الفلسفة والسينما والعوالم الممكنة

لعل العلاقة بين الفلسفة والسينما لم تنشأ بحدث ظهور السينما، ورغم من تأخر ولادة السينما، إلا أنه من الممكن الزعم على سبيل الافتراض لا غير أن للتفكير الفلسفي طبيعة سينمائية، أو أنه يفكر على نحو سينمائي بالكيفية التي أثارها برغسون في التطور الخالق حول العملية السينماتوغرافية للتفكير، بحيث أن ما يسميه بالمنهج السينماتوغرافي، هو بمثابة قانون يخضع له كل علم، ولهذا يؤكد برغسون أن العلم الحديث يشبه العلم الإغريقي في كونه يتبع المنهج السينما توغرافي، وهو لا يستطيع ان يسلك مسلكا آخر[1]. ولذلك يمكننا  أن نعتبر أن علاقة الفكر بالسينما مؤسسة قبليا، أي أنها نشأت في حضن البدايات مع بارميندس وهيرقليطس وزينون الإيلي وأفلاطون وأرسطو إلى ليبنتز وبرغسون ودولوز، ولهذا من الطبيعي أن  تفكر الفلسفة اليوم في السينما، وأن تتفلسف معها أيضا، ومعنى ذلك أن صلة الفلسفة بالسينما ليست وليدة عصر الصورة فحسب، بل هي ترجع – حتى مع عدم وجود سينما بالمعنى الدقيق- إلى البدايات المؤسسة للفلسفة.

يقول أرسطو في أول فقرة عن نشأة الحكمة، من الكتاب – أ-  من الميتافيزيقا، ما يلي:

” لكل الناس بالطبيعة الرغبة في المعرفة. والدليل هو اللذة التي يلقونها في الأحاسيس، لأنها ترضيهم بذاتها بغض النظر عن منفعتها، وأقوى تلك الأحاسيس، حاسة البصر. وبالفعل فنحن نفضل الرؤية على كل الحواس الأخرى، ليس فقط من أجل التصرف، بل حتى ولو لم نعزم على أي فعل. وسبب ذلك يتمثل في أنها هي التي تمكننا من اكتساب أعلى درجات المعارف، كما أنها تمنحنا رؤية الكثير من التباينات”.[2]

إذن فإنه انطلاقا من الإحساس، فإن البشر يستمدون لذة المعرفة، وعن هذه اللذة تنبع رغبة الحكمة، كاكتمال لتذكر ما ثم إدراكه. وهكذا فإن الأثر في الذاكرة هو الذي يجعل التكرار- الذي يقود إلى التجربة، وإلى الفن، ثم إلى الحكمة- ممكنا. إذن فإن الحكمة هي نتيجة احتفاظ حسي يؤدي إلى التساؤل حول علل الروابط المحتفظ بها في التذكر بغض النظر عن اعتبارات المنفعة. ومعناه أن الحكمة بما هي معرفة بالعلل والمبادئ الأولى إنما ظهرت متأخرة عندما تطورت صور المعرفة، انطلاقا من الإحساس.

يمكننا أن نستخلص مما تقدم أن الإحساس وخاصة البصر يؤسس للحكمة بوصفها معرفة بالوجود بما هو وجود، ولهذا فبالرغم من المنحى الذي اتخذته الفلسفة في ابتعادها عن الحساسية، إلا أنها تظل من حيث كونها فلسفة أولى بمثابة انطولوجيا للكلي، إنما تحتفظ من البصر بخاصية الإبصار، ولذلك لم يكن سعي الميتافيزيقا هو توسيع دائرة المرئي البصري، بل كان سعيها هو توسيع دائرة الكلي من حيث هو ماهية الكينونة، ولهذا صارت الفلسفة كميتافيزيقا بحثا في الوجود في كليته، وليس بحثا في جزء من أجزائه، أي بحثا عن الجوهر، بوصفه مبدأ أول، وهذا ما يهتم به علم الوجود، بما هو وجود.

إن المنهج السينيماتوغرافي كما يسميه “برغسون”، ينطبق  في هذه الحالة على الميتافيزيقا، من حيث كونها شبيهة بعملية التقاط سينماتوغرافية  للوجود في كليته أو للجواهر بفصلها عن المادة والحركة، غير أن هذا الفصل ليس إلا منطقيا، بحيث أن  الجواهر في الطبيعة إنما هي  تكون مركبة من صورة ومادة، أو فقط صورة من غير مادة، غير أن ثمة جوهر واحد ليس متحركا كونه صورة لمحرك لا يتحرك، إذ أنه هو مبدأ كل مادة وحركة ووجود كما في انطولوجيا أرسطو، أو أنه من وجهة نظر أخرى إنما تعبير عن الوجود، أي من  حيث هو “وجهة نظر” يعبر عن العالم كما في ميتافيزيقا ليبنتز. إذن فإن “النزعة الانطولوجية هي مسعى فلسفي يهدف إلى توضيح الوجود في حد ذاته، إما من خلال الممارسة البسيطة لتحديد فعل وجد، وهذا هو المعنى الذي وضعه أرسطو الذي اعتبر أن هدف الأنطولوجيا الوحيد هو تحديد الخصائص المشتركة لكل أنواع الواقع عبر التعميمات الاستدلالية، وإما من خلال التسليم بوجود جواهر فيما وراء الظواهر، وهو المعنى الذي تبناه “ليبنتز” مثلا، حيث اعتبر أنه مادام التعريف الأرسطي “إسميا” أكثر من اللازم، فإنه يتعين إنجاز تعريف واقعي للوجود”[3].

إذن، بالقدر الذي يمكننا أن نتحدث عن أسس فلسفية ممكنة للسينما، فإننا بالمقابل يمكننا أيضا بفضل السينما عينها، أن نتحدث عن أسس سينمائية ممكنة للفلسفة، ولعلنا نجد في مفاهيم ليبنتز عن الجوهر والعوالم الممكنة، ما يؤكد هذه الفرضية.

يقول ليبنتز في القضية التاسعة من المقالة في الميتافيزيقا ما يلي:

” في أن كل جوهر فرد يعبر عن جملة الكون على طريقته، وفي أن كل الأحداث – التي ستقع له – متضمنة في تصوره ومعها جميع ظروفها وكل سلسلة الأشياء الخارجية”.[4]

هذه القضية تعبر في نظرنا عن تحول أساسي في مفهوم الجوهر، أي أنها تنقلنا ليس من واقع الموجود الفرد إلى تصور كلي عن الموجود، بما  هو موجود، أي من الشيء ذاته، إلى صورته كجوهر يكون بمثابة  أساس موجوديته، كما يكون بمثابة اسم مجرد يعبر التصور عن ماهيته الأولى، الدالة على الاسم  المجرد  لوجود الشيء، كونه جوهرا لا مضاد له، ولا يقبل الأكثر أو الأقل، ما دام أنه ليس سوى مقولة كلية، كما هو الشأن عند أرسطو؛ بل من الجوهر بوصفه عين ذاته، كونه فردا، إلى الوجود بجملته، أي من الذات إلى العالم، ولذلك فليس الجوهر مجرد تصور صوري عن الوجود، بل هو وجود بعينه يعبر عن ذات الوجود، أي أنه عالم يعبر عن العالم كله بكيفيته الخاصة، وبذلك فهو لا يعكس ماهية صورية للكائن، بل يعكس حدث الكائن عينه، في ارتباط تام مع حدث الوجود الذي يعبر عنه. ولذلك فإن كل جوهر فرد هو عبارة عن عالم برمته، وهو بمثابة مرآة لله أو مرآة للكون برمته، يعبر عن كليهما بطريقته تقريبا كما هو حال المدينة نفسها تتمثل بأشكال مختلفة وفقا لمواضع المشاهد. ومعنى ذلك إن كل جوهر فرد إنما هو وجهة نظر تعبر لا عن ذات الجوهر فقط بل عن العالم، إذ يجد الجوهر في نفسه آثار كل ما يوجد في العالم، بحيث أنه يطوي في ذاته كل محمولاته، ولذلك كان مرآة لا لذاته وحسب بل لكل العالم، ولكل ما يحدث فيه، فهو ليس مجرد تعبير عن كلية صورية، بل هو تعبير عن حياة مفعمة بالأحداث، ولذلك فالجوهر حدثي، مادام يحفل بالأحداث التي يعيشها هو عينه، ويعيشها العالم الحي، لأن الجوهر كما يؤكد ليبنتز ” يعبر وإن بغموض عن كل ما يحدث في الكون ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وفي ذلك شبه بالإدراك وبالمعرفة اللامتناهية.[5]

يتصف الجوهر بخاصية أخرى لدى ليبنتز، كونه تعبيرا عن التعدد، وهكذا يتعدد الكون على نحو ما بتعدد الجواهر، ومادام الأمر كذلك، فإن جميع جواهر الكون تعبر عن بعضها البعض، بكيفياتها الخاصة،  في توافق مع ذواتها  المتعددة،  ومع العالم ايضا، حتى وإن كانت الجواهر بدون نوافذ أو أبواب وكانت إمكانيتها في التواصل منعدمة، وذلك لأن التعبير وليس التواصل هو ما يربط بينها، وهي تظهر سلسلة  محمولاتها الخاصة  التي تتفق تمام الموافقة في نوع من العلاقة  الثابتة والمضبوطة، فالتعبير سبيل من سبل الربط بين الوحدة والكثرة، بين الخاص والعام، وبين الفردي والكوني، وهو ما يؤكده ليبنتز في رسالة إلى أرنو فيقول: ” يعبر شيء ما عن شيء آخر…حين توجد علاقة ثابتة ومضبوطة بين ما يمكن ان يقال عن الأول، وما يمكن أن يقال عن الثاني”[6]

إن العالم كما يتصوره ليبنتز يشبه إلى حد ما عالم السينما، عالم يكتمل بما يتضمنه من جواهر هي بمثابة منظورات للكون، وجهات نظر تعبر عن نفسها وعن الكل، وتبقى مع كل ذلك مستقلة بذاتها، وهي حافلة بالأحداث التي تعبر عن سيرورتها الشخصية، لأنها تعبر في ذات الآن عن العالم الذي تطويه في ذاتها، وعن الكون والله، ومعنى ذلك أن كل جواهر يكون بمثابة “عالم منفصل مستقل عن كل شيء أخر عدا الله، وهكذا فكل ظواهرنا، أي كل ما يمكن أن يحدث لنا مطلقا إن هو إلا لواحق لكينونتنا”.[7]

إن الجوهر هنا لا يحتفظ  بالوجود إلا بصورته وليس مجرد مبدأ أساس، وليس تعبيرا عن التجريد الذي لا يختزل في المقولة من حيث هي كلية من كليات الوجود، بل هو كينونة حية، تلحقها بفعل الترابط ظواهر، أي سلسلة الأحداث التي تحدث لكل جوهر، أي لما يعرض لأحواله وحالاته ومجموع المحمولات التي تنتسب إليه، ومن ثم فالجواهر هي بمثابة شرائط سينمائية حافلة بالظواهر بما هي أحداث تشكل بنيتها السردية – السينمائية التي تعبر عن نظام مطابق للعالم في ذاتها، أي أنها تتبع بدقة بعض العلل والقوانين التي سارت على منوالها، وهو ما يجعلها تلاقي غيرها من الجواهر التي سارت على نفس المنوال، غير أنها وإن كانت كذلك، من حيث تعبيرها عن الظواهر نفسها، فهذا لا يعني أن تعبيراتها متشابهة تشابها تاما، لكن “يكفي أن تكون هذه التعابير متناسبة مثلما يحدث حين يعتقد عدة مشاهدين أنهم يرون الشيء نفسه، ويتفقون بالفعل [على ما رأوه] على الرغم من أن كل واحد منهم يرى ويتحدث وفقا لمقياس نظره. والحق أنه ليس من سبب لهذا التوافق بين ظواهرهم غير الله (وعنه يصدر جميع الأفراد باستمرار، وهو يرى الكون لا كما يراه هؤلاء المتفرجون فحسب، ولكن بصورة مغايرة عنهم جميعا). وهو يجعل ما هو خاص بكل فرد عاما للجميع وإلا انعدمت كل رابطة تربط الأفراد”[8].

إن المشترك الأساسي بين الجواهر المتعددة هو التعايش مع ظواهر تلحق بكينوناتها، غير أن الأمر هنا هو بمثابة تصادي، حيث يعبر بعضها عن البعض الآخر، دون أن يؤثر أو يتأثر بعضها البعض، ولكنها جميعا تعيش تجربة فرجة فريدة لأنها تعبر عن الكيفية الخاصة التي يشاهد بها كل جوهر العالم، ولذلك فكل جوهر عين العالم التي تعبر عنه بما هي وجهة نظر خاصة ومميزة، كما هي مرآة هذا العالم الذي تنعكس فيها الظواهر المفعمة بالمشاهد المرئية والتي يتلقاها كل بكيفيته الخاصة والمغايرة لبعضها البعض.

يمكن القول أن عالما كهذا إنما هو عالم سينمائي بامتياز، ما دام مؤلفا من جواهر خاصيتها الأساسية هي ” التعبير”، بحيث تخضع  كل جواهره إلى برمجة معدة سلفا، قابلة للعرض في الزمان والمكان، إذ أن كل جوهر هو بمثابة شريط سينمائي، يمكن أن يعبر عن نفسه في سياق الأحداث الذي يعيشها هو بذاته بكيفية شخصية، كونه الشخصية الرئيسة للشريط الفلمي قيد التصوير، وفي سياق مشاهدته مرات متعددة في فترات لاحقة من جهة أخرى من قبل آخرين، أي في أية لحظة لا يستعيدها الجوهر بذاته، بل في استعادتنا له نحن كمشاهدين، أي أننا يمكننا استعادة كل جوهر شخصي من خلال التذكر، وهكذا بمجرد ما يكتمل الجوهر، يصير طيا مطويا، وما دام يطوي في ذاته كل مجريات أحداثه، فإنه يصير لاحقا قابلا نشرا للطي، وهكذا بإمكاننا في أية لحظة أن نستعيد جواهر شخصية من قبيل “يوليوس قيصر” أو غيره من الشخصيات المفهومية. وهذا هو ما يمكننا استخلاصه من القضية 13 من كتاب مقالة في الميتافيزيقا، التي يصوغها “ليبنتز” كالتالي:

” لما كان التصور الفردي لكل شخص يشتمل على كل ما سيجري له دفعة واحدة، نرى في ذلك حججا قبلية لحقيقة كل حادث، وكذلك السبب الذي يفسر رجحان حادث على آخر. لكن هذه الحقائق، وإن كانت متأكدة فهي مع ذلك عرضية لأنها مؤسسة على حرية اختيار الله أو حرية اختيار مخلوقاته، ولاختيارهما دائما مبرراته التي تحدث ميلا دون إلزام”[9].

غير أن تصور الجوهر الشخصي بوصفه يتضمن كليا كل ما يمكن أن يجري له لاحقا، يطرح على ليبنتز صعوبة تتمثل في نوع من القدرية التي تنعدم فيها الحرية، ولذلك يلجأ إلى حل ينقذ تصوره من هذه القدرية العمياء، ولذلك يقترح تصورا لسيناريو يميز من خلاله بين ما هو يقيني وما هو ضروري لإنقاذ مفهومه من هذه القدرية، وبذلك تنفتح أمام الوجود إمكانيات لا متناهية من الصفات والأحوال والأحداث التي يمكن أن تحدث مستقبلا لكل جوهر شخصي. يرى ليبنتز أن المستقبلات الحادثة العرضية يقينية لكنها ليست ضرورية، فهي ستوجد وستحدث، إذ من المؤكد أن المستقبل سيكون بمثل تأكد أن الماضي قد كان، ولذلك فإنها يقينية لأن الله يتوقعها، وهذا لا يحد من الحرية. وبما أن الجوهر الشخصي ينطوي على كل محمولاته، فيبدو أنه حامل مثل هذا التحديد الضروري. ولذلك يحل ليبنتز مشكلة هذا التلازم بين المفهوم وما يحدث له، بتمييز دقيق بين الضروري المطلق، وبين الضروري بالعرض، فالأول يؤدي نقيضه إلى تناقض، كما هو شان الحقائق الأبدية التي تنطبق على الهندسة وعلى الماهيات، وهو صادر عن ملكة فهم الله، لذلك يمكن معرفته بالتحليل المتناهي. أما  الثاني فلزومه ليس إلا شرطيا، ونقيضه ممكن ولا يؤدي وهو يؤسس على قرارات الله الحرة وعلى سائر الكون، إذ أن ثمة إمكانية للاختيار، من حيث كون الله يختار الأفضل، إنما لا يمنع ذلك إبقاء الأقل كمالا ممكنا في ذاته، حتى ولو لم يتحقق، إذ أنه لم يرفض لاستحالته، بل لنقصانه، حيث لا ضرورة حين يمكن النقيض، إذ أن العلل لا تتأسس إلا على مبدأ العرضية، أو مبدأ وجود الأشياء، أي على ما يبدو الأفضل بين عدة أشياء تتساوى في الإمكان.[10] ، وهذا الأمر لا يمكن معرفته إلا بالتحليل الكامل اللامتناهي للعالم الواقعي، اي من قبل الله وحده لا غير.

من جهة أخرى فالحقائق الضرورية بما هي حقائق عقلية قابلة للبرهنة، بينما حقائق الواقع العرضية لا تقبل البرهان، بل إن الله ذاته، الذي يهيمن على اللامتناهي، لا يمكنه البرهنة على حقيقة عرضية، فإذا كان حقا أن قيصر قد عبر نهر الريبيكون فعلا، فإن الله  بعلمه الكلي، يرى ذلك من خلال رؤية معصومة، أي من خلال مثول خاصية “عبور الريبيكون” ضمن المفهوم الكامل لقيصر، ولكنه لا يمكنه البرهنة على هذا اللزوم[11].

إن هذا التلازم بين عبور القيصر للريبيكون وبين المفهوم، هو ما ينتمي للضروري العرضي، أي هو ما يمثل حقائق واقع تنتمي لعالم يتصوره ليبنتز كأفضل العوالم الممكنة. وهكذا فكل حدث متوقع في هذا العالم يظل حاملا لإمكانية أن يحدث على هذا النحو أو ذاك ما دام عرضيا، إذ أنه لا يخضع لقدرية عمياء، غير أنه بمجرد ما يحدث يصير حدوثه ضروريا لكونه يحدث وفق علة تتناسب مع هذا العالم الذي هو أفضل عالم ممكن.

وماذا لو تصورنا أن القيصر لم يعبر الريبيكون، وهو تصور يظل ممكنا، ولكن ليس في عالمنا هذا، بل في عالم  آخر غير عالمنا هذا، قد نسميه عالما ممكنا موازيا، وليس عالما متماكنا compossible أي أنه لم يصل بعد إلى درجة من الكمال تجعله جديرا بالتحقق، فالممكن اللامتماكن لا يحوز كيانا كاملا بل يتضمن ميلا إلى الوجود في عالمنا هذا، كونه الأكثر قدرة على الاكتمال، بينما في العوالم الممكنة الأخرى يظل الممكن غير متماكن، إذ أنه يفتقر إلى القدرة على الاكتمال، أي على التحقق الفعلي لممكناته. إن السيناريوهات الممكنة للوجود، تظل من بين الإمكانيات المتوفرة لاختيار القدرة الإلهية لأفضل عالم ممكن من بين كل العوالم الأخرى التي تظل ممكنة وحسب.

في سينما المؤلف أيضا يظل المخرج- المؤلف مسئولا عن اختياره لأفضل السيناريوهات الممكنة  للأفلام التي يتضمن تصوره الكلي عنها مدخلات ومخرجات لعمله السينمائي، كما يتضمن مشاهد تعبر عن مجريات وأحداث تعبر كلها عن مفهومه للعالم الفيلمي الذي ينجزه وفق مبدأ “علة كافية ” يجيب عن سؤال أنطولوجي ميتافيزيقي: لماذا ثمة شيء بدلا من لا شيء؟ ولماذا يحدث هذا الشيء على هذا النحو بالذات، وليس على نحو آخر؟ وهو ما يعني أن “المؤلف” يطوي في تصوره وجهة نظر عن العالم الذي هو مسئول عن إخراجه على هذا النحو، وليس على نحو آخر، اي على نحو ما يتصوره كأفضل إمكانية لفلمه السينمائي. وعلى هذا النحو بإمكاننا أن نقول إنّ فلسفة “ليبنتز” تتضمن الأسس الفلسفية لنظرية سينما المؤلف، ويمكننا أيضا الزعم بأن “ليبنتز” هو الأب الروحي لسينما المؤلف، وكذلك لكل البرمجيات التقنية للعوالم الممكنة والافتراضية. [12]

******

1- هنري برغسون، التطور الخالق، ترجمة محمد محمود قاسم، المركز القومي للترجمة، القاهرة،2015، ص 290.

2 – Aristote : Métaphysique. Traduction par Marie-paule Duminil et Annick  Jaulin. G F Flammarion. Paris 2008. P 71.

3- دومينيك شاطو، السينما والأنطولوجيا، مشروع فلسفة حول السينما، مقال ضمن كتاب، حوار الفلسفة والسينما، ترجمة عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية،2006، ص 36.

4- لابنتز، مقالة في الميتافيزيقا، ترجمة الطاهر بن قيزة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2006، ص، 120.

5- المصدر عينه، ص 123.                                                                                                                                                 6- أورده الطاهر بن قيزة في الهامش 62 من ترجمته لمقالة لايبنتز في الميتافيزيقا، ص 122.

7- ليبنتز، مقالة في الميتافيزيقا، ص144.

8- المصدر عينه،ص 145.

9- المصدر عينه، ص، 135.

10- المصدر عينه، ص 140.

11 Massimo Mugnai. Analyse infini et mondes possibles. Dans Pour la science- les génie de la science-. N 22-Aout-Octobre 2006. P 45.

12- ألقيت هذه المداخلة في مؤتمر عيد الفلاسفة الذي نظمته جمعية أصدقاء الفلسفة بفاس، يومي 4-5 ماي 2018 بفاس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق