الكاتبة البلجيكيّة نادية غيرتس: لم نستخلص العبر من الاعتداءات الإرهابيّة الإسلامويّة

ناديا غيرتس فيلسوفة ومناضلة علمانية مناهضة للمدّ الدينيّ الأصوليّ في بلجيكا من بين مؤلفاتها “ذلك الحجاب اللعين” “اللائكية على محكّ القرن الواحد والعشرين”،و”حرية، مساواة، لائكية” وآخر ما صدر لها:” قولي، ما هي النسوية؟” وهو حديث طويل مع ابنتها المراهقة.

حاورها في بروكسل حميد زناز

لقد أشرت إلى الأسلمة الزاحفة في بلجيكا في كتابك “ذلك الحجاب اللعين/ محاججة قصيرة، علمانية، نسوية ومناهضة للعنصرية  ”  الصادر سنة 2010، فماذا تقولين بعد مضي ثماني سنوات عن ظاهرة الاصولية في بلدك؟                                                                          

لا يمكن القول بأن الامور تتحسن… غير أنني، لا أحبذ استعمال  كلمة “أسلمة” التي قد توحي بأن المقصود  هو  تكاثر  عدد المسلمين في بلجيكا باستمرار. في حين أن هذا لا يزعجني في حد ذاته: ليؤمن الناس بما شاؤوا و لكن المشكلة الحقيقة  تكمن في الصعود الاشكالي لظاهرة  الاسلام السياسي الذي يزعم  تعديل و تغيير حياة كل الناس بشكل جذري بما فيهم المسلمين.  ومن البديهي أن تلك ظاهرة لا تخص بلجيكا وحدها. ما يقلقني أكثر أمام هذا الوضع هو الغباء الذي يمس جزء كبيرا من الطبقة السياسية البلجيكية والثقافية أيضا التي تميل  إلى اعتبار   مظاهر الاسلام السياسي مجرد تقاليد محلية لطيفة ينبغي أن نكون متسامحين حيالها. وهو ما يشكل حقا تقهقرا  وخطرا.

بعد الاعتداءات الإجرامية الإسلامويّة، هل استخلص المجتمع البلجيكي الدروس؟                                                                                                                                                                                    

لا أظن ذلك إذ لست متأكدة على كل حال.  نعم هناك طبعا وعي بوجود إرهاب إسلامي يستطيع أن يهددنا هنا في عقر ديارنا.  ولكن يبقى الاتجاه الغالب هو ذلك الذي يرى في الارهابيين مجرد أفراد معزولين، بكلمة واحدة الاغلبية لا  تزال  تقلل من خطورة المشكلة. ومع ذلك و حتى لو كان من الواضح أن أقلية فقط من المسلمين الذين يعيشون ببلجيكا  أو في أي مكان آخر  هي التي قد ترتكب  أعمالا إرهابية مستوحاة من الدين الإسلامي فلا ينبغي إغفال أن هناك حركة واسعة  من التقوقع الإثني والتطرف الديني الاسلامي في  مجمل البلدان الغربية. ولكن نبقى أمام هذه الحركة مترددين بين موقفين،  فمن جهة  نجد الذين ينكرون وجود التطرف أصلا، أصحاب خطابات التسامح الجميلة الذين  يشددون على وجوب  الانفتاح  على الاختلاف لمكافحة التطرف. ومن جهة أخرى نجد  أولائك الذين يريدون المواجهة الصريحة والصرامة أي من يدافعون عن اللائكية والمساواة بين الرجل و المرأة إلى آخره من مبادئ حقوق الانسان الكونية.

هل يعتبر “حزب الإسلام الذي أعلن مشاركته في كل الانتخابات القادمة في بلجيكا خطر حقيقي على الديمقراطية أم هو مجرد نكتة إعلامية بلجيكية؟                                                                                          

لا هذا ولا ذاك في رأيي، وأكيد  هو ليس نكتة بلجيكية حتى وإن كان مضحكا أن نشاهد سائق حافلة يطالب بتخصيص مقاعد للنساء في الحافلة بعيدا عن مقاعد الرجال وتضطر شركة النقل في بروكسل إلى رفض مطلبه والقول بأن ليس هذا هو المشروع التي تدافع عنه..

ما يقلقني في ما يتعلق بــــ “حزب الاسلام” هو تطرفهم المفرط المتجاوز الحد والذي يساهم بشكل غير مباشر في إضفاء مصداقية على خطابات أصولية أخرى بحكم شططه ورعونته فتصبح بادية كأنها  أكثر نعومة وتسامحا. ما استوقفني أخيرا وأنا أقرا حوارا مع ممثلة سابقة للمجلس التنفيذي  الاسلامي في بلجيكا وهي معتنقة جديدة للمذهب الشيعي محجبة كما ينبغي  والتي راحت تدين برنامج حزب الاسلام هي التي تدافع عن ارتداء الحجاب في كل مكان وحتى بالنسبة للبنات الصغيرات في المدارس الابتدائية ..ولكن أصبحت بفضل تطرف هذا الحزب ناطقة رسمية باسم  الإسلام “المعتدل” الرافض للمتشددين!

ألا تجدين بأن التسامح الديمقراطي سيتحول إلى إهمال كارثي حينما يتم قبول مشاركة  حزب اصولي في الانتخابات، يطالب ودون عقدة بتطبيق الشريعة في بلجيكا؟ تلك التقاليد القديمة المعادية للحرية وحقوق الانسان والحياة؟                                                                                

يعتبر الموقف الليبرالي الحزب عبارة عن تجمع مواطنين  يعرض مشروعه السياسي على الناخب  وهو الحكم الوحيد الذي يحق له تزكية أو  رمي ما يقترح الحزب.  وانطلاقا من هذا التصور ينبغي وضع الثقة في الناخبين وسيكون من اللاديمقراطية حظر  حزب من الأحزاب مهما كانت توجهاته.  والسؤال الكلاسيكي هو:  هل ينبغي أن نقبل، باسم الديمقراطية مشاركة أحزاب في الانتخابات بنية تحطيم هذه الديمقراطية؟  وفي الحقيقة ليست  لي إجابة جامعة مانعة. ولكنني بالتأكيد لا أتفق مع تفاؤل هؤلاء الذين يرون في حزب الاسلام مجرد أضحوكة عابرة ولا يمثل أدنى خطر حقيقي:  لا ينبغي أن ننسى أن للحزب منتخبان في بلديتين في بروكسل معظم سكانها ينحدرون من أصول إسلامية وأن الأحزاب الاخرى ستكون مضطرة إذا ارادت استمالة الناخبين المحتمل تصويتهم لحزب الاسلام أن تكيف خطاباتها  إلى درجة قد تصبح هي أيضا أحزابا مجاملة للإسلاميين.

وعلاوة على ذلك يبدو لي أنه يجب عدم التهاون في ما يتعلق بتطبيق القانون ولا سيما المساواة بين الرجل والمرأة إذ القبول بأن تُركن النساء في خلف الحافلة  لا يعني غير   “التمييز ” وهو أمر غير مقبول بتاتا. الاعتقاد بضرورة وجود الرجل على رأس القائمة بدعوى ان دوره “الطبيعي” هو حماية المرأة هو  تمييز على اساس الجنس وينبغي تسميته هكذا بدون أدنى مجاملة و دون الخوف من تهمة عدم  احترام  الاخلاف الثقافي.

ما العمل أمام هذا الصعود الكبير للطائفية الاثنية والدينية التي يؤطرها الاخوان المسلمون والسلفيون وغيرهم من الاصوليين الشيعة؟                                                                                 

التربية دائما وأبدا، لا حل بغير ذلك و أنا مقتنعة أشد الاقتناع بأن المخرج  سيكون عن طريق  المدرسة. وفي هذا الصدد، أرى إيجابيا جدا إدخال دروس الفلسفة  والمواطنة في برامج المدارس البلجيكية أخيرا إذ هناك حاجة ملحة جدا لتعليم الشباب انهم قبل أن يكونوا أعضاء في جماعة أو  عشيرة أو ديانة هم أولا وقبل كل شيء أعضاء في مجتمع مدني.  ولكن يبقى أمامنا عملا طويلا   بسبب  عدم توفر الاطارات المكونة لمثل هذه المهمة الكبيرة ومع الاسف فأغلب من يقومون بها اليوم هم مدرسون سابقين للدين.

 كمناضلة نسوية، كيف تنظرين إلى ظاهرة ازدياد عدد النساء  المحجبات في بلدك؟                                                                                    

طبعا أنظر  إلى الظاهرة بعين قلقة ولكن اعتقد بأنه لا يمكن منع  ارتداء الحجاب ما عدا في المدارس بطبيعة الحال وبالنسبة للموظفين في الادارات العمومية. ولكن هذا لا يعني أنني أنظر إلى القضية نظرة استخفاف. أرى أن الحجاب هو أداة سياسية قبل كل شيء يستخدمها الاسلاميون لإظهار   أيديولوجيتهم  في الفضاء العام  وإرغام مجتمعاتنا على أخذها بعين الاعتبار في كل لحظة.   وعموما فــ “حاملات”  الحجاب  غير  واعيات بمدلوله السياسي مع أن الامر بديهي لمن يتابع الاحداث في العالم: في كل مكان وصل  فيه الاسلاميون إلى الحكم  فرضوا الحجاب والنقاب والبوركة على النساء. وبغض النظر عن البعد السياسي للحجاب فهو طريقة لمراقبة جسد النساء وزرع، شيئا فشيئا، في أذهانهن قواعد حياء وفضيلة ذات طابع متزمت تحدد من حريتهن وتعرقل حياتهن اليومية.  وهي طريقة ذكية في إقناع النساء وجعلهن يعتقدن أنهن يتصرفن بحرية وعن اقتناع وتصبح النساء بالتالي أحسن وسيلة لإدامة  خرافة الفحولة والتمييز على أساس الجنس.  لقد منعت السلطات  البوركة في بلجيكا سنة 2011 وحسنا فعلت  لأن الامر متعلق بالكرامة الانسانية:  لا يمكن أن نسمح لكائنات بشرية أن تتجول في الشوارع دون إمكانية تحديد هوياتها سواء لأسباب دينية أو غيرها.

حزب الاسلام أم حزب الحرب الاهلية في بلجيكا؟                                   

سيشارك “حزب الاسلام” في الانتخابات البلدية  القادمة  بتقديم مترشحين في مختلف البلديات ذات الكثافة السكانية الاسلامية وما يسترعي الانتباه  هو ذلك البرنامج  الغريب والخطير في آن: إلغاء كل كل القوانين المدنية والجزائية  واستبدالها بالشريعة الاسلامية!

والغريب أن الاحزاب التي هيأت التربة لظهور مثل هذا الحزب الاصولي هي التي تطالب اليوم بمنعه من النشاط وذلك  لسبب انتخابوي بحت لا خوفا من الاسلمة  ولأنه أصبح منافسا لها في الاستفادة من أصوات الناخبين المسلمين. تلك الاحزاب هي التي عبدت الطريق للإسلاميين حينما تنازلت شيئا فشيئا  وراحت تلبي طلبات إثنية ودينية منذ زمن طويل تحت مسمى “الاجراءات المعقولة” على الطريقة الكندية الكارثية. .  أحزاب انتهازية دأبت على وضع مرشحين مسلمين على قوائمها الانتخابية في كل استحقاق  لجذب الناخب المسلم وعلى وجه الخصوص الحزب الاشتراكي البلجيكي.  وحتى في ندائها لمنع حزب الاسلام، فالأحزاب البلجيكية في أغلبها تمارس المراوغة لتظهر بمظهر  الرافض للشريعة  وهي تعلم بأنه من المستحيل منع حزب سياسي في البلد وخاصة عندما تطالب بذلك أحزاب منافسة له، علاوة على ان بلجيكا ليست دولة علمانية كفرنسا،  وهي تعترف وتمول الديانات  ومن بينها الدين الاسلامي منذ سنة 1974. وليس هذا فحسب بل منذ 2003  تدعم وتمول  بعض الائمة  لينتقدوا كل جمعة القوانين الوضعية والاختلاط ومساواة الرجل بالمرأة إلخ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق