انتهاكات حقوق الإنسان في أحداث الحوض المنجمي بقفصة (2008)*

المقدمة

عرفت منطقة الحوض المنجمي قبل أحداث 2008 تاريخا طويلا من الانتهاكات. فقد شهدت في عهد الاستعمار الفرنسي تنمية قوية، بسبب اكتشاف الفسفاط في عام 1885، على بعد بضعة كيلومترات عند سفح جبل الثالجة أوّل مرة من قبل فيليب توماس، ومنح امتياز استغلالها في عام 1897 لشركة استعمارية هي شركة الفسفاط والسكك الحديدية ووقع تشييد خط السكة الحديدية بين المتلوي وصفاقس (250 كم) لنقل الفسفاط الخام إلى الميناء حيث يتم تصديره. ولكن لم يكن نصيب الأهالي من ذلك الكنز سوى الكدح وإنتاج الثروة لفائدة الأجنبي.

وفي دواميس الحوض المنجمي نشأت حركة عمالية أصيلة خاضت عدة نضالات أثناء عهد الاستعمار الفرنسي نذكر منها اضرابات مارس 1937 في المتلوي والمظيلة، واجهتها القوات المسلحة الاستعمارية بالرصاص فأردت 18 قتيلا وحوالي 30 جريحا في المتلوي وثلاثة قتلى وجريحين في المظيلة واعتقلت العشرات (Kraïem (M), 1984, pp.145, 152).

وبعد 1956 لم يستفد سكان الحوض المنجمي من الثروات التي تنتجها منطقتهم بسبب اختيارات نظامي بورقيبة وبن علي اللّذان واصلا في التبعية إلى الخارج واستفحلت خلال عهديهما الفوارق الطبقية وتعمق الاختلال بين الجهات.

في ظل هذه الأوضاع اندلعت انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 التّي واجهها النظام بالقوة رغم طابعها الاحتجاجي والمطلبي. وإننا نسعى في هذه الورقة إلى إبراز الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان التي ارتكبها النظام أثناء الأحداث. وقد تعرضنا إلى بعض جوانب الموضوع في دراسة سابقة (عرفاوي، خميس، 2016، ص 109-146) ونعود إليها من جديد من أجل توسيع دائرة البحث واستعملنا لهذا الغرض مصادر متنوعة منها حوارات أجريناها مع بعض الفاعلين في الأحداث وبعض المنشورات الالكترونية الصادرة آنذاك وخاصة المنشورات الالكترونية التي كان يصدرها حزب العمال الشيوعي التونسي وهي: “الشيوعي” و”صوت الشعب” والبديل”. وقد نقلت نشرية “البديل” وقائع الانتفاضة لحظة بلحظة معتمدة في ذلك على مراسلين مشاركين في الأحداث وتعرضوا إلى المحاكمة. كما اعتمدنا على ملف قضية الوفاق التي أحيل فيها مناضلو الرديف وكتابات شخصيات سياسية وأكاديمية معاصرة للأحداث.

سنتعرّض في فقرة أولى إلى نصيب منطقة الحوض المنجمي من اختيارات الأنظمة المتعاقبة منذ 1956 وسنحاول في فقرة ثانية تحليل أبرزّ فعل من طرف السكان سنة 2008 لنخلص في فقرة ثالثة إلى التحقيق في ما ارتكبه نظام بن علي من انتهاكات في حقّ المنتفضين.

   I.  نصيب منطقة الحوض المنجمي من اختيارات الأنظمة المتعاقبة منذ 1956

وجدت مدن الحوض المنجمي نفسها منسية ومهمشة تعاني من وضع صعب. فهي توجد ضمن المناطق الداخلية المهمشة. ويبدأ التهميش من ضعف البنية الاقتصادية.

1. ضعف البنية الإقتصاديّة

ظل النسيج الاقتصادي في جهة ڤفصة، منذ الاستعمار المباشر إلى اليوم، متمحورا أو يكاد حول النشاط المنجمي. وهو ما جعل مدنا بكاملها (المتلوي، المظيلة، الرديف، أم العرائس) تعيش على الفسفاط، بل إن وجودها ارتبط إلى حد كبير بتواصل إنتاج هذه المادة الذي أمّن لها في الماضي العيش. أما في الفترة التّي اندلعت فيها الأحداث فقد تراجع هذا الدور ونزل عدد عمال وموظفي شركة فسفاط ڤفصة من 14 ألف فرد في أواخر الثمانينات إلى 5485 سنة 2008 حسب احصائيات الشركة نفسها.

ورغم هذا التراجع في التشغيل شهد ثمن الفسفاط الخام أو المحوّل في الأسواق الخارجية ارتفاعا هائلا سنتي 2008 و2009 (Boubaker (S) & Hassen (M), p. 6). وتبعا لذلك ارتفعت عائدات صادرات هذه المادة ارتفاعا عظيما (Ben Romdhane (M) & Kadel (A)). ولكن لم يقابل هذا الارتفاع تحسّن في أوضاع الجهة.

2. تدهور الوضع البيئي

يتسبب إنتاج الفسفاط في مشاكل بيئية قاتلة للنبات والحيوان والإنسان. فمع إرساء الغسالات أصبحت الشركة تستعمل جزءا كبيرا من الثروة المائية للمنطقة. وبديهي أن تتسبّب مياه الغسيل في تلوث كميات المياه الباطنية وتدمير البيئة. ولذلك أصبح الناس في الرديف مثلا يشربون الماء من عند باعة يجلبونه من مناطق غير ملوثة (العشرون لتر بدينار واحد) ولم تعد هناك مياه صالحة وكافية للسقي فتأثرت الزراعات الواحية وتأثر الناس في معيشتهم وفي صحتهم (الأمراض المزمنة والسرطان وحصى الكلى واصفرار الاسنان).

3. تردي الأوضاع الاجتماعيّة

يتجلى هذا التردّي في تفاقم حالة الفقر والتهميش بمنطقة الحوض المنجمي. فرغم أنّ عدد السكان ليس كبيرا (335100 ساكن سنة 2009) أي ما يساوي 3،21% من مجموع سكان البلاد يعيشون على مساحة واسعة نسبيّا تمثل 5% من المساحة الجملية فإنّ معدل الدخل الفردي من أضعف المعدلات في تونس.  ويعود هذا الضعف إلى تراجع دور شركة فسفاط ڤفصة في مجال طاقة التشغيل مثلما رأينا. فالشركة لم تعد تشغل مثل السابق لأنها أدخلت تقنيات أكثر تطورا وكثفت من الساعات الزائدة للاستعاضة عن الانتدابات الجديدة.

ومن ناحية أخرى شهدت الخدمات الصحيّة والتربوية والنقل ترديا كبيرا بسبب تراجع دور الدولة في هذا المجالات وفتحها أمام الخواص الذين حولوها من خدمات اجتماعية عمومية إلى خدمات تجارية مدرّة للأرباح لأصحاب رأس المال.

وفي المقابل أثرى المقربون من السلطة والحزب الحاكم ثراء فاحشا. ومن بين هؤلاء نذكر الكاتب العام للاتحاد الجهوي بڤفصة سابق وعضو برلمان بن علي عمارة العباسي، الذي كانت له شركة مناولة وكان عنوان الفساد النقابي في الجهة. وقد كان الاتحاد الجهوي والنقابات المنجمية مشاركين في تأزم الأوضاع بالجهة لأنهم كانوا يقبلون بالمحاصصة النقابية في مناظرة الشركة وانخراطوا في لعبة العروش والمحسوبية والرشوة. فحسب نقابيي الجهة كانت نقابات المناجم الأربع تستأثر بحصّة هامة من التشغيل في شركة فسفاط قفصة وكان بإمكان كلّ عضو نقابة تشغيل احد ابنائه او اقاربه. ولهذه الأسباب لم تساند هذه الهياكل  مطالب المحتجين ووقفت ضدهم (عمروسيّة، عمّار).

4. السبب القادح لانتفاضة الحوض المنجمي

لهذه الانتفاضة طابع اجتماعي واضح إذ أنّها انطلقت في أم العرائس والرديف يوم السبت 05 جانفي 2008 إثر الإعلان عن النتائج النهائية لانتداب أعوان وإطارات بشركة فسفاط قفصة والتّي كانت كسابقاتها مخيّبة لآمال معطّلي الجهة وعائلاتهم. فقد رأى الاهالي أنّ الانتداب تنعدم فيه الشفافية وأنّ نتائجه مزوّرة ولم يستند إلى المؤهلات ولا إلى الوضع الاجتماعي بل إلى الوساطة والمحسوبية والرشوة. كما فوجئوا بتخفيض عدد مراكز العمل المعلن عنها سابقا او حجبها. وعلى هذا الأساس طالب المحتجون بحق الشغل رافعين شعار “شغل حرية كرامة وطنية”. ونظرا لتصاعد الانتفاضة انضافت مطالب أخرى فيما بعد مسايرة للأحداث منها إطلاق سراح الموقوفين وإجلاء القوات الأمنيّة المرابطة ببعض المراكز المنجمية الخ. كما اتسع نطاق الاحتجاجات فقد انتقلت شرارة الغضب من مدينتي “أم العرائس” والرديف وهي أهمّ مركز لتلك الانتفاضة لتشمل “المظيلة” وقرى برج العكارمة وأم القصاب وسيدي بوبكر وزانوش.

وعوض السعي إلى الاستجابة إلى تشكيّات المحتجين قبلت السلطة إجراء مفاوضات شكليّة ربحا للوقت ثم عمدت إلى التصعيد والمواجهة الامنية لوقف الاحتجاجات. وقبل أن نتعرض للانتهاكات يبدو لنا من المفيد أن نعطي فكرة عن الحركة الاحتجاجية التي خرجت عن القواعد المرسومة من طرف سلطة بن علي.

 II. الحركة الاحتجاجية: أشكال الاحتجاجات والفئات المشاركة فيها

تميّزت الحركة الاحتجاجية بالحوض المنجمي بقفصة بتنوّع أشكالها وتعدّد الفئات المشاركة فيها.

1- أشكال الاحتجاجات

لقد كانت أغلب الاحتجاجات سلمية ومطلبية جمعت بين الممارسة والشعار وتوهجت فيها الكلمة من خلال المهرجانات الخطابية خصوصا تلك التي كانت تلقى أثناء التجمعات أمام مقر الإتحاد المحلّي بالرديف. وقد استنبط المحتجون شعاراتهم من تراث الحركتين الديمقراطية والاجتماعية في تونس مثل “واجب حق التشغيل” و”هيوا معانا يا بطالة” و”شغل حريّة كرامة وطنيّة” و”التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق” وهو شعار مركزي لاتحاد المعطّلين عن العمل و”نعم سنموت ولكنـّنا سنقتلع القمع من أرضنا” و” يا نظام يا جبان، شعب الرديّف لا يهان” الخ. كما أنهم أثّثوا تحركاتهم باللافتات التّي كتبوا عليها مطالبهم ولم ينسوا كتابة الشعارات السياسية على الجدران.

وقد شكلت الاعتصامات إحدى أهم التحرّكات الميدانيّة فكانت اعتصامات عمال الحضائر بالرديف بمستودع البلدية واعتصامات أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل و اعتصام عمال شركة الجنوب لنقل الفسفاط واعتصام عُمّال بلديّة الرديف. واحتل المحتجون الشوارع من خلال المسيرات الشعبية ولكن أيضا من خلال المسيرات القطاعية مثل مسيرات أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل ومسيرات العاطلين عن العمل ومسيرات التلاميذ. وكادت التجمعات أن تكون يومية في وسط المدن وأمام بعض دور الاتحاد العام التونسي للشغل وأمام مقرات المعتمديّات. كما شهدت مختلف المؤسسات العديد من الإضرابات مثل إضرابات عُمّال بلديّة الرديف عن العمل وعمال المجمع الكيمياوي وحدة المظيلة وعمّال المناولة إلى جانب الاضرابات التلمذية. وبلغ اليأس من المستقبل بتلاميذ أم العرائس حدّ تمزيق كتبهم وكراساتهم.

واتّسعت الحركة الإضرابية أحيانا لتشمل الإضراب العام مثلا في الرديف في 7 أفريل احتجاجا على الإيقافات شارك فيه عمّال شركة الفسفاط إضافة إلى أصحاب المتاجر وعمال المخابز والمعلّمين والأساتذة. والتجأ المحتجون إلى غلق الطرقات وتعطيل حركة الإنتاج مثلا بمغسلة الفسفاط بأم العرايس.

وغادر بعض المحتجين والمحتجات منازلهم وأخذوا من الخيام مسكنا لهم. فنصبوا معداتهم البسيطة على السكة الحديدية وأمام شركة فسفاط قفصة في إشارة إلى ثباتهم على مواقفهم وللفت نظر المسؤوليين. ولنا في خيمة الأرامل الــ12 المنتصبة أمام الشركة بأم العرائس أشهر مثال. وفي المتلوي نصب أكثر من ثلاثين رجلا وامرأة مشانقَ أمام خيامهم المنصوبة على السّكة الحديديّة مُهدّدين بالانتحار في صورة محاولة طردهم أو الاقتراب منهم لاقتلاع خيامهم. وفيهم من غادر مسكنه في الرديف وعددهم يقدر بالمئات لقضاء ليلتهم في الجبال المجاورة خوفا من المداهمات التي أصبحت تطال تقريبا كلّ حيّ وكلّ بيت. وانعدم الشعور بالأمن وعمّ اليأس مما دفع بعشرات العائلات المرفوقة بأبنائها من سكان أم القصاب بمعتمديّة أم العرايس إلى اجتياز الحدود باتجاه الجزائر مرتين الأولى في منتصف شهر أفريل والثانية خلال شهر ماي.

ولم يقف المحتجون مكتوفي الأيدي أمام هجمات الفرق الأمنية فكانت تحدث المصادمات بين الطرفين وخاصة في الليل سواء كان ذلك في الأحياء أو في وسط المدن.

وليس من باب المبالغة القول أنّ النزعة المطلبية وما أفرزته من حركة تضامنية وحدت أغلب سكان الحوض المنجمي. +

2- الفئات المشاركة في الاحتجاجات

شارك أغلب السكان في المراكز المنجمية في الحركة الاحتجاجية. وكان العاطلون عن العمل بمن فيهم أصحاب الشهائد هم من أطلق الشرارة الأولى وشاركهم أهاليهم.  وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الصنف الأخير من المعطلّين هيأوا للاحتجاجات بحكم التحرّكات التّي ما انفكوا يقومون بها تؤطرها لجنة جهوية بقفصة ولجان محلية لأصحاب الشهائد المعطلين عن العمل منذ 2006. ومثلما ذكرنا شارك في الأعمال الاحتجاجية العمال مثل عمال البلديات وعمال المناولة وعمّال شركة الفسفاط وعمال المجمع الكيمياوي وعمّال شركة أشغال السكك الحديدية والمطرودين من العمل من شركة الفسفاط ومن شركة الكهرباء والغاز والصحّة العمومية وأبناء ضحايا حوادث الشغل ببلدة أم العرايس. وشارك أيضا المُتقاعدون وُجوبيّا وأبناء المعوقين نتيجة حوادث الشغل بشركة الفسفاط وأصحاب المتاجر وأصحاب المخابز وعمالها والمعلّمون والأساتذة وطلبة كليّة العلوم بقفصة والتلاميذ. وكان للنساء دور متميّز في النضال وفي التضامن. ففي الرديف واصل النساء حركة الاحتجاج على أحسن وجه عندما اعتقد النظام أنه قضى عليها بالإيقافات والمحاكمات. وقد لعبت الدور البارز زوجات وأمهات وأخوات المعتقلين في الرديف، نضيف إليهن الأرامل بأم العرائس اللاتي طالبن بتشغيل أبنائهنّ.

في هذه “الحرب المفتوحة” اقترفت السلط انتهاكات لا حصر لها.

 III. السلطة تعمد إلى إخماد الحركة الاحتجاجية بكافة وسائل القوة

1) إستعمال القوّة الغاشمة

تعكس ردود فعل السلطة تجاه سكان الحوض المنجمي طبيعتها الاستبدادية ومخالفتها لأبسط قواعد الحكم الرشيد. فقد ظلت تراوح بين الصمت وتجاهل المطالب والحلول الأمنية ومحاولة تقسيم الحركة الاحتجاجية. فعلى سبيل المثال كشف الناشط عدنان الحاجي عن محاولات لشراء ذمّته من قبل مسؤولين أمنيين بجهة قفصة عرضوا عليه مبالغ ماليّة ومن قبل وزير الداخليّة الذي عرض عليه عن طريق أحد مستشاريه إلحاقه بإحدى السفارات التونسيّة. ولكن المهم في هذه الورقة هو الكشف عن الانتهاكات. وسنبدأ من الانتهاكات الجماعية لنصل إلى الانتهاكات الفردية.

أصرت السلطة على مواصلة نفس سياسة التجاهل تجاه مطالب الجهة في التنمية وسعت إلى القضاء على الانتفاضة بواسطة الوسائل الأمنية. فقد أرسلت أعدادا غفيرة من قوات الأمن الداخلي من مختلف الفرق وضربت حصارا أمنيا على المنطقة وخاصة على الرديف وأم العرايس. وفي هذا السياق فإنها سعت إلى عزل الجهة عن محيطها خصوصا من الناحية الإعلامية ومن ناحية تنقل الأفراد من وإلى المنطقة. فعلى مستوى إعلامي لا يسمع في وسائل الإعلام أيّ خبر عن أحداث الانتفاضة وضايقت السلطة عمل الإعلاميين مثل الهادي ردّاوي بل وصل بها الأمر إلى اعتقال بعضهم وتسليط أحكام ثقيلة في شأنهم مثل الفاهم بوكدوس مراسل قناة الحوار التونسي. وفيما يتعلق بحركة الأفراد كانت السلطة تمنع على المحامين والحقوقيين الاتصال بالمنطقة. فلم يكن بوسعهم الوصول إلى غايتهم إلا بعد مشاق كثيرة واتباع مسالك غير مراقبة. وهذا ما حصل مثلا لأعضاء اللجنة الوطنية لمساندة أهالي الحــوض المنجمي وللحقوقي علي بن سالم والمحامية راضية النصراوي وغيرهم. ولكن البعض أجبر على الرجوع من حيث أتى مثل وفد الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات. وكانت قوات الأمن تراقب تنقلات نشطاء الحوض المنجمي من ذلك أنها اختطفت الناشط حفناوي بن عثمان عندما كان عائدا من تونس العاصمة إلى الرديف.

وضربت قوات الأمن مراقبة شديدة على وسائل الاتصال وأقامت شبكة من الجوسسة على المواطنين استعانت فيها بأشخاص عاديين. فقد ألزمت عملة المناولات بالتبليغ عن تحرّكات المناضلين والمحتجّين وأمكنتهم، كما سلّمت بعض أصحاب المحلاّت والمقاهي أرقام هواتف سريّة للتبليغ والإرشاد، وهدّدتهم بقطع أرزاقهم واعتقالهم إن لم يُنجزوا هذه المُهمّة.

وفي علاقة بالمحتجين لم تسلك السلطة سياسة جديرة بدولة تحترم القانون. فقد اعتمدت المماطلة والتسويف ومحاولة الإحتواء وعمدت إلى التراجع في الاتفاقيات التّي تعقدها معهم وسعت إلى بثّ الفرقة بينهم بإثارة الصراعات العروشية والقبليّة. ولجأت إلى الاستفزاز لجر الحركة الاحتجاجية الى ممارسة العنف لتبرير القمع. وقد اتهم الناشط عدنان الحاجي أعوان الأمن وأعضاء الحزب الحاكم بإشعال النار والرمي بالحجارة والقيام بأعمال استفزازيّة مثل الهجوم على مركز الأمن في الليلة الفاصلة بين 6 و7 أفريل 2008 ليسهل تشويه الحركة الاحتجاجية.

كما انتهجت السلطة سياسة ترهيب من خلال الايقافات التي شملت العشرات بل المئات من المواطنين. فقد شملت  الايقافات الشباب في مختلف أماكن الانتفاضة وخاصة في المظيلة والرديف والمتلوّي وأم العرايس. وشملت أيضا نشطاء نقابيين وصحفيين ومناضلين.

واستعملت قوات الأمن العنف بشكل ممنهج، من ذلك استعمال الهراوات وإطلاق القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطّاطي في الهواء لتفريق المسيرات إلى جانب استعمال خراطيم المياه الساخنة والكلاب واستدعاء المواطنين إلى مركزي الأمن والحرس حيث يقع الاعتداء عليهم بالضرب والتنكيل ويطلق سراحهم بعد الإمضاء على التزامات. ولزيادة الترهيب كانت قوات الأمن تُوجّــه القنابل المسيلة للدموع نحو الشبان المتظاهرين مباشرة، وهو ما خلّف لهم كسورا حادة في الأرجل والكتف والوجـه. ونذكر هنا ما تعرضت إليه المناضلة غزالة المحمدي من اعتداء بالعنف الشديد من قبل رئيس منطقة الشرطة بقفصة إثر مطالبتها بإرجاعها إلى عملها، ممّا خلّف لها كسرا بأنفها وأضرارا استوجبت راحة بـ30 يوما.

وإمعانا في التنكيل بالمواطنين وترويعهم كانت قوات الامن تقوم بمداهمات للأحياء وتقتحم البيوت وتقوم بالاعتداء على سكانها بوحشية رجالا ونساء. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ فقد كان الأعوان يقومون بعمليات نهب بخلع المحلات التجاريّة ونهبها والتي تضرّر منها بالخصوص التجار الصغار مثل باعة السجائر الذين فاقت خسائرهم عشرات الملايين من المليمات. وقد شملت هذه العمليات عائلة الناشط الطيب بنعثمان التي فقدت آلات لصنع الحلويات تقدر قيمتها حوالي 20 ألف دينار في إحدى المداهمات وافتقد هو نفسه ليلة اعتقاله مبلغا ماليّا قدره 780 دينارا.

ومارست قوات الأمن التعذيب على نطاق واسع. فعلى سبيل الذكر تعرضت مجموعة من شباب المظيلة للتعذيب وكان من بينهم من أصابه كسر مزدوج في ساقه وهو الشاب زبير غريسي. وصرّح جابر لخضر الطبابي أمام حاكم التحقيق بأنه تمّ إيقافه في الليلة الفاصلة بين يومي 4 و5 جوان ومباشرة بعد إيقافه قام البوليس بتجريده في الشارع من ملابسه تماما، حتى الداخلية منها، واعتدى عليه بالعنف الشديد وسحبه أرضا على امتداد مسافة 400 – 500 متر حتى بلوغ مركز الشرطة بالرديف أين قام بعض الأعوان بتعذيبه. وبعد ذلك نُقِلَ إلى منطقة الشرطة بالمتلوي حيت وُضِعَتْ عصابة على عينيه وقام الأعوان بتعليقه في وضع الفرّوج (poulet rôti)  ثمّ تداولوا على تعذيبه وأدخلوا عصا في مؤخرته أكثر من مرّة. وقد تمّ معاينة انتفاخ كبير بإحدى بويضتيه جرّاء ما تعرّض اليه من تعذيب بالإضافة إلى جرح كبير في رأسه (16 غرزة). كما صرّح أنه بقي عاريا تماما منذ إيقافه إلى غاية نقله إلى المحكمة الابتدائية بڤفصة للمثول أمام حاكم التحقيق. وقد أتى إليه الأعوان ببعض الملابس الرثة أثناء نقله ليرتديها. ثمّ مثل حافي القدمين أمام حاكم التحقيق الذي أمر بإطلاق سراحه. وكشف الطيب بنعثمان عمّا ارتكبه أعوان الأمن من تعذيب. وجاء في أقواله أنّ الأعوان مزّقوا ثيابه واعتدوا عليه بالعنف وهدّدوه بالاعتداء الجنسي وحطّموا نظاراته الطبيّة وأجبروه على الركوع على ركبتيه لمدّة ساعات وحرموه من النوم مدّة ثلاثة أيّام الخ. وتسبب له الضرب في أضرار كبيرة في أذنه وكتفه الأيسر وتضرّر بصره مما جعله يجري عمليتين بمستشفي شارل نيكول بتونس. وبدوره فضح عدنان الحاجي ظروف الاعتقال وقال إنّ أعوان الأمن شرعوا في الاعتداء على الموقوفين النقابيين أثناء نقلهم إلى مخافر الأمن وقاموا بضربهم بكلّ وحشيّة وشتمهم وإهانتهم. وقد شمله الضرب وتسبّب في إسالة الدّماء من فمه. ومن النساء من وقع التنكيل بهن مثل الناشطة السياسية والحقوقيّة زكية الضيفاوي التّي صرّحت أنّها تعرّضت إلى التعذيب والتهديد بالاغتصاب أثناء اعتقالها.

2)القتل و التسبّب في موت مواطنين

استشهد أثناء انتفاضة الحوض المنجمي الآتي أسماؤهم:

– هشام بنجدّو علايمي استشهد وهو لم يتجاوز 23 سنة يوم 6 ماي 2008 بمنطقة تبديت بين معتمديتي الرديف وأم العرائس. ويتمثل سبب الوفاة في صعقة كهربائية أصابته أثناء اعتصام مجموعة من الشبّان العاطلين عن العمل بمحطة توليد الكهرباء بالمنطقة حيث قامت قوات الأمن بتشغيل التيار الكهربائي في محاولة لإخراج المعتصمين من المكان المذكور.

– محمّد الطاهر السعيدي قتل بأمّ العرائس في 19 ماي 2008. وهو كهل رب عائلة توفي أثناء إحدى المواجهات الليلية مع قوات الأمن نتيجة إصابته بقنبلة مسيلة للدموع في رأسه.

– حفناوي المغزاوي استشهد بالرديف في 6 جوان 2008 عندما أطلقت عليه قوات الأمن الرصاص وأردته قتيلا.

– عبد الخالق عمايدي وهو أيضا من أصيلي الرديف جرح أثناء إطلاق النار من طرف الشرطة وتوفي متأثرا بجراحه في المستشفى الجامعي بصفاقس في 13 سبتمبر 2008.

ونتيجة لتأثير الأوضاع على نفوس بعض الشباب وبلوغهم درجة اليأس أقدم بعضهم على الانتحار. فقد تناول جمال عيساوي مادّة سامّة (مبيد الجرذان) في محاولة للانتحار تنديدا بالإهمال الذي تلاقيه مطالبه بالعمل والعيش الكريم. وعمد علي بوساحة البالغ من العمر 17 سنة إلى حرق نفسه وتوفي في أحد مستشفيات صفاقس يوم 29 فيفري 2008.

3)المحاكمات

يصعب إحصاء المحاكمات التي سلطت على مواطني الحوض المنجمي. ولكن يمكن القول أنّه لم تسلم أيّ من المراكز التي ذكرناها من الردع القضائي. نذكر على سبيل المثال محاكمة 4 نشطاء من المظيلة الذين حكمت عليهم المحكمة الابتدائية بقفصة يوم 10 أفريل 2008 بشهرين سجنا مع تأجيل التنفيذ بتهمة تعطيل حرّية الشغل وقضية الوفاق قصد الاعتداء على الأملاك وتعمُّد وضع أشياء بالسكّة الحديدية من شأنها إخراج الأرتال عن السكّة والمشاركة في ذلك التي أحيل فيها بعض شباب المظيلة في افريل 2008..

نضيف محاكمة مجموعتين من مواطني الرديف يومي 25 و27 جوان 2008 في المحكمة الابتدائية بقفصة بلغ عدد المحالين في القضية الثانية 28 فردا. وطالت المحاكمات بقفصة أحداثا لم تتجاوز أعمارهم 16 سنة بتهم لا تتناسب مع سنّهم، وكانت الأحكام شديدة من قبل القاضي عبد الباسط الخالدي، واتخذت في 19 ديسمبر 2008 أحكام في حق مجموعة أخرى من شباب الرديف. ولا يمكن ان لا نذكر المحاكمة التّي كانت زكية الضيفاوي أحد المحالين فيها بسبب مشاركتها في مسيرة تضامنا مع الموقوفين في الرديف والتّي انتهت بالحكم عليها استئنافيا بأربعة أشهر.

وفي الرديف أقيمت أشهر المحاكمات لنشطاء الحوض المنجمي في إطار قضية الوفاق التّي انطلقت منذ الشروع في إيقاف أبرز نشطاء الحركة الاحتجاجية صبيحة يوم 7 أفريل 2008 وانتهت بإصدار الحكم النهائي في 4 فيفري 2009. وهي تجسد مثالا للانتهاكات في مجال العدالة وسنسعى إلى تبيانها في الفقرات التالية.

تتمثل أول هذه الانتهاكات في الحط من كرامة المتّهمين ومعاملتهم كمجرمين وذلك من خلال الوصف القانوني للأفعال المنسوبة إليهم. وهي تُهم حقّ عام توجّه عادة لمرتكبي أعمال القتل والنهب والتخريب الذّين لا تحرّكهم دوافع رفيعة سياسيّة أو اجتماعيّة. وتعود كافة النصوص القانونية المعتمدة في ردعها إلى عهد الاستعمار الفرنسي.

أجري التتبع ضدّ ستّين ناشطا احتفظت النيابة العمومية ب 38 منهم. ونظرا لهذا العدد الكبير أخذت القضية طابعا استئصاليا بهدف اجتثاث الحركة الاحتجاجية.

كما قام باحث البداية بعدة تجاوزات منها اتهام أشخاص لم تكن لهم أية مشاركة في الأحداث والامتناع عن التحقيق في التعذيب الذي أثاره المتهمون والمحامون والقبول بمحاضر البحث مزورة لأنها متشابهة في الإجابة ولا تنصّ على السؤال الموجّه إلى المتّهم. وفي جميع الحالات لا نجد في هذه الأجوبة إنكارا للتهم الجنائية المنسوبة إلى المستجوبين وإنّما اعترافات تثبتها. وهذا أمر لا يقبله قاضي نزيه.

وحسب المحامين سلك حاكم التحقيق سلوكا مخالفا للقانون فقد رفض سماع شهود البراءة ولم يحقّق في ما ذهب إليه المحامون فيما يتعلّق بتزوير تواريخ الاعتقال.

كما تعرضت حقوق الدفاع إلى الانتهاك إذ حرم المحامون من الحضور أثناء التحقيق مع منوبيهم.

وقد جرت المحاكمة على درجتين: الطور الابتدائي وطور الاستئناف وتمت في مناخ من الرعب شمل المحكمة والفضاء الخارجي وتخلّلتها خروقات قانونيّة صارخة وأفضت إلى أحكام قاسيّة.

ففيما يتعلق بظروف المحاكمة انعقدت المحكمة الابتدائية يوم 11 ديسمبر 2008 وسط حصار أمني ضرب حول مدينة قفصة وحول المحكمة. وتعرّضت العائلات إلى الاستفزاز إذ منع أغلب أفرادها من دخول قاعة المحكمة. وحصل نفس الشيء مع الناشطات والناشطين السياسيين والحقوقيين والنقابيين الذين توافدوا لمواكبة المحاكمة. كما أنّ حقوق الدفاع لم تُحترم إذ رفضت المحكمة الاستجابة إلى طلبات المحامين الشكليّة والإجرائية (إحضار المحجوز وسماع الشهود وعرض الموقوفين على الفحص الطبي واستجلاب دفاتر الاحتفاظ بمراكز الأمن للتثبت في تواريخ الإيقاف). وأمام رفض “المتّهمين” الإجابة على أسئلة القاضي دعما لطلب المحامين بتأخير الجلسة، وقع تعنيفهم وسارعت المحكمة برفع الجلسة “للتفاوض وإصدار الحكم” دون أن يتمكّن المحامون من المرافعة. وفي ساعة متأخرة من الليل، حوالي الحادية عشرة، انتهت الهيئة الحاكمة التّي انسحب عضوان من أعضائها إلى تقرير الأحكام ولكن الرئيس رفض تلاوتها على الحاضرين بتعلة حدوث تشويش في القاعة فاضطر رئيس فرع هيئة المحامين إلى الاتّصال بكاتب المحكمة للحصول على نسخة من الحكم وتلاوته على زملائه وعلى عائلات المحكومين (Houcine, 2009 Bardi,).

أمّا محكمة الاستئناف فقد انعقدت يوم 3 فيفيري 2009 في نفس الظروف المحيطة بالمحكمة التّي ذكرناها بالنسبة للطور الابتدائي. بل إنّ أعوان الأمن قطعوا خطوة أخرى في اعتداءاتهم بممارسة العنف الشديد على غزالة المحمدي.

وأفضت أعمال المحكمة إلى أحكام قاسية جدا في حقّ المتهمين هي نفسها تقريبا التّي تقرّرت في الابتدائي (عرفاوي، خميس، 2013، الملحق عدد 1). فقد حكمت على 74 % من المتهمين بالسجن الفعلي وعلى 16 % بالسجن مع تأجيل التنفيذ. وبلغ مجموع سنوات السجن الفعلي: 93 سنة وستّة أشهر موزّعة على 21 ناشط. ويبلغ معدّل العقوبة أربعة سنوات ونصف تقريبا. وهو معدّل مرتفع يبيّن أنّ السلطة سلّطت أحكاما ترهيبيّة.

وتكتسي الأحكام طابع التشفي والتنكيل إذ استهدفت أساسا المثقّفين الذين يحملون شهادة الباكالوريا فما فوق. فالمتهمون الثمانيّة الأوائل ينتمون إلى هذه الفئة وسلّطت عليهم أحكام تتجاوز خمس سنوات ويبلغ مجموعها 60 سنة سجنا. ولا ريب أنّ هذه الأحكام تعكس توجّس بن علي تجاه المثقفين المنخرطين في النضال الاجتماعي.

وأفضت المحاكمة إلى نتائج وخيمة على بعضهم مثل مظفر العبيدي الذي حرم من إجراء امتحان الباكالوريا سنتين متتاليتين. كما أفضت إلى رحلة عذاب طويلة وشاقة بالنسبة للمحاكمين وعائلاتهم في السجون التونسية. ولعل أبرز ما يمكن الإشارة إليه من انتهاكات نالت مساجين الحوض المنجمي هو التنكيل بهم وبأهاليهم من خلال نقل المساجين إلى سجون بعيدة مثل بشير العبيدي وعدنان حاجّي الذين نقلا إلى السجن المدني بالقصرين والطيب بنعثمان الذي رُحّــل إلى السجن المدني بسيدي بوزيد. وفرض عليهم التنقّل بين عدّة سجون فعلى سبيل المثال انتقل عبيد الخليفي بين ثلاثة سجون: قفصة ورجيم معتوق و قبلي. وهو ما جعل أهاليهم يُعانون العذاب في زيارتهم لتفقد أحوالهم وحاجاته. ونذكر أيضل شدة المعاناة من المرض بالنسبة لبعضهم مثل بشير العبيدي الذي تعكرت صحته بسبب التهاب في القصبة الهوائية وصعوبة التنفس وأصابه هزال شديد أفقده أكثر من 20 كلغ. وعندما نقل إلى مستشفى الأمراض الصدرية بأريانة للعلاج وقع تقييده بالسلاسل إلى سريره.

الخاتمة

ليس التهميش والفقر ظاهرتين جديدتين في منطقة الحوض المنجمي في عهد بن علي. كما أنّها لا تختص بهما إذ أنّهما يتعلقان بكافة المناطق الداخلية وتوسّعا مجالهما بعد الثورة إلى بقية المناطق. ولم يكن القمع الذي تعرّض له أهالي الحوض المنجمي مستحدثا. ولكن ما هو جدير بالاهتمام هو ذلك الحدث العظيم المتمثل في الحركة الاحتجاجية التي جمعت خصائص مميزة حقّا. وليس من باب المبالغة القول أنّها مهدت لثورة 17 ديسمبر 2010- 14 جانفي 2011. وتؤكّد تلك الأحداث الهوّة السحيقة بين خطاب السلطة التي تتفاخر بالإنجازات التاريخية لصانع التغيير وبين الواقع المتدهور في جميع المجالات.

وقد جاءت الثورة لتغيير هذا الوضع ولكن اقتصرت الإنجازات التّي تحقّقت على المجال التشريعي ولم نلمس الكثير منها في الواقع. فماذا يمكن أن نقترحه كمحاور للتفكير والعمل في هذا المستوى حتّى لا تتكرّر نفس الانتهاكات؟

أولا- تنمية ثقافة المواطنة لدى التونسي. وحسب رأينا فإن الدور الأساسي في هذا العمل موكول للمؤمنين بحقوق الإنسان أحزابا ومنظمات المجتمع المدني وأفراد. وبطبيعة الحال تمثل المؤسسات التعليمية والمنابر الثقافية والأطر السياسية الوسائل المتاحة لتحفيز روح المواطنة لدى مختلف أفراد الشعب التونسي وخاصة لدى النشء. تستوجب هذه التربية التوعية بأن المواطنة لا تعطى بل تكتسب بالنضال الدائم من أجل الحقوق. وبديهي أنّ هذا النضال يتطلب من المواطن أن يتحلى باليقظة والاستعداد لبذل قصارى جهده في سبيل قضيّة أو فكرة أو من أجل الآخرين دون مقابل.

ثانيا- التعريف على أوسع نطاق بالحقوق المنصوص عليها في الدستور وفي المواثيق الدولية وخاصة العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنيّة والسياسيّة والعهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافية. ومعلوم أنّ هذه الحقوق كلّ لا يتجزأ وأنّ المجموعة الوطنية ممثلة في الدولة مطالبة بضمانها وتحقيقها. الدولة مطالبة بصفة خاصة بالتدخل أكثر فأكثر من أجل تكريس العدالة الاجتماعية من خلال إعادة توزيع الثروات ومقاومة الإقصاء والفقر.

ثالثا- التأكيد على تفعيل مواد الدستور المتعلقة بحقوق الإنسان وتوفير كافة ظروف العمل للهيئات الدستورية وخاصة استقلاليتها ونشر أعمالها للعموم إلى جانب استكمال بناء منظومة أمنية في خدمة الشعب تقوم على الالتزام بالقانون واحترام حقوق الإنسان وتبتعد عن أسلوب التعليمات والولاءات للأحزاب السياسية ولأصحاب النفوذ المالي. وليس هذا كافيا إذا لم يقع تطوير المنظومة القضائية من ناحية تعصير العمل بالمحاكم ومن ناحية توفير المستلزمات البشرية والتقنية للفصل في القضايا بالسرعة المطلوبة. هناك أمر يزعج المواطن التونسي اليوم هو ضعف الثقة في الجهاز القضائي وما يتداول بقوة من اختراقه من طرف الأحزاب الحاكمة. وليس لنا إلا التساؤل حول كيفية مواجهة هذه الحالات. ونضيف في هذا الشأن أنّه يستحسن أن تنقل صلاحيات البحث في قضايا التعذيب من جهاز الشرطة لوكيل الجمهورية وأن تجرى اختبارات من قبل لجنة متكونة من ثلاثة أطباء لمعاينة حالات التعذيب يسمح لعائلات الضحايا تعيين أحدهم.

رابعا- الدفاع عن إعلام حرّ ومتنوّع وتعدّدي الذي لا يكرسه الإعلام الموجّه من السلطة برأسيها وكذلك الإعلام الذي يسيطر عليه المال المشبوه واللذان يعاديان الحركات الاجتماعية ويقدمان مواد مضللة وسطحية ومبلدة للذهن.

* مداخلة قدمتها في ندوة حول أحاث الحوض المنجمي 2008 نظمتها لجنة حفظ الذاكرة الوطنية بهيئة الحقيقة والكرامة يوم 21 فيفري 2018.

المصادر والمراجع

أجرينا حوارات مع السادة الآتية أسماؤهم: الطيب بنعثمان، بشير العبيدي، مظفر العبيدي، عادل جيار، حسن بن عبد الله، الهادي بوصلاحي، محمود الردادي، عبيد خليفي، صالح العجيمي، غانم الشرايطي، بوبكر بن بوبكر، عمّار عمروسيّة، أجريت خلال سنة 2015.

منشورات حزب العمال الشيوعي التونسي في www.albadil.org (الموقع مغلق حاليا).

وثائق الأستاذ أنور القوصري، قرار ختم البحث في القضية التحقيقية عدد 15537، ممضى من قبل قاضي التحقيق الأوّل لدى المحكمة الابتدائية بقفصة المختار سعود ويحمل تاريخ 13 سبتمبر 2008.

عمروسيّة، عمّار، “انتفاضة الحوض المنجمي: محاولة تقويمية”، الشيوعي، عدد 16- ماي 2008، الملحق عدد 2.

موقع شركة فسفاط قفصة:   http://www.cpg.com.tn/Ar/_11_32 تاريخ الزيارة: 4 مارس 2018.

شهادة الطيب بنعثمان، نشرت في: التميمي، عبد الجليل (إشراف وتقديم)، المعارضون التونسيون تحت التعذيب في تونس عبر سجلاّت الذاكرة، تونس، منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 2013.

الرداوي، رضا،”قضيّة الفاهم بوكدّوس: الدرجة الصفر للمحاكمة العادلة”، جماعي، صحافيون تونسيون في مواجهة الدكتاتوريّة ثلاث وعشرون سنة من القمع والتضليل، تونس، 2013، مركز تونس لحريّة الصحافة، ص 286-304.

مجموعة من الباحثين، الثورة في تونس من خلال الوثائق، منشورات المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنيّة، تونس 2012.

عرفاوي، خميس، “قضيّة الوفاق (2008-2009) المحاكمة والدلالات”، خميّس عرفاوي (تنسيق)، الثقافة والالتزام أعمال الندوة الدولية متعدّدة الاختصاصات المنعقدة بتونس في 12 و13 أفريل 2013، منشورات المعهد التحضيري للدراسات الأدبية والعلوم الإنسانية بتونس، 2016، ص 109-146.

الطبابي، حفيظ، الحركة النقابية في مناجم قفصة خلال الفترة الاٍستعمارية، تونس، المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، 2005.

الطبابي (حفيّظ)، انتفاضة الحوض المنجمي بقفصة (2008)، تونس، الدار التونسية للنشر، 2012.

Boubaker (S), Hassen (M), La Compagnie des Phosphates de Gafsa (CPG): État des lieux de la gouvernance et recommandations, rapport  publié dans internet, la date n’est pas indiquée, p. 6.

Ben Romdhane (M) et Kadel (A), “Le bassin minier de Gafsa : le désespoir sous les trésors”, http://attariq.org/spip.php?article60, visité le 14 février 2018.

BARDI (H), Procès du 11 décembre 2008 devant le tribunal pénal de Gafsa. Rapport d’observations judiciaires, Tunisnews, 8 ème année, n° 3155 du 11.01.2009.

Kraïem (M), Le mouvement social en Tunisie dans les années trente, CERES, Tunis, 1984.

Larbi Chouikha et Eric Gobe, La Tunisie entre la « révolte du bassin minier de Gafsa » et l’échéance électorale de 2009, L’année politique, 2009.

Larbi Chouikha et Vincent Geisser, Retour sur la révolte du bassin minier. Les cinq leçons politiques d’un conflit social inédit, L’année politique, 2010.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق