جورج طرابيشي ورحلة البحث عن براديگما جديدة (ج1)

الإشكالية- الإطار

يرتبط الراهن العربي بماضيه ارتباطا عضويا وجدليا، حيث لا يمكن فهم اختلالاته وأعطابه إلا بمعرفة العهد المؤسس لما اصطلح على تسميته بـ«عصر النهضة العربية»، كما يرتبط بالسياق التاريخي لذلك العهد منذ المسألة الشرقية (القرن الثامن عشر) وما ترتب عنها من تحولات جيوسياسية وقانونية أممية (التنظيمات/الإصلاحات، نزعات الاستقلال، الحروب، سقوط الإمبراطوريات، مؤسسات وقوانين وحقوق أممية..)، إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد (بداية القرن الحالي)؛ كما يرتبط هذا الراهن بمحيطه الإقليمي والأممي.

وقد كان جورج طرابيشي أحد المثقفين القلائل الذين تحلوا بالشجاعة والصبر في مجال البحث والترجمة والنقد وتفعيل النقاش بين الأفكار كما بين المفكرين العرب. وظل طرابيشي يحفر في الإرث الفكري العربي بحثا عن مواطن الخلل على مدى زمني قارب الأربعة عقود؛ وقد ظل في استكشافاته الفكرية ومغامراته النقدية مستقصيا ومنقبا عن الأسباب الثاوية خلف «الرهانات الخاسرة» التي ينتمي إليها جيله الذي «راهن على الثورة وعلى القومية وعلى الاشتراكية وعلى الديمقراطية» تجاوزا لما سماه بالفوات الحضاري الجارح للنرجسية في عصر تقدم الأمم [من النهضة إلى الردة].

وإشكالية هذه الورقة تتأسس على مساءلة عدد من المفاهيم، من ضمنها مفهوم “النهضة” في سياقها التاريخي وانطلاقا من براديگما تتوخى العقلانية والموضوعية، وفي إطار الهاجس المركزي الذي كان وراء تأليف طرابيشي لكتابه «من النهضة إلى الردة» (سنة 2000)، أو للكتب التي مهدت له: المثقفون العرب والتراث، مذبحة التراث، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، …، أو للكتب التي أعقبته: العقل المستقيل في الإسلام، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث ، هرطقات.

إن النهضة من منظوره: «فضلا عن كونها سيرورة مادية- اقتصادية واجتماعية وتقنية وإدارية»، هي أيضا «مفهوم النهضة». و«النهضة هي الحاجة إلى النهضة على مستوى الوعي. فلا نهضة بلا إرادة النهضة، كما عامل نقيضها الردة. وذلك هو أصلا محور الصراع في الثقافة العربية المعاصرة: إرادة النهضة وإرادة الردة لدى الانتلجنسيا العربية، ولاسيما في هذه المرحلة التاريخية التي تضغط فيها عوامل شتى، سياسية (فشل الأنظمة الأيديولوجية التقدمية) واقتصادية (الدولارات النفطية) واجتماعية (الانفجار السكاني والبطالة والزواج)»[1]. ومع أن صاحب الكتاب لم يستخدم مفهوم “البراديگما”[2] إلا أنه استعمل ما يوحي به ويؤشر عليه، حيث قال في مقدمة الكتاب: «إذ ليس يتبدل ما في الأعيان إلا إذا تبدل ما في الأذهان»[3]؛ وهي دعوة صريحة إلى تغيير البراديگما في تعاطي المفكر العربي مع ذاته كما مع الآخر.

فهل كان جورج رائد ثقة؟ وهل في ارتياده لتلك الآفاق رأى واستبان ثم عاد إلينا سالما وفي يده مفتاحنا المنشود؟ أم عاد، فقط، بخريطة واضحة المعالم تهدينا إلى مكان مفتاحنا؟ أم اكتفى بتنشيط خيالنا وتحفيزه، بعد أن استعصى عليه الأمر في رحلته؟

ومثل الملك الضليل[4]، طوّف جورج في الآفاق حتى، غير أنه لم يرض من “الغنيمة بالإياب”، بل عاد وغنيمته/غنيمتنا خريطة متعددة المعالم ونقاط الاستدلال لمن توفرت له إرادة الظفر بالمفتاح: مفتاح لغز النهضة.

مدخل منهجي

عند استقراء السياقات والظروف التي حملت جورج طرابيشي على تحليل الإنتلجنسيا العربية في علاقتها بالتراث، والكيفية التي اعتمدها في مقاربته التحليلية ولاسيما منهج التحليل النفسي، نجده قد أسس مشروعه التفكيكي انطلاقا من سؤال متعدد الأبعاد:  متى؟ ولماذا لجأت الانتلجنسيا العربية إلى التراث؟ وكيف؟ وإن كان أسس مشروعه البحثي ردا على مشروع الجابري، فإن قراءاته قد طالت عددا من الأسماء التي لمعت في سماء الفكر العربي. وبدْء بكتابه “المثقفون العرب والتراث” (1991) إلى آخر كتبه “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” (2010)، مرورا بكتبه الأخرى التي نذرها لنفس الثيمة، لم يتوقف جورج عن فضح تهافت الأطروحة التي ظلت هذه الانتلجنسيا تروج لها، ومن ثمة كشف زيف البرادگغما التي من خلالها كرست تمثلاتها اللّاتاريخية للذات وللآخر، وهي التمثّلات التي حرمت الشعوب كما حرمت أصحاب القرار السياسي من التفاعل الخلاق مع عصرهم. ولم يكتف جورج بنقد متون هذه الانتلجنسيا، بل أخذ على عاتقه مهمة لا يقوى على تحملها إلا أولي العزم، وهي ارتياد التاريخ العربي الإسلامي من الزمن المعاصر إلى غاية عهده المؤسس، قراءة وفحصا وتشخيصا وتفكيكا، بل، وتحت إغراءات المغامرة البحثية وضغط السؤال الفلسفي صمم على مواصلة الرحلة إلى غاية القرن الأول الميلادي متفحصا طبيعة العلاقة بين الفلسفة والمسيحية ومتحريا عن حيثيات اضمحلال الأولى وازدهار الثانية.

لقد كانت مقاربة طرابيشي للأنتلجنسيا، إلى حد كبير، مقاربة أگنوتولوجية[5] مع أنه لم يستعمل هذا المفهوم. غير أنه أقرّ بتغيير منهجه في القراءة، حيث انتقل من مرحلة كان يقرأ فيها ليصدر حكما “مع أو ضد”، ليرد ما يقرأه إلى ما يعرفه، إلى مرحلة بدأ يقرأ فيها ليعرف، “بعيدا عن همّ المع أو الضد”، لينطلق مما يقرؤه إلى ما لا يعرفه.[6]

إن السياق التاريخي الذي كان طرابيشي منتوجَهُ ومُنتِجاً فيه في ذات الوقت، هذا السياق، بحيثياته السياسية والأيديولوجية والنفسية، حمله على البحث عن براديگما تسمح له بأن يتمثل عصره بشكل مختلف بعيدا “عن استراتيجية البدائل” التي، أنهكت الانتلجنسيا العربية في محاولاتها الرامية إلى تجاوز فشلها المتجدد، “فشل تلك الرهانات”. ومع مطلع القرن الجديد، ازداد يقينه أن ذلك “الفشل بالذات هو ما ينبغي أن يحدو بنا إلى التخلي عن استراتيجية البدائل” والتركيز على توجيه الاهتمام “إلى آليات النهضة بالذات. وهي آليات عقلية بقدر ما هي آليات مادية. إذ ليس يتبدل ما في الأعيان إلا إذا تبدل أيضا ما في الأذهان. ومن هنا خطورة دور المثقف في الآلية النهضوية”[7].  وبقدر ما ظلت النهضة هاجسا مركزيا لديه، فقد ظل لديه، بالتوازي، المثقف في صدارة لائحة المتهمين، إن لم يكن المتهم الرئيسي بحرمان شعبه من أسباب التقدم بعد أن حرمه من خيرات التفكير العقلاني. وإن حرصه على تغيير البراديگما وإن لم يسمّها ظل هاجسا مهيمنا على مشروعه البحثي، وهذا ما سنتناوله في دراستنا.

سؤال النّهضة: الأنتلجنسيا، من قفص الاتهام إلى المصحّة النفسيّة

بدْء بكتابه “المثقفون العرب والتراث” إلى “هرطقات” مرورا بـ”مذبحة التراث” و”العقل المستقيل” و”من النهضة إلى الردة”، تتمحور الأطروحة المركزية لدى طرابيشي حول انقلاب النهضة إلى ضدها. إن النهضة انقلبت إلى حالة من التنويم والتخدير. أما الصدمة فقد تحولت إلى رضّة[8].

وفي تفسيره لهذا الانقلاب، في القسم الأول من كتابه “المثقفون والتراث”، استند في تحليله على ثلاث عينات تمثل ثلاثة تيارات من الأنتلجنسيا العربية المعاصرة: محمد عمارة ممثلا للتيار السلفي المتنور، وراشد الغنوشي ممثلا للتيار السلفي الخالص، ومحمد عابد الجابري ممثلا للتيار العقلاني المعتدل. وكلهم من شمال أفريقيا (مصري ومغاربيان). وفي صدد تحليله للخطاب المعاصر في علاقته بعصر النهضة، استشهد بعلماء الأزهر وبعض رواد النهضة: رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي (وهؤلاء أيضا من شمال أفريقيا). كما حاول رصد أبرز المفكرين وتحليل خطاباتهم ذات المظهر النكوصي: منير شفيق، عبد العزيز الحُبابي، أنور الجندي، عفيف البوني، جلال أحمد أمين… أما القسم الثاني، الذي يشكل حوالي ثلثي الكتاب، فقد أفرده للمفكر المصري حسن حنفي. وأسس منطلقات بحثه على لائحة من الأسئلة، لعل أبرزها:

– ما الفارق بين الصدمة والرضّة؟ – ما هي، في تاريخ الحالة المرضية العربية، التجربة التي كان لها مفعول الرضّة وأدت إلى تمخض عُصاب جماعي تظاهرت أولى أعراضه، ولا تزال، في شكل وعي مدمر أو ملغى في أوساط عين الشريحة الاجتماعية المتخصصة في إنتاج الوعي، أي الانتلجنسيا؟، وإذا كان واضحا على هذا النحو أن النكوص هو المفهوم المركزي الذي نتعقل على أساسه الردّة التي شهدتها الساحة الفكرية العربية في السبعينات، فقد آن لنا أن نتساءل: ما الأشكال النوعية التي تتظاهر بها سيرورة النكوص على صعيد الخطاب العربي المعاصر حول التراث؟ وما الانعكاسات الخاصة على صعيد الأيديولوجيا التراثية لاشتغال هذه الآلية الفاعلة أساسا في الحياة النفسية؟.

وهذه الانتلجنسيا بوصفها المسئول الرئيسي عن الوضع الذي آلت إليه بلدانها، لم يكتف بوضعها في قفص الاتهام، بل أدخلها إلى مصحة نفسية بسبب ما عانته من رضوض. فهي «أنتلجنسيا» تعاني من حالة نكوص، غير ناضجة، مضربة عن النمو ومنسحبة من سيرورة التطور والتقدم[9]. ولم يتوقف عن قراءة جرحها النرجسي في أغلب كتبه. هذا الجرح ذو الطبيعة الأنتروبولوجية اشترك فيه العرب وسواهم من الشعوب غير الغربية، “وهو جرح ناجم في الأساس عن السبق الحضاري المنقطع النظير في التاريخ العالمي الذي حققه الشطر الغربي” كما أكد في كتابه “مذبحة التراث”[10].

من هذا الجرح انبثق عصر النهضة العربي الذي لم يستمد اسمه إلا بالإحالة إلى عصر النهضة الأوروبي. وخلافا لهذا الأخير لم يشكل (عصر النهضة العربي) في التحقيب العربي للتاريخ تلك القطيعة مع عصر الانحطاط إلا بحافز خارجي: صدمة اللقاء مع الغرب. ولم يكن معنيا بالقطيعة مع عصر الانحطاط، بقدر ما كان معنيا بالرد على الجرح الأنتروبولوجي. على عكس النهضة الأوروبية التي أحدث عصرُها “بالأصالة لا بالوكالة، قطيعةً ذاتية المنشأ مع القرون الوسطى”[11]. كان الخطاب العربي الحديث برمته، أي الخطاب العربي الذي ساد الساحة الفكرية العربية منذ مطالع عصر النهضة في أواسط القرن التاسع عشر إلى الثمانينات من القرن العشرين، كان، وفق الجابري، مجرد تعبير “عن أحوال نفسية وليس عن حقائق موضوعية ولا عن تطلعات خاضعة للرقابة العقلية”، وبالتالي كان خطابا عاجزا عن “استيعاب الحقيقة استيعابا عقلانيا”[12]. وكانت مقولات هذا الخطاب فارغة، من منظور الجابري دائما، وكانت ككل مقولات خطاب معصوب تجهل التاريخية والتطور وتخضع لمبدأ التكرار اللازمني. فزمن الفكر العربي الحديث والمعاصر زمن ميت، وفق رأي الجابري، حيث لم يحدث أي تطور في أية قضية من القضايا النهضوية التي عالجها ذلك الخطاب، ولم يسجل أي تقدم في أية قضية من قضاياه [13].

وفي قراءة مختلفة، يرى جورج  أن زمن الفكر النهضوي لم يكن ميتا ولم  يخضع لآلية التكرار العصابية. الخطاب العربي المعاصر لم يكرر الخطاب العربي الحديث، ذلك “أن الخطاب العربي المعاصر هو من إفراز الرضّة”؛ بينما “الخطاب العربي الحديث أو النهضوي هو من إفراز الصدمة النابليونية”. وبالتالي فالعلاقة بينهما “ليست علاقة وصل وتكرار، بل علاقة قطع ونكوص”. و”إذا كانت الصدمة تستنفر الوعي، وتشحذه وتجعله أكثر حساسية بالواقع الداخلي والخارجي”[14] فالرضّة، على العكس من ذلك، “تستنفر اللاشعور، ويكون من شأنها بالتالي أن تثلم الوعي وأن تخدر حساسيته وأن تفتح أمامه المسارب للهرب من الواقع بدل مواجهته” و”ما كان مع الصدمة مهمازا، يستحيل مع الرضّة لجاما”[15].

هذا الارتداد، في نظره، لم يكن “من قبيل التكرار و الدوران في حلقة مفرغة” بل كان “نكوصا”. الخطاب العربي المعاصر الناجم عن الرضّة الحزيرانية طرح نفس قضايا النهضة لكن ليس بنفس الإجابات، بل بإجابات أكثر تأخرا. الخطاب “لم يرتد إلى عصر النهضة بل عنها”، لا لينضوي تحت لوائها بل لينسحب منها، إنه مضاد للنهضة، ينحاز إلى الأفغاني ضد الكواكبي، وفي انحيازه إلى الأفغاني فإنما إلى السلفي ضدا على الأفغاني النهضوي ويحدث أن يرتد إلى ابن تيمية وإلى ابن حنبل. إن هذا الإلغاء لعصر النهضة مظهر تدمير الوعي الذاتي لدوافع نفسية[16]. فالانتلجنسيا العربية “رافضة لأداء وظيفتها، أي أنتلجنسيا في حال إضراب عن التفكير”[17].

الأنتجلنسيا العربية: من خطاب الصدمة/الّنهضة إلى خطاب الرضة/الردّة

ولأن الخطاب، وفق طرابيشي، يصدر عن أحوال نفسية ويشف بالأَوْلى عن مواقف ذاتية. وبحكم انتمائه إلى عالم (اللوغوس) الشفهي، فإنه بالضرورة يكون أكثر خضوعا لمقتضيات اللحظة الآنية من النص “المكتوب”، وأكثر انفعالية وقابلية للتقلب، وأكثر تنوعا في تضاريسه صعودا وهبوطا، اندفاعا واتئادا، من الاستوائية الرتيبة للنص الذي ينزع، بحكم التدخل الواعي لآلية الكتابة، إلى أن يتشكل مورفولوجياً بشكل السهل المنبسط من وجهة نظر نفسية تحديدا[18]. “الخطاب العربي، كما تنتجه وتستهلكه شريحة واسعة من الأنتلجنسيا العربية، خطاب مريض بالغرب. أو بالأحرى بتقدم الغرب. وأعراض المرض، أو ما أسميناه بالعصاب الجماعي العربي، تكاد لا تحصى.وإذا كان أول ما يميز العرَض المرضي هو عناديته” [19]. إنه خطاب جريح.

إذا كان طرابيشي كرس أبحاثه في تحليل “أزمة الخطاب”، فهل كان خطابه هو “خطاب أزمة”؟

الخطاب الذي أخضعه للتحليل هو الخطاب الذي بدأ ينتج نفسه ويعيد إنتاجها منذ الهزيمة الحزيرانية وقد سماه بالمعاصر تمييزا له عن الخطاب الحديث الذي رأى النور غداة الحرب العالمية الثانية، وتمييزا عن الخطاب النهضوي (1798-1939)، وهذا الخطاب ترجم عُصاباً عربيا جماعيا نجم عن عقدة نفسية (عقدة التثبيت على الماضي)، وهي “عقدة من طبيعة نكوصية”[20].

كانت الاستقلالات بمثابة تضميد لهذا الجرح، ولكن في حال الإزاحة كما في حال الاستبدال، فإن اللحظة الطاغية في التعاطي مع هذا التراث تبقى هي اللحظة الأيديولوجية بكل مسبقاتها وتحيزاتها وإسقاطاتها ومسكوتاتها وعماءاتها، مثلما تبقى اللحظة الغائبة أو الواهنة الحضور هي اللحظة المعرفية، بأداتها التي هي التحليل العلمي الموضوعي، وبغايتها التي هي الحقيقة التاريخية[21]. إن التراث المؤدلج هو تراث بلا حقيقة تاريخية.

نستنتج من قراءته لعصر النهضة أن خطابها كان خطاب أزمة، أي كان خطابا أفرزته النهضة الناجمة عن الصدمة، بينما خطاب الردة الناجم عن الرضّة هو خطاب مأزوم/نكوصي، مريض ومهيمن على تيارات متعددة من الانتلجنسيا ماركسية كانت أو قومية بشقيها العلماني والإسلامي، أو علمية بشقيها الابستيمولوجي والبرغمائي.

خطاب الرضة إزاء الذّات والآخر (الغرب وإسرائيل).

دونما تردد، يؤكد جورج أن هذا الجرح النرجسي في الحالة العربية يبدو قيد تفعيل مضاعف، وعصيّا على الالتئام بحكم الهزيمة العربية أمام المشروع الصهيوني، من جهة، ومن جهة ثانية بحكم ما يمكن أن نسميه بالخلفية النفسية المؤسسة لوضعية الذات إزاء الآخر، فالأمم الأخرى لم يتجاوز الأمر عندها ذلك الاكتشاف المتمثل قي “أن الغرب قد تقدم فيما ظلت هي تراوح مكانها”، وهو سؤال درامي من منظور طرابيشي[22]. فالبراديگما التي تَمثّلت من خلالها هذه الأمم ذاتها في علاقتها بالغرب، أتاحت لها أن تنظر إلى تخلفها على أنه نقص في التطور (Sous-développement). أما في الحالة العربية، فقد اقترن السؤال: لماذا تقدم الغرب؟ بسؤال آخر لا يقبل عنه انفصالا: لماذا تأخرنا نحن العرب المسلمين؟”. وهو سؤال “نزع منذ البداية إلى أن يكون مأساويا”. فالبراديگما التي من خلالها تَمثّلَ العربُ ذاتهم في علاقتهم بالغرب، جعلتهم يصدرون حكما قاسيا على راهنهم إلى حد الشذوذ، إذ نظروا إلى تخلفهم على أنه تأخر (Arriération)، بل انحطاط (Décadence).”ولهذا تصوروا تقدمهم نهضة، بل ولادة ثانية (Renaissance)[23].

هذه الانتلجنسيا حاولت أن تتعافى من جرحها بفضل ما راكمته من النضالات التحررية التي أسفرت عن الاستقلالات التي كانت بمثابة تضميد لهذا الجرح. تلك الاستقلالات، التي أنتجت، في طور أول، تضخما في أيديولوجيات الثورة بخلفياتها القومية، الماركسية والناصرية، وفي طور ثان، بعد الهزيمة الحزيرانية التي ترجمت فشل الأيديولوجيات السالفة الذكر، أدت إلى نقل الصراع الأيديولوجي إلى ساحة التراث، ومن ثمة تحويل التراث ذاته إلى أيديولوجيا بديلة عن كل الأيديولوجيات المستوردة. فاللجوء إلى التراث جاء في سياق فشل الأيديولوجيات المستوردة، ذلك الفشل الذي تجلى في هزيمة حزيران 1967. لقد كانت هذه الهزيمة رضة في نفوس هذه الانتلجنسيا، فكانت ردود أفعالها متطابقة “حيث تبدو الجماعة وكأنها تسلك سلوك الفرد الواحد”. هنا حدد جورج “اللحظة التاريخية التي أتاحت المناسبة لاشتغال آلية النكوص، والارتداد إلى الوراء. إنها رضة الهزيمة الحزيرانية التي كان لها مفعول مُمْرِض على الشخصية العربية. المقاربة فضلت التخصيص على التعميم، حيث استهدفت شريحة من الانتلجنسيا التي أنتجت خطابا معصوبا، خطاب التراث أو الخطاب التراثي في نتاج الانتلجنسيا العربية المعاصرة، أي خطاب الأصالة. النكوص نحو الماضي يجد مبرراته ودوافعه اللاشعورية، في الغالب، في إحباط الحاضر (حاضر محبط ومنحط ومُثبّط للعزائم). والخطاب يعكس موقفا من الحاضر ومن العصر، وبالتالي من حضارة العصر (خطاب حصر التراث في وضع واحد، موقفٌ مُواجِهٌ للعصر ومُضادٌ له، ومُجبِراً الأصالة بشكل تعسفي على التموقع ضد الحداثة)، وبالتالي فإن المرض بالماضي هو مرض من العصر. الخطاب وظيفة إنتاجية للانتليجينسيا؛ والتحول الخطير الذي عاشته الانتلجنسيا في تيار من تياراتها، وبعد أن كانت تمثل عامل نهضة، أصبحت جزء من معادلة التخلف وعاملا من عوامله. ولكي يضيء ذلك العائق النفسي الذي حرم الانتلجنسيا العربية من معانقة الحضارة الغربية، فقد استدعى نصيحة طه حسين الداعية إلى الإقبال على حضارة الغرب واحتضانها بثغر باسم بدل التبرم منها بوجه عابس. ذلك العائق النفسي استفحل إلى درجة أصبح فيها مستعصيا على العلاج، بل أصبح عامل انهيار[24]. وتأكد مع الزمن أن موقف الأنتلجنسيا العربية من الغرب كان موقفا لاتاريخيا، وكان أكثر ضررا من الاستعمار على مصائر الشعوب.

تجليات الرضّة في خطاب الردّة

بالرغم من أن الديناميا النفسية تنطوي على قوى دافعة باتجاه المقاومة والمعافاة والتقدم، فإن الخطاب المعاصر عاد بعد قرن من الزمن ليطرح نفس القضايا التي اعتقدها في حكم المتجاوز، لكنه لم يطرحها من موقع القوي الذي تعافى من جرحه. وكما رأينا أعلاه، في مقاربته النقدية/العلمية ربط طرابيشي العامل النفسي بالأيديولوجي، ساعيا إلى تلمس سبل التغلب على المرض والتعافي منه، على مستوى السطح والعمق. وسلط الضوء على الآلية العصابية اللاشعورية بهدف إبطال اشتغالها حتى  تكف عن أن تكون بؤرة خصبة للأيديولوجيا الظلامية. وقد اعتمد في مقاربته التفصيل والتنويع بهدف إبراز أن الردة كانت القاسم المشترك بين كل التيارات دون استثناء.

وفي انتقاده لمنهج الإسقاط الأيديولوجي، لا يؤاخذ طرابيشي هذا المنهج على عجزه عن الوصول إلى الحقيقة التاريخية، بل على محاولته المشتطة في إخضاع التراث لعملية جراحية ليستأصل منه ما يعتقد أنها أورامه الخبيثة التي قد لا تكون إلا أعضاءه الأكثر حيوية. فالمنهج ليس أعمى فحسب، بل إنه يستعين أيضا، بدل العكاز، بمبضع[25].

لم يكن الكتابان: “مذبحة التراث” (1993)، و”من النهضة إلى الردة” (2000) سوى امتداد لـ”المثقفون العرب والتراث” (1991) من حيث المقاربة مع تنويع في العينات. ففي مذبحة التراث، ينتقد كل التيارات التي مثلت الفكر العربي.

ويمكن القول أن المثقفين الملتزمين بالرؤية الماركسية هم أول من سن تقليد الذبح. وإذ لا يستثني نفسه بوصفه ماركسيا سابقا، يستدل، أيضا، بعدد من وثائق الندوة الثانية سنة 1984[26]. وفي هذا الفصل، يرى أن الماركسيين العرب “الذين طالما رماهم خصومهم بالعدمية التراثية، ردوا هم أيضا بإحياء الموقف اللينيني من التراث، وبالتوكيد على أن التراث ليس كلا واحدا. بل التراث حقلٌ للصراع”. وقدم في هذا المضمار نموذجين:  نموذج العقيدة غير القويمة، ويمثله سمير أمين الذي وكما أحيا خصومه “عام 1983 موقف الشعبويين الروس في عام 1897، ولكن في إهاب من السلفية الإسلاموية بدل السلافية، كذلك أحيا سمير أمين في رده على المشنّعين عليه موقف لينين التشطيري، ولكن في إطار التراث العربي بدل الروسي” [27] أما نموذج العقيدة القويمة فقد مثله توفيق سلوم الذي “يضع نفسه وضعا مباشرا في الخط اللينيني، ليؤكد أن أنصار المادية التاريخية يطمحون لأن يكونوا هم الحافظين للتراث والأكثر أمانة له. ولكن ليس لكل التراث، كما يحلوا لبعض أنصار النزعة السلفية والماضوية”[28]، وهذه النزعة في التعامل مع التراث، يصفها جورج ببرنامج تحويل التراث إلى “سلاح من أسلحة أيديولوجيا الكفاح”، وهو الوصف الذي استعاره من محمد أركون[29]. إنها حرب التراث ضد التراث وتذليل التراث بالتراث وتوظيف التراث من أجل  النضال.

وإذا كان التيار القومي يشاطر بوجه عام التيار الماركسي معياريته الأيديولوجية القائمة على ثنائية التقدمية والرجعية، فإنه لا يقاسمه بالمقابل نزعته إلى الفرز الطبقي الصارم والمستنير بضوء “أيديولوجيا الطبقة العاملة”. فالقومي يريد بدوره إجمالا مثله مثل الماركسي، أن يُخضع جسد التراث لعملية جراحية بهدف استئصال أورام الانحطاط أكثر من أورام الظلامية. وهي نزعة ناجمة، في نظر هذا التيار، عن نشاط مجاوز لحده للأجناس الغريبة والعناصر الدخيلة أكثر منها من عمل القوى الرجعية والطبقات الاستغلالية. وقد صنف جورج التيار القومي إلى علماني وإسلامي (زكي الأرسوزي ومحمد عمارة)، اللذان رغم اختلافهما يتفقان على تشخيص الداء وتحديد طبيعة الجرثومة وإن اختلفا في تحديد الدواء.

إن رحمانية زكي الأرسوزي ليست سوى فلسفة عنصرية كونها تستهدف “الأغيار/الدخلاء/الهجناء” وتحملهم مسؤولية الأزمة العربية وانحراف قوام إنسانيتها وتجويف مؤسساتها وتعويق آمال شعوبها، وتشن حملة استئصال للتراث المرتبط بهم [30]. وينتقد طرابيشي دعوة الأرسوزي إلى التجرد من كل مكتسبات التطورات والانسلاخ عنها من أجل العودة إلى الصباح العربي (الجاهلية)، وهي الدعوة ذاتها لدى ممثل التيار القومي العربي الإسلامي، صاحب نظرية تشطير التراث بهدف توظيف جزئه المتقدم ضد جزئه المتخلف في المعركة الأيديولوجية الكبرى[31]. ولكن بهدف العودة إلى صباح عربي آخر، هو الإسلام، باعتباره هو البدء المطلق. التمايز بين التيارين هو أن العروبة، عند عمارة، عروبة حضارة قبل أن تكون عروبة جنس وفكر ولغة وعقل وحدس. ومع ذلك يشتركان في التشخيص ويُحمّلان المسئولية للعرق القاييني الملعون هو (الآخر) الحامل لجرثومة العجمة والناقل لعدواها. غير أن العجمة عند الأرسوزي هي عجمة لسان بينما عند عمارة، بالإضافة إلى ذلك، عجمة فكر ودين. فالمستعربون هم لوثة الانحطاط لدى الأرسوزي، بينما لدى عمارة فهم الممتنعون عن الاستعراب. ولكن هذا الاختلاف الجزئي في تشخيص الداء يستتبع تفارقا كليا في تعيين الدواء: فبدلا من الجاهلية العربية، وحتى ضدا عليها لا يطالب عمارة إلا ببعث الإسلام العربي. وفي إطار من الموازنة، يقول جورج، نستطيع أن نقول إن ما يخسره داعية بعث الجاهلية العربية من حيث ضيق الأفق التاريخي لرؤيته يربحه من حيث رحابة المنطلق الفلسفي لنظرته. أما ما يبدو لدى داعية البعث الإسلامي العربي وكأنه يربحه من حيث وساعة حقل الرؤية، فإنه يخسره من حيث الضيق الأديولوجي لعدسة منظاره [32].

أما في مقاربته النقدية للتيار العلمي، ينبه جورج أنها لا تتغيا التشكيك المسبق بقيمة المحاولات العلمية التي شهدها حقل الدراسات التراثية.”فمهما يكن خطر العلموية رفيق دربٍ ثقيل الظل لأي مقاربة علمية جادة، فإنه في ما يتعلق بالدراسات التراثية تحديدا لا يملك المرء إلا أن يحيي، إزاء طغيان المد الأيديولوجي على هذا الحقل المعرفي، كل الجهود التي تضع نفسها بقدر أو بآخر من النجاح، تبعا لذكاء الباحث وبمعرفته بمادته وتمكنه من منهجه، تحت لواء المنهجية العلمية. غير أن الهالة العلمية التي تغلف تلك الدراسات لا تشفع لها الاستثناء، ولاسيما حينما تجيء نتائجها، أو بعض نتائجها، مطابقة لنتائج المقاربات الأيديولوجية البحتة للتراث العربي الإسلامي من حيث إخضاعه لتقنية الجراحة التشطيرية”[33].

ويعتبر “دراسة حسين مروة عن النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية نموذجا مميزا عن الدراسة المنهجية المسكونة بهاجس أيديولوجي متضخم وواع. ولكن تبقى لحسين مروة ميزة أساسية” من المنظور الذي تناول به طرابيشي موضوعه هنا، “وهي رفضه المشاركة في “المذبحة” النظرية للتراث العربي الإسلامي، وإصراره على التمسك بالرؤية الكلية والتكاملية لهذا التراث” [34].

وقد اختار نموذجين يمثلان التيار العلمي الذي شارك في مذبحة التراث، وهما: زكي نجيب محمود ممثلا للنموذج العلمي البرغمائي والجابري ممثلا للنموذج العلمي الابستيمولوجي. يستهل جورج مقاربته لزكي باستدعاء قصة من الإنجيل تروي قصة شاب هجر أباه بعد أن أخذ حقه من الثروة، ثم عاد إلى حضن أبيه طالبا منه الغفران، غير أن عودته لم تكن ناجمة عن عودة الوعي، إنما عاد بعد أن استهلك كامل ثروته. وكم كانت فرحة الأب كبيرة، وكم كان الاحتفال بهذه العودة باذخا. في ضوء هذه القصة (عودة الابن الضال… الكاذبة)، قرأ جورج عودة زكي إلى التراث[35].

وقف جورج مليا عند تمظهرات هذه العودة وتجلياتها في اعترافات زكي وبوح خطاباته، وانتخب منها باقة من الفقرات والشذرات التي رافع فيها زكي عن منهجه الانتقائي في قراءة التراث[36]. وبعد أن يعلق جورج عن هذه “التقنية” التي لجأ إليها زكي لتسويغ منهجه الانتقائي، وهو تعليق لم يَخلُ من تهكم، أضاف: “إن الإشكالية كما يصوغها هنا داعية تجديد الفكر العربي تبدو في ظاهرها موضوعية ومحايدة وبريئة، بيد أنه ليس عسيرا علينا، في حال وضعها على محك التحليل، أن نكتشف أنها إشكالية كاذبة، أي أنها إشكالية لا تصوغ السؤال إلا بقدر ما تُعيّن جوابه مسبقا”[37].

وبعد جرده لمواقف زكي المتقلبة من التراث، من داعية لإحراقه إلى حريص على حفظه في المتاحف إلى مُطالبٍ بتحويله إلى  مادة للتسلية. يرصد ثلاث إشكاليات تفرعت عن الإشكالية الرئيسية، وهي “إشكاليات مغلقة تحصر جميعها التراث في الزاوية الضيقة”[38].

ويختم جورج رحلته مع زكي بفقرة مؤثرة من تأملات زكي في حيرة الكاتب العربي المعاصر ومعاناته بين نار الانتماء إلى الحاضر/ الغرب ونار الانتماء إلى الماضي/الآباء “فإما أن يختار حياة فكرية حقيقية تنبض بمشكلاته وأزماته وما يقترح لها من منافذ للنجاة، ولكنه في هذه الحالة يكون في حياته الفكرية متسولا، كما هو بالفعل متسول في حياته المادية بأنظمتها وأجهزتها، وإما أن يلوذ بأصالة آبائه. لكنه في هذه الحالة مضطر أن يقضي حياته في متحف الآثار النفسية، وفي كلتا الحالتين يحس الكاتب مرارة الغربة، فلا هو بين أهله إذا شرب من ينابيع الثقافة الأوروبية، ولا هو غني بنبض حياته إذا قفل راجعا إلى ثقافة آبائه”. وتعقيبا على هذا البوح، يتساءل جورج: “أليست حرقة الغربتين هذه صالحة بذاتها لأن تقدم المفتاح للخروج من المأزق؟ فبدلا من أن تكون هذه الازدواجية عرضا عصابيا شالا للطاقة والفاعلية، أفليس من الممكن، بكل ما تنطوي عليه من حرقة، أن تكون مدخلا إلى الإبداع الذي تظل الحرقة، لا البرودة، شرطه الأول ومقدمته الضرورية في الأحوال جميعا؟ فالكاتب العربي المعاصر، الذي يشكو أكثر مما يشكو الكثيرون من الكتاب في سائر أقطار العالم من توزعه وتمزقه بين تراث الأسلاف ونداء العصر، قد يكون مرشحا أكثر من غيره أيضا لأن يُحوّل هذه الازدواجية إلى مصدر إبداع إذا ما تبناها إلى النهاية، وأحسن صياغة معادلتها، وحررنفسه من المحارجة الشالة التي يحبسه فيها حدّاها، ووجد لها الحل الوحيد الممكن الذي هو الحل العلمي، أي بالإبداع. ووفق رأي طرابيشي، فإن نجيب محفوظ نجح في تحقيق مهمته كمبدع[39].

وحول علاقة الجابري بالتراث، يخلص جورج إلى أن محلل العقل العربي يستبعد “من حقل تحليله كل التعابير اللاعقلية عن هذا العقل” “وعلى الرغم من أن الابستمولوجيا هي في الأساس منهج مضاد للاختزال، فإن محلل العقل العربي يفاجئنا بأن هذا العقل يرتد عنده إلى تعبيره العقلي، فكأن العقل لا موضوع له سوى المعقولات، وكأن اللغة الوحيدة للعقل هي لغة النثر العقلي، وكأن “اللاعقل” لا يؤلف جزءا مقوما من “العقل”[40].

ويستغرب جورج من إقصاء الجابري في تحليله للعقل العربي لكل أثر أدبي، بل كيف أن “الجابري لايجد من حرج لا في فصل “العقل العقلي” عن “العقل اللاعقلي” في العقل العربي فحسب، بل كذلك في فصل العقل النظري عن العقل العملي، والعقل المعرفي عن العقل العلمي”. وكيف أباح لنفسه “أن يخرق القاعدة الابستمولوجية الذهبية التي ترفض منطق “من جهة أولى… ومن جهة ثانية”، وتشترط رد التنوع، أو حتى التناقض إلى الوحدة”. وهذا ما جعل الجابري يصدر أحكاما خاطئة في حق عدد من الفلاسفة[41]. وثمة مأزق معرفي سقط فيه الجابري جراء اختزاله للعقل إلى العقل العقلي وحده[42]. وبالتالي فإن الجابري، لم يقرأ التراث قراءة علمية فحسب، بل، شأنه شأن أغلب معاصريه من المفكرين، فشل في الخروج من البراديغما التي أقصت التفكير العقلاني.

لئن كان طرابيشي، في سياق مقاربته للجرح العربي، أفرد، في البداية، مؤلفاته للخطاب المعاصر، فمع مطلع القرن الجديد عاد إلى فحص ذلك الجرح في كتابه “من النهضة إلى الردة”، ولكن العينات التي انتخبها كانت مزيجا من مثقفي عصر النهضة ومثقفين معاصرين.

يصف الباحث تجربة قاسم أمين بالنزعة التي اشتغلت، في طور أول، وفق نمط إنكاري (إنكار الجرح)، وتجلى ذلك الإنكار في مرافعته لصالح المرأة في إطار حضارتها العربية الإسلامية [43]. و”في طور ثان اشتغلت وفق نمط إبرائي (إبراء الجرح)، فاتخذت بالتالي شكل النقد الجذري لوضع المرأة في المجتمع المصري” [44]. وانطلاقا من عملية فحص بيوغرافية وأنطلوجية لسيرة قاسم أمين في رده على داركور، يعلق طرابيشي قائلا: “فقارئ الرد يشعر وكأن اللقاء بين مصر والغرب لم يكن له وقع الصدمة أو الجرح، بل كان لقاء الند للند” [45]. وبعد سرد جملة من الفقرات ذات المنزع الإنكاري، المتعالي، لاحظ طرابيشي أن “قاسم أمين يتكلم بلسان جماعي هو لسان جميع المنافحين منذ أن أوجد الجرح النرجسي ضرورة المنافحة بدءأ من أواسط القرن التاسع عشر وامتدادا إلى يومنا هذا”[46].

ووفق تحليل طرابيشي، فإن تحول قاسم أمين “لم يكن انقلابا في الموقف من المرأة، بمعنى الانتقال من موقف العداء لها إلى موقف الانتصار لها، بل كان انقلابا في تقييم وضع المرأة”[47]. ومنذ ذلك لم يقرأ واقع المرأة المصرية “على أنه واقع انحطاطي يدعو إلى الخجل لا إلى التفاخر، فحسب، بل سيعتبر أن انحطاط المرأة المصرية يلخّص ويكثّف في ذاته كل انحطاط المجتمع المصري”[48]، وبالتالي، أسس قاسم أمين إلى النقد الذاتي، وبدل محاكمة الآخرين اتجه إلى محاكمة “ذاته على الموقف الذي وقفه من شرط المرأة المصرية في رده على الدوق داركور” [49]. ويخلص طرابيشي إلى أن الولادة الحقيقية لقاسم أمين ككاتب نهضوي هي انتقاله من طور المنافحة إلى طور النقد[50]. أو بتعبير آخر، فإن قاسم أمين نجح في العثور على براديغما أكثر تلاؤما مع مبادئ العقل وروح العصر.

حول ياسين الحافظ، يقر طرابيشي بأنه مُربّيه الكبير، مُربّيه “السياسي حصرا”، أو “الأيديولوجي بتعبير أدق”. وحضور ياسين في تربية طرابيشي هو الميل الماركسي لهذا الأخير في الستينات تحت تأثير ياسين. كما يقر أن ذلك التأثر أخذ منحى متوترا؛ وكانت ناصرية ياسين ذات الطابع الوجداني هي نقطة التوتر بين التلميذ ومعلمه، وكانت أيضا الثغرة التي بها ومنها تحرر التلميذ واختط لنفسه “موقعا نقديا”[51]. ولعل هذا ما جعله يختلف عن عبد الرزاق عيد في قراءته لياسين التي بدت له “بًنًويّة أكثر مما ينبغي” وبدا له وكأن عيد “إنما يكتب قصيدة حب لياسين…. غريبة من نوعها”. ومأخذ طرابيشي على قراءة عيد يرجعه إلى المظهر الغنائي لتلك القراءة في تناف مع “الموروث الماركسي الذي ما أسس نفسه إلا بالقطيعة المعلنة مع كل الأشكال الوجدانية من الغنائيات الطوباوية”[52]، كما يرجعه إلى ماركسيته التي، في زمن الأزمة الماركسية، وجدت سقفا تلوذ به احتماءً بماركسية ياسين الحافظ الذي كانت ماركسيته في زمنه، يقول طرابيشي “من أرقى أشكال الممارسة الفكرية”. ولكن على الرغم من نقد “ياسين للأيديولوجيا بوصفها وعيا غير مطابق، فإن ماركسيته، مثلها مثل كل نتاج أيديولوجي،[كانت] محاولة للسيطرة، لا على عالم الواقع، بل على عالم الخطاب”. بينما قراءة عيد كانت “قراءة انتمائية، لا قراءة نقدية”. فصاحب “نقد حداثة التأخر” نسي أن ياسين “توفي قبل وفاة الماركسية نفسها بعقدين من الزمن”. والسؤال الذي يسوقه طرابيشي في هذا السياق هو: “لو قيض لياسين أن يعيش إلى هذه اللحظة، فهل كان سيبقى متمسكا بجهاز مفاهيمه الذي يمحضه مؤلف “نقد حداثة التأخر” تمام انتمائه؟”[53] وردا على هذا السؤال، وفي قراءة مختلفة عن قراءة عيد، يقول طرابيشي: “من دون أن نجزم بأنه كان سيتخلى عن ماركسيته، فإننا لا نستطيع أن نتعامل مع كتاباته وكأنها لا تزال تمثل (وعيا مطابقا). وتلك هي نقطة الافتراق الكبرى بيننا وبين مؤلف “نقد حداثة التأخر”. فهو يقرأ ياسين اتصاليا، ونحن سنقرأه انفصاليا”. ومعنى ذلك أن قراءة طرابيشي لن تجعل من الامتلاء الدلالي لمفاهيم الحافظ موضوعا لها، بل من “الانفراغ الدلالي لجهاز المفاهيم هذا بعد انفجار المنظومة المرجعية التي ينتمي إليها”، أي “الماركسية بعامة”. فالحافظ وفق طرابيشي، ماركسي هرطوقي أكثر منه ماركسيا أرثوذكسيا كونه “ما كره شيئا في الوجود الذي في الأذهان… كما كره (الماركسية المُسَفْيتة)، أي الماركسية الدوغمائية”[54]. ويضيف طرابيشي: “وحتى لا نظلم ياسين ووعيه النقدي المتقدم رغم ماركسيته، وليس بفضلها، فلنقل حالا إننا كنا نحن مجايليه جميعا من حديثي التمركس تلاميذ له وشركاء في اختراع ماركسية مثالية ومعيارية. فبدون هرطقة كهذه ما كان لنا ولا لياسين أن نتخذ داخل الكنيسة الماركسية، الكونية والعربية على حد سواء، موقفا استقلاليا ونقديا. ولكن الهرطقة بحكم طابعها الأقلوي الحتمي، مكتوب لها أبدا أن تعيش على هامش الكنيسة الأكثروية…. [وإن] سائر الهرطقات أو المثاليات الماركسية لم تفلح في إنقاذ عمارة الكنيسة الماركسية من الانهيار” بل أسهمت “بمعولها الصغير في التمهيد للزلزال الكبير الذي سيضرب قارة الماركسية عام 1990”. فلو عاش ياسين إلى لحظة انهيار الماركسية، يقول طرابيشي: “كان بكل تأكيد سيتفادى مصير الديناصور وطفيلياته معا. ولعله كان سيبكي… أو يفكر في الانتحار كما كان فكر عقب هزيمة حزيران 1967. وفي جميع الأحوال جميعا كان سيعمل على إعادة مطابقة وعيه” [55]. فياسين الحافظ ظل في علاقة متوترة مع البراديغما التي تَمثّل عبرها الماركسية وليس مع الماركسية بحد ذاتها. وقراءة طرابيشي لياسين، في تعارض مع قراءة عيد تؤكد حرص طرابيشي على التحرر من البراديگمات الدوغمائية بهدف إعادة بناء تمثلاته بشكل عقلاني.

رغم توجهه العلماني المنفتح على الغرب، وتفكيره الهادئ والعقلاني، لم يًنْجُ محمد أركون، من مرصاد طرابيشي. فقد ظهر في كتابه الجديد (الإسلام، أوروبا، الغرب) “بعيدا عن ذلك الهدوء التحليلي المعقلن الذي عودنا عليه في نصوصه المكتوبة”. وإذ يصفه بالمغاضب، فلأنه استبدل رصانة القلم باندفاعة اللسان الناطق بلغة النفس التي انقلبت إلى المرارة. من منطلق أن هذا الكتاب “خطاب أكثر منه نصا”[56]. ويخلص طرابيشي إلى أن محمد أركون، وبعد ربع قرن من النشاط الكتابي وبعد أن أصدر عشرة كتب، أقنعنا أنه فشل في المهمة الأساسية التي نذر نفسه لها “كوسيط بين الفكر الإسلامي والفكر الأوروبي”[57] واستنادا على معطيات أوردها أركون في كتابه، ولاسيما موقفه من سلمان رشدي، فقد كان رد الفعل الغربي قاسيا على أركون. وهذا ما دفع طرابيشي إلى تشبيه ردود أركون بمواقف “حسن حنفي مثلا، أو حتى محمد عمارة”، بل أن أركون، يقول طرابيشي: سقط في خطاب السلفيين والقوميين[58]. فما هو السبب الذي كان وراء انحراف أركون، أو انجذابه إلى خطاب السلفيين والقوميين؟

بعد أن عرض لائحة من الأدلة والقرائن التي ساق بها طرابيشي أركون إلى قفص الاتهام، يخلص إلى أنّ فَشَلَ أركون وعجزه عن آداء مهمته يعكس فشل الانتلجنسيا العربية و”أن هذا الفشل المكرر قد يدل، لا على استحالة تغيير تلك النظرة، بل على عدم سداد الاستراتيجيا العربية أو الإسلامية التي تضع كل رهانها على تغيير نظرة الغرب إلينا”. وهي دعوة ملحة إلى ما أسميناه بتغيير البراديگما. وانطلاقا من دعوة أركون إلى “تأسيس سوسيولوجيا للإخفاق أو الفشل في الساحة العربية لمعرفة الأسباب الاجتماعية التي تؤدي إلى فشل فكر ما في لحظة ما من لحظات التاريخ”، يدعو طرابيشي إلى “تأسيس سيكولوجيا لدراسة الأسباب النفسية التي تتحكم بالطلب العربي أو الإسلامي، الذي من طبيعة نرجسية نهمة، لتغيير نظرة الغرب، مصدر الجرح النرجسي، إلينا، وتحكم عليه سلفا بالفشل وعدم التلبية”[59].

انطلاقا من أن الحاضر الأوروبي بات يشكل المثال المنشود لدى مختلف الثقافات البشرية، ومن أن المستقبل غدا مقولة مؤسسة لتلك الثقافات، وأن حاضر المتقدمين قد غدا مستقبل المتأخرين؛ يلتقط طرابيشي عبارة طه حسين: “علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء…”[60] ويضعها على محك الاختبار. فماذا كانت النتيجة؟

الخلاف بين طرابيشي وطه حسين إنما حول صياغة الإشكالية على صعيد الهوية (الخلط بين الغائية والكيفية). ومأخذ طرابيشي على طه حسين هو توحيد هذا الأخير بين الغائية والكيفية في الدعوة إلى التقدم الذي اختزله في التأورب. وتأسيسا على أن “مطلب التماهي الكلي هذا ينقض نقضا عنيفا مبدأ الهوية”، يخلص طرابيشي إلى “أن التماهي الجزئي والمشروط قد يكون تدريبا على حرية الهوية، ولكن المحاكاة موقف عبودية”. وبناء على هذا التمييز بين الغائية والكيفية فإن “مطلب الغائية يحدد مستوى إثرائيا وإبداعيا للتماهي، في حين أن مطلب الكيفية يحدد مستوى إفقاريا واتباعيا للهوية الاسترقاقية. فالمطلوب أولا وأخيرا إعادة إنتاج التقدم وليس محاكاته واستنساخه”[61].

وعلى هذه الأرضية المنهجية يطرح إشكالية التحديث تمايزا عن إشكالية التغريب. حيث “التغريب سيرورة على مستوى الهوية نزعا وقلعا واستلابا. أما التحديث فسيرورة، على مستوى التماهي، المشروط والجزئي والتدرجي”. “ولعل خطيئة طه حسين، التي تغفرها له على كل حال شجاعته، خلطه الضمني بين التغريب والتحديث”[62]. وأهمية مفهوم التحديث تكمن في كونه سيرورة منفتحة على الذات وعلى الآخر، على الماضي، الحاضر والمستقبل، وكفعل خلاق يمنع التغريب كموقف مَرَضي من التراث كما يمنع التتريث، أيضا، بوصفه رفضا مَرَضيّا للحضارة الحديثة.

ولأن ما ينطبق على دعاة التغريب ينسحب على دعاة التتريث، بوصففهما وجهين لعملة واحدة هي “الاستلاب”؛ فإن مشروع حسن حنفي حول (التراث والاستغراب)، في هذا السياق، كما يبدو لم يكن “خطيئة” فحسب، بل حالة مَرَضية، حيث “لا يضع قضية إلا لينفيها، ولا يبدي رأيا إلا ليقول بعكسه”، وميزة “حسن حنفي” هي أن “حسن” هو الذي يتولى الرد على “حنفي”.

في مقاربة تشخيصية، وبناء على لائحة من الأدلة والشواهد في مواقفه المتقلبة من الأشخاص والأفكار والقضايا، فإن حسن حنفي في مرآة جورج ليس سوى وحدة من المتناقضات. إن التناقض، لدى حنفي، هو شكل التفكير النكوصي، بينما الهلوسة هي مضمونه. فبالهلوسة وحدها يمكن خرق مبدأ الهوية[63].

وفي معرض تحليله لحنفي في ضوء مشروعه (الاستغراب)، يستنتج أنه في نقده للمركزية الغربية، يتمركز بدوره حول مركزية إسلامية بالتضاد مع المركزية الغربية المسيحية، ومن ثمة يزداد توغلا في المركزية العربية من منطلق أن العالم العربي هو قلب العالم الإسلامي ومركزه، ثم المركزية المصرية باعتبار مصر هي قلب الأمة العربية ومركز الثقل في العالم الإسلامي ليخلص في تحليله إلى تمركز صاحب المشروع حول ذاته “باعتباره المجدد المنتظر”[64]. وهو مشروع يقوم على نفي الآخر، “فليس المطلوب فقط أن ننهض، بل أن ننهض ويكبو ذلك الآخر”. “وحسن حنفي يصوغ هذه الإشكالية بمنتهى الوضوح: فعنده أن الندية بيننا وبين الغرب لا يمكن أن تحدث إلا (في حالة ما إذا تقدمنا وتوقف الغرب عن التقدم). ويضع جورج هذه البراديگما الحنفية المؤسسة على الانتقام تحت مجهر التحليل، “والانتقام هو العلاقة الأكثر لزوما التي تجمع بين المجروح والجارح، فإن تراجع الغرب لا يمكن أن يكون له مفعول البلسم إلا إذا كان من صنع الذات الجريحة”[65].

وانطلاقا من فقرة يشخص فيها حنفي حالة الأمة الإسلامية بوصفها أمة متخلفة على جميع المستويات، يرد جورج قائلا: “عندما يكون التخلف واقعا جذريا وكليا إلى هذا الحد، فإن التحدي الأعظم لا يمكن أن يكون سوى تحدي الذات، لا تحدي الآخر”. وسعيا منه في فضح تهافت البرديگما الحنفية تمهيدا لهدمها، يستعرض بإسهاب وتفصيل كعادته هذه البراديگما المؤسسة على الأوهام والتناقضات. وينطلق جورج من الكيفية التي اعتمدها حسن حنفي في حربه على الغرب:

أولا: نفي التأثير الثقافي الغربي حاضرا: يكشف جورج محاولات حنفي في التنكر إلى الغربيين الذين تأثر بهم من شبنغلر وماركس وفيورباخ وغيرهم، يكشف ذلك بالحجة القاطعة فاضحا تناقضات حنفي، وهو إذ يكشف فليس من أجل أن يفند ادعاءاته وتنظيراته المتهافتة فحسب بل ليكشف الأعطاب النفسية التي أنتجت تلك الادعاءات.

ثانيا: نفي التأثير الثقافي قديما: يكشف تنكر حنفي لتأثر الحضارة الإسلامية بالإغريق وبغيرهم، فاضحا أيضا تناقضاته في هذا المضمار.

ثالثا: إثبات التأثير العربي الإسلامي: يكشف هنا ويفند إطلاقية كل الدعاوى التي ساقها حنفي للتدليل على تأثير الثقافة العربية على الثقافات الأخرى ولاسيما الغرب، دون أن ينكر التأثير النسبي[66].

في الفصل الأخير “نحو خاتمة بعيدة الاحتمال للتناقضات”، يتساءل جورج: إذا كان فكر حسن حنفي منسوجا، لحمة وسدى، من التناقض، وإذا كانت رقصة الأضداد في هذا الفكر تتحدد بإيقاعين متناوبين: هذائي وترميمي، تعظيمي ونقدي، فأي الإيقاعين هو السابق وأيهما اللاحق؟ وبعبارة أخرى، أي اللحظتين هي الأبدأ: ألحظة الأمة المتغنى بها، أم لحظة الأمة المستهزأ بها؟ ألحظة الإشادة بحضارة الوحي؟ أم لحظة التشنيع على الحضارة المتمركزة على الله والنافية للإنسان؟[67].

حسن حنفي في مرآة جورج ليس سوى خيميائي وحدة الأضداد. ويبدو أن حنفي الذي لم يفتأ يتحدث عن الوحدة العربية، قد ضل طريقه، وحقق نجاحا باهرا ليس في تجديد تراث هذه الأمة، بل في تكديس تناقضاته وإعادة رسكلتها عبر محاولة يائسة في التبرير والتخريج والالتفاف، وذلك هو حال كل من توسل المنطق ضدا على المنطق.

وحول الهوية في علاقتها بالنهضة العربية إزاء النهضة الأوروبية، يقول طرابيشي: “لا بد ههنا أيضا أن نلحظ فارقا أساسا: فالنهضة التي عرفتها أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر قامت على محاكاة للعصور القديمة اليونانية-الرومانية. أما النهضة العربية، التي تصورت نفسها نشأة مستأنفة، فكانت بالأحرى ضربا من التقمص وإعادة التماهي (reidentification). فكان المنطق الذي حكم عصر النهضة العربية هو أن على العرب أن يكونوا أنفسهم، لا أكثر ولا أقل” و”هذا المنطق قد أدى في نهاية المطاف إلى تحميل (الأغراب) … مسؤولية الانحطاط”، وهنا يستدعي طرابيشي من التراث مفهوم (الشعوبية) الذي يعادله مفهوم (الأغراب) في شحنته العرقية. وهذه البراديغما الجامدة، كما رأينا في مثال الأرسوزي وعمارة، هي عينها التي تكرست “في الأصولية الإسلاموية: فكما أن العرب ما انحطوا إلا باختلاطهم مع الأغيار، كذلك فإن الإسلام ما انحط إلا بقدر ما كف عن أن يكون إسلاما”، ومن هنا تعاظم “مطلب العودة إلى الإسلام في نقائه الأول المفترض” أو ما يمكن أن نسميه بـ”الإسلاموفيليا” (Islamophylie). فالإسلام وفقا لهذه البراديغما في حاجة إلى “إعادة أسلمته (Reislamisation)”[68].

إن الذات المنفتحة على ذاتها وعلى الآخر هي المؤهلة والقادرة على استيعاب شروط التطور دون أن يستلبها الغرب ودون أن يستلبها الأسلاف، وهنا يكمن سر التحديث. وتصديقا لأطروحته يرصد جورج تجليات التطور الناجم عن سيرورة التحديث، مثل الشعر والرواية والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى. “فهذا التحديث أنجز، على امتداد قرننا العشرين، بنجاح لا مرية فيه شطرا أساسيا من مهمته. وفي نهاية القرن العشرين هذه تتجه القوى الفاعلة في الثقافة العربية المعاصرة إلى تحديث التراث العقلي، أي الفقهي والكلامي والفلسفي واللغوي والتاريخي، عطفا على التحديث الأدبي” “فذلك هو، على ما يبدو، البند الرئيسي المطروح في اللحظة الحاضرة من جدول عمل التاريخ. آية ذلك أن التحديث التراثي هو المقدمة الممهدة والشرط الشارط لطور أعلى وتال من التحديث: علينا التحديث اللاهوتي والفلسفي.”[69]. وفي قراءته الاستشرافية يرى طرابيشي أن سيرورة التحديث التراثي ستتوالى على مدى القرن الجديد، بينما التحديث اللاهوتي والفلسفي فمن المتوقع أن يحدث في النصف الثاني من القرن.

غير أن شاشة المستقبل لم تعكس التحديث العلمي، “فليس ثمة ما يؤشر اليوم على أن العالم العربي سينتقل في القرن الحادي والعشرين من وضعية الاستهلاك إلى وضعية الانتاج العلمي.”[70].

*****

[1] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000

[2] البراديگما (Paradigme) هي: الإطار الفكري الذي من خلاله نتمثل العالم، و طريقة تتيح لنا رؤية مختلفة للأشياء؛ كما أنها نسق من التمثلات.

[3] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000

[4] امرؤ القيس، (ولقد طوفت في الآفاق حتى●رضيت من الغنيمة بالإياب).

[5] الأگنوتولوجيا (Agnotologie)، أو علم الجهل، علم  يتغيا دراسة الإنتاج الثقافي للجهل. وقد صاغ هذا المصطلح  مؤرخ العلوم روبرت بروكتر (Robert N. Proctor) عام 1992، ومنحه رؤية جديدة لدى تيار تاريخ العلوم وجعل من الجهل ذاته موضوعا للدراسة. بدلا من ذلك السؤال التقليدي، ما هو العلم؟ (السؤال الكلاسيكي للابستيمولوجيا) أو ما هي الظروف الاجتماعية والتاريخية لمعرفتنا؟ (السؤال الكلاسيكي للسوسيولوجيا وتاريخ العلوم)، هذا المؤرخ انطلق من السؤالين التاليين: كيف ولماذا “لا نَعْرف ما لا نعْرف”؟ بيد أن الشروط متاحة من أجل تحصيل معرفة موثوقة ومأمونة الجانب.

[6] عن جورج طرابيشي، عمار علي حسن، موقع العربية نت،  html.-2– عن-جورج-طرابيشي- 1 /http://www.alarabiya.net/ar/politics/2016/05/07

[7] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000

[8] جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي، ط1، بيروت، رياض الرايس للكتب والنشر، 1991(ص 17).

[9] نفس المصدر (ص 31).

[10] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000 (من ص1 إلى ص 9.).

[11] نفس المصدر (ص 10).

[12] جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي، ط1، بيروت، رياض الرايس للكتب والنشر، 1991(ص 20).

[13] نفس المصدر [في قراءته الجدلية للجابري في كتابه الخطاب العربي المعاصر] (ص 20).

[14]نفس المصدر (ص19).

[15] نفس المصدر (ص19).

[16]نفس المصدر (ص 21).

[17] جورج طرابيشي، هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والممانعة العربية، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2006 (ص 65).

[18] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000 (ص133).

[19] نفس المصدر (ص147).

20] جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي، ط1، بيروت، رياض الرايس للكتب والنشر، 1991(ص 11).

[21] جورج طرابيشي، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، ط3، بيروت، دار الساقي، 2012 (ص 8 و9).

 [22] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000 (ص80 و81). (في كتابه: المثقفون العرب والتراث (ص30) يجرد أمثلة عديدة عن الخطاب المعادي للغرب على شاكلة “إن الغرب هو التحدي… الغرب بالنسبة إلي هو التحدي الأعظم… والتراث –في معركة التحدي مع الغرب هذه- مخزون ثقافي وروحي عظيم الأهمية).

[23]نفس المصدر (ص81).

[24] جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي، ط1، بيروت، رياض الرايس للكتب والنشر، 1991(ص 11).

[25] جورج طرابيشي، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، ط3، بيروت، دار الساقي، 2012 (ص13).

[26] ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية عام 1984.(ص17).

[27]نفس المصدر (ص15).

[28]نفس المصدر (ص16).

[29]نفس المصدر (ص17).

[30]نفس المصدر (ص23).

[31]نفس المصدر (ص 28).

[32]نفس المصدر (ص 31).

[33]نفس المصدر (ص 56).

[34]نفس المصدر (ص57).

[35]نفس المصدر (ص 58).

[36] نفس المصدر (ص 63 و64).

[37] نفس المصدر (ص65).

[38] نفس المصدر (ص 68).

[39] نفس المصدر (ص 78).

[40] نفس المصدر (ص 80).

[41] نفس المصدر (ص 81).

[42] نفس المصدر (ص 82 و83).

[43] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000 (ص 10).

[44] نفس المصدر (ص11).

[45] نفس المصدر (ص 12).

[46] نفس المصدر (ص 13).

[47] نفس المصدر (ص 14).

[48] نفس المصدر (ص 20).

[49] نفس المصدر (ص21).

 [50] نفس المصدر (ص22).

[51] نفس المصدر (ص 113).

[52] نفس المصدر (ص 114).

[53] نفس المصدر (ص 115).

[54] نفس المصدر (ص116).

[55] نفس المصدر (ص 117).

[56] نفس المصدر (ص133).

[57] نفس المصدر (ص 134).

[58] نفس المصدر (ص135 و136).

[59] نفس المصدر (ص 140).

[60] نفس المصدر (ص 39).

[61] نفس المصدر (ص 41 و42).

[62] نفس المصدر (ص 42).

[63] جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي، ط1، بيروت، رياض الرايس للكتب والنشر، 1991 (ص 138).

[64] نفس المصدر (من ص 181 إلى 184).

[65] نفس المصدر (ص 188).

[66] نفس المصدر (ص197).

[67] نفس المصدر (ص 273).

[68] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000 (ص 81).

[69] نفس المصدر (ص 42).

[70] نفس المصدر (ص 44).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق