“وكالة المخابرات المركزيّة جندت ودربت الجهاديين”

مقابلة مع يورغن إلساسير / Elsässer / اجرتها سيلفيا كاتوري /Cattori/

أجري هذا الحوار عام 2006 لكنه ما يزال مثيرا للاهتمام لسببين : لأنّ الحوار يدور مع الكاتب بعد صدور كتابه الذي ما زال – بحسب علمي – غير مترجم للعربية وثانيا لأنّه تحدث عن قضية لم تتفاقم بشكل مقلق مثلما هي اليوم أي انه كان سباقا في توقعه عن الإرهاب في قلب اوروبا وهذا هو نص الحوار :

في كتابه الأخير ” كيف وصل الجهاد إلى أوروبا “، كشف الصحفي الألماني يورجن إلساسير النقاب عن الخيط الجهادي. المقاتلون الإسلاميون الذين جندتهم وكالة المخابرات المركزية للقتال ضد السوفييت في أفغانستان استخدموا على التوالي في يوغوسلافيا والشيشان، وظلت تدعمهم وكالة المخابرات المركزية، ولكن ربما خارج سيطرتها أحيانا. واستنادًا إلى مصادر متنوعة، خاصةً يوغسلافية وهولندية وألمانية، أعاد بناء تطور أسامة بن لادن ومساعديه في جانب حلف شمال الأطلسي في البوسنة والهرسك.

 سيلفيا كاتوري:

– التحقيق الخاص بك حول الإجراءات التي اتخذتها الأجهزة السرية يجعله تقريرا مخيفا. نكتشف أنه منذ الثمانينات في الولايات المتحدة استثمرت مليارات الدولارات لتمويل الأنشطة الإجرامية وذلك من خلال وسائل وكالة المخابرات المركزية أي أنها متورطة مباشرة في هجمات نسبت إلى جماعة المسلمين. ما هي مساهمة كتابك؟

– إلساسير: هو العمل الوحيد الذي يوضح العلاقة بين حروب البلقان منذ التسعينات وبين الهجوم الذي وقع في 11 سبتمبر 2001. جميع الهجمات الكبيرة في نيويورك وفي لندن ومدريد ما كانت لتحدث، دون تجنيد المخابرات الأمريكية والبريطانية لهؤلاء الجهاديين الذين يلقى عليهم باللوم في الهجمات. أحمل ضوءا جديدا على تلاعب وكالات الاستخبارات. وقد لاحظت الكتب الأخرى وجودا لأسامة بن لادن في منطقة البلقان. لكن مؤلفيها قدموا المقاتلين المسلمين في البلقان كأعداء للغرب. المعلومات التي جمعت من مصادر متعددة، تدل على أن هؤلاء المجاهدين هم دمى في يد الغرب وليسوا، كما قد يقول قائل، أعداء.

– كاتوري: في حالة الحرب في البلقان، يتم تعيين التلاعب من مختلف الدول بشكل واضح في كتابك. الولايات المتحدة تدعم بن لادن الذي كان ينظم المجاهدين للعمل. كيف يمكن لأي شخص أن يستمر في تجاهل أن هذه المحاولات التي أرهبت الرأي العام لم تكن لتوجد لو لم تحرك «الإرهابيين» وتمولهم أجهزة الاستخبارات الغربية؟

– إلساسير: نعم، في الواقع، هذه نتيجة الحقائق التي يمكن للمرء أن يلاحظها. ولكن لا يمكن القول بأن التدخل الغربي في يوغوسلافيا السابقة كان يهدف لإعداد هجوم الحادي عشر من سبتمبر على وجه الدقة: هذه الهجمات هي نتيجة للسياسة الغربية من التسعينات ولمنظمة حلف شمال الأطلسي حيث وضع الجهاديين في مكان في منطقة البلقان وتعاونت معهم. وكان من بينهم الإسلاميون المتطرفون الذين تم تحديدهم كأشخاص مسؤولين عن هجمات 11 سبتمبر فقد كانوا جزءا من هذه الشبكة.

– كاتوري: وفقا لكم، ماذا كانت مصلحة الولايات المتحدة وألمانيا لوضع الناس في منطقة البلقان الواحد منهم ضد الآخر؟ – إلساسير: للغرب مصلحة مشتركة في تدمير يوغوسلافيا، وتقطيع أوصالها، لأنها، بعد انتهاء الكتلة السوفييتية، كان يمكن أن تكون نموذجا للمزيج الذكي من العناصر الرأسمالية والاشتراكية. لكن الغرب يريد فرض النموذج الليبرالي الجديد على جميع البلدان. – كاتوري: أليست أوروبا نفسها التي تركت – بحماقة – حربا ليتم التلاعب بها من قبل المحافظين الجدد؟ -إلساسير: إنه من الصعب القول. وأعتقد أنه في التسعينات، كانت سياسة الولايات المتحدة مستوحاة من انتصارها ضد السوفييت في أفغانستان. وكان هو النموذج الذي أرادوا تطبيقه في البلقان. إذا، خلال تلك السنوات، واقتصاد الولايات المتحدة ينكمش، وربما لأنّ السياسيين أكثر واقعية، مثل كيسنجر، يمكن أن تبقى السيطرة على السياسة الأمريكية. أعتقد أن تصادف الكساد الاقتصادي وعدوانية مدرسة المحافظين الجدد تحدد ما حدث. س كاتوري: هل تعتقد أن زعيما مثل بلير، على سبيل المثال، والذي بدأ مرة مع مشروع المحافظين الجدد، أصبح رهينة لنقطة معينة؟ – إلساسير: أنا لا أعرف موقف بلير جيدا بما فيه الكفاية. لكن من الاسهل أن نرى ما يجري في الولايات المتحدة. يمكن للمرء أن يرى أن بوش هو الرهينة لمن حوله. بالإضافة الى أنه ليس ذكيا جدا، وقال انه ليس قادرا على اتخاذ قرارات ويجب تتبع أفكار حاشيته. ومن الواضح أن والده – جورج بوش الاب – كان ضد الهجوم على العراق في عام 2003. – كاتوري: الم يكن الجزء الاول لحرب الخليج ضمن خطة تهدف إلى تحريك حروب أخرى بعد ذلك؟ – إلساسير: لا، لم يكن هناك تشابه مع حرب العراق في عام 1991. وكانت هناك مرحلتان. حتى نهاية عهد كلينتون، كانت سياسة الولايات المتحدة إمبريالية، ولكن واقعية في نفس الوقت. طاردوا القوات السوفياتية حتى الانسحاب من أفغانستان. هزموا العراق في عام 1991. وتوقفت الحرب مرة واحدة وكانت الكويت حرة. ثم هاجموا البوسنة ويوغوسلافيا؛ لكنها وقعت مرحلة بعد مرحلة. بينما كل شيء خرج عن نطاق السيطرة بعد 11 سبتمبر. – كاتوري: ألا يعول المحافظون الجدد على أي شيء؟ – إلساسير: المحافظون الجدد، المجتمعون حول ريتشارد بيرل، كتبوا وثيقة قبل سنة واحدة من 11 سبتمبر :”قد تحتاج أمريكا لحدث محفزا على غرار الهجوم على بيرل هاربور”. كان حادث 11 سبتمبر هو هذا الحدث المحفز. وأنا مؤمن أن الناس المتجمعين حول بيرل تمنوا هجمات سبتمبر. – كاتوري: ما هو الهدف الذي ارادته الولايات المتحدة مهاجمة صربيا؟ هل كان الأمر يتعلق فقط، كما هو موضح في كتابك، بأن الولايات المتحدة ترسخ نفسها في منطقة استراتيجية تقع على خط عبور النفط والغاز في آسيا الوسطى؟ أم أن تحالف الولايات المتحدة مع المقاتلين الإسلاميين تحت ادارة عزت بيغوفيتش له هدف ثان: خلق التطرف الإسلامي على أبواب أوروبا من أجل الاستفادة منه في سياق التلاعب الإرهابي؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، نحو أيّ هدف؟ – إلساسير: الولايات المتحدة تريد، ما ارادته النمسا في نهاية القرن التاسع عشر في البوسنة، إنشاء “إسلام أوروبي” لإضعاف الدول الإسلامية في الشرق الأوسط، وهذا يعني، في ذلك الوقت، الإمبراطورية العثمانية، ويعني اليوم إيران والدول العربية. وكانت للمحافظين الجدد مرة اخرى خططٌ مختلفة : بناء شبكة سرية من الدمى “الأصولية” للقيام بالعمل القذر ضد أوروبا “القديمة”.

– كاتوري: والنتيجة ؟ حرب أهلية مرعبة. كيف يمكن أن تكون اوروبا قد شاركت في تدمير يوغسلافيا، والتي ظهرت كمثال للتعايش الناجح تماما بين الجماعات العرقية؟ من خلال جعل الصرب الطرف المذنب، لماذا ارادت أوروبا تدمير هذا البلد الذي كان واحدا من الكيانات الرئيسية في فترة ما بعد الحرب؟ على قاعدة اية شرعية بنت أوروبا تدخلها؟ – إلساسير: أولا، في بداية التسعينات، قادت المانيا الهجوم على أساس مبادئ تقرير مصير المجموعات العرقية: وبعبارة أخرى، حيلة هتلر القديمة ضد تشيكوسلوفاكيا وبولندا في 1938-1939. ثم، تابعت الولايات المتحدة الإشادة “بحقوق الإنسان”، وهو خداع واضح. – كاتوري: في تحقيقك ليست إسرائيل ملحوظة أبدا. هل تقلل من أهمية المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل داخل وزارة الدفاع الأمريكية، التي تخدم مصالح إسرائيل أكثر من مصالح الولايات المتحدة؟ – إلساسير: هناك إسرائيليون تعاونوا مع المحافظين الجدد. هذه حقيقة. لكنني لست متأكدا من الدور الذي تلعبه إسرائيل في هذه الأعمال. كان شارون ضد دعم الناتو لألبان كوسوفو. وفي عام 1998، أعرب عن قلقه حيال فكرة ان يدعم حلف شمال الاطلسي إنشاء العناصر الموالية للإسلاميين في البلقان. وأعتقد أيضا أنه لم يكن مؤيدا لهذه الحرب في العام التالي. – كاتوري: ألا ترون علاقة بين المخابرات الإسرائيلية وهجمات 11 سبتمبر 2001 ؟

– الساسر: هناك روابط، لكنني لم أحلل طبيعتها. على سبيل المثال، بعد 11 سبتمبر مباشرة، تم اعتقال عدد معين من العملاء الإسرائيليين في الولايات المتحدة. كانوا موجودين في الأماكن التي تم إعداد الهجمات فيها. هناك محللون يقولون إن هذا دليل على تورط إسرائيل بشكل مباشر في الهجمات. لكنها قد تعني شيئًا آخر أيضًا. يمكن أن يكون هؤلاء العملاء يراقبون ما حدث، لأنهم كانوا على دراية بأن المخابرات الأمريكية دعمت هؤلاء “الإرهابيين” في التحضير للهجمات، لكنهم احتفظوا بمعرفتهم لاستخدامها في اللحظة المناسبة، ولكي يكونوا قادرين لاستخدامها كابتزاز عندما تأتي اللحظة: “إذا لم تقم بزيادة دعمك لإسرائيل، فسوف نسلم هذه المعلومات إلى وسائل الإعلام”. هناك احتمالية ثالثة: أن هؤلاء الجواسيس الإسرائيليين أرادوا التحذير من الهجمات، لكنهم فشلوا. في هذه اللحظة، نحن نعلم فقط أن العملاء كانوا هناك وأنهم اعتقلوا. ومن الضروري اجراء تحقيقات اضافية.

– كاتوري: هل تثبت هذه العلاقات أن هجمات 11 سبتمبر 2001 كانت جزءًا من خطة تم تصورها قبل فترة طويلة؟

– إلساسير: لست متأكداً من أنه قد تم وضع خطة قبل فترة طويلة. من الممكن ان يكون أناس مثل ريتشارد بيرل يرتجلون كثيراً ويستخدمون العناصر الإجرامية التي جهزوها ولكنهم لا يتحكمون بها دائما. وكما هو الحال في جريمة اغتيال كينيدي، من الواضح أن وكالة المخابرات المركزية متورطة، لكن لا يعرف أحد ما إذا كانت العملية مخططًا لها في القيادة، في لانغلي [مقر وكالة المخابرات المركزية]، او ان تصورها تم بين المنشقين الكوبيين العنيفيين الذين يعملون لصالح الوكالة والذين تتسامح الوكالة معهم

س كاتوري: إذا تمت إزالة هذه الشخصيات التي تم تجميعها حول بيرل، فهل سوف تتوقف استراتيجية الحرب ضد المسلمين في الولايات المتحدة والتلاعب الذي يبرر ذلك؟

– إلساسير: يتوقفون عندما يخسرون الحرب.

– كاتوري: الحرب؟ ألم يخسروها في العراق؟

– إلساسير: يخسرون الحرب فقط عندما يغادرون البلاد، كما حصل في فيتنام.

– كاتوري: هؤلاء المسلمون، مثل محمد عطا، كانوا مجرد مواطنين عاديين قبل أن يتم تجنيدهم من قبل وكالة المخابرات المركزية، كيف يمكن أن يكونوا مدفوعين إلى مثل هذه الأعمال المرعبة، دون أن يعرفوا أنه يتم التلاعب بهم من عملاء المخابرات في المعسكر المقابل؟

– إلساسير: هناك بعض الشباب الذين يمكن أن يتحولوا إلى متعصبين ويمكن التلاعب بهم بسهولة من قبل أجهزة الاستخبارات. لكن الشخصيات رفيعة المستوى ليست غير مدركة لما يحدث وتعرف تماما مع من تتعاقد

– كاتوري: بن لادن، على سبيل المثال، هل كان يعلم أنه يخدم مصالح الولايات المتحدة؟

– إلساسير: لم أدرس قضيته. درست قضية الظواهري، ذراع بن لادن اليمنى، الذي كان رئيس العمليات في البلقان. في بداية التسعينات، سافر عبر الولايات المتحدة مع وكيل القيادة الخاصة الأمريكية لجمع الأموال للجهاد. عرف هذا الرجل أنه شارك في جمع النقود كنشاط دعمته الولايات المتحدة.

*             *             *

نهاية الجزء الأول من الحوار المنشور في في موقع // Voltaire Network

على الرابط http://www.voltairenet.org/article143050.html

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق