لاجئون في ضيافة الفرنسيين:Welcome Refugees

بينما تواجه أوروبا أسوأ أزمة هجرة في التاريخ الحديث، برزت في فرنسا مشكلة إسكان طالبي اللّجوء، حيث لا يوجد أماكن كافية ضمن التّجمعات الخاصة باستقبال اللاّجئين لإيواء عشرات آلاف الأشخاص والعائلات كما هو في بلدان أوروبيّة أخرى أكثر غنىً وقدرة على الاستيعاب مثل ألمانيا والسويد- مثلاً.

تميّز العام 2015 بدخول 1.8 مليون مهاجر إلى منطقة شنغن، وباتت الأعداد التي توزعت على دول الاتحاد الأوروبي وفق نظام توزيع الحصص أو وفق اجراءات معاهدة دبلن لإعادة لاجئين الى البلد الأول الذي دخلوه، أزمة حقيقية أجبرت الكثيرين على النّوم في الشّوارع والحدائق العامّة ومحطات القطارات. ففي فرنسا الّتي تُعتبر إحدى بوابات الوافدين، خصوصاً من القارّة السمراء، انبرت جمعيات دينيّة ومنظمات غير حكومية لتأمين السّكن، في وقت تصاعدت فيه أعداد الوافدين إليها لتصل في العام 2016 إلى 85241 شخص تقدموا بطلبات لجوء، في حين شهد العام 2010 تقديم أقل من 53 ألف طلب لجوء.

خطّة المهاجرين

ولم تفلح الخطط الحكوميّة في استيعاب هذا الكم الهائل، على الرّغم من اعتماد خطة مجلس الوزراء “للرّد على تحدي الهجرة واحترام الحقوق ودعم القانون”، والمعروفة باسم خطة “المهاجرين” في جوان 2015 ، من أجل تنسيق الجهود المبذولة في هذا السّياق. فقد التزمت باريس باستقبال 30،700 لاجئ على الأراضي الوطنية بحلول العام 2017 في إطار برامج الانتقال الأوروبيّة (اللاّجئون معظمهم من سوريا والعراق وإريتريا).

ومنذ العام 2015 ، تتولى وحدة المهاجرين في DIHAL مهام تنفيذيّة تتعلق بالإسكان والدّعم الشّامل للاجئين في فرنسا. ومن ضمن هذه المهام تأمين المساكن الشّاغرة في المساكن الإجتماعية، أو مساكن الشباب، في جميع أنحاء فرنسا (باستثناء منطقة باريس). وتوزع من كان لهم نصيب في الحصول على سكن على التجمعات السكنية مثل (CADA ،ATSA ،CHU ، CAO) والفنادق الّتي حجزتها السّلطات المختصّة لهذا الغرض. فمن أكتوبر 2016 إلى ماي 2017، تم إيواء أكثر من 2000 لاجئ.

أمّا الأشخاص الآخرون الّذين ظلّوا في قائمة الانتظار لشهور من دون سكن، فمنهم من افترش الأرض والتحف السّماء ومنهم من لجأ الى أقارب أو أصدقاء، وآخرون قلّة اضطروا لاستئجار غرفة على حسابهم في ظلّ أوضاع ماديّة صعبة، إذ لا يُسمح لطالب اللّجوء بالعمل قبل الموافقة على إعطائه صفة لاجئء أو متمتع بالحماية المؤقتة.

اليسوعيون في المقدمة

بيد أن الجمعيات الأهليّة وعلى رأسها جمعية اليسوعيين لخدمة اللاجئينJRS France، الّتي استحدثت منذ سنوات دائرة خاصة بتأمين السّكن للاجئين تحت اسم Welcome والّتي تعني بالعربية “أهلاً وسهلاً”، وفّرت لبعض اللاّجئين سكناً عبر استضافتهم لدى عائلات فرنسيّة في منازلها، بعد دراسة معمّقة لأوضاعهم. وحظي هؤلاء بسكن دافئ ووجبات طعام في بعض الأحيان إضافة إلى تأمين المناخ الملائم للتواصل مع الفرنسيين وتعلم لغتهم وفهم عاداتهم وتقاليدهم.

كذلك، أُنشئت شبكة واسعة من العلاقات والتّجمعات الّتي أمّنت لبعض طالبي اللجوء سكناً يريحهم من عناء “رحلات الموت” في البحر أو مصاعب الهجرة نحو الشّمال. وفيما لا يتدخل المضيف بخصوصيات الضّيف ولا يسأله عن أي قضية خاصّة ممكن أن تزعجه، يفسح في المجال أمامه ليعبّر عن همومه ومشاكله في حال أراد اللاّجئ ذلك. وهو بهذه الطريقة يساعده على تنمية قدراته اللّغوية في المحادثة والتّواصل.

من خلال الجمعيّة اليسوعيّة قال الفرنسيون للمهاجرين “أهلاً وسهلاً” وطبّقوا هذا التّرحيب بأن جعلوا كلّ لاجئ ضيفاً في أحد البيوت بين أربعة وستّة أسابيع. ومنهم من يستقبل ضيفه لمرّة أخرى في حال طال الإنتظار. إذ تصبح العلاقة بين العائلة واللاّجئ علاقة اجتماعيّة، وتواصل دائم واطمئنان مستمرّ حول الأوضاع والمستجدات، وتقديم المساعدة إذا لزم الأمر. هذه الخدمة انتشرت في العديد من مناطق ومدن فرنسا مثل إكس إن بروفانس وآل وأنغر وأفينيون ورون وغاب وليون ونانت وتولوز وصالون دو بروفانس وغيرها الكثير. إذ تسير عملية التنسيق مع جمعيات أخرى مثل تجمع AGIR وجمعية CIMADE وجمعية Forum Refugies للتّعرف على طالب اللّجوء ودراسة ظروفه تمهيداً لاستقباله.

وفق الموقع الالكتروني الخاص بالجمعية اليسوعيّة، فإنّ كلّ لاجئ يكلّف يومياً من 4 الى 20 يورو، بدل مأوى (زائد 7 يورو للاحتياجات الأساسيّة في الغذاء والملابس والنّقل).

فطالب اللّجوء ما لم يحظ بسكن لدى التّجمعات التابعة لدائرة الهجرة واللّجوء، سيعاني كثيراً ريثما يتمّ النّظر في طلبه للموافقة عليه كلاجئٍ سياسي أو انساني. وفي حال رفضه وتقدمه بطعن لدى المحكمة الخاصة CNDAعليه أن ينتظر طويلاً لمدد تزيد عن السنة أحياناً كثيرة. وفي هذه الحال ليس لديه سوى الشّارع أو العمل بشكل غير قانوني لدفع إيجار غرفة، أو السكن لدى المعارف والأقارب المقيمين في البلاد، ومنهم من يضطر للاستعانة بخدمات السكن المعد لحالات الطوارئ عبر الاتّصال بالرقم (115) وهو سكن غير ملائم وغير مسموح البقاء فيه لفترة طويلة.

اكتشاف الآخر

لذلك تُعتر تجربة رائدة تلك الّتي تقوم بها جمعية دينيّة بلا مقابل، فلا هي تأخذ بعين الاعتبار الانتماء الديني للشّخص أو الإثنية، ولا هي تتدخّل في اعتقاد الشّخص الضّيف أو فرض أي أمور عليه. بل بالعكس تتحول العلاقة بين العائلة والشّخص الضيف إلى علاقة أخويّة يتمّ من خلالها معرفة عادات وتقاليد الآخر واكتشاف الأبعاد الاجتماعيّة والذهنيّة للآخر بشكل لا يمكن معرفته من خلال الإعلام. ويحترم المضيف قناعات الضيف الدينيّة ومحرماته في الغذاء والشّراب ويتعامل معه على هذا الأساس.

يصبح طالب اللّجوء محتضناً ليس فقط من عائلة بل من شبكة اجتماعيّة واسعة تؤمن له حضور مجانيا لنشاطات ثقافيّة وترفيهيّة وحفلات فنيّة وزيارات لمتاحف ومعالم ومدن وتأمين بطاقة عضويّة في المكتبة العامة، وتعلم اللّغة والتّحادث ومساعدته على الانتساب إلى الجامعة في حال كان لديه المؤهلّات لذلك. إضافة إلى تأمين اشتراكه بنشاطات رياضيّة في حال كان يهتمّ بذلك.

ويعمل في هذا الحقل مئات المتطوعين من موظفين متقاعدين ومعلّمين ومثقفين وفنّانين وعاملين في الحقول الطبيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.

فلدى جمعية ” JRS” بلغ عدد المتطوعين في العام 2017، 150 شخصاً، في حين تمّ التّرحيب بواحد وثلاثين شخصاً من بينهم 4 نساء ومساعدتهم.

ومن هؤلاء المتطوعين 13 مدرسًا و 65 عائلة مضيفة و 59 عائلة استضافتهم فعليًا، ما مجموعه 3،350 ليلة قضاها هؤلاء لدى العائلات المضيفة. كما قدمت الجمعية دعماً قانونياً لثلاثة عشر طالب لجوء من خلال ثمانية متطوعين. ووفق معلومات الجمعيّة اليسوعيّة فإنّ الأشخاص الواحد والثلاثين قد حضروا جميعاً دروس اللّغة الفرنسيّة.

تحاول جمعيّة “Welcome” تعويض بعض النّقص في خدمة طالبي اللّجوء والّتي نصّت عليها شرعة حقوق الإنسان واتّفاق جنيف-3، وقد استطاعت بذلك أن تسدّ ثغرة كبيرة على صعيد إيواء أشخاص كانوا مهدّدين بالتّشرد، وفي المقابل أن تهيء اللاجئ ليتمكن من الاندماج في المجتمع الفرنسي في ما بعد. هي جمعيات دينيّة لكنها لا تستغل حاجة الآخرين لنشر رسالتها ولا تفرض مقابل الخدمة على الضيف تغيير قناعاته، بل هي تعمل وفق رسالة العطاء المسيحيّة من دون مقابل وتلتزم بالقانون العلماني للبلاد. وهذه ميزة الكنائس في عهد عصر الأنوار وسيادة دول القانون والعلمنة إذ تصبح الممارسة الدينيّة السامية هي العطاء والاحتضان من دون تمييز، لا التبشير بالمعنى التّقليدي أوالتأثير العقائدي. على هذا المنوال هناك جمعيات أخرى تساهم في تأمين السّكن وهناك مبادرات فرديّة عديدة أيضاً تؤكد أن المجتمعات الغربيّة- بعيداً عن السياسة طبعاً- ليست بالصورة النمطيّة الّتي انغرست في عقولنا، بل هي مجتمعات إنسانيّة فيها العطاء والتّعاطف مثل أي مجتمعات شرقيّة أخرى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق