حقائق القلب وحقائق العقل

نعرف الحقيقة لا بواسطة العقل فقط، ولكن أيضا بواسطة القلب. فعن طريق هذا الأخير نعرف المبادئ الأولى الّتي يحاول الاستدلال العقلي، الّذي لا حظ له منها، هدمها. إن البيرونيين (الشكاك) الّذين لا موضوع لهم غير التّشكيك في تلك المبادئ، يعملون دون فائدة. نحن نعلم أننا لسنا في حلم أبدا. ومهما عجزنا عن إثبات ذلك بالعقل، فإنّ هذا العجز لا يتضمّن سوى عجز عقلنا عن ذلك، وليس لتهافت معارفنا وعدم اليقين، كما يزعم الشّكاك.

إنّ معرفة المبادئ الأولى مثل المكان والزّمان والحركة والأعداد هي من الصلابة بحيث تتجاوز سائر المبادئ الّتي يقدّمها لنا الاستدلال العقلي. إنّما ينبغي على العقل أن يستند، لتأسيس خطابه بكامله، على المعارف الصادرة عن القلب والغريزة. فالقلب يشعر أنّ هناك ثلاثة أبعاد في المكان. .وأن الأعداد لا نهائية. وبعد ذلك يأتي العقل ليبرهن أن لا وجود لعددين مربعين يكون أحدهما ضعف الآخر.

إنّنا نشعر بالمبادئ. أمّا القضايا فنستخلص بعضها من بعض. ولكلّ له نفس اليقين وإن اختلفت الطرق المؤدية إليه. ومن غير المفيد كذلك. بل من المثير للسخرية أن يطلب العقل من القلب البرهنة على مبادئه الأولى حتّى يتوافق معها. ومن المثير للسخرية أيضا أن يطلب القلب من العقل أن يشعر بجميع القضايا الّتي يبرهن عليها حتّى يتلقاها منه.

******

بليز باسكال: خواطر، الفقرة 52، قدمها ورتبها من جديد مارسيل غارسان، النادي الفرنسي للكتاب، 1963، ص ص22-23.

.Blaise Pascal, Pensée.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق