وعــــــــمومًا….

وعمومًا، أنا لا أكاد أنام إطلاقًا، وهذا منطقيّ جدًّا، أدخّن يوميّا أكثر من أربعين سيجارة، أشرب قهوتي الخامسة قبل منتصف الليل بقليل، في رأسي حيوان يرغي ومائة سؤال مثل فؤوس ناتئة وحادّة الأنصال، أجرّ في اليوم الواحد سيرة ألف عام -من الخوف- مرّت على البشرية، أحمل على ظهري -إلى أن تقوّس- رزايا الفشل الذي طحن هذا الوطن برمته، ومن ثمّ قدّمه طريدة سهلة لجراثيم الله وبكتيريا الأصوليات المعاصرة.
ثم إنّ القبر الذي أسكنه، هذه الغرفة الصغيرة، كفيلة بأن تجعل من الأفاعي تهجرها، ومن الأنبياء أنفسهم يبحثون عن وحي جديد. إضافة إلى ذلك، هي تعجّ بالغبار والكتب وطاولة أقدم من الله، وفراش لم أر له مثيلا إلا في زنازين الموت.
وعمومًا أيضا، أنا كثير الرعب والخوف، كلما داهمني النعاس قفزت مضطربا، أجل؛ أخاف أن أنام فإذا قمت وجدت شيئا ما في هذا العالم قد فاتني، أن يتغيّر مثلا نظام المجرات، أن تسأل عني امرأة فلا تجدني، أن يموت أحد الأصدقاء ولا أحملق في صورته حينها، أن يحدث زلزال رهيب ويفوتني مثلا أن أرى تلك الجثث الآدمية مكدّسة ومن حولها الذباب الأزرق وقطط الليل.
علاوة على ذلك، يتوجب عليّ إنهاك جسدي باستمرار، أحرمه مثلا من الدواء، من جرعة ماء، من قطعة سكر حين أجوع وهي الوحيدة في المطبخ، ليس سلوكا مرضيّا ذلك، بل نوع من تدريبه على الفناء، ويتوجب عليه أن يقبل، فإذا سقط أكون حينها قد نمت، ولكن هيهات لا، لا أبدا: فثمّة ما سيجعلني حينها أصحو من جديد، الكوابيس المرعبة، صوت جارتي وهي تئن في حضن حبيبها، قطتها التي تموء من شدة الجوع.

ثم لماذا يتوجب علي النوم أصلا؟

هل لا أرتاح مثل شهيد لأقوم صباحا مثل ثائر؟

أنا لا يروق لي ذلك، أجدها فكرة فجّة ومخزية؛ كلّ الشهداء  في هذا الوطن تحوّلوا إلى  مجرّد صور في المحافل الانتخابية، أو لنقل إنهم مثابة أصل تجاري مربح بالنسبة إلى البعض من رفاقهم القدامى، أما الثوّار:  )يا للخزي !) فهم الآن خائفون كثيرا، لقد دفعهم الرعب من بيارق الله والوحوش الأصولية ليكونوا الآن شبّيحة عند الجنرالات الدمويين لا أكثر، وعليه أنا لن يروق لي أبدا أن أنام مثل شهيد أو أكون ثائرا حتّى.

وعموما أكثر يا صاحبي، أنا منذ نشأتي غريبا عن الأهل، في تلك القرى التي لا يزورها حتّى الله، لم أكن أدرك أنّ هروبي عن شعابها وقفارها سيكبّدني كلّ هذه الخسائر، أمّا أن أحنّ إلى تلك البريّة فهذا سؤال أصعب من الأبديّة ذاتها، فأنا على يقين مرّ أنّي ميّت سلفًا، منذ سنواتي الأولى حين تقمّصتني المدينة، بل وأكثر من ذلك، أنا هنا في أزقّتها غبار بشريّ محض، عظام متلاصقة كالسلالم، أنحل من ذئب “طواه الطوى”، ولم أعد أعرف أيضا تجاه من سأقذف شتائمي، أو لمن أوجّه غضبي الدائم، ثمّ إنّ عودتي إلى تلك القرى لن تكون في نظر الآخرين سوى هزيمة آدميّة.

هنا أربّت على كتفي كي أطمئنّ، مثل ضبع يتجشّأ فضلاته، وأحاول قدر إحساسي بالانقراض أن أسلك لي طريقا مغايرة خارج هذا “الخراء” البشريّ، ولكنّ الحاجة البيولوجيّة تمنعني من ذلك: أنت دائما رهين معادلة هذا الانحطاط المدنيّ يا صاحبي، ولن يمكنك أبدا النجاة أو حتّى الدفاع على ما تبقّى من ريشة الكبرياء العالقة فيك.
ستكتب إلى تلك الجريدة بالمجان، وإن اقتضى الأمر غير ذلك، فلن يمكنك الحصول على مرتّب شهريّ أبدا، لأنّ أقصى ما يمكن أن تتوّج به هو الاعتراف بك ككاتب، أو لنقل وأنت ستظلّ جائعا بلا ريب، سيمكنك على سبيل المثال أن تتحصّل على علبة سجائر وقهوة في مقهى رديء جدّا، وحتّى أنّك تنتصر بافتكاك تلك الصفقة المقرفة من عوالمهم، أي أنّك كاتب، فهم على الأغلب لا يلتجئون إليك إلا لملء فراغهم، ثمّ بأيّ حقّ ومن هم حتّى يوزّعوا صكوك الابداع هذه !
ستحبّ أكثر من امرأة في يوم واحد، وهذا سلوك يدلّ على اضطرابك النفسيّ، ثمّ إنّه عليك أن تواجه تهما عديدة من قبيل اتهامك بالمجون، والفساد الأخلاقيّ، وغير تلك من المفاهيم التي ابتدعتها البشريّة، ولكنّك ستكتشف أنّ هؤلاء المدافعين عن حقوق المرأة أكثر رجعيّة من عدوّهم السلفيّ، فهم يعتقدون أنّ تحريرها من سلطة الذكورة أمر لا مناص منه، ولكن أن يتوقّفوا عند حدود ذلك، فهم بشكل أو بآخر يتنكّرون إلى المهامّ الاقتصادية والاجتماعيّة، وهذا دليل واضح على أنّ سلوكهم ليبراليّ بالأساس، أمّا أن تعترف باضطرابك النّفسيّ، فهذا وعي جنينيّ بحقيقة تناقضك الدّاخليّ يا صاحبيّ، أنت آخر “جينة” تبقّت من سلالة ابن البرّية “أنكيدو”، وعلى كلّ حال، أنت لن يفهمك أحد !

ثمّ إنّ احساسك بالحنين تجاه الأهل، سيموت ببطء، فهذه المدينة التي حرمتك من الوظيفة، صارت تمنع عنك الحقّ في العودة إليهم، فهم ينتظرون منك ببساطة الأطفال نوعا ما من ردّ الجميل بعد سهروا سنينا طويلة على تربيتك، ثمّ إنّ الواجب الأخلاقيّ هناك يقتضي منك العودة إليهم، لكنّك ستشعر بالخجل وأنت تعود فارغ اليدين، مهزوما، مخذولا، محبطا، أصفر اللون، كثّ اللحية، مكفهرّا كما لو كنت في حرب أنت انهزمت فيها فلا وجه لك كي تنظر في عيون شعبك وهو يستباح. وعمومًا دائمًا: أنت سجين المدينة يا صاحبي !
يحدث أن تدخل معترك الحياة السياسيّة كما كنت في سنوات الدراسة، هناك حيث تزدحم ذاكرتك بصور الاضرابات والمسيرات داخل الجامعة وخارج أسوارها، نعم سيحدث أن تفكّر طويلا في ذلك، ولكن هذه المرّة أنت تقرّر إعادة التجربة من منطلق انتهازيّ بحت، عسى ذلك الحزب يوفّر لك شغلا، أو تلك المنظمة توفّر لك مسلكا لعقد صفقة مشبوهة قد تغيّر مجرى حياتك الماديّة إلى الأفضل، ولكن تمهّل يا صاحبي: فحتّى سلوكا انتهازيّا كهذا تحوّل إلى لعبة عصيّة عليك، ولن تقدر عليها فعلا، ولهذا أنت سترتبك إزاء أوّل خطوة، وتعدل عن الأمر.
يجب في حالة كهذه، أن أهرب، نعم سأفعلها لأني نبي الله الاخير، رسول المستقبل الأول، ولهذا عليّ أن لا أنام، فقد تفوتني أول رحلة خارج معادلة الأضداد تلك.
الآن، أتمنّى ومن كلّ قلبي، أن تعمّ الاغتيالات، وتحط المصائب، وتقترب الحرب، ويموت كل أولئك الذين يتحدثون باسم الإنسانية، وتحرق جميع مقرات الأحزاب والنقابات ومواخير البغاء السياسي.
الآن، أتمنّى ومن كلّ قلبي، أن تتحوّل الأرض إلى صفير محض، تحيطها برك الدم، وتطوف بها الجان، وتعمّ في الأفق أصوات وأهازيج من النواح والبكاء، وتفرج القبور عن أنين موتاها قبل موتهم المفاجيء.
الآن، أتمنّى ومن كلّ قلبي، أن لا يحدث ذلك كله، أن أستطيع النوم فعلا، أو فليحدث ذلك، نعم ليحدث وبشكل عنيف لا يطاق، لا يطاق أبدًا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. S.N

    للخراب كذلك لحن جميل ..لكن لم يعد يهم اي شيء ان ننتهي او نستمر
    في اللعبة الخاسرة..او ان نكتب لنلقي بانفاسنا المحترقة .. لاجدوى من اي شيء.

أضف تعليق