“شريعة المفاسد” لمؤلفه معمر عطوي: هل يمكن تخطي المأزق من داخل النّص الديني؟

رغم مرور نحو أربع سنوات على صدور كتابه مازال “شريعة المفاسد- الاجتهاد الغائب عن فضاء النص الديني”، لمؤلفه الصحافي اللبناني معمر عطوي يطرح إشكاليات آنية يواجهها الشّارع العربي الإسلامي بحكم هيمنة التيار الديني، ففي هذا الكتاب المثير للجدل الصادر عن “دار النّهضة العربية” في بيروت، ثمّة عملية تفكيك، لا بل كشف حساب تامّ، للفارق اللاّنهائي بين ما تدّعيه الحركات الإسلاميّة بمجملها، خصوصاً المذهبيّة منها الشيعيّة والسنيّة، وما تمارسه.

يحكم هذا الكتاب أسلوب رشيق وسلس، لغة بسيطة وعميقة، وينقسم إلى فصول سريعة وصغيرة، توصل الفكرة دون التفاف على العبارة، ودون تكرار واستطراد ودخول في تفريعات تضيع الفكرة.

تعرية الإسلاميين

في السّياق نفسه، يعرّي الكاتب هذه الحركات الإسلاميّة، ويعيدها إلى مصدرها، في محاولة دعوة إلى الإجتهاد، كما تقول هي بالضبط، إنطلاقاً مما يجلب مصلحة الأمّة والنّاس. ومن هذا المكان، يُظهِر الكاتب عقمَ تلك الحركات ومفكّريها، ويُظهر المأزق الذي تتخبط فيه، والمعايير المزدوجة، وكيفيّة تغلغل السياسة في النّص وفي الفقه، وكيفيّة استخدام ما يساعد على الفرز ويبعد عن الضّم أو الجمع.

الكتاب من المقدمة، هو محاولة لإظهار إمكانية تخطي المأزق الواقعي من داخل النص، سواء اعتقدنا بذلك أم لا (ص 9 – 10). هو مأزق آخر يضعه في وجهة تلك الحركات المذهبية، مأزق القراءة المختلفة للنص الديني نفسه، لاستخدام آيات وسور يهملها عادة من يدعو إلى القتال وإلى الشرذمة، تمسكاً بالهوية حينا، وتأسيساً للكينونة التاريخية على التمايز والكره حيناً آخر.

العودة إلى الكهف

هنا يمكن العودة إلى الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770-1831) في تناوله لمسألة الأمة، لكن لدى هذه الحركات يتم النظر بمجهر مصغّر يتنازل عن التفكّر بالأمة فينحصر بالمذهب، والذي لا نستغرب إذا ما انحصر بزاروب صغير أو حتى بمبنى واحد. هذا السلوك هو من الضعف الذي يمكن ملاحظته، فمن يعود إلى دائرته الضيقة يقوم بهذا مخافة أن ينفتح على الآخر، يعود إلى كهفه من أجل حماية نفسه من أي خطر خارجي مفترض ليس بالضرورة أن يكون واقعياً.

في هذا السّياق يورد الكاتب الكثير من الموضوعات والممارسات التي تقوم بها كل فئة على حدة، وبطريقة ملتوية كي تمارس سحرها في إخفاء الحقيقة. فمثلاً، يطرح المؤلف مسائل الزواج (ص 60)، ويضعها في مقابل زيجات المتعة ونكاح الجهاد والمسيار مثلاً، فكيف ينتقد من يدافع عن أيهما الزواج الآخر؟ وهذا ينسحب بدوره على مسألة التّفرقة بين الشادور والنّقاب، فكيف تنتقد المنقبة المشودرة، والعكس صحيح! هل هناك فارق كيفيّ فعلاً في الأمر أم أنه فارق كمّيّ لا يمكن البناء عليه؟ وبطريقة العرض يوضح الكاتب موقفه الذي يعتبره فارقا في الدرجة لا في النّوع، وهذا لا يؤسس لنزعة إنسانية أكثر حضارية من الأخرى، بمعزل إذا ما كانت مسألة عقائديّة أو خلافه، ما دامت الغاية من خلف كل عقيدة هي الإنسان والمجتمع.

وينسحب السّجال نفسه على الأمور الأخرى، وبالطّبع للسياسة الحصة الأكبر. فيقود كشف الحساب إلى قراءة سريعة لسلوك تلك القوى والحركات مثلاً في مسائل وطنيّة إنسانيّة عربيّة، لا بل إسلاميّة، خلال السنوات الأخيرة خصوصاً. وفي هذا السياق يمر على الاحتلال الأميركي للعراق، وكيف سلك “حزب الله”- مثلاً-، ويقابله بمسألة الثورة المصريّة  وكيف سلكت كل من قطر والمملكة السعوديّة (ص 91 وما بعدها).

تمرّ الكثير من المشكلات في سياق الكتاب والّتي يؤرشف لها المؤلف جيداً، فيستخدم ما يجب استخدامه وفي مكان ذلك الإستخدام، ليظهر أن الكارثة الّتي يمارسها طرف ما، يسارع الطرف الآخر إلى ممارستها في مواضيع أخرى، وكلها وفق منطق: لقد أخطأ الآخر هناك، فلا مشكلة من أن أقع في الخطأ نفسه هنا. وما إلى ذلك من تنافس في ممارسة السوء بين جميع الأطراف، وفي صناعة الكارثة والجريمة، تنافس من أجل الشرذمة بناءاً على منهجية القوة والسّلطة.

دعوة للتّأويل

أمّا على الصعيد الفكري، أو المنطق الذي يحكم النص، فهو دعوة إلى التأويل (ص 15 – 18)، إلى الاجتهاد وفق مقتضيات العصر، وفق حاجات الإنسان الحياتيّة واليوميّة، وفق منطق عدم التّناقض، بعد تنحية التعبّد جانباً. فما الذي يجلب المنفعة للإنسان العربي عموماً وللمسلم خصوصاً؟ هل هذا الشكل من الدولة، المدني في جوهره الطائفي والعسكري المغطّى دينياً في ممارسته؟ هل تقوم الدولة على التّمايز الطّائفي أم على المنافسة الشريفة؟ هل نحلل ما إذا كانت هذه الممارسة العلمية البحت شرعيّة أم أن مصدرها يخلخل الأسس الدينيّة والنّص والعبادة؟ وهل أن الدين والمعتقد والطائفة والنّص والشريعة بهذا العقم ليخلخلها أي قادم ثقافي جديد إلى فضائها؟

إذن، النّص هو دعوة إلى التّأويل وفق المصلحة، إلى الاجتهاد وفي المقتضيات. وهو إلى ذلك، دعوة صريحة لإعمال العقل والابتعاد عن التّقليد الأعمى، بما يقوّض حرية الإنسان. هو أيضاً محاولة لتصريف كل هذا في السياسة، في الحكم العادل، في الابتعاد عن الظلم، وفي الدّخول في العصر من أوسعه أبوابه.

أمّا بعد، فالنّقد مسألة ضروريّة أيضاً، وهنا نركّز على مسائل عديدة نطرحها بدورنا في سبيل التفكّر بصوت مرتفع مع الكاتب ومع مصلحته الّتي تتوافق مع مصلحة أياً كان في هذه المنطقة. وفي هذا الإطار نورد أن الفصل المعنون “عقم التربية الدينية” يطرح العديد من القضايا الّتي تبدو متناقضة ومتفاوتة ومُبهَمة، وتطالها أسئلة تنسحب بدورها على مجمل الكتاب إذ: كيف يرى الكاتب كل هذه المشكلات الّتي تعترض هذه الجماعة وفي نفس الوقت يدعو إلى التّغيير من الدّاخل؟ هل أن النقد لا يأتي إلاّ من الدّاخل، بعد الإطمئنان للنظرية الدينيّة الأكبر ومن دون المساس بها وبشرعيتها الزمانيّة المكانيّة الحياتيّة من الخارج؟ كيف يمكن الدّعوة إلى التّحريم “الديني” لعدد من الأمور الّتي تندرج ضمن القانون في الوقت الّذي ندعو فيه إلى الدولة المدنية؟ وعليه، هل إنّنا شعوب ومجتمعات لا يمكنها التّغريد خارج الفضاء القدري الإسلامي هذا؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. معمر عطوي

    استعرض الدكتور باسل فرحان صالح استاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية، مشكوراً أبرز النقاط التي عالجتها في كتابي الآنف الذكر، وكانت اسئلته النقدية في المقطع الأخير من عجالته منطقية وتستحق التوقف عندها. إذ كيف أستعرض كل هذا العقم والفساد على المستوى التربوي وعلى مستوى الممارسة السياسية كمقدمة واستنتج في الأخير أن التغيير قد يأتي من النص. وهذا ما ينافي المنطق الأرسطي الذي تعلمناه سوياً في الجامعة والذي يقول إذا كانت إحدى المقدمتين (الصغرى والكبرى) فاسدة فالنتيجة فاسدة. نعم يا صديقي هي محاولة لإبراز التناقض بين ما يٌقال وما يُمارس وهذا ما عايشناه ولا ننظر له من بعيد. الكتاب يشرّح الظاهرة من الداخل لا بقصد القول إن التغيير حتماً سيكون من داخل السرب، بل أردت القول بشكل غير مباشر ربما، إن المضمون الروحي للدين الإسلامي قد تمت مصادرته لمصلحة هوى السلطة ولمصلحة سلطة الملالي الذين اصبحوا مقدسين أكثر من الدين نفسه وهو الأمر ذاته مع الأحزاب الدينية التي باتت أهم من الله في المفهوم الإجتماعي والسياسي. لذلك هدفت من وراء الكتاب لا الهدم ولا التدمير ولا الاقصاء إنما الاستيعاب من خلال النقد المبني على قاعدة “درء المفاسد وجلب المصالح”. وربما لو كتبت الكتاب بعد معايشتي لقيم الغرب في فرنسا وسويسرا وقبلها المانيا، ودور الكنيسة المحصور بالخدمات الانسانية والممارسة الروحية داخل المعابد، لقدّمت فكرتي بشكل أكثر وضوحاً لجهة ايماني بأن هذا الدين وغيره مسألة روحية شخصية لا علاقة لها بالمجتمع ولا بالسياسة ولا حتى بتحديد مفاهيم الأخلاق.

أضف تعليق