بانتظار رحلة القدس: روائع متحف فلسطين على ضفّة السين

“نحن أيضاً نحب الحياة”، عبارة جميلة قالها الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش (1941-2008)، شكلت عنواناً ملائماً للمعرض الثاني من أجل متحف في فلسطين، والذي ينظمه معهد العالم العربي في باريس في مقره على ضفة نهر السين، فيما بدأ البحث عن الأرض التي ستحتضن المباني المستقبلية للمتحف الموعود على أرض فلسطين في القدس المحتلة، بالتزامن مع إقامة اتصالات مع المهندسين المعماريين للنظر في طرق مساهماتهم، والتي تبدو إيجابية ومشجعة.

اللافت في هذه التظاهرة الفنية التي تؤكد تضامناً عالمياً مع قضية فلسطين في خضم الصراع حول هوية القدس وتحويلها الى عاصمة لدولة الإحتلال، أنها تضم عشرات الفنانين الذي تطوعوا للمساهمة والتبرع بأعمال رائدة تتبع لكافة المدارس الفنية التشكيلية والتجريدية والسوريالية والانطباعية، الزيتية والمائية ما يشكل أساساً غنياً للمتحف المستقبلي الذي سينضم إلى أهم المواقع الثقافية في العالم.

الإبداع المعاصر

الطموح الذي وضعه القيّمون على جدول أعمالهم لتحقيق هذا الهدف هو تغطية التيارات الأساسية للإبداع المعاصر في الخمسين سنة الماضية، من التجريد ونظرية الحركة وتمثيل جميع أشكال التعبير، إلى التصوير الفوتوغرافي والكاريكاتور والسينما، حيث سيقدم Jean-Luc Godard أحدث مجموعة من أفلامه حول موضوع اللغة.

من هؤلاء الفنانين المتضامنين، المصورة الفوتوغرافية آن-ماري فيلبير التي تشارك بصورة تجسّد معاناة الفلسطيني اليومية على معبر قلنديا الإسرائيلي، ومن اللوحات الفنية واحدة للرسام روبرت لابوجاد بعنوان “الحشد”، فيما شارك حامد عبدالله بلوحة بعنوان “الثورة” ولويس كان بلوحة عن “ميلاد المسيح”، أما رشيد قورشي فتبرع بلوحة “معلمون غير مرئيين”، هذا إضافة الى العديد من الفنانين منهم روبرت كومباس، ليوناردو كريمونيني، هيرف دي روزا، أحمد نواش، هاني زورب، رينيه فرحي، جاك فرنانديز برونو فيرن وآخرين كثر لا مجال لذكر اسمائهم في هذه العجالة.

حلم دوريش

تقوم “جمعية الفن الحديث والمعاصر في فلسطين” بمهمة التواصل مع الفنانين حول العالم، من أجل التبرع بعدد من لوحاتهم وأعمالهم للمتحف، فيما يلعب الفنان الفرنسي المعروف إرنست بينيون إرنست -صديق الشاعر درويش، وأحد المتعاطفين مع القضية الفلسطينية منذ عقود- دور الوسيط في اختيار اللوحات والأعمال المناسبة لتنافس في جودتها مقتنيات المتاحف العالمية الكبرى. يكشف إرنست في أحاديث صحافية أن فكرة المتحف تعود لعدة سنوات، وأنها كانت حلم صاحب “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي” الذي عاش آخر سنواته في باريس، فقد كان درويش هو من اقترحها على صديقه الفرنسي وطلب منه المساعدة لتحقيقها.

وبفضل هذه الجهود تميز المعرض الثاني (الذي بدأ في العاشر من آذار/ مارس الماضي وينتهي في الثالث عشر من شهر أيار/ ماي المقبل) بأنه أصبح يضم 140 عملاً فنياً ، بينما كانت موجودات المعرض الأول نحو الخمسين عملاً. الأهم من كل ذلك أن هذه الموجودات هي عبارة عن مساهمات وتبرعات من فنانين أوروبيين وعرباً أردوا محاربة عنصرية الصهيونية على طريقتهم في عملية استنساخ لمشروع “متحف المنفى” الذي بدأ من باريس العام 1980 من قبل الفنانين العالميين لشجب الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. المتحف الذي أقامه إرنست أيضاً وترأسه مع الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا. ربما لهذا يوضح الفنان الفرنسي أنه أقام قبل سنوات في رام الله، وشاهد الانتهاكات الإسرائيلية اليومية بحق الفلسطينيين، معبّراً عن أمله في أن يساهم هذا المشروع في إسقاط نظام الفصل العنصري الإسرائيلي.

متحف المنفى

اللافت في مشروع متحف فلسطين أنه بزغ وتحققت خطواته الأولى في حضن هذا الصرح الثقافي الشهير المواجه لإحدى أهم معالم فرنسا التاريخية كاتدرائية “نوتردام دي باريس” على ضفة نهر السين، حيث يعتبر معهد العالم العربي المكان الملائم لحفظ هذه الثروة الفنية ريثما يتأمن مكانها الطبيعي. ففي 16 تشرين أول/ أكتوبر 2015 ، وقّع رئيس معهد العالم العربي في باريس جاك لانغ ومندوب فلسطين لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونيسكو”، الياس صنبر، عقد شراكة للعمل على إنشاء متحف للفن في فلسطين. على أن يعتمد هذا المتحف من حيث المبدأ على مساهمات وتبرعات فنانين أوروبيين وعرباً متضامنين مع القضية الفلسطينية.

وعلى غرار “متحف المنفى” الجنوب إفريقي، الذي جاب أكثر من خمسين بلداً حول العالم تضامناً مع المناضل الراحل نيلسون مانديلا حينما كان قيد الأسر، ستجوب موجودات متحف فلسطين مدناً فرنسية وأوروبية وعالمية لتسليط الضوء على القضية الفلسطينية من خلال إبداعات عالمية تجسّد الأبعاد الحضارية والجمالية والإنسانية من دون شرط علاقتها المباشرة بالمعاناة اليومية للفلسطينيين.

لهذا سيتم عرض مجموعة من مقتنيات متحف فلسطين بإشراف “جمعية الفن الحديث والمعاصر في فلسطين” التي يرأسها صنبر، في المعارض المتنقلة في أوروبا وحول العالم. إذ سيتم التبرع بجزء من عائدات هذه المعارض التي تستقبلها متاحف عالمية معروفة، لصالح مشروع بناء المتحف في القدس المحتلة.

“جمعية الفن الحديث والمعاصر في فلسطين” هي جمعية تابعة للقانون الفرنسي معترف بها في منذ حزيران/ يونيو 2016. الغرض منها هو إنشاء متحف للفن الحديث والمعاصر في فلسطين، على هذا النحو ، يتم تشكيل مجموعة تدرس تصميم المتحف وتنفذ الوسائل اللازمة لتحقيقها. أما الأعضاء المؤسسون فهم دولة فلسطين ممثلة في الوفد الفلسطيني لدى “يونسكو” ومعهد العالم العربي وأعضاء مجلس إدارة الجمعية التي وقعت في 8 نيسا/ أبريل 2016 على النظام الأساسي.

أخيراً أصبح لفلسطين متحف بعدما كانت قضيتها مواد دسمة تجوب معارض ومتاحف وتظاهرات فنية عربية وعالمية، لتحكي عن إرث مسلوب وتراث مطموس وهوية ضائعة بين الإحتلال والتواطؤ. لكن هل تتحقق هذه الفكرة على تراب القدس التي لا تزال محل نزاع بحيث باتت تشكل هي نفسها معلماً تاريخياً يصل الماضي بالحاضر ويحتضن كماً هائلاً من الحضارات والأديان، والثروات المدفونة التي اصبحت جزءاً من هذا الصراع التاريخي. طبعاً رغم كل هذا السواد نكرر مع صاحب ” أوراق الزيتون”، عبارة إبريل: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق