر والشّمع، جعلوك في هذا الزّمن الملغوم متمزّقة تتفجر من مسامك الدّماء، أصبحتِ مهبط ومرقى لجنود الدين والأصوليين ومخبرًا لشتّى صنوف تجارب التّعذيب، تُخاض الحروب على رحمك وتعقد معاهدات السلم، أصبح الإشتراكي برجوازي، والماركسي رأسمالي، واليساري أصوليً، يرسل بعضك إلى الحرب والأخر إلى المنافي والسّجون، كما وصفك، أو كما قال  مظفّر النواب، يا أمراء الغزو فموتوا..  سيكون خرابٌ.

وأظنّ هكذا خراب يكفي.

إلى حيدر حيدر، مثقفًا، إنسانًا، وعبقريًا في الأدب…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. نوح

    في الحقيقة لم أكمل آخر فقرتين من التحقيق نظرة لوجود تفاوت كبير بين ما يعتقده الكاتب وبين ما يحصل أو حصل، ولا أنكر هنا وجود بعض مما قال وإنما المغالطات الموضوعة في تواريخ الموضوع، فضلا عن محاولة إيجاد الحجج الواهية لقلب الرأي العام باتجاه واحد.
    إن كان داعش وجد عام 2013 اي بعد عامين من “الثورة السورية” فمتى وجد جبهة النصرة؟؟
    حسنا .. إن كان داعش”العدو الوحيد للعلمانية” فلماذا تحمل الفصائل المسلحة من جنوب سوريا إلى أقصى شمالها (إذا ما استثنينا الأكراد” لماذا تحمل أسماء دينية بحتة.. هل يمكن القول أن اليسار الديني هو من يقود الثورة؟؟
    وإذا ما سلمنا فرضا أن الثورة بدأها اليسار الجائع لمقعد سياسي فعال فهل يمكن تذكير المواطن العربي عن مكان خروج أول تظاهرة في سوريا؟؟
    جامع العمري في درعا ليس جامعة دمشق التي ذخرت وتذخر بآلاف العقول النيرة والباحثة عن مستقبل حقيقي لسوريا.. وفي ستينيات القرن الماضي كثير من الشواهد على ذلك
    اليسار خيب أمل الكثيرين واكتفى بالكلام في الوقت الذي كان فيه اليمين واليمين المتطرف المتمثل بداعش والنصرة ومن خرج بأي لقب ديني لسلاحه أجروا اتصالات سريعة وبدأوا بالتنفيذ ومن ثم وضعوا الخطة البديلة للعالم الموازي الخاص بهم.. العالم الموازي الذي رسم في عواصم غربية يضع فرضية “سرقة الثورة” بعد كل احتمال

    1. أسامة سليم

      مساء النور أستاذ نوح،
      أنا صاحب المقال، وأرحّب بتعليقك وتفاعلك مع النصّ، هذا المقال هو جملة من الأفكار على الصعيد النظري، دون معايشة أيّ حدث ممّا سبق ذكره، فأنا من تونس، والحرب الدائرة رحاها منذ سنين في سوريا..
      أولاً، لا يسعى هذا المقال أو صاحبه، إلى قلب الرأي العام باتجاه واحد، وإنّما تسليط الضوء على زيف النقاء الثوري..
      يتحدّث صاحب هذا المقال؛ عن المعارضة الوطنيّة، المعارضة المنبثقة من رحم مأساة السوريين، من أجل الحريّة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
      اليسار سينبعث من ناره ليولد من جديد كطائر العنقاء أستاذ نوح.
      نتفّق عن وجود اليمين المتطرق المتمثل بداعش والنصر، وأتفق أنّ جزء من العالم قد يتآمر على سوريّة، لكنني لا أتفهّم انتصابك كمدافع شرس على النظام الأسدي الأبوي، الذي ورّث الحكم، وكان له تاريخ حافل من المجازر والاغتيالات والتصفية من أيّام حافظ الأسد
      فائق مودّتي.

أضف تعليق