الكونيات والموسيقى

إنّ المتأّمل المتبصّر للنجوم، يجد خلف المنظومة الكونية عنصرا خفيّا من الجمال والرشاقة الداخليين، وبمزيد من التّأمل، يجد بشكل غير مباشر أن خلف تلك الأشكال موسيقاها. وبالمقابل فإن مزيدا من التأمل المتبصر في تذوق الموسيقى، يجعلنا ندرك بأنّ تعلم الموسيقا يعني تعلم فهم الغناء الّذي تصدح به الأشكال. ذلك أنّ الصوت الصّادر عن النّغم والغناء هما، من كلّ ما يحتويه العالم، الأكثر طاقة تعبيرية عن الجمال الكامن في الطبيعة. لذلك – ووفق فيلسوف الفنّ رافيسون – من الواجب أن يتعلم المرء الموسيقى قبل كلّ شيء ليصير حساساً بما تقوله الأشياء. ومن خلال استماعنا المتبصر للموسيقى نجد ذلك الإحساس الغامض بهذا الاتساق الكلي الّذي يتلاحم من خلاله نتاج الذكاء مع نتاج الطبيعة.

والواقع أنّ هناك سرا غامضا وراء فتنتنا بالسماء، إنها فتنة التأمل في هذا المجهول اللامتناهي والرغبة في معرفة السر الذي يسبب لنا ذلك القلق الجليل الذي من خلاله نرغب بالمعرفة لتحقيق الطمأنينة وسط هذا الاتساع اللامتناهي، ولإعلاء صوتنا بأننا موجودون وقادرون على التواصل مع اللامتناهي، هنا بالذات يكمن سر متعة الكونيات وسر متعة اندماجنا في تأمل السماء حتى بالنسبة إلى من ليس لهم معرفة بعلوم الفضاء. إنه السر الذي يجعلنا نتصور المجرد من خلال المحسوس، فيمتد عقلنا لتصورات خارج نطاق مداركنا الحسية المباشرة. أما متعة الموسيقى فهي بالضبط تعبر عن هذا التصور الجدلي المقابل، حيث نعبّر عن المحسوس من خلال المجردات المعَبر عنها من خلال الأنغام، والتي لا تقبل الاحتواء المكاني أو الزماني. هذا ما تفعله فينا متعة الاستماع إلى الموسيقى، لاسيما الرومنتيكية وما بعدها. وهو السر الذي يجذبنا إلى الاستماع إلى شوبان، وليست، وبيتهوفن، وشوبرت، وبرليوز، وشايكوفسكي، وبرامز، وفاجنر، وديبوسي، وشوينبرغ …. إنه الالتباس أحيانا، والغموض الجميل أحياناً أخرى، لذلك لسنا بحاجة لأن نكون موسيقيين محترفين لكي نتمتع بتلك الطمأنينة الغامضة في عالم الموسيقى، يكفينا أن نتأمل تلك الروعة الكامنة في سر افتتاننا بتلك التنويعات الموسيقية لنجد نوعا من الطمأنينة الذاتية. هذا المنحى الجدلي هو نفسه الذي يجعلنا نشعر بتلك الصلة الرمزية عندما تستمع إلى تلك التنويعات اللحنية ونحن ننظر إلى السماء.

إنّ التجربة الموسيقية هي تجربة ذاتية بالنهاية، إنها تجربة إيقاع تدخلنا في حالة فريدة من التوحد مع عالمنا الداخلي، أي تعيدنا إلى تجربة الإحساس المجرد لما قبل اللغة، إلى فترة كنا ننظر فيها إلى الكون فنرى تألق نجومه، ونتماهى مع امتداد مجرتنا بإيقاع يصعب اليوم أن نراه مع التلوث الضوئي الذي جاءت به التكنولوجيا الحديثة. ونحن اليوم غالباً ما نتوحد مع ما نسمع من خلال الضوء الخافت، حيث كانت المشاعر مع الكون لا زالت في بداياتها المجردة التأملية، بل إننا قد نتوحد مع عوالم حسابية سرية، فمن يسمع الموسيقى لا يدرك أنه يتعامل مع أرقام، كما أنه لا يدرك أنه بزيادة اندماجه يعود إلى عالمه الذاتيّ، الذي ينعكس فيه التناغم الكوني العظيم.

إنّ الموسيقى هي الطاقة الأساسية أو الأولية، التي تتجسد في الكون كذبذبات مختلفة، تبدأ بالذرة ولا تنتهي بالمجرة. إنها الطاقة وقد تشكلت من خلال الصوت والطنين والذبذبة التي تعبر عن نفسها وفق أنساق مختلفة. ووفق تلك الذبذبات – التي تعتبرها النظرية الكمومية أساسية في عالم الجسيمات الأولية، التي تشكل الذرة التي يتكون منها كل ما نراه وما لا نراه من الكون – يمكن للكون ككل، وللحياة كنتاج كوني، أن ينتقلان من الإمكانية إلى الفعل. ومن السكون إلى الصيرورة. وما الموسيقى التعبيرية إلا أحد أشكال هذه الذبذبات الطاقيّة وقد أعيد صياغتها بأسلوب واع. فمن خلال التآليف الموسيقية يعيد المؤلف إنتاج بنية الطاقة الكونية بأسلوب داخلي. وبتعبير آخر: يعيد إنتاج الخلق للكون الكبير من خلال الأنا الفردية النسبية. وقد يكون من المفيد أحياناً ومجازاً أن نفكر في المنظومة الكونية كأداء قطعة أوركسترالية يتم ابتداع كراستها الموسيقية في أثناء عزفها. فكما أن الموسيقى التي نسمعها تنتج عن مجموعات عديدة من الأدوات الموسيقية التي تعزف معاً بالوقت نفسه، والتي ترجع إلى سبع نوتات أساسية، فإن المنظومة الكونية نتجت وتنتج عن عدة تفاعلات وتجاذبات مادية غالبيتها ذات طبيعة تحكمها المصادفة الهادفة، والتي تعود إلى مجموعة من القوى والجسيمات الأساسية التي تؤدي إلى هذا التنظيم الكوني البديع.

وبالعودة إلى التاريخ، نجد أن لفظة موسيقى باللاتينية  ” musica ” مشتقة من لفظة ” musa” ومعناها آلهة من آلهات الفنون، وهن الآلهات التسع لجوبيتير، وجميعهن أخوات شقيقات يعبران عن اتحاد الفنون وارتباطها ببعضها، اختصت الأولى بالتاريخ، والثانية بالشعر الحماسي، والثالثة بالخطابة، والرابعة بالغناء، والخامسة بالرثاء، والسادسة بالتراجيديا، والسابعة بالكوميديا، والثامنة بعلم الفلك، والتاسعة بالرقص. إذ نلاحظ هنا ارتباط عضوي بين الفنون التشكيلية ممثلة بالرقص والمسرح والغناء، وهي كلّها تمثل قوالب موسيقية مختلفة، بالإضافة إلى الخطابة والشعر والتراجيديا والكوميديا والرواية التاريخية وهي فنون أدبية، تتمازج وفق التصور التقليدي القديم مع علم وحيد يعتمد على الملاحظة هو علم الفلك.

وفي المقابل: إن مصطلح علم الكونيات (Cosmolog)  مشتق من اللغة الانكليزية من كلمة “كوسموس” الإغريقية، التي تعني العالم بوصفه منظومة مرتبة وكاملة، والتركيز هنا على التنظيم والترتيب مثلما هو على الكمال، الذي يقابله الفوضى. لذلك نظر الفيثاغورسيون إلى الأرقام والهندسة بوصفها الأساس المتناغم والمتناسق لكل الأشياء الطبيعية وفق التناغم الموسيقي.

ومن ذلك المنطلق، كانت الموسيقى قديماً توضع مع العلوم الأربعة ( الفلك والهندسة والحساب) ويقوم ذلك التصور على فكرة مفادها أن تلك العلوم – مع الموسيقى – تشكل الأساس الممهد لنشأة النظام من الشواش البدئي، وهذا يوضح التداخل التاريخي الذي يجمع بينهم. لذلك لم يكن من الممكن تصور التنظيم السائد في الكون، والتراتب الصارم في الحساب المنطقي، دون تصور منظور تناغمي يرجع وراءه، وهذا ما كان يمثل في تلك الفترة التفسير الشامل لجميع الظاهرات الطبيعية الأرضية والسماوية،  فعلى سبيل المثال: كان معدن الحديد قديماَ يستعمل ليس من استخراجه من الأرض، بل من مصدر آخر هي النيازك الهابطة من السماء، وبالتالي كان يرتبط هذا المعدن بالمنشأ السماوي، فكانت السماء وفق هذا التصور تجمع بين الإيقاع التأملي والعطاء المقدس. فكان الإله الحداد له علاقة بالموسيقى والغناء من أجل ضبط الإيقاع الكوني، ولفترة طويلة كان الحدادين وصانعي القدور هم أيضاً موسيقيين وشعراء وسحرة، فكانت هناك علاقة وطيدة بين الطقوس الشامانية المقدسة، وصناعة الحدادة، ومهنة الرقص والغناء والشعر. وكأن هناك علاقة تبادلية بين النزول المقدس من السماء، والصعود الإيقاعي إليها من خلال الغناء والموسيقى.

وقد تكلم أفلاطون أن الفيثاغوريين أرادوا أن يعمموا التناغم الموسيقي في الكون على أسس النظام والتناسق. حيث نظر فيثاغورس إلى الوجود متمثلاً في صورتين ذات وجه واحد، فالأشياء إمّا أن تكون أعداداً، وإمّا أنّها تحاكي الأعداد. وهذه الأعداد لا تفارق الأشياء بل تتحد بها، لذا فالعالم كلّه توافق نغم وعدد، وفي العدد مبدأ الانسجام والتوافق، وتجدر الإشارة إلى أنّ تصور الفيثاغورية للأعداد كان تصوراً هندسياً وليس حسابياً، بمعنى أن العدد واحد يقابل النقطة، والعدد اثنين يقابل الخط، وثلاثة يقابل المثلث …وهكذا، وهو الأمر الذي ييسر فهم قولهم أن العالم عدد، وهو يعني أن العالم في جوهره هو أشكال هندسية، وهذه الأشكال أهم من الماء والهواء، حيث لعبت الأعداد الكاملة وفق التناغم الموسيقيّ دوراً خطيراً في الفلسفة الفيثاغورية، وقد شيّدت هذه الفلسفة الكون بأكمله عليها  من خلال دعوى فيثاغورس القائلة بأنّ “كلّ شيء عدد”. وائتلاف تلك الأعداد التي تشكل الأساس “القانوني” لبنية الكون، يقوم بدوره على التوافق الحاصل في تركيبة النغم، وبالتالي يغدو التناسق الكوني قائما على أساس تناغم عددي كامل. بتلك التصورات كان الفيثاغوريون أوّل من توصل للقول بعدم مركزية الأرض، عندما أكدوا أن مركز العالم لا بد و أن يكون مضيئاً بذاته، لأن النور خير من الظلام، كما يجب أن يكون ساكناً لأن السكون خير من الحركة، والأرض مظلمة وفيها نقائص كثيرة، فلا يصح أن تكون مركزاً للكون الّذي هو عندهم ناراً أبدية تمد الشمس بالحرارة، التي تعكسها بدورها على الكواكب، وبالتالي يغدو العالم حادثا وليس قديماً، وكان حدوثه مقابلاً للعدد ( 10)، ومركز العالم نار، ثم انفصلت الأشياء، ومن اللامحدود، واتّجهت نحو النار، وباتحادها معه تكوّن العالم، وقد رتبه على الوجه الآتي: السماء الأولى، فالكواكب الخمسة، ثم الشمس والقمر والأرض المقابلة، وهي كلها تدور حول نار مركزية هي “بيت زيوس” لأنّها كروية الشكل، ومجموعها عشرة باعتبار كمالها وانتظامها، يبعد بعضها عن البعض الآخر مسافات متناسقة، تصدر عنها نغمات عذبة تسحر الألباب، وتتحرك هادفة كما تتحرك عقارب الساعة سواء بسواء. أمّا عالم ما تحت فلك القمر، فإنّه يخضع للكون والفساد والتّحول والتّغير، ويقطنه الناس في جهته العليا فقط. حيث تشفّ الموسيقى الفيثاغورسية عن ماهية الأشياء في نسب عددية أكثر مما تشف له عنها في الأعداد.

وبنفس السياق، يرى أفلاطون أنّ ثمّة نموذج هندسي بدئي واحد ووحيد للعالم، ولذلك ليس هناك سوى عالم واحد وحيد يحاكيه. ولا يمكننا أن نفهم تقسيم الجسد الكوني الموحد لدى أفلاطون، إلا إذا أخذنا بالحسبان صلته بالتقليد الفيثاغورسي لرمزية الأعداد، فقد أخذ أفلاطون متواليتين عدديتين بين (1 – 3- 9 – 27) و (2 – 4 – 8) ووضع لهما مغزى هندسيا محددا، فالعدد واحد يشكل وحدة مطلقة غير قابلة للانقسام، والعدد ثلاثة  يشكل ضلع المربع، والعدد تسعة مساحة المربع، والعدد سبع وعشرين حجم المكعب مع الضلع يساوي (3)، وبما أنّ الكون ليس مجرّد وجود هندسي وحسب، إنّما وجود فيزيائي أيضاً، فإنه صورة تنعكس أيضاً عبر جملة من الأعداد ( 2-4-8 ) وتتوضع في نسق مشترك متجاورة مع الأعداد الّتي تمثّل البنية الهندسيّة له. على هذا النحو فإنّ الجسد الواحد للكون يعكس سلسلة الأعداد السابقة، وهذه هي بنية المجالات الّتي يتشكل منها الكون. وثمة بين الأعداد السباعية السّابقة الذكر ثلاثة أنماط من النسب الحسابية والهندسية والتواؤمية (الهارمونية)، وهو ما يتوافق مع التعاليم الفيثاغورسيّة عن النغمات الموسيقيّة لمدارات الكواكب. وعلى هذه الصورة، يكون كون أفلاطون قائما على مبدأ التّناغم الموسيقي الهندسي الحسابيّ. حيث حاول أن يربط بين التناغم، ونظريته الكونيّة في الأعداد من خلال إدخال ثلاثة أنواع من الأوساط المتناسبة. الحسابي، والهندسي والتناغمي، وبالتالي كان اهتمامه ينصب على النسب العدديّة وتناسقها الهارموني، أكثر من الأعداد نفسها.

إنّ هذه اللمحة التاريخيّة هي جزء يسير من الأمثلة الّتي تؤكد لنا على تلك الوحدة العضويّة غير المباشرة الّتي كانت تجمع بين التأمل في الكون، والالتفات إلى التّناغم الكلي الّذي يوحد أجزاءه المختلفة.

وحديثاً قام علماء الكون باستخدام الأجهزة الحساسة من خلال الأقمار الصناعيّة والأجهزة الإلكترونية، للتنصت على الأصوات الّتي تصدر عن الأجرام السماوية (وهو ما حاول تصوره فيثاغورس تأملياً)، بتحويل الموجات الراديوية والكهرمغناطيسية الناتجة عن حركتها إلى ذبذبات صوتيّة فكانت النتيجة مذهلة، إذ نجد أنّ هناك بعض التمازج بين الأصوات اّلتي تصدر عن بعض الأحداث الفلكية، وبعض الذبذبات الصوتيّة الّتي تحدثها الآلات الموسيقية، فقد لوحظ نسق تناغمي متقارب بين الانفجارات الشمسيّة وصوت الأورغن، وبمزيد من الاستماع المتأني قد نجد صوتها قريب لصوت صفير ناتج عن الهارمونيكا. أمّا الصوت الصّادر عن عطارد فيبدو كجهير صادر عن آلة نفخية، والزهرة كأجراس كنسية، أمّا الأرض فأشبه بأوركسترا موسيقيّة تسودها آلات نفخية، دون أن ننسى النوتات الهائلة الّتي تقذف بها أرضنا يومياً من خلال الأشعة الكونيّة الخلفية الّتي يمتلئ بها الفضاء الكوني، والّتي لا يزال إيقاعها ينبض بتناغم صادر عن  13,7 مليار سنة، أي سنة لحظة الانفجار الكبير. والصوت الصادر عن المريخ يجعلنا نفكر بتلك التراتيل الكنسية . و قد التقطت المركبة الفضائية ” فوياجير 1 ” أصواتاً حول كوكب المشتري كصوت الطائرة النفاثة عندما تخرق الحاجز الصوتي، أمّا الصوت المقلق الصادر عن حركة المشتري فيذكرنا بموسيقى بندرسكي، وهو الأمر يظهر بشكل أوضح مع الأصوات الصادرة عن قمره أيوا. ومع زحل ندخل عالم موسيقي أكثر غموضاً وقلقاً تذكرنا بموسيقى إلكترونية غامضة أشبه بأعمال شتوكهاوزن، ثم، نعود إلى التّناغم العميق والعذب مع كوكبي أورانوس ونبتون. أمّا نجمة ألفا سنتوري الّتي تقع في برج القوس، تصدر صوتاً مماثلاً للشّمس مع وجود فارق بمقدار “أوكتاف ” بينهما  بمعنى أنّ الشّمس إذا كانت تمثّل عزف آلة الفيولا، فإنّ نجمة ألفا تمثّل عزف آلة التشيلو. وكثيراً ما نجد أنّ الصوت الصّادر عن النجم النيوتروني يشبه الأصوات الصّادرة عن الطبول الإيقاعيّة المتناسقة.

والطريف هو أنّ ما يجمع بين هذا التّنوع المذهل للظواهر الكونية، والايقاعات الهارمونية الموسيقية، هو استنادها المدهش لقواعد محدودة من العناصر، فكلّ المادة الّتي نعرفها ليست إلا اتّحاد عناصر جسيميّة محدّدة بثلاثيات جسيميّة جوهرها الكواركات – الليبيتونات، حيث يمكن التحدث عن 6 أنواع من الكواركات هي: الثنائي الكواركي العلوي و السفلي اللذين يكونان البروتونات والنيوترونات، بالإضافة إلى الكواركات الأثقل ” الفاتن – الغريب “، و” القمي – القاعي “. و6 أنواع من الليبيتونات هي: الإلكترون والنيوترونو – المييون واليوترينو الميوني– التاوون والنيوترينو التاوي. إنّها مجموعة من 12 عنصر  جسيمي أساسي كوّن كلّ هذا التّنوع اللاّمحدود .

وبالمقابل، نجد أن كل النغمات المختلفة التي اجتمعت في الموسيقى الغربية الكلاسيكية تتضمن 12 نغمة فقط. 12 نغمة ألّف منها المؤلفون هذا الكم الهائل من التنويعات الموسيقية، فلا نجد مقطوعتان متماثلتان. كلّ تلك التذبذبات الخلاّقة نتجت عن عناصر معدودة من الأساس النغمي. ورياضياً إذا ما حسبنا درجة الاحتمالات القصوى الّتي يمكن أن تولدها هذه النغمات الـ 12 سيكون ذلك الرقم فلكياً بحق، وهو 127 متبوعاً بـ 103 صفر، هنا نجد أنفسنا نستخدم نفس الطريقة الّتي يستخدمها الفلكيون لتحديد المسافات بالسنوات الضوئية، والأعداد الفلكية بالغوغول (واحد متبوع ب 100 صفر)، وعندما نتحدث مليوديا وهارمونياً، نتحدث عن حوالي 127 غوغول من التركيبات اللحنية المختلفة، ذلك أشبه بعدد الجسيمات في الكون. ونحن هنا لم نتحدث عن التمبو والسرعة والألوان الآلية وألوان الغناء، وهذا يضيف مجرة فوق مجرة في الكون الموسيقي الّذي ما زالت حدوده أبعد من أن تحسب.

وبالمعنى العلمي، تغدو الموسيقى تجمع منظم ومقصود لذبذبات مادية تعطي تناغم، وبالتالي تغدو كتعبير مرمّز لصدى الرغبة الأزليّة في رؤية النظام في الكون. لكن تلك الرموز لم تنتج عن تصور عقلاني منطقي بقدر ما ارتبطت بتصور حدسي يتجاوز المعنى المادي المألوف وفق حركات إيقاعيّة تلائم مفهوم الحركة الكوني الّذي لا يتوقف، فتغدو الموسيقى كإيقاع داخلي يعبّر عنه بأنغام تعكس التّناغم الكوني الّذي منه جئنا.

على سبيل المثال: يعد الهيدروجين أبسط أنواع الذرة والعنصر الأكثر وفرة في الكون، يتكون من بروتون واحد وإلكترون، وتعبّر مستويات طاقته بوحدات بسيطة. وتتضاعف طاقته بواسطة وحدة ثابتة من الطاقة حيث يكل مجمعة أرقام كاملة: 1 – 2 – 3 ….. وتذكرنا هذه الصيغ الرياضيّة المدمجة بالنّغمات الموسيقيّة، تلك النغمات المتناسقة على أوتار الغيتار، أو أنبوب الأورغن، تلك الّتي توصف أيضاً بواسطة علاقات عددية بسيطة، وليس ثمّة مصادفة في أنّ ترتيب مستويات الطاقة في الذرة، بمثابة استجابة إلى موجات اهتزاز الكم، أسوة بتردد الآلات الموسيقيّة لاهتزازات الصوت الّتي يتولّد عنها هذا الإحساس العميق بالجمال والتّناسق الكوني، وهذا هو الطموح الّذي سعت إليه الفيزياء الفلكية.  فعندما يتحدث الفيزيائيون عن “الجمال والأناقة ” في الفيزياء، فإنّهم يعنون بذلك أنّ التماثل يسمح لهم بتوحيد عدد كبير من الظواهر والمفاهيم المتنوعة في صيغة مركزة ومختصرة، وكلّما كانت المعادلة جميلة انطوت على قدر أكبر من التماثل ومن الإيجاز في شرح أكبر عدد ممكن من الظواهر”. حيث كتب بول ديراك يوماً: ” من الأهميّة بمكان وصول الباحث إلى الجمال في معادلاته، أكثر من كونه مجرّد اختبار مناسب، ربّما لأنّ التباين يرجع إلى عدم أخذ معالم صغيرة بالاعتبار على نحو صحيح، لكنّها سوف تتّضح عبر تطورات أبعد للنظرية. ويبدو أنّ عمل أحد ما انطلاقاً من وجهة نظر الوصول إلى الجمال في معادلاته، أو إذا كان لديه حقاً بصيرة سليمة، فهو بحق على طريق مؤكد للتّقدم “. وهو الأمر الّذي أدخل في الواقع السرور إلى (بوهم) عند قوله: ” إنّ الفيزياء شكل من أشكال المعرفة، وهي في حدّ ذاتها نوع من الفنّ. والفكرة الرئيسيّة عن تصوّر الفيزيائي للجمال تتّضمن التّناسق والتّناغم الكوني” الأمر الّذي  دفع أينشتاين للقول: ” تستند كلّ المحاولات إلى الاعتقاد بأنّ بنية الكون لا بدّ أن تكون متناغمة تماماً، وأنّه لمن الرائع اكتشاف أنّ معادلات معقدة، شأن معادلات الجاذبية، لا يمكن العثور عليها إلّا من خلال اكتشاف حالات حسابية بسيطة منطقياً “.

ومن هذا الإحساس بالتناغم الخفي، تطمح الفيزياء إلى تفسير كلّ شيء، أي كلّ ما يمكن أن تحتويه الطبيعة. وآخر تلك المحاولات على المستوى النظري كانت نظريّة الأوتار الفائقة، الّتي يمكن اعتبارها، وإن ما زال ينقصها الإثبات التجريبي، محاولة لرسم صورة متماسكة للطبيعة أشبه بالطريقة الّتي يستخدم وفقها الكمان الوتري لتوحيد كلّ العلامات الموسيقيّة وقواعد تآلف الألحان ضمن إطار واحد. وهذا ما ندعوه بالحلم الكبير للوصول لنظريّة كلّ شيء، أو النظرية النهائية. يقول ميشيو كاكو في معرض شرحه لنظرية الأوتار الفائقة “يتّضح أن طوفان الجسيمات دون الذرية الذي ما انفك العلماء يكشفون المزيد منه على مدى أكثر من عقد ما هو إلا نوتات على وتر فائق، وقوانين الكيمياء التي تبدو عشوائية ومربكة هي النغمات التي تعزف على ذات الوتر، والكون نفسه سيمفونية على أوتار متعددة، وقوانين الفيزياء هي ما يجعل هذه الأوتار الفائقة تتناسق “. [1]

إن هذا التصور الكوني للفن الموسيقي، يحمل معه كل عوامل الاستمرار والأبدية، ويتجاوز المرحلة التي أبدع فيها إلى مراحل أخرى، فيتجاوز قيود مرحلته إلى الاستمرار والخلود .. وهو أمر ينطلق من مسلمة أساسية هي أن الجنس البشري لن يبقى هنا إلى الأبد، وقد يموت، ولكن لا يزال هناك أمل مّا، طالما أنّ أحدا لا يزال يسمع نغما لأحد آخر، عندها قد تعود الحضارة لمسارها الصحيح واستمرارها التطوري. فالشمس نفسها ستصبح عملاقاً أحمر، ستبتلع الأرض بعد عدة مليارات من السنين، هذه حقيقة علمية. الكوكب سيموت، ربما عند ذلك الوقت، سيتاح لنا الفرصة لنقيم محطة أخرى على كوكب آخر ننتقل إليه، وعندها لا بد أن نكتشف طريقة مّا ننقل معها أشياءنا القيّمة، لوحة موناليزا الأصلية مثلاً، لكن لنتأكد أنه أي شكل من أشكال البشرية الباقية حتى ذلك الحين، لا بد وأن تحمل معها نسختها الكونية المعبرة عن نتاجها الأصيل الخلاق، كالتسجيل الأصلي على أسطوانة تحمل السيمفوني التاسع لبيتهوفن، وكونشيرتو بيانو الثاني لبرامز، وأوبرا الفالكري لفاجنر، ستحمله كما يحمل المستقبل كل إمكانات التمدد الكوني الذي لا نهاية له، إنه الجانب الذي من خلاله قد نكون على يقين أننا سنتفاهم مع أحد الكائنات الغريبة على الجانب الآخر من ذلك الكوكب في حال وجوده، عندها فقط قد نقف شامخين أمامه.

****

مراجع للاستزادة:

1- ليزنارد بيرنشتاين: التّنوع اللامحدود في الموسيقى، ترجمة: محمد حنانا، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2010.

2- بريوشينيكين: الفيزياء الفلكية والميثولوجيا القديمة – ترجمة: حسان ميخائيل اسحق، دار علاء الدين، دمشق، ط1، 2006.

3- بيتر كولز: علم الكونيات – مقدمة قصيرة، ترجمة: محمد فتحي خضر، مؤسسة هنداوي، القاهرة،  ط1، 2015.

4- ميشيو كاكو: كون أينشتاين، ترجمة: شهاب ياسين، كلمات عربية للترجمة، ط2، 2012.

[1]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أماني العيد

    تعقيباً على المقطع الأول من المقال أريد أن أسمي الموسيقا التي تكلّمتَ عنها بالموسيقا الغالاكتية أو الكونية.

  2. أماني العيد

    أعجبني اختيارك الموفّق لهذه التراكيب الرنّانة (الإيقاع التأملي، الإيقاع الكوني، الصعود الإيقاعي). أحببت كثيراً فكرة الموسيقا الكونية الصادرة عن الكواكب والأجرام السماوية؛ كم أتمنى لو كان بإمكاني سماعها!

    1. معاذ قنبر

      تحية لك . بإمكانك الإستماع الى الأصوات الصادرة عن الكواكب بدخولك على موقع يوتيوب أو سنابتيوب و البحث عن ايقاع أصوات الكواكب .

أضف تعليق