” Le Granet ” يعرض 40 لوحة لرسام “سان فكتوار”

لا يفارق الفنان التشكيلي الفرنسي بول سيزان مدينته أبداً، فهو في حياته ولد وعاش وتوفي في إكس- إن بروفانس. بعد وفاته ظلّت المدينة الواقعة في جنوب فرنسا بالقرب من مارسيليا، وفيّة له من خلال حفظ أعماله وذكرياته والأماكن التي أصبحت معالم تحكي قصة هذا الرجل وخريطة تحركاته لرسم هذه المدينة وكل ما فيها من مظاهر جمالية ووجوه وتضاريس أبرزها جبل “سان فكتوار” في شمال المدينة بقمته الشهيرة (1011 متراً) والذي خصص له أكثر من ثمانين لوحة مائية وزيتية.

بعنوان “سيزان في المنزل”، احتضنت المدينة الوفيّة لإبنها الفنان اليوم في متحف ” Granet d’Aix-en-Provence La”، معرضاً ضخماً يضم نحو 40 عملاً، ما بين العشرين من تشرن أول/ أكتوبر 2017 والأول من نيسان/ أفريل 2018، إذ يمكن اعتبار هذا المتحف بمثابة منزل للفنان بحكم ضمه لعدد من لوحاته وتنظيم معارض دائمة لأعماله.

معالم سيزان

إبن الرجل المصرفي الغني والذي ولد في مدينة إكس في العام 1839، وتوفي فيها في العام 1906، يشكل أحد أهم معالم المدينة الصغيرة الهادئة، حيث بات إسمه يطلق على العديد من المرافق العامة والخاصة، من شوارع وجادات ودور سينما ومدارس، فيما تحفظ الشوارع خريطة طريق تحركاته؛ هنا جلس سيزان، هذا مشغل سيزان في شمال إكس، وعلى مسافة غير بعيدة “ليسيه سيزان” و”منزل سيزان” وتمثال سيزان، هناك كان يتأمل ويرسم، وهذه الطرقات التي كان يسلكها. معالم عديدة تحفظ اسم الفنان الإنطباعي الذي تزور لوحاته اليوم العديد من أبرز المتاحف والمعارض العالمية.

من خلال متحف غراني Granet الذي يحتفظ ببعض لوحاته بشكل دائم، يعود سيزان إلى مدينته، بإرثه الغني وبرعاية من مؤسسة “Henry and Rose Pearlman”. لعل أبرز موجودات هذا المعرض لوحة تمثل منظر على طريق تولوني قرب القلعة السوداء، في شرق إكس، رسمها بين العامين (1900-1904)، اضافة الى لوحة جميلة جداً لفتيات عاريات في الطبيعة بعنوان “السابحات (رسمها نحو العام 1890)، أما “طبيعة ساكنة” فهي صورة زيتية تتضمن سكريّة وكأس خمر وحبات من نبات الكمثرى (1865)، كما تضم أعماله صورة لمعمل إستاك قرب مارسيليا.

اشتهر سيزان برسوماته الطبيعية وبرسم جبل “سان فكتوار” بريشته المميزة من جوانب عديدة وأماكن مختلفة وبظروف مناخية متعددة حتى بات يُعرف باسم “رسام سان فكتوار”. هذا الى جانب البورتريه الشهير للكاتب الصحافي ” إميل زولا أثناء ركوبه القطار، هو صديقه وزميل الدراسة في كلية “Bourbon” التي أصبحت الآن تعرف بكلية ” Mignet”.

“سيد إكس”

لوحة زولا هي البورتريه الوحيد الذي انضم مع تسع لوحات إلى متحف “غراني” وهي من مقتنيات “سيد إكس” (كما يلقب نسبة الى مدينته)، هذه اللوحة حصل عليها مجلس بلدية المدينة في العام 2011. وهي مرسومة بمادة الزيت على قماش، أنجزها في باريس خلال العامين 1862-1863. وتم عرضها في العاصمة الفرنسية بعد وفاته في العام 1929، وفي نيويورك 1936. لوحة نامت أربعين عاماً في أحضان تاجر الفن اللامع، أمبرواز فولارد الذي كشف سيزان للجمهور، وظهرت في مزاد، العام 2010، لتصبح بعد ذلك ملكاً للمتحف إضافة إلى مجموعة مقتنيات من أعماله قدمتها مؤسسة فيليب ماير في العام 2000.

يعطي هذا المعرض، الذي يشرف عليه برونو إيلي (كبير مسؤولي متحف غراني)، مكانة رائعة لأعمال الرسام الواردة في المجموعة الدائمة، وأيضاً للأعمال التي نادراً ما تظهر للجمهور لأسباب تتعلق بحفظها، لجهة الألوان المائية الرائعة، كذلك الأشياء الخاصة التي تنتمي إلى سيزان مثل أواني وقماش رسم وريش ورسائل.

فكرة هذا المعرض أتت من خلال إعارة “مؤسسة هنري وروز بيرلمان” لوحة لا تقدر بثمن إلى المتحف الكائن وسط مدينة إكس بالقرب من كاتدرائية قديمة ذات بناء رائع. اللوحة هي منظر لجهة طريق تولوني قرب القلعة السوداء. وقد ظهرت في نهاية حياة الرسام ويتم عرضها لمدة سنة في “غراني”.

أربعون عملاً ومقتنيات أخرى من روائع بول سيزان تعرض على مساحة 200 متر مربع في طابقين من طوابق المتحف. وعلى مقربة من وسط المدينة لجهة الغرب في منطقة جاز دو بوفان، ثمة عرض بصري جميل ثلاثي الأبعاد داخل إحدى الغرف التابعة لمنزل يعود لعائلة سيزان، تم تنظيم هذا العرض بالتعاون مع شركة Wanadev ،حيث يتمكن الزائر من إعادة تشكيل إحدى اللوحات التي رسمها الشاب سيزان من خلال جهاز عرض بصري. هذه الأعمال تشكل جزءاً من ديكور صالونه الكبير وقد تم انجازها بين العامين 1865-1870. ظاهرة  لم يسبق لها مثيل، يسيطر عليها المرح والإثارة، وتساهم في توعية جمهور كبير لهذا الجزء من العمل السيزاني، حيث باتت روائعه تنتشر في متاحف بكافة أرجاء العالم. من باريس ولندن ونيويورك وبوسطن مروراً بموسكو  وبرلين وغيرها من مدن فرنسية وعالمية أخرى.

رائد الإنطباعية

على غرار زملائه من المدرسة الإنطباعية، مارس سيزان فن التصوير في الهواء الطلق، حيث تشتهر منطقة إكس إن بروفانس بالطبيعة الرائعة التي تقترب من مناخ البحر فيما تحيط بها الجبال من كل جانب. لذلك عبّر الفنان عن أحاسيسه التصويرية، بلوحات طبيعية تعتمد اسلوب المدرسة الانطباعية ولم يجنح كثيراً للتجريد، بل رسم الوجوه والأشخاص ولاعبي الورق في المقهى والنساء العاريات خلال الاستحمام في الأنهار والجداول، وصور من حياة الريف الهادىء في جنوب فرنسا، حيث حقول الزيتون، والعنب الذي يستخدم لصناعة أجود أنواع النبيذ، وحيث أنواع الأشجار الوارفة التي تغطي مساحات كبيرة من البلاد. كان له تأثير كبير على العديد من الحركات الفنية في القرن العشرين مثل التكعيبية، والتجريدية.

لكن مدينة إكس- إن- بروفانس، تظل مدينته التي فضلها في حياته فاقترنت باسمه بعد مماته، وفيّة لألوان رائعة خطت حياة الريف الفرنسي من قطاف الزيتون والعنب إلى المهن البسيطة التي يمارسها الناس في هذا الريف الجميل، فيما ظلت معالم المدينة تقود دائماً إلى سيدها الذي تعلم منه الكثيرون من بعده، وخصوصاً تال كوا(1905-1985) الرسام التجريدي الذي وفد من منطقة بريتاني في شمالي غرب فرنسا إلى مدينة سيزان ليستلهم روح الرسام بعد أربعين عاماً من رحيله تقريباً (1940-1956)، والذي أقيم له معرض مماثل في المتحف نفسه قبل اسابيع تقريباً تحت عنوان “الحرية الشرسة للرسم” (أنظر مقالنا في “الأوان” بعنوان ” مدينة سيزان تستحضر أعمال تال كوا بمئة وثمانين لوحة بين الطّبيعة والتَّجريد”).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق