الاغتراب في التّحليل النفسي (نموذج فرويد – يونغ – فروم)

مقدمة 

يعتبر مفهوم الاغتراب من أكثر المفاهيم التباساً بالنسبة للإنسان العادي كما هو الحال بالنسبة للمختص، ويعود ذلك لتشعب المواضيع و الأشياء التي تكمن خلف هذا المصطلح الأمر الذي يجعل المصطلح نفسه يستخدم بصورة تفتقر بشدة إلى التمييز لدرجة يصبح معها تحديد أي مجال أو وضع ينطبق عليه وضع المغترب أمراً بالغ الصعوبة، إذ ليس من الواضح من هو ذلك الذي يفترض أنه مغترب، هل هو الشخص الذي يعيش منعزلاً وليس لديه جهاز تلفزيون أو كمبيوتر، أم شخص يقضي معظم أوقاته أمام التلفزيون أو الكمبيوتر؟ و هل الاغتراب نفسه هو حالة ناتجة عن تأثير موضوعي و بالتالي هل له مصدر موضوعي خارجي، أم هو حالة ذاتية صرفة، وهل غربة الإنسان هي غربته عن ذاته أم عن مجتمعه أم عن الطبيعة أم عن الأفراد الآخرين ؟

أولاً: الاغتراب عند فرويد

لقد بدأ فرويد في تحليله للاغتراب. فإذا كان ماركس قد أكد على أن وجود الإنسان هو الذي يحدد وعيه، وليس وعيه هو الذي يحدد وجوده. فإن فرويد جاء ليؤكد على أن الوجود الاجتماعي، هو الذي يحدد الشعور وليس العكس، و إذا كان المنهج الماركسي يبحث في الاغتراب من ناحيته الخارجية، فإن منهج التحليل النفسي يبحث في الاغتراب من جانبه الداخلي.

فالأنا الأعلى هي معطى خارجي يفرض نفسه على الغرائز، هذا المعطى لا يقصد به فرويد مجموعة القوى الاقتصادية الاجتماعية التي تسيطر على الإنسان، كما وصفها ماركس، بل هو بصورة رئيسية مجموعة القيود الثقافية، والتعاليم، والإرشادات الأخلاقية، التي لا تسمح بالظهور الحر لرغبات الفرد اللاواعية. وكما أن الماركسية تعبر عن الوعي الاقتصادي بصيغة قوانين، انطلاقاً من استغلال الأكثرية من قبل الأقلية، فإن التحليل النفسي يعبر عن الوعي من خلال القمع الجنسي الاجتماعي. وإذا كان الاستغلال الماركسي، هو استغلال تمارسه طبقة على طبقة أخرى، فإن القمع الاجتماعي تجاه الغرائز عند فرويد، يشمل الطبقتين معاً، ذلك القمع و الكبت الذي اعتبره أقدم من ظاهرة الاستغلال الطبقي، من حيث منطلق التاريخ البشري، و قد نشأ بصورة ثانوية من ضرورة كبت دوافعه الخبيثة الأصلية، وهو يفهم الحضارة على أنها نتيجة هذا النوع من الكبت.

وعلى خلاف روسو، يرى فرويد أن الإنسان تتحكم فيه بالأصل دوافع شريرة، وكلما نما المجتمع و تطور، كلما مضى في إكراه الإنسان على أن يقمع و يكبت هذه الدوافع، حيث يلجأ لآلية تصعيدها، ولما كانت قدرة الإنسان على تكوين ردود فعل تصعيدية محدودة، فإن هذا الكبت يبقى غير ذي فاعلية وغير ذي تأثير، حيث تعود الدوافع الأصلية إلى الحياة وتنشط، وبما أنه من الصعوبة إحداث تغيير عميق في تلك الدوافع الأصلية، فإن ذلك سيفضي إلى أعراض عصابية، التي هي إحدى محاور الاغتراب النفسي عند الإنسان. يقول فرويد ” إن كل فرد هو بالقوة وبالعرض عدو للحضارة، التي هي بالأساس لصالح البشرية قاطبة بوجه عام، وإنه مما يبعث على الاستغراب، أن بني الإنسان الذين لا يحسنون الحياة في عزلة وعلى إنفراد، يشعرون مع ذلك بوطأة اضطهاد ثقيلة بحكم التضحيات التي تنتظرها منهم الحضارة، حتى تجعل حياتهم المشتركة ممكنة “.

ومن أكثر أشكال اغتراب الإنسان النفسي، نجد هذا التناقض التاريخي الذي يعانيه بين الواجب المفروض عليه من الحضارة التي تحميه، والرغبة بالتمرد عليها، لإشباع دوافعه الأصلية المقموعة، ذلك أن التباهي بالحضارة، يضاده كره ونفور  لا شعوري منها، لما تمثله من قوة ضغط وإجبار قسري مهولة. ومن هذا المنطلق بالذات، تٌطرح ضرورة حماية الحضارة من الفرد، وفي خدمة هذه المهمة تعمل تنظيمات الحضارة ومؤسساتها وشرائعها، التي ليس غرضها الأوحد تحقيق توزيع معين للخيرات، بل الحفاظ أيضاً عليه و تثبيته وحمايته، أمام نزوات البشر العدائية.

إن الحضارة عند فرويد هي أصل الشعور المهول بالاغتراب، كونها لا يمكن أن تقوم إلا بإبعاد الإنسان عن تثبيتاته الذاتية النرجسية، وهذا يعني أنها قامت بشكل أساسي على مفهوم الكبت الجنسي، حيث يمكننا أن نستنبط التعارض بين الحضارة والغرائز الجنسية. فعلى عكس الحب الجنسي الذي يتطلب شريكين، تقضي الحضارة بالضرورة، علاقات بين عدد كبير من الكائنات، الذي يجمعها واجبات تلغي الخصوصية النرجسية. هذا التعارض يؤدي إلى كبت، يٌقابل بعدوانية هي أيضاً متأصلة بالبشر. وبسبب تلك العدوانية الابتدائية، التي تؤلب بني الإنسان بعضهم على بعض، يجد المجتمع المتحضر نفسه مهدداً باستمرار بالنهب والدمار. ولا يكفي للمحافظة عليه الاهتمام بالعمل التضامني، كون الأهواء الغريزية أقوى من الاهتمامات العقلية. لذلك كان على الحضارة أن تٌجنّد كل ما في متناولها، لكي تحد من العدوانية البشرية، عن طريق وصايا ذات طابع أخلاقي إلزامي، حيث الاستنفار لطرائق ومناهج تحض بني الإنسان على تماهيات وعلاقات حب مكفوفة من حيث الهدف، ومن هنا أيضاً هذا التقييد للحياة الجنسية، ومن هنا أخيراً كان ظهور المثل الأعلى المفروض على الإنسان، بأن يحب قريبه كنفسه. يقول فرويد: ” إذا كانت الحضارة تفرض مثل هذه التضحيات الباهظة لا على الجنسية وحسب، بل وعلى العدوانية أيضاً، فإننا نفهم في هذه الحال فهماً أحسن لماذا يعسر على الإنسان غاية العسر أن يجد في ظلها سعادته “. فكل حضارة مٌلزمة بأن تشيد نفسها على الإكراه، وعلى نكران الغرائز.

والفرد كلما كبت ميوله – لا سيما العدوانية والجنسية – كلما كان مجبراً على حشد طاقة أكبر لمواجهة هذه الميول، مما يعني استخدام الكثير من طاقاته ضده هو بالذات، وهذا ما يضعف، بطريقة متناسبة طرداً، الطاقة التي يتصرف بها لمواجهة العالم الخارجي. ولكن إذا ما تبين أن مردود الكبت سيء بالنسبة للفرد، وبالتالي بالنسبة للمجتمع، وكان من غير الممكن من جهة أخرى ترك تلك الغرائز حرة بحكم طابعها اللااجتماعي، فإننا سنكون أمام ثلاث خيارات: إما إلغاء الغرائز، وهذا مستحيل ليس على المستوى العملي وحسب، بل والنظري أيضاً. وإما إلغاء تجليات تلك الغرائز، وهو أمر ممكن يلجأ إليه الكبت، لكن نتيجته قد تكون مؤسفة على التوازن النفسي للفرد. وإما تصعيد الغرائز بتحويلها إلى شكل مفيد اجتماعياً، وهو ما يسميه فرويد بالتسامي، أو التصعيد. وهو المصدر الأساسي للإبداع الفكري للبشرية. بحيث يغدو الإبداع أحد تجليات الاغتراب.

وعلى خلاف ماركس، ينظر فرويد نظرة متشائمة لإمكانية إحلال المساواة التامة التي تنهي حالة الاغتراب. فيقول ” لا ريب أن نسبة مئوية محددة من البشر وبحكم استعداد مرضي أو قوة غريزية مُشتطّة ستبقى أبدأ لا اجتماعية، ولكن إذا ما توصلنا إلى تقليص تعداد الأكثرية المناوئة لثقافة ما حتى تصير أقلية نكون قد فعلنا الكثير، بل وربما كل ما يٌستطاع فعله “.

وإن غرائز الإنسان التي تصطدم مع الحضارة، ليست عوارض اكتسبها الإنسان عبر تطوره التاريخي، بل هي متأصلة في جِبلّة الإنسان كإنسان، وبالتالي فإنه، لا المواد نفسها، و لا سبل اقتنائها وتوزيعها، يمكن أن تشكل جوهر الحضارة أو طابعها الأوحد. ذلك أن هذه الموارد والسبل، تجد نفسها مهددة بروح التمرد والظمأ إلى التدمير لدى أولئك الذين يسهمون في نشوء الحضارة والثقافة. لهذا كان هناك وبشكل دائم إلى جانب الموارد، الوسائل التي تهدف وتٌستخدم للدفاع عن الحضارة، كوسائل الردع والقهر، وغيرها من الوسائل التي تهدف إلى إصلاح ذات البين بين الإنسان الفردي كغرائز، والإنسان الاجتماعي كثقافة، وإلى تعويض البشر عن تضحياتهم التي تعد بمثابة ركيزة للتراث الروحي للثقافة. لذلك لا فائدة من محاولة التخلص من ميول الناس العدوانية. يقول فرويد: ” يقال لنا أن هناك في مناطق سعيدة معينة من الأرض، حيث تقدم الطبيعة بوفرة كل ما يتطلبه الإنسان، أجناس تمضي حياتها في هدوء ولا تعرف اندفاعاً ولا عدوانية، ولا أكاد أصدق هذا، ويسرني أن أسمع المزيد عن هذه الكائنات المحظوظة”.

وقد اصطلح فرويد على تسمية (الحرمان)، ضرب القسر الذي تمارسه الثقافة لمنع الغرائز الإنسانية من الظهور، ولبقاء الإنسان فوق الواقع الحيواني البدائي الذي كان يعيش فيه، فالأخلاق عند فرويد  يعيشها الفرد، على صورة تضحية أو عذاب، فهو يضحي بشيء عزيز عليه كغريزته، وذلك للحصول على رضا المجتمع، إن الحضارة قامت بتأثير دفع الضروريات الحيوية، وعلى حساب إشباع الغرائز، وإنه يعاد خلقها دائماً في جزء كبير منها على النحو نفسه، إذ أن كل فرد جديد يدخل في المجتمع البشري، يفرض عليه من أجل الصالح العام، التضحية بغرائزه عن طريق كبتها، فالكبت كما يقول فرويد، يشكل أحد أسس تطور البشر الحضاري، و تقوم الأديان في إنجاز شطر من هذا الكبت للغرائز، فتحض الفرد على التضحية بملذاته وتقديمها قرباناً للإله. وبالتنازل والتحويل، يستخدم الإنسان آلياته لكي يتحرر من سلطان غرائزه الشريرة والضارة بالمجتمع، لهذا ليس من قبيل المصادفة أن تكون جميع خصائص البشرية قد عٌزيت إلى الآلهة القديمة، كما لم يكن ضرباً من التناقض مع ذلك، ألا يؤذن للإنسان أن يسوغ آثامه بالمثال الإلهي.

وبما أن مبدأ الواقع هو المقابل المثالي لمبدأ اللذة، فهو المقابل الذي ساعد على استمرار الجماعة وديمومتها الحضارية، فالأنا ترفض الحصول على لذة يتبعها ألم، فتتردد بالاختيار بين اللذات، وعلى أساس هذا الاختيار، تنشأ الروابط الاجتماعية. ذلك أن الأنا، عند فرويد، هو ذلك الجزء من الهو الذي طرأ عليه تعديل تحت التأثير المباشر للعالم الخارجي بوساطة النسق الإدراكي الشعوري، إنه بنوع ما امتداد للتمايز السطحي، وهو يجاهد أيضاً ليمد تأثير العالم الخارجي إلى الهو ونوازعه، ويسعى إلى إحلال مبدأ الواقع، مكان مبدأ اللذة الذي يسود بلا منازع في الهو، فالأنا من هذا المنطلق يشبه في علاقته بالهو، الفارس الذي يتعين عليه أن يلجم قوة الحصان العظيمة، مع الفارق بأن الفارس يحاول أن يفعل ذلك بقواه الذاتية، بينما الأنا يفعل ذلك بالاستعانة بقوة من مصدر آخر، لهذا السبب بالذات , يغدو الأنا هو المظهر الأول والأساسي لتدعيم دفاعات الحضارة، وإعادة التوازن للنفس البشرية مع العالم المحيط.

إن تحقيق الدوافع على عواهلها وبأكبر قدر ممكن من الحرية كان ممكناً إلى حد ما، خلال طفولة الجماعة البشرية، حيث كان الأمر الأكثر طبيعية، عندما كانت الأعراف لم تتخذ بعد شكلاً صلباً. ولكن بعد التطور الحضاري اللاحق، لم تلبث هذه الدوافع وأن كٌبتت بفعل سيرورة بوسعنا أن نقارنها بالكبت الفردي، لكن تلك الدوافع في الواقع لم تتلاشى كلياً، بل ظلت موجودة في ثنايا الأسطورة التي أصبحت حلم جماعي (كما أن الحلم هو أسطورة فردية)، أي عبارة عن مجموعة من الرموز التي تمر دون أن يفهم الشعب مغزاها الحقيقي أو الكامن المٌعبّر عن نوازع البشرية المكبوتة بقوة، فرغبات الهو الغريزية تعاود الظهور والولادة مع كل طفل بشري، وثمة طبقة كاملة من الكائنات الإنسانية المصابة بالأمراض العصابية ترد على تلك الضروب من الحرمان، بالنفور من الحياة الاجتماعية.

ومما يتفق وتطورنا، أن الإكراه الخارجي يجري استبطانه شيئاً فشيئاُ، إذ تتبناه سلطة نفسية خاصة نسميها، الأنا الأعلى، التي تعتبر إحدى مكونات الثقافة الاجتماعية المعاصرة، واشتداد ساعد الأنا الأعلى هو ميراث سيكولوجي رفيع القيمة بالنسبة للثقافة، لذلك نجد أن معظم الناس ينصاعون للنواهي الثقافية المتعلقة بكبت وقمع المتطلبات الغريزية العدوانية والجنسية تحت الإكراه الخارجي وحده، المحسوس والمهاب الجانب. وهذا ينطبق بدوره أيضاً على تلك المتطلبات الثقافية المسماة بالأخلاقية، و التي تشمل الناس قاطبةً، فثمة عدد لا يقع تحت الحصر من المتحضرين الذين سيتراجعون مذعورين، أمام فكرة القتل أو اشتهاء المحارم، لكنهم لا يتألبون عن تلبية جشعهم وعدوانيتهم وشهواتهم الجنسية، ولا يترددون بإلحاق الأذى بقريبهم بالكذب والخداع والافتراء، إذا ما أمكن لهم أن يفعلوا ذلك بلا عقاب.

لكن ما طبيعة هذا العقاب؟ إنه عقاب ثنائي: خارجي ممثل بالسلطة الاجتماعية، وداخلي ممثل بالتربية الصارمة الاجتماعية التي يمثلها الأنا الأعلى، الذي يعتبر بدوره، محصلة لعاملين كلاهما على غاية الأهمية. واحد من طبيعة بيولوجية، وآخر من طبيعة تاريخية. يقول فرويد: ” لقد قامت الحضارة، وبتطورها تٌلجم عدوانية الإنسان وجنسيته، بحيث نتبين أصلين للشعور بالذنب الذي ترسخه الحضارة، أولها القلق حيال السلطة، وثانيها وهو لاحق، يتمثل بالقلق إزاء الأنا الأعلى الاجتماعي، الأول يرغم الإنسان على العزوف عن تلبية دوافعه الغريزية، والثاني ونظراً لاستحالة إخفاء ديمومة الرغبات المحرّمة عن الأنا الأعلى، فإنه يدفع الإنسان فوق ذلك إلى إنزال العقاب على نفسه، وبهذا يكون قد تمت استعاضة و مقايضة تعاسة خارجية متوَعّدة، كخسارة حب السلطة الخارجية والقصاص الذي تنزله، بتعاسة داخلية متواصلة، تعبّر عن نفسها بتوتر داخلي ملازم للشعور بالذنب “.

وبالتالي فإن تمايز الأنا الأعلى عن الأنا، لم يكن بمحض الصدفة، بل هو يحمل أبرز سمات تطور الفرد وتطور النوع، وإن كان هذا التمايز يٌعطي تعبيراً دائماً لتأثير الوالدين، فإن فيه بحد ذاته تأييداً لوجود العوامل التي يدين لها بنشأته، فالأنا الأعلى، حسب فرويد، سيحفظ طبع الأب، وبقدر ما كانت عقدة أوديب قوية، وبقدر ما تم كبتها بسرعة تحت تأثير السلطة والتوجيه الديني والتعليم والمطالعات …بقدر ما ستكون سيطرة الأنا الأعلى على الأنا أشد وطأة في المستقبل في صورة الضمير، بل وفي صورة الإحساس اللاشعوري بالذنب، حيث يتحول الأنا الأعلى إلى وكيل للأخلاق، وإلى رمزية ضمن نفسية لتلك المثل الثقافية والتحريمات التي يفرضها الوالدان الممثلان لعادات ومثل الحضارة المفروضة على الطفل.

من هذا المنطلق حلل فرويد مفهومه للاغتراب النفسي المفروض من الحضارة، فلئن تكن الحضارة هي الطريق الوحيد الذي لا غنى عنه للارتقاء من الأسرة إلى البشرية، فإن ذلك التعزيز يكون عندئذ مرتبط ارتبطاً  وثيقاً بمسارها من حيث أنه نتيجة لصراع  الازدواجية الذي تولد فيه وعليه، وللخصومة السرمدية بين الحب والرغبة بالتدمير والموت.

ولعل توتر ذلك الشعور المتناقض سيبلغ ذات يوم بفضل الحضارة، مستوى شاهق الارتفاع، فلا يعود في مكنة المرء أن يطيقه إلا ببالغ الصعوبة، لأن هذا النجاح التعزيزي للكبت سيكون على حساب انقسام للأنا، هذا الانقسام الذي لا يندمل أبداً بل يزداد مع مرور الوقت، حيث لا مناص من أن تتناحر سيرورتا التطور الفردي الذي يهدف للسعادة الشخصية، والتطور الحضاري الذي يهدف إلى الاتحاد مع كائنات إنسانية أخرى، ومن أن تختصما على مواقعهما عند كل لقاء، إذ يقول فرويد:” لقد قصدنا رغم كل شيء أن نصور الشعور بالذنب على أنه المشكلة الرئيسية لتطور الحضارة، وأن نبين فضلاً عن ذلك لماذا يتوجب دفع فاتورة تقدم هذه الأخيرة بنقصان في السعادة “.

فالإنسان منقسم، بل و يبدو أقرب للممزق ضمن نزاع لا هوادة فيه ضمن التفاعل مع الحضارة، حيث يبدو مسرحاً للتصادمات والصراعات بين قواه النفسية، التي تعبر عن نفسها في داخل الفرد ومن خلال علاقاته مع المحيط , فهناك الهو الغريزي والأناني والجنسي والعدواني إطلاقاً، والأنا الذي يجاهد لكي يكون أخلاقي اجتماعي مهذب، والأنا الأعلى الذي يمكن أن يصير مفرطا في أخلاقيته لدرجة يكون قاسياً كقسوة غرائز الهو العدوانية. ومن هذا الصراع الدائم بين الهو الغرائزي، والأنا الأعلى الصارم، يتجلى لنا اغتراب الأنا وضياعه، حيث يتعين عليه أن يخدم سادة ثلاث متنازعين متناقضين، وأن يعيش تبعاً لذلك تحت تهديد خطر ثلاثي يتمثل جانب منه من العالم الخارجي، وجانب آخر من ليبيدو الهو وغرائزه، وجانب ثالث من صرامة الأنا الأعلى، وما ينشأ عن ذلك من حصر وقلق عماده الانسحاب أمام الخطر.

إن حياتنا كما هي مفروضة علينا، ثقيلة الوطء وتغل أعناقنا بكثرة كثيرة من المشاق والخيبات و المهام كأداء، وحتى نستطيع لها احتمالاً، فلا غنى لنا عن مسكنات التي يرجعها فرويد إلى ثلاثة أنواع: أولها إلهيات قوية تتيح لنا أن نعتبر بؤسنا هيناً أمره، و ثانيها تلبيات بديلة تخفف من وطأته، و ثالثها مخدرات تفقدنا الإحساس به. وليس لنا عن واحدة على الأقل من هذه الوسائل غناء.

أما الشعور النرجسي بالرضا والارتياح المتولد عن المثل الأعلى الثقافي، فإنه يشكل واحدة من القوى التي توازن وتعوض على نحو ناجع العداء للحضارة داخل الجماعة الثقافية بالذات، إذ يؤكد فرويد، معارضاً ماركس مرة أخرى، أن ليس الطبقات صاحبة الامتيازات من هذه الثقافة أو تلك، هي وحدها التي تستطيع المشاركة فيها، وإنما المضطهدون أيضاً الذين يعوضهم الحق في احتقار أولئك الذين لا ينتمون إلى حضارتهم عن الإجحاف الذي يكابدونه في جماعتهم بالذات، ومن الممكن للمضطهدين علاوة على ذلك، أن يكونوا على ارتباط عاطفي بأولئك الذين يضطهدوهم، وأن يروا في سادتهم بالرغم من كراهيتهم لهم مثلهم الأعلى، ولو لم تكن مثل هذه العلاقات الباعثة على الرضا والارتياح في صميم الأمر موجودة، لما أمكن لنا أن نفهم – حسب فرويد – كيف استطاع عدد كبير من الحضارات أن يدوم و يعمر طويلاً بالرغم من عداء المجموع الذي له ما يبرره ويسوغه.

بتعبير آخر، يعتقد فرويد أن التوزيع الملائم للخيرات المادية بين البشر لا يؤدي إلى المساواة والعدالة، ما لم تتغير، بالشكل المناسب، المثل والثوابت الأخلاقية القائمة في المجتمع. وقد طرح المجتمع المعاصر المثل الأسمى للأخلاقيات التي ينبغي أن يلتزم بها الإنسان، بالتخلي عن إرضاء أهوائه الطبيعية، بيد أن هذا التنافر بين المتطليات الثقافية والاجتماعية من جهة، والرغبات الفردية الغريزية من جهة أخرى، يؤدي إلى زيادة عدد الأفراد الذين يعانون من العصاب، وفي نهاية المطاف فإن ” الإنسان مضطر أن يعيش سيكولوجياً خارج نطاق إمكاناته، لأن أهواءه غير المؤمنة تجبره على الإحساس بالمتطلبات الثقافية كظلم دائم “.

والدين عند فرويد هو محاولة أنسنة الطبيعة ووحشيتها التي لا تقهر بالنسبة للإنسان، والإنسان قام مع الزمن بتجريد قوى الطبيعة من سماتها وقسماتها الإنسانية، ولكن مع ذلك تبقى الضائقة البشرية كما هي، ويبقى معها الحنين إلى الأب أو الآلهة (التي هي كبديل رمزي عن الأب المفقود لدى فرويد) التي تحتفظ بمهمة ثلاثية يٌفترض أن تؤديها، فهي أولاً، تقوم بتعزيم قوى الطبيعة، وهي ثانياُ، تصالحنا مع قسوة الأقدار كما يتجلى ذلك في الموت بشكل خاص، وهي أخيراً، تعوضنا عن الآلام والأوجاع وضروب الحرمان التي تفرضها علينا حياة المدنيين المشتركة. بتلك التصورات الدينية يشعر الإنسان بأنه محمي من جانبين، من العالم الخارجي وأخطار الطبيعة والقدر، ومن الأضرار التي يتسبب فيها المجتمع الإنساني وقمع الثقافة.

وبشكل عام، ينظر فرويد إلى الأفكار الدينية التي تطرح نفسها كمعتقدات، أنها ليست خلاصة التجربة أو النتيجة النهائية للتعامل أو التفكير، وإنما هي تحقيق لأقدم رغبات البشرية وأقواها وأشدها إلحاحاً، ويكمن سر قوتها في هذه الرغبات، فالإحساس المرعب بالضائقة الطفلية أيقظ الحاجة إلى الحماية التي مثلها الأب، وإدراك الإنسان أن هذه الضائقة تدوم الحياة كلها، جعله يتشبث بأب أعظم قوة، وأشد بأساً، من خلال التفكير بالسلطان الرفيق والعطوف للعناية الإلهية، وبما أن الدوافع الغريزية هي أكثر قوة في الإنسان من الدوافع العقلية، فإن ذرية البشر كانوا سيستمرون إلى اليوم في إفناء بعضهم البعض بلا رادع، لو لم تؤد إحدى الجرائم (قتل الأب) إلى رد فعل انفعالي جامح ومثقل بالنتائج المحملة بالذنب، والتي نتج عنها المثال الأخلاقي (لا تقتل)، تلك الوصية التي كانت تقتصر في ظل الطوطمية على الحيوان البديل عن الأب، ثم اتسع نطاقها فيما بعد لتشمل الغير، والتي لا تزال إلى اليوم عرضة للانتهاك بين حين وآخر.

وعلى ذلك، فإن تراث الأفكار الدينية لا ينطوي على تحقيق لرغبات وحسب، بل أيضاً على تذكيرات تاريخية هامة. وهو يرى أن الدور الأساسي للدين يكمن في تحقيق إشباع للناس، وهو إشباع يعوض قليلاً عن ثقل العبودية التي تأتي بها الحضارة. إذ يقول ” ثمة أصل إلهي منسوب إلى تعليمات الحضارة التي رُفعت إلى مصاف يتجاوز المجتمعات البشرية، وطُبقت على مستوى الطبيعة وتطور الكون. هكذا يتكون كنز من الأفكار، متولد عن الحاجة إلى جعل الضيق البشري محمولاً، ومبني من مادة تقدمها ذكريات هذا الضيق الذي يعيش فيه الإنسان في فترة طفولته الخاصة، كما عاشه البشر في طفولة الجنس البشري “.

وفيما يخص التجاوز الكلي لحالة الاغتراب، يطرح فرويد نظرة أكثر تشاؤماً، فالاغتراب سيبقى من المكونات الجبلية للإنسان، وليست نتيجة ظروف خارجية يمكن تغييرها، لذلك فإن حل مشكلة الإنسان، يقتصر على نطاق محدود لا يتجاوز المفهوم الشخصي، حيث يقول ” إذا كان البرنامج الذي يفرضه علينا مبدأ اللذة والذي قوامه أن نكون سعداء  برنامج غير قابل للتحقيق، فإنه من الممكن لنا مع ذلك ألا ننكص عن أي مجهود يرمي إلى تقريبنا من تحقيقه، ويمكننا وصولاً إلى ذلك أن نسلك  طرقاً عدة شديدة الاختلاف تبعاً للجانب الذي نعطيه الأولوية منه، أهو للجانب الإيجابي أي الفوز بالمتعة، أم للجانب السلبي أي تماشي مع الألم، لكننا نعجز مهما جهدنا عن تحقيق كل ما نتمناه بأي طريق من تلك الطرق، حيث السعادة بهذا المعنى لا يمكن أن تكون إلا نسبية، لذلك فلا وجود هنا لنصيحة تصلح للجميع، بل يتوجب على كل امرئ أن يبحث بنفسه عن الكيفية التي يمكنه بها أن يغدو سعيداً “.

فقد أدرك فرويد إدراكاً واضحاً لا لبس فيه أن الإنسان عبارة عن بسط جدلي للتناقض بين الطبيعة ممثلة بالاندفاعات الفيزيولوجية النفسية، وبين المجتمع ممثلاً بالضغوط النفسية الاجتماعية التي بلغت درجة من التبطّن فتح من خلالها طريقين للتحليل النفسي، طريق إعادة تلاؤم الفرد مع المجتمع المحيط به، وطريق تحرير الطاقات النفسية التي ينبغي لها أن تتيح للأفراد خلق حياة اجتماعية جديدة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق