إلى سالوميه

ألا نحلمُ جميعنا بسالوميه،[1] المرأة الفاتنة الغاوية التي تزهقُ أرواحَ “الأبرياء”؟

ألا تروادُنا إلى اليوم أحلام اليقظة بأن نلمسَها ونتملّكها ونستشعرَ دفأها؟

ألا نوقظها ليلاً من أوكارنا ودهاليزنا السريّة لنقتلها نهاراً

مُجاهرينَ بعفّتنا، مُدّعين الطُّهر والنقاء كما الأنبياء؟

هي سالوميه إذاً تطاردُنا ونطاردُها

تقضُّ مضاجعنا وتسلبُ عقولنا منّا

هي انعكاسُ أخيلتنا وتخيّلاتنا

سالوميه الراقصة على أفئدتنا دائماً وأبداً

ألا نبرّرُ لها فِعلتها في سِرّنا

عندما قتلت يوحنا المعمدان[2]؟

ألا نشاركها رغبتها في الرقص

ونُسرُّ إن تمايلتْ أمامنا بلذّةٍ ودهاء

شبهَ عارية تاركةً وراءها سبعَة حجابات[3]؟

 

تلعبُ معنا وبنا لعبةَ الاختفاء

تراقصُ ظِلال الرغبة

لتوقظَ وحوشنا الدفينة

فتتلذّذ باحتراقنا وتشظّينا وعجزنا

عجزنا عن التعبير والوصول والوصل

عجزنا عن تسمية الأشياء بمسمّياتها

وخوفنا من ولوج المجهول

خوفنا من ترسّبات الماضي

والتابوهات القاتلة لهويّتنا

فنشعرُ بالهوان

ونخرُّ بائسين

تحتَ أقدام الراقصة.

نوهِمُ أنفسنا أنّها أسيرُتنا

أسيرةُ رغباتنا وجَهلِها

أسيرةُ معتقداتنا البالية

وأنّها لن تقومَ يوماً

من هذا القبر الجميل

قبر العفّة والعذريّة

قبر الحُجُب واللفائف

قبر الخطيئة الأولى

وأنها لن تُعلنَ يوماً

حقيقةَ مشاعرها

ولن تعرفَ

لذّة المعرفة

لكنها فعلتْ وتفعل

باسمِ حوّاء وليليت

باسمِ الإلهة الوالِدة

باسم الإنسانية جمعاء.

 

ترقصُ

لتنفضَ

عنّا

وعنها

عقدة

العذراء-العاهرة

الملاك-الشيطان؛

ترقصُ

لتنفضَ

عنّا

وعنها

ثنائيات

الأسود والأبيض

الجارية والسيّدة

الأمَة والإلهة

الماجنة والقديسة؛

ترقصُ

خارجَ

أقفاصنا

المُعدّة

لها؛

ترقصُ

فوقَ

تناقضاتنا

ومعاييرنا

المزدوجة؛

ترقصُ

وقد مزّقتْ

أكفانها

وتعرّتْ

لتكشفَ

استِلابنا

وانبثاقها؛

تعرّتْ

لتكونَ

في

ظلمتنا

مثلَ

قناديلِ

الفضاء.

*****

[1]  هذه القصيدة هي إهداء إلى طلاب قسم اللغة الإنكليزية في جامعة دمشق الذين أدرّسهم منذ أربعة أعوام مسرحية (سالوميه) للكاتب الإنكليزي أوسكار وايلد (1854-1900).  كتبت المسرحية باللغة الفرنسية عام 1891 ولم يتمكّن الكاتب من عرضها على خشبة المسرح الإنكليزي لأسباب عديدة من بينها أنها تتناول شخصيات دينية ويستند موضوعها إلى قصة مأخوذة من الإنجيل. ترجم حبيب أوسكار وايلد (ألفريد دوغلاس) المسرحية إلى الإنكليزية عام 1894.

[2]  اسمه بالعبرية يوكنان وفي سياق آخر يُدعى النّبي يحيى.

[3]  في مسرحية أوسكار وايلد سالوميه، رقصت البطلة “رقصة السبعة حجابات” (The Dance of the Seven Veils) التي أودت بحياة يوكنان (يوحنّا المعمدان). اللوحة المرفقة مع القصيدة هي للفنان السويدي آكسيل لينوس (1885-1980) الذي رسم سالوميه وهي تؤدي رقصتها الشهيرة وبجانبها رأس النبي على طبق من فضّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق