تأمُّلات في عالم الإسلاميين

يدور عالم الإسلاميين على فكرة الجريمة والعقاب، العالم مادة النجاسات والجرائم الروحية والمادية والأدبية، ومن يعيشون فيه يستحقون أشد أنواع التعذيب والإبادة، هي حكاية الآلام الحسية التي تروي شجرة الأصولية المتعطشة لسفك دماء البشر. الإيديولوجيا الإسلامية أعطت للعالم صفةً، صفة مقززة مكروهة وفاسدة، وهو عالم وُجِد على هذه الصفة ليجاهدوا فيه، ومن هنا كان تاريخ الحركات الإسلامية خلاصة وافية لأعمال القتل المغرقة في البشاعة، والاغتيال الوحشيّ الناطق بمطلق السادية، والجرائم الجنسية التي تمتحن حدود الخيال والقدرة البشرية على التلذّذ بتعذيب البشر مع الاعتقاد الراسخ بأنّ ما يقومون به هو عين ما تطلبه السماء وينادي به الدين.

ليست الفكرة التي نادى بها سيد قطب بإقامة مجتمع الطهرانيين المومنين بالموازاة مع مجتمع الجاهليين إلا تمظهرا من تمظهرات الاعتقاد في العرق “النقيّ” الذي لا ينبغي أن يختلط بالأعراق “الهجينة” حتى لا يذوب في فسادها، لكنه في المقابل، كاستراتيجية توسعية وتطهيرية، يفرض فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تجعل من الحرية الشخصية وروح المبادرة الحرة والخيال الذي لا يخضع لقيود الواقع ومثبطات الدوغما أهدافا مشروعة للغزو والانتهاك، أو ما يطلقون عليه: سُنَّة التدافع.

يتناول المتدين حامل الأيديولوجيا الحياةَ المعاصرة للمسلمين العلمانيين بما يخوله له قاموس القدحيات المشحون بمفردات مثل: الفسق والمجون والكفر والانحلال والشذوذ والإفساد في الأرض…يتنفس من خلالها هواه الخاص الذي يغريه بمزيد من العدوان ويوهمه بموقعه المتميز كعضو مدافع على مبادئ حزب الله، فيعتقد أنه أدى عند كتابتها أو التلفظ بها واجبا دينيا يستحق عليه الثناء، وهي كلها مفردات إذا تأملتها متخمة بالغموض الذي لا يفضي الى معانٍ واضحة عند التفكيك والاستكناه، ميزة من مميزات اللغة العربية هو غموضها وأنها تتيح للمتكلم أن يقول أشياء كثيرة دون أن يقول شيئا في نهاية المطاف، ألفاظ ذهنية مشيطِنة لكنها عارية عن أي دلالة محددة.

لكن بحق، ما يثير الأعصاب في هذا العالم المهوس بالتفتيش في ضمائر الناس وخصوصياتهم وحركتهم في الفضاء العام، هو الرُّهاب من الحرية والفرار من رحابتها إلى الضيق والانحشار الاختياري في الزوايا المغلقة في هذا الكون الفسيح، تتدفق حشود تتلوها حشود إلى غرفة احتجاز تتكدس فيها الأفكار المخنوقة والطبائع المنكرة لغرائزها الأساسية، كثرة التحريمات وصرامة الأوامر التي لا تحتمل الجدل وتعددية المواقف؛ تجعل من الإسلامي والإسلامية كائنين محشوّين بالديناميت القابل للانفجار في أية لحظة.

هذا العالم الذي يتمحك كل يوم بشتى الوسائل التقليدية والحديثة ليقتحم عوالمنا الخاصة المتحررة من سطوة الأحادية والشمولية، هذا التيار الكاسح الذي أصبح يشكل وعي جيل شباب اليوم، لا يكاد يفلت من قبضته الحديدية إلا من امتلك عارضة قوية ومنطقا صلبا وإرادة لا تساوم على مبادئها، هو عالم محكوم بالقسوة والإكراه وإفناء بذرة المختلفين عن التيار السائد، حيث أي مساحة حرة للتعبير، أي ركن للفردانية، أي خروج عن النسق؛ يقابل بأشد درجات التقريع والعقاب والإهانات التنمّرية المغرقة في الحنق والبغضاء، فلا أمل في عالم الإسلاميين  للخلاص أو الانعتاق من سطوة الأغلبية المتدينة.

إنّ الخطاب الذي تنتجه الماكينة الدعائية للإسلام السياسي في دور العبادة غير المراقبة من الدولة الوطنية، في البرامج على القنوات الدينية وغير الدينية، في المواد الفكرية المقروءة التي تمتلئ بها مكتبات مدننا، في المراكز الثقافية ونقابات الطلبة…؛ هو خطاب يتعمد إهانة الكرامة الانسانية وتخريب آلة العقل، يحتقر قدرة الانسان على عقلنة مواقفه واتخاذ قرار منطقي تجاه قضاياه المصيرية بمعزل عن وصاية رجال الدين والدعوة، ويصبح المتلقي من خلال الاستماع لخطاب الهمجية المتمسحة بقدسية السماء؛ شريكا لهم في الانحراف عن مقاصد الوحي المتسامية عن المحرقة الشاملة التي يهدد بها الإسلاميون كل من صد عن طريقهم وابتغى لنفسه وجهة غير وجهتهم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق