“باليه برلجوكاج” تخلق مساحة للتفاعل بين الجسد والتاريخ في دير توروني الفرنسي

قد تكون الموسيقى هي اللّغة الّتي يفهمها كلّ أبناء المعمورة، لكن لغة الجسد تتخطى حدود الصوت وحركة اللسان لتجد مساحات أرحب من التفاعل إذ تضيق الهوة بين المؤدي والمشاهد. لعل في ذلك وصف أدق للتعبير عن مناخ ساد مساء السبت الفائت (23 يونيو/ حزيران 2018 ) في دير توروني L’abbaye du Thoronet، في منطقة فار الفرنسية الجنوبية. هناك قدمت فرقة “باليه برلجوكاج” BALLET PRELJOCAJ فقرات من الرقص المعاصر (الكيروغرافي) في الطبيعة والموقع الأثري الّذي يضم كنيسة قديمة وصالات وأروقة شكّلت منصّات جمالية ملائمة لهذا الإبداع.

تأخذك فرقة معهد PAVILLON NOIR، في رحلة نحو الصدى بين الأشكال والضوء والحركة، رحلة فريدة تجمع بين التراث والمعاصرة. إذ تتناغم رقصات الباليه التي قدمتها نخبة رائعة من الشابات والشباب، مع تضاريس المكان الذي هو عبارة عن دير قديم بني بين عامي 1160 و 1230 ، والذي أعيد ترميمه في العام 1841.

أجساد رشيقة

رقصات متعددة تبدأ مع تخطي الجمهور عتبة الدير، حيث الحدائق الغناء بأشجارها الباسقات والأغصان تتمايل مبللة بقطرات مطر سقطت لتوها مع أجساد رشيقة على وقع موسيقى البوب. هنا تكتشف إنجازات مصمم الرقصات الذي يدير الفرقة أنجيلان برلجوكاج، حيث تم تقسيم الوصلات إلى ثنائيات، ثلاثيات، وفرق تابعت رقصاتها المتنوعة من صالة إلى أخرى ومن رواق إلى آخر، كاسرة الحاجز بين المشهد والجمهور الذي لاحق الراقصين فشاهدهم تارة وقوفاً وتارة جلوساً وأخرى متكئاً على الجدران الحجرية القديمة.

عمل فني راقٍ تم تنظيمه بالشراكة مع مسرح دو نورد، فشكل فضاءً جمع بين الإبداع الذهني والإنجاز الواقعي الذي تحقق من خلال أجساد طيّعة تتقن جيداً لغة التعبير التي قد تكون صعبة ومعقدة للمتلقي في أحيان كثيرة.

إيحاءات فلسفية

براعة في التجسيد تتمثل في حركات الأيدي والأرجل برمزياتها الفنية وايحاءاتها الفلسفية، إحتضان، صعود وسقوط، متواصلان من دون ضبط نفس، قوة وضعف، تصاعد في وتيرة استخدام عضلات الجسد يقابلها استرخاء وخفة تشعرك أن كتلة اللحم المتناسقة هذه قادرة على الطيران من دون أجنحة.

مسيرة طويلة

ساعة وربع من المتعة والإثارة والتنوع في الأمكنة والموسيقى وموضوع الرقصات تجعلك تدرك أهمية هؤلاء الفتية الذين يعطون كل ما لديهم ليعيشوا الحالة التي يعبّرون عنها، فيتماهون معها بجلادة لا تُقاوم ونظرات حادة تؤكد جديّة ما يتم تقديمه على يد الكيروغراف  الذي ولد في فرنسا في العام 1957، من أبوين ألبانيين.

لقد درس برلجوكاج الرقص الكلاسيكي قبل أن يتحول إلى الرقص المعاصر مع كارين واهنر. في العام 1980، غادر إلى نيويورك للعمل مع زينة روميت وميرس كوننغهام. ثم واصل دراسته في فرنسا مع الراقصة الأميركية الراحلة فيولا فاربر والكيريوغراف الفرنسي كوانتان رواييه.

انضم إلى دومينيك باجوت حتى إنشاء شركته الخاصة في كانون الأول/ ديسمبر 1984. وقد قام بتصميم كريوغرافيا من 50 قطعة، بين المنفرد والتشكيلات الكبرى.

لا يقتصر عمل الكيروغراف الألباني الأصل على عمل معين فهو يرتبط مع فنانين آخرين في مجالات مختلفة؛ من هؤلاء في الموسيقى (غوران فيجفودا، لوران غارنييه، غرانولار سينتيسيز، وكارلهاينز شتوكهاوزن)، وفي الفنون البصرية (كلود ليفيك، الفنان الهندي سوبود غوبتا، والجزائري المقيم في باريس عادل عبد الصمد)، وفي التصميم (كونستانس غيسي)، وعلى صعيد الموضة (جان بول غولتييه، والمصمم التونسي الأصل الراحل عزالدين علية)، وفي الرسم الكاريكاتوريست الصربي إينكي بلال)، وفي الأدب (باسكال كويغنار، ولوران موفينييه).

أفلام وجوائز

تشكل ابداعات برلجوكاج ذخيرة للعديد من الشركات التي يحصل هو أيضًا على عمولات، منها مثل شركة لاسكالا في ميلانو، وباليه مدينة نيويورك، وباليه الأوبرا الوطنية في باريس.

من الأفلام التي أخرجها برلجوكاج أفلاماً قصيرة مثل “ساعي البريد”، “أفكار سوداء” العام 1991، وفيلم “واصلة والبشارة” (1992-2003). في العام 2009 أخرج فيلم “ثلج أبيض” وفي العام 2011 وقع لشركة “اير فرانس” عقد لفيلم دعائي بعنوان “الرحلة”. حصل على جوائز عديدة منها، “الجائزة الكبرى للفيلم الفني” في العام 2003، “الجائزة الأولى للرقص المرئي” في العام 1992، و”مهرجان براغ للفيديو” في العام 1993، وجوائز أخرى عديدة وقيّمة.

هو مسؤول الفنون والآداب، يحمل وسام فارس جوقة الشرف. تم تعيينه كمسؤول عن وسام الاستحقاق في أيار/ مايو 2006. حصل على جائزة صموئيل سكريبس للباحثين الأميركيين عن جميع أعماله في العام 2014.

تتألف فرقة Preljocaj Ballet اليوم من 24 راقصًا دائماً، والتي تشكيلها منذ تشرين الأول 2006 في “بافيلون نوار” ومقرها مدينة إكس إن بروفانس، وهو مكان مخصص بالكامل للرقص الذي يُعد فيه برلجوكاج المدير الفني.

يمكن القول أن Preljocaj Ballet خلقت مساحة رحبة جعلت حدائق وباحات وقاعات دير توروني القديم تنطق بلغة الجسد المعاصرة ووحي التاريخ، فرسمت على الجدران تعابيرها الجمالية كرسوم وإيماءات من ملحمة أسطورية رائعة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق