تونس في عهد الحماية الفرنسيّة: أرض منفتحة على الأفكار السّياسيّة الجديدة(*)

راجعه: إبراهيم العثماني

مقدّمة

إنّ الحديث عن الأفكار الجديدة زمن الحماية الفرنسيّة ليس بحثا في التّاريخ القريب عن إرهاصات التّحديث في أوجهه النّظريّة والعمليّة فحسب بل هو بالتّحديد بحث عن الأفكار الحداثيّة،  وبالنّظر إلى ذلك فهو بحث عن الأفكار المتّصلة بالنّظام السّياسي. إلاّ أنّه سيكون من الخطإ ربط ظهور الأفكار الحداثيّة بانتصاب الحماية سنة 1881 بما أنّ تونس بدأت تفكّر في الحداثة منذ حكم أحمد باي (1837-1855). ومع ذلك بإمكاننا أن نؤكّد أنّ هذا المسار أصبح لا رجعة فيه حتّى وإن سلك مسلكا فيه تعرّجات منذ سنة 1881 تاريخ احتلال الجيش الفرنسي لتونس واستعمارها.

كان الحداثيّون التّونسيّون في ذلك العهد يعلّقون آمالا عريضة على تحوّل النّظام السّياسي في تلك الفترة لمّا كان البايات الحسينيّون ينتهجون حكما مطلقا، فرديّا ووراثيّا. كان ذلك العهد عهد خير الدّين باشا، ولم يتغيّر الوضع مع الاستعمار الفرنسي بما أنّ فرنسا ستحكم تونس باسم الباي المستكين، وقد تسلّم الوطنيّون مشعل التحديث السّياسي. وفي هذا الإطار يجدر بنا أن نذكّر أنّ الحركة الوطنيّة توجّب عليها أن تنتظر عشرين سنة لترى النّور. وتاريخها هو فعلا تاريخ هذه الحركيّة الفكريّة الّتي وجدت ضالّتها في ما هو سياسي.

إنّ الأفكار الجديدة الواردة من الشّرق ومن أوروبا لاقت صدى لدى جزء من النّخبة المثقّفة المتنوّرة الّتي لم يكن تبنّيها المثل العليا الجديدة دون انتقائيّة وتضارب.

وبالرّجوع إلى هذه الأفكار سنحاول أن نحلّل طبيعة النّظام السّياسي الّذي ينشده الحداثيّون التّونسيّون، كما نريد كذلك أن نتدبّر الظّروف الّتي جعلت التّصوّرات السّياسيّة للحداثيين التّونسيين محدودة التّأثير.

I  – خير الدّين باشا رائد التّحديث السّياسي

وُلد خير الدّين باشا حوالي سنة 1822، وهو  شركسي  الأصل ورائد الحداثيين التونسيين الأوائل،  ويُعتبر الأب المؤسّس للحداثة التّونسيّة، أُخضع للاستعباد ثم بيع إلى أحمد باشا باي (1837-1855) في تونس حيث  امتهن حرفة عسكريّة ثمّ تولّى منصب وزير ثم وزير أوّل (1873-1877). سافر كثيرا إلى الخارج للقيام بعدّة مهام في تسعة عشر بلدا  أروبيا دون ذكر سفره إلى اسطنبول. تحمّل أعباء أخرى. ففي سنة 1861 عُيّن  نائب رئيس  ثم رئيس المجلس الأعلى ، وفي سنة 1869 عيّن رئيس الكوميسيون المالي. وبعد انتقاله إلى تركيا سمّاه عبد الحميد الثاني وزيرا أكبر وتولّى هذا المنصب من سنة 1878 إلى سنة 1879. توفي سنة 1890 باسطنبول(1).

وحسب المجلّة التّونسيّة فقد خضع خير الدين في مهنته لتأثيرين شديدي الاختلاف يتداخلان حينا ويتناقضان حينا آخر هما السّياسة العثمانيّة والحضارة الغربيّة(2). ومن الواضح أنّ ما يشغله من جانب الامبراطورية العثمانيّة هو وحدتها التّرابيّة وحماية تونس من أطماع القوى الأوروبيّة والاعتراف باستقلالها الذاتي(3) في حين ما يعنيه من جانب الأوربيين هو درجة التّحضر الّتي بلغوها والّتي كان شديد الإعجاب بها.

نشر خير الدّين سنة 1867 كتابه الموسوم ب”أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك”(4). وفي جزئه الأوّل الّذي تُرجم إلى الفرنسيّة ونُشر لأوّل مرّة لدى دار النشر ديبون في باريس سنة 1868 ثمّ أُعيد نشره في المجلّة التّونسيّة ركّز الكاتب على أهمية المؤسّسات السّياسيّة القائمة على العدل والحرية بوصفهما السّبب الرّئيسي للتّقدّم الّذي حققته البلدان الأوروبيّة(5). وحثّ شركاءه في الدّين على الاقتداء بالأوروبيين في علمنة النّظام السّياسي(6). وبيّن، وهو يستشهد بالمسيح، أنّ المؤسّسات السّياسيّة الأوروبية لا تتأسّس على الدّين كما هو حال المسلمين(7).

وفي الأجزاء الأخرى من الكتاب استفاض خير الدّين في الحديث عن حسن سير المؤسّسات السّياسيّة في البلدان الأوروبيّة الّتي زارها مركّزا على دساتيرها. إنّها منهجيّة خير الدّين في تحريك خمول قرّائه وتعريفهم بعمل المؤسّسات الأروبية ومحاسنها.

وفي الواقع فإنّ خير الدّين لا يقترح صيغة للحكم محدّدة بشكل صريح لكنّه ينادي ضمنيّا بالملكيّة الدّستوريّة كما يراها المستعرب دمرسمان(8). وبالفعل هو لا يستطيع أن يتصوّر نظاما سياسيّا أكثر تقدّما مثل الجمهوريّة في هذه الحالة  نظرا إلى حالة الانحطاط الكبير للمجتمع التّونسي وبالخصوص بعد القمع الوحشي الّذي عقب التّمرّد الشّعبي لسنة 1864 وحمق البايات وفساد بطانتهم. كما أنّه لا يستطيع ذلك بما أنّه لا يوجد أيّ حكم يتبنّى الجمهوريّة في أوروبا مصدر إلهامه. ففرنسا الّتي يتّخذها مثالا قبلت بالانحناء أمام الامبراطور نابليون الثالث والتّخلّي عن الجمهوريّة الفتيّة سنة 1851. وإيطاليا البلد الأروبي الأقرب إلى تونس  تخلّصت  تقريبا من الهيمنة النمساويّة  وتشكّلت في دولة- أمّة- يحكمها الملك فيكتور إيمانيال سنة 1861. وفي كلّ الحالات تقريبا فنظام الملكيّة الدّستوريّة هو النّظام السّائد.

وفي الواقع فإنّ خير الدّين لا يجدّد في المجال السّياسي فيما يتّصل بتونس بما أنّ محمّد صادق باي (1859-1882) كان قد أعلن دستورا سنة 1861 أفرز مجلسا أكبر وهو برلمان يُعيّن أعضاؤه وترتّبت عليه إصلاحات أخرى ذات طابع تشريعي وقضائي(9) عملت النّخبة الحداثيّة وفي مقدّمتها خير الدين على إنجاحها وكان لها إسهام كبير في كتابة نصوصها التّأسيسيّة.

إلاّ أنّ كلّ هذه الإصلاحات لن تصمد أمام نفور الباي وبطانته من الدولة القانونيّة- وإن في حدود- تُمارَس فيها السّلطة طبقا للقانون. وفعلا ألغى الباي هذه الإصلاحات بمناسبة التّمرّد الشّعبي سنة 1864.

ومن المفيد حينئذ أن نتساءل إن كان خير الدّين يرغب في أن يذكّر، بمؤلّفه هذا، بمحاسن السّلطة المقيّدة القائمة على تفويض واسع للسّلطات أو أنّه حاول أن يفكّر في شروط نجاح تجربة برلمانيّة جديدة. لكن خلافا لذلك فإنّ إمكانيّة استعادة هذه التّجربة أُتيحت له لمّا دُعي إلى تولّي منصب الوزير الأوّل الّذي تقلّده من سنة 1873 إلى سنة 1877 إلاّ أنّه لم يجر أيّ تغيير على مستوى التّنظيم السّياسي لمّا تبنّى جملة من الإصلاحات تتّصل بميادين الإدارة والعدل والتّعليم والجباية(10).

وسيجد خلف خير الدين أنفسهم في وضع مختلف سيفرض عليهم تغيير البرنامج.

II- رغبة الوطنيين التّونسيين في ملكيّة دستوريّة:

كان انتصاب الحماية الفرنسيّة عائقا أمام استمرار مشروع خير الدّين المتمثّل في تحديث نظام البايات الحسينيين. وقد أُعطيت الأولوية لاستقلال تونس عن البلد المستعمر.

لكن يجدر بنا أن نشير إلى أنّ تونس، وهي مافتئت تتلقّى الأفكار من الخارج، أصبحت بالتّزامن مع ذلك، مركزا تنتج نخبته الأفكار الجديدة. ففي المجال السّياسي تلقّت هذه النّخبة من الشّرق فكرة الاستقلال وبالخصوص مع نهاية الحرب العالمية الأولى. ففي مصر تطوّرت حركة استقلالية هي  الوفد  يقودها سعد زغلول(1858-1927) وفرضت على المملكة المتّحدة منح الاستقلال الدّاخلي للبلاد الّتي أقرّت الدستور ونظّمت انتخابات تشريعيّة سنة 1923، وفي تركيا حرّر مصطفى كمال باشا(11)  (1881- 1938) البلد من الغزاة الغربيين وأعلن الجمهورية سنة 1923.

إنّ فكرة الاستقلال تقبّلها  المهاجرون التّونسيّون مثل محمد باش حانبه (1881-1920) المقيم في جينيف. فالمبادئ الّتي استعادها الرّئيس الأمريكي وودراو ولسن (Woodrow Wilson) والمتّصلة بحق الشّعوب في تقرير مصيرها وجدت صدى كبيرا في تونس. وقد بلورت اللّجنة الجزائريّة التّونسيّة المقيمة في جينيف فكرة الاستقلال الذّاتي في مذكّرة أرسلتها إلى مؤتمر السّلم(12) كما أرسلتها في برقيّة بتاريخ 2 جانفي 1919 إ لى الّرئيس ولسن(13). ونشر الشيوعيّون التّونسيّون فكرة الاستقلال بين صفوف الشّعب التّونسي وجعلوها المحور المركزي لإستراتيجيتهم. وأسّسوا، لتحقيق هذه الفكرة، الجامعة الشيوعيّة بتونس سنة 1921(14).

وهذا المنهج هو صدى لنظريّة لينين المتّصلة بحقوق الشّعوب في تقرير مصيرها(15) والمطابقة للشّرط الثّامن لانضمام الأحزاب إلى الأممية الشيوعية المتمثل في واجب مساندة كلّ حركة تحرّر في المستعمرات  مساندة فعليّة وليست شكليّة والمطالبة بطرد امبرياليي المركز من المستعمرات(16).

إلاّ أنّ الحزب الحرّ الدّستوري التّونسي الحزب الرّئيسي للحركة الوطنيّة التّونسيّة حصر أثناء تأسيسه  سنة 1920  استراتيجيته في المطالبة بالاستقلال في إطار معاهدة باردو (1881) الّتي كرّست نظام الحماية. أمّا الحزب الدّستوري الجديد الّذي تأسّس سنة 1934 إثر انشقاق في صلب الحزب الحرّ الدّستوري التّونسي وأصبح أهمّ تشكيلة سياسيّة فلم يغيّر استراتيجيّته ولم يطرح قضيّة الاستقلال على جدول أعماله إلاّ بعد إمضاء اتفاقيات الاستقلال الدّاخلي يوم 31 جويلية 1954.

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الوطنيين التّونسيين جوّدوا معارفهم بالنّظم السّياسيّة وهم يتأمّلون بالخصوص النّظام الفرنسيّ. وقد تدرّب بعضهم على السّياسة في فرنسا حيث درسوا في أغلب الحالات الحقوق أو الطبّ وعادوا إلى تونس ما إن تحصّلوا على شهائدهم. أمّا من بقي منهم في أرض الوطن فقد تأثّر بأفكار التشاركية والحوكمة وهم يجارون أروبيين يساريّين وأثناء النّقاشات الّتي تدور داخل الحلقات والأحزاب. ولنذكّر، بهذا الصّدد، أنّ الوطنيين انتظموا، في البداية، في حلقة تونسيّة معروفة تحت اسم حركة” الشّباب التّونسي” الّتي أسّسها سنة 1907 الزعيم علي باش حامبه  مدير أسبوعيّة “التّونسي” الناطقة بالفرنسيّة. وقد تمحور برنامجها السّياسي حول مشاركة التّونسيين في إدارة البلاد والمساواة بين الفرنسيين والتّونسيين(17). وفي كلمة فقد نادت حركة “الشّباب التّونسي” بكلّ إخلاص “بالتّقارب بين الجنسين من خلال سياسة تشاركيّة”(18).

لم يكن نظام الحكم مطروحا على جدول أعمال حركة “الشّباب التّونسي” حتّى وإن طلبت من فرنسا منح التّونسيين دستورا(19). فالقضايا المطروحة اقتصرت على المطالبة بالحرية الفرديّة وحرية الصّحافة والمساواة أمام القانون(20). ولم تكن المسألة السّياسية تَحظى بالأولويّة كما يرى خير الدّين بل حظي بها التّعليم الّذي يتوقّف عليه مصير التّونسيين. في البدء يجب أن يكون التّعليم الابتدائي مجانيا وإجباريا ومنتشرا في كلّ مكان، وعلى الحكومة كذلك أن تيسّر التّعليم الثانوي وتتكفّل بطلبة التّعليم العالي(21).

تمثّل سنة 1920 لحظة مهمّة في إعداد الوطنيين التّونسيين لبرنامجهم السّياسي وشعاره هو النّضال في سبيل دستور تنضاف إليه هذه المرّة المطالبة بمجلس وطني تونسي منتخب(22). وهذا المطلب يحيل إلى دستور 1861 وإلى مجلس أكبر تونسي منتخب ومترتّب عليه ويعني أنّ الوطنيين ظلّوا أوفياء للملكيّة الدّستوريّة وهناك اختلاف هام يجدر بنا أن نشير إليه وهو أنّ المجلس الّذي طالبوا به سنة 1920 يجب أن ينتخب بواسطة الاقتراع العام الذكوري.

إلاّ أنّ البرنامج السّياسي وقع اختزال بنوده إثر الانشقاقات الّتي انفجرت في صلب الحزب الحر الدستوري التونسي ومن ثمّ فقد  احتلّ بعث  جمعيّة استشاريّة صدارة المطالب يتكوّن نصفها من الفرنسيين ونصفها  الآخر من التّونسيين  ويُنتخبون انتخابا عامّا ويكون دورهم التّصويت على الميزانيّة وتجويد قوانين  ذات بعد محلّي(23)  وهو ما من شأنه أفرز جمعيّة ليست تونسيّة وذات صلاحيّات تشريعيّة محدودة. ويجب أن ننتظر مؤتمر 12 و13 ماي 1933 حتّى يضع التّونسيّون من أولويات برنامجهم تركيز برلمان تونسي منتخب بالاقتراع العام يتحكّم في جدول أعماله ويمتلك سلطة تشريعيّة(24).

ومهما يكن من أمر فإنّ موضوع الجمهوريّة لم يكن مطروحا في برنامج الوطنيين(25) إلى حدود سنة 1957 وهو ما يدفعنا إلى طرح السّؤال التّالي: ما الّذي منع النّخبة السّياسيّة التّونسيّة من المطالبة بالجمهوريّة؟

بوسعنا أن نقدّم عدّة أجوبة عن هذا السّؤال. لكنّنا سنقتصر على القول إنّ برنامج الوطنيين محدود وهو لا يتجاوز المطالبة بالاستقلال الذاتي. ومن ناحية أخرى فإنّ مصلحة النّضال الوطني تقتضي في نظرهم عدم الخوض في المسائل الّتي قد تقسّم التّونسيين   كما تقتضي محاولة كسب الباي أو البايات إلى صفّهم كما حدث في أفريل 1922 لمّا هدّد النّاصر باي بالاستسلام إثر دسيسة صدرت عن الإقامة العامّة بتونس ولمّا وجد دعما من حزب الدّستور وذلك بإثارة تحرّكات شعبيّة تضامنا معه . لقد حدث ذلك أثناء حكم المنصف باي (جوان 1942- جويلية 1943) الّذي اتّخذ مبادرات سياديّة.

علينا ألاّ ننسى كذلك أنّ السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة فرضت خطوطا حمراء لا يجب تجاوزها. فهي لا تسمح، بادئ ذي بدء، بطرح مسألة الاستقلال. وقد دفعت الجامعة الشيوعيّة في تونس ضريبة باهظة في العشرينات إذ أقلقتها العدالة ثم شطبتها من الوجود مدّة طويلة بسبب تبنيها مطلب الاستقلال. ومن ناحية ثانية فإنّ السّلطات نفسها تعلّلت بالفصل الثّالث من معاهدة باردو (1881) الّتي تعاقب كلّ مسّ بحقوق الباي(26) معاقبة شديدة. إنّ الحديث عن الجمهوريّة هو مسّ من صلاحيات الباي.

وبعد 1956 تاريخ إمضاء معاهدات بشأن استقلال تونس السّياسي تغيّرت الأوضاع ولم يعد الباي يحظى بأيّ حماية . حينئذ قُطعت خطوة نحو الجمهوريّة.

 

   III – الجمهوريّة… لكنّها مجرّد كلام

  • بورقيبة يختار الجمهورية سنة 1957

ليس مفاجئا أن يختار بورقيبة زعيم الحزب الدّستوري الجديد في ذلك الوقت الجمهوريّة. فهو تلميذ سابق في المعهد الصّادقي الّذي أسّسه سنة 1885 الوزير الأوّل خير الدّين، وهو طالب حقوق بباريس وقد ألف، كما هو شأن العديد من التّونسيين، السّاحة السّياسيّة الفرنسيّة فأُعجب بالثّقافة الفرنسيّة. وبعد إمضاء اتّفاقيات 1956 سُمّي وزيرا أوّل للحكومة الجديدة، وناور لتقليص صلاحيات الباي تدريجيّا(27) ولم يتأخّر عن وضع حدّ للملكيّة وذلك بخلع لمين باي وإعلان الجمهوريّة يوم 25 جويلية 1957(28) فعيّنه المجلس التّأسيسي رئيسا للجمهوريّة مؤقّتا في انتظار كتابة الدّستور(29).

إنّ قلب الوضع عمل مدروس من قبل بورقيبة ومعاونيه. وهو يذكّر بقانون الأحوال الشّخصيّة الّذي نُقّح في 13 أوت 1956 ووضع فيه  بورقيبة أهمّ أفكار الطّاهر الحدّاد الّذي عُرف بدفاعه عن حقوق المرأة(30)، وقبل هذا التّاريخ لم ينبس بورقيبة بكلمة وهو ما يعني أنّ الاستعمار الفرنسي المتحالف مع الأرستقراطيّة التّونسيّة الممثّلة في الباي والموظّفين المحافظين(31) الموجودين بالخصوص في التّعليم التّقليدي والقضاء الشّرعي مثّل عائقا أمام الجدل الصّريح والنّزيه وتطوّر الأفكار.

وقد أقام لمين باي الدّليل على أنّه ألعوبة، شأنه شأن أغلب أسلافه، بين أيدي الاستعمار الفرنسي(32). وخلافا لمحمد الخامس، ملك المغرب من سنة 1927 إلى سنة 1957 فإنّه لم يدافع عن عرشه ولا عن الشّعب التّونسي أمام قمع الاستعمار الفرنسي وصلفه ممّا رجّح بصفة نهائيّة كفّة بورقيبة الّذي لا يمكن أن يقبل بالاضطلاع بدور ثانوي.

أسّس الدّستور المكتوب والمعلن عنه في غرّة جوان 1959 لنظام رئاسيّ ومهّد السّبيل لانتخابات تقدّم إليها بورقيبة باعتباره مرشّحا وحيدا وانتُخب رئيسا للجمهوريّة بأغلبية مطلقة من المقترعين.

وهذا الحدث هو أحد العناصر الّتي وسمت تاريخ ما اُصطلح عليه حاليّا بالجمهوريّة الأولى. وفي الواقع فإنّ  هذه الجمهوريّة ليست أقلّ من أن تكون حكما فرديّا مقترنا بدكتاتوريّة انحرفت فيها وأثناء فترتي حكم بورقيبة وبن علي الّذي خلعته ثورة 17 ديسمبر 2010-14 جانفي  2011  كلّ  مؤسّسات الدّولة لتصبح  همزة وصل لبلوغ السّلطة. وسمّي الحزب الاشتراكي الدّستوري بالمناسبة بعد انقلاب ابن علي 7 نوفمبر 1987 التّجمّع الدّستوري الدّيمقراطي، وقد تمّ تحوير الدّستور عديد المرّات، مرّة لمنح بورقيبة الرّئاسة مدى الحياة، وأكثر من مرّة لتجديد العهدة لبن علي، وبعد أربع عهدات دامت 28 سنة أُزيح بورقيبة عن الرّئاسة بانقلاب سنة 1987. وهذا الانقلاب نفسه سمح لبن علي بالاستحواذ على السّلطة والتّحوّل إلى رئيس بفضل انتخابات شكليّة خلال خمس عهدات دامت 23 سنة. وقد عزلته الثّورة الّتي أجبرته على الهروب إلى الخارج.

  • دكتاتوريّة بدلا من جمهوريّة

من المفيد أن نتساءل عن أسباب هذا الإفلاس الديمقراطي في تونس رغم الحيويّة الكبيرة المميّزة للمجتمع التّونسي وإشعاع ثقافته.

إنّ محاولة تقديم رأي بشأن هذا الموضوع قد تتطلّب دراسة تتجاوز إطار هذه المساهمة. كما أنّنا نريد بهذه المناسبة أن نثير نقطة وحيدة هي دور القوى الغربية العظمى.

فالغرب، كما سبق أن بينّا، هو مصدر الأفكار الكبرى الّتي شقّت الرّأي العام التّونسي، بعد ركود الحضارة العربيّة الطّويل، وهو أيضا مصدر الصّعوبات الّتي عاشتها تونس بعد  نيلها الاستقلال  السّياسي. ولئن انهار الاستعمار الفرنسي  المباشر تحت ضربات حركة التّحرّر الوطني الّتي رفعت السّلاح أثناء الأزمة السياسيّة الأخيرة (1952-1956) فقد فسح المجال للاستعمار الجديد. وهذا الوضع الجديد هو الإطار الّذي تأسّست فيه دولة التّبعيّة في تونس على المستوى الاقتصادي والثّقافي والدّيبلوماسي. ولهذا السّبب تدخّل الغرب في شؤون تونس الدّاخليّة ويتدخّل باستمرار لإبقاء تونس في دائرة تأثيره. وهو أمر لايتحقّق إلاّ بتركيز نظام سياسي مناهض للدّيمقراطيّة.

عرف النّظام الدّستوري أزمة حادّة في منتصف الثّمانينات تحت ضغط التّداين المشطّ. فالحلّ الّذي أوصت به المؤسّسات الماليّة العالميّة الّتي هي، كما يعرفها الجميع،أدوات الغرب للتّدخل المالي وبالخصوص الولايات المتحدة بأمريكا، هو تطبيق مخطّط التّعديل الهيكلي المرتكز على سياسة التّقشف والإفراط في التّحررية واللجوء إلى الاستثمارات الأجنبيّة.

وكان بن علي الّذي ارتقى إلى سدّة الحكم سنة 1987 حامي هذه السّياسة اللاّوطنيّة. وقد حظي بدعم القوى الغربيّة وبالخصوص الولايات المتّحدة الأمريكيّة الّتي انتدبته كعون استعلامات، وكذلك فرنسا الّتي ظلّت ديبلوماسيّتها أثناء حكم نيكولا ساركوزي رئيس الجمهوريّة من سنة 2007 إلى سنة 2012 تدافع عن النّظام بلا هوادة ضدّ المتظاهرين في جانفي 2011 مقترحة عليه التّعاون الأمني(33).

خاتمة:

تشكّلت نخبة تونسيّة منذ منتصف القرن التّاسع عشر إثر احتكاكها بأوروبا. وكان شعارها في البداية الملكيّة الدّستوريّة على شاكلة بلدان أوروبا الغربيّة. وبعد فترة من التّردّد المترتّب على احتلال الجيش الفرنسي لتونس وانتصاب الحماية الفرنسيّة عاود الوطنيّون رفع مطلب أسلافهم مضيفين إليه شعار الانتخاب العام الرّائج في أوروبا في ذلك الوقت. ولم يُطح بورقيبة رئيس الحكومة الجديدة المنبثقة عن الاستقلال السّياسي بعرش الباي ويعلن الجمهوريّة إلاّ وهو يتحرّر من الاستعمار الفرنسي المباشر لكنّها ظلّت جمهوريّة صوريّة بما أنّ النّظام السّياسي زمن بورقيبة وبن علي وُسم بالدّكتاتوريّة. ووراء هذا الإفلاس الديمقراطي تكمن عدّة عوامل منها تدخّل القوى الأوروبيّة.

لكن يجدر بنا أن نلاحظ أنّ المعارضة الدّيمقراطيّة طوّرت شعار الجمهورية الديمقراطيّة أثناء هذه الفترة. وقد كنست ثورة 14 جانفي 2011 دكتاتوريّة بن علي ومهّدت السّبيل  الفعلي أمام سلسلة من الإنجازات والتّحوّلات الّتي تُوّجت بإعلان دستور جانفي 2014 الّذي أسّس للجمهوريّة الدّيمقراطيّة الّتي طال انتظارها.

إلاّ أنّ هذا المسار قابل للانتكاسة بما أنّ انتخابات 2014 منحت للمرّة الثّانية السّلطة لأحزاب الثّورة المضادّة الّتي لها ارتباطات قويّة بالرّجعيّة العالميّة. فالحزبان الرّئيسيّان، حزب الرّئيس ورئيس الحكومة (نداء تونس) وحزب النّهضة الّذي هو جزء من الفريق الحاكم، فالأوّل هو إحياء لحزب التّجمّع الديمقراطي لبن علي(34)، والثّاني هو فرع من المنظّمة العالميّة “الإخوان المسلمين” أنصار الخلافة كشكل من أشكال الحكم يقودان الجمهوريّة المنبثقة عن الثّورة لكنّهما لا يتمتّعان بالحرية المطلقة لإقامة النّظام الّذي يطمح إليه كلاهما جهرا.

****

(*) قدمنا هذه المداخلة بالفرنسيّة في اليوم الدراسي حول “مشاهد من المغرب في الفضاء الفرنكفوني” الذي نظّمه قسم العلوم السياسيّة والاجتماعية بجامعة بافي في إيطاليا يوم 15 ديسمبر 2016.

****

الهوامش

1- Chenoufi (A), Le ministre Khéreddine et ses contemporains –XIX° siècle-, Notice biographique du Général Khéreddine, Tunis, Fondation Nationale Carthage, 1990.

Krieken, G. S. van, Khayral-din et la Tunisie (1850-1881), Leiden E. J. Brill, 1976.

2- Khéreddine, (le Général), « Réformes nécessaires aux États Musulmans essai formant la première partie de l’ouvrage politique et statistique intitulé « Le plus sûr moyen pour connaître l’état des nations » » (préface), traduit de l’arabe sous la direction de l’auteur, Revue Tunisienne organe de l’Institut de Carthage, numéro 12, octobre 1896, p. 501-522.

3- M. S. Mzali et J. Pignon, “Documents sur Khéreddine- A mes enfants Mémoire de ma vie privée et politique », Revue tunisienne, 2° trim 1934, n° 18, p. 177-212.

4- التونسي، خير الدّين، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تقديم محمد حدّاد، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، 2012.

5- Khéreddine, (le Général), « Réformes nécessaires aux États Musulmans », op. cit., p. 509.

6 – Khéreddine, (le Général), « Réformes nécessaires aux États Musulmans », op. cit., p. 510.

7- ذكر خير الدّين أنّ المسيح منع على الحواريين التدخّل في الأمور الدنيوية وقال أنّ مملكته ليست من هذا العالم. نفس المصدر.

7- D’après Khéreddine Jésus a défendu aux apôtres de s’immiscer dans les affaires temporelles et a dit que son royaume n’est pas de ce monde. Idem.

8- Demeerseman (A), « Au berceau des premières réformes démocratiques en Tunisie », IBLA, t. 20, 1957, p. 1-12.

9- Ganiage (J), Les origines du Protectorat français en Tunisie (1861-1881), Paris, PUF, 1959.

10-Smida (M), Khéreddine ministre réformateur 1873-1877, Tunis, Maison Tunisienne de l’Edition, 1970.

11- En 1934 il lui fut attribué le patronyme Atatürk.

11- لقب سنة 1934 بأتاتورك أي أب الأتراك.

12- Comité algéro-tunisien, « Les revendications du peuple algéro-tunisien », La Revue du Maghreb, septembre-décembre 1918, p. 129-137.

13- Comité algéro-tunisien, Télégramme, Idem, p. 138-140.

14- Ben Temime (L), La Fédération Communiste de Tunisie 1921-1922 un effort précoce de tunisification, Mémoire de maîtrise, Université de Paris, 1976.

15- Lénine (V), “La révolution socialiste et le droit des nations à disposer d’elles-même (Thèses)”, Œuvres complètes, t. 22, Editions sociales, Paris, Editions du Progrès, Moscou, 1977, pp. 155-170.

16- Thèses, manifestes et résolutions adoptés par les Ie, IIe, IIIe et IVe congrès de l’Internationale communiste (1919-1922), http://www.communisme-bolchevisme.net/download/IC_congres_1919_1922, consulté le 20 novembre 2016.

17- Julien (Ch-A), “Colons français et Jeunes Tunisiens 1882-1912”, Extrait de la Revue française d’histoire d’outre- mer, t. LIV, 1967, p. 87.

18- Khairallah (Ch.), Le mouvement évolutionniste tunisien (Notes et documents), tome 1, Editions de l’Imprimerie de Tunis, sans date, p. 51.

19- Zaouche (A), « La Tunisie et le destour », Le Tunisien, du 27 août 1908.

20- Idem.

21- Anonyme, « Notre programme », Le Tunisien, du 7 février 1907.

22- « Statut organique du Destour », publié dans le journal La Voix du Tunisien, du 9 septembre 1932.

23- Farhat, Salah, «Notre programme», Le Libéral, n° 1 du 29 novembre 1924.

24- El Irada, du 8 janvier 1934.

25- Anonyme, La Tunisie martyre Ses revendications, Paris, Editions Jouve et Cie, 1920, p. 209.

26- La législation sur le délit politique en Tunisie pendant la période coloniale (1881-1926): source et teneur, Revue d’Histoire Maghrébine, n° 106- février 2002, pp 9-30.

27- ليسير، فتحي، “من الذاكرة الوطنيّة: المرحليّة البورقيبيّة في مسار إعلان الجمهوريّة التونسيّة (دراسة تاريخية)، تورس، تاريخ الزيارة 24 ديسمبر 2016،   http://www.turess.com/hakaek/94968

28- الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 1 بتاريخ 26 جويلبة 1957.

29- نفس المصدر

30- الحدّاد، الطاهر، امرأتنا في الشريعة والمجتمع، تونس، الدار التونسية للنشر، 1972، الطبعة الثانية.

31- استعملنا كلمة موظفين وليس رجال دين لأنّه خلافا للمسيحية لا يود إكليروس في الإسلام.

32- Julien, Charles-André, Et la Tunisie devint indépendante (1951-1957), Tunis, Les éditions Jeune Afrique / S.T.D., 1985, p. 78.

33- http://www.lemonde.fr/international/article/2011/01/15/la-diplomatie-francaise-a-defendu-jusqu-au-bout-le-regime-tunisien_1466021_3210.html, visité le 11 décembre 2016.

34- تشكّل حزب نداء تونس حول شخص الباجي قائد السبسي في 20 أفريل 2012 وهو يضمّ منخرطين ينحدرون أساسا من تيار “الدستوريين” ولكن أيضا من النقابيين ومن اليسار الإصلاحي.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق