طه حسين على مأدبة الشرق والغرب العظيمة / عدي الزعبي

الغرب والشرق معاً

يدعوانك إلى تذوّق الأشياء الطاهرة

اطرح إذن الترّهات، اطرح القشور،

واجلس إلى المأدبة العظيمة:

فما ينبغي لك، حتى لو كنت عابراً،

أن تزدري هذا الطعام

من يعرف نفسه ويعرف الغير،

لا بد أيضاً أن يدرك ما يلي:

الشرق والغرب

لا يمكن أن ينفصلا بعد اليوم

كم أتمنى أن أتأرجح سعيداً

بين هذين العالمين

أن أنتقل بين الشرق والغرب

فعسى أن يأتي ذلك بالخير.

الشاعر الألماني غوته، من الديوان الشرقي للمؤلف الغربي. اقتبسها طه حسين في ختام مقاله «غوته والشرق»، في كتاب من الشاطئ الآخر.

*****

يسعى هذا المقال إلى الإجابة على سؤالين متصلين: الأول، هل نتشارك نحن والأوروبيون في قيم التنوير، أم أن هذه القيم غربية خالصة، لا تصلح لنا؟ والثاني، هل رأى طه حسين قيم التنوير قيماً غربية؟ وبأي معنى؟ وما الذي فهمه نُقاده من آرائه؟

الإجابة على السؤال الأول الأعم ستكون من خلال الإجابة على السؤال الثاني: أي أنني سأستخلص من أعمال طه حسين جواباً لسؤالنا الأول، وسأنقّح وأغربل أفكاره بطريقة دقيقة، طارحاً منها ما أراه عجالات وأخطاء وتناقضات، للوصول إلى الجواب الصحيح، مُدافعاً عنه وشارحاً أفكاره ضد نُقاده المتنوعين، مضيفاً حججاً جديدة للدفاع عن مشروعه التنويري.

اختيار طه حسين يأتي بسبب موقع الرجل وإنجازه في تاريخ الفكر العربي. هذا الموقع سيُتيح لنا أن نلقي نظرة على نُقاد طه حسين الماركسيين والإسلاميين والمابعديين (ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية وما بعد العقل وما بعد التنوير وما بعد اليسار واليمين… إلخ)، لتتكون لدينا فكرة واسعة عن مشروع التنوير العربي ونُقاده. ينقسم الناس حول العميد بين أتباع ومريدين وخصوم وأعداء. سأحاول، على الرغم من هيامي بالعميد وإيماني بقدراته الخارقة، أن أكون موضوعياً في دراسة فكره، دون تحيّز أو تعصب، كما فعل هو نفسه في دراساته الأهم، في الشعر الجاهلي ومع المتنبي وغيرها.

ملاحظات سريعة قبل الدخول في التفاصيل: فيما يلي سنركز على جانب واحد من عمل طه حسين: قيم التنوير التي دعا إليها ودافع عنها طيلة حياته. لن نبحث في جوانب أخرى من عمله. سأستخدم هنا قيم التنوير، قاصداً بها الحسّ النقدي الذي افتتح به العميد كتابه في الشعر الجاهلي، وما يرافقه من تحرير قدرات الفرد البشري ليستطيع التحكم بمصيره، أي التعريف الكنطي المنطقي للتنوير، وما ينبع من هذا التعريف من أهمية نشر التعليم المجاني الذي يسمح بحدوث هذا التنوير، وضرورة ممارسة الديموقراطية والانتخابات، وحرية الرأي، وحرية المعتقد، وغيرها من الحريات الرئيسة. لن أستخدم مصطلحي العلمانية والليبرالية: الأولى لصلتها بفصل الدين عن الدولة بطرق مختلفة، ليست بالضرورة متطابقة مع التنوير؛ والثانية لصلتها بمذهب اقتصادي، ليس بالضرورة متربطاً بالتنوير.

بنية المقال ستكون كالتالي: في القسم الأول سأناقش نُقاد العميد وآراءهم؛ في القسم الثاني سأحلّلُ تناقضات العميد المعقدة في موقفه من كونية قيم التنوير؛ أما في القسم الأخير فسأقدّمُ حجتين لدعم موقف العميد من كونية القيم ضد خصومه.

نقاد طه حسين: قلة المنصفين وكثرة المؤدلَجين
أثار طه حسين عاصفتين من النقد بعد نشره عملين مميزين: في الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر. مقدمة الكتاب الأول أثارت مشاعر الناس، بدعوتها إلى تبني الفكر النقدي الديكارتي، وعدم قبول أي قضية دون تمحيص، ورفض الانحياز إلى مشاعرنا الدينية أو القومية أو غيرها، بل إعلاء صوت الشكّ في كل ما وصلنا من آراء، والحكم بمعيار العقل، والعقل فقط، كما فعل ديكارت حين أنهى الفلسفة القروسطية وافتتح العصور الحديثة. حُوكِمَ الرجل بسبب هذا الكتاب، الذي مُنع من التداول، قبل أن يعدّله العميد، ليحذف منه جملاً أثارت لغطاً لما فيها، كما رأى البعض، من طعن في القرآن الكريم، ويستبدله كتاباً أعمق وأكثر توازاناً سمّاه: في الأدب الجاهلي. الكتاب الثاني، مستقبل الثقافة، يرسم خطة متكاملة للتعليم في مصر، عشية توقيع اتفاقية الاستقلال سنة 1936، وقد أثارت فصوله الأولى لغطاً بدعوتها إلى اتباع الغرب، فكراً وفعلاً، لأن مصر، بحسب العميد، جزءٌ من أوروبا في الواقع.

في هذا القسم سنعرض لنُقاد العميد، وموقفهم من المشروع المزدوج، قبل أن ننتقل في القسم التالي لعرض عمل العميد بطريقة موضوعية.

معظم النُقاد قرأوا العميد من منظارهم الإيديولوجي الخاص: بعضهم رأى فيه حليفاً عقلانياً في معركة التطوير والتقدم، لذا تجاهل دعوته لتغريب مصر؛ في حين ركّز آخرون على دعوته لتغريب مصر، متجاهلين دعوته للتقدم والأخذ بأسباب القوة لتحقيق الاستقلال الكامل الفعلي عن أوروبا. في كلا الحالتين، نجد قراءة مؤدلَجة غير أمينة.

سنصنّف النقاد في أربع فئات: ماركسيون وإسلاميون ومابعديون ومنصفون. في كل حالة سنأخذ نماذج شديدة الأهمية وندرسها. لا نسعى إلى عرض موسوعي لنُقاد العميد: هذا أمرٌ غير ممكن، نظراً للحجم الهائل من المقالات والكتب التي نُشرت عن العميد، ولكننا نسعى إلى تقديم حالات نموذجية إلى درجة كبيرة. سنقتصر على عرض وجهات النظر المتعلقة بكونية قيم التنوير وخصوصيتها، وسنتجاهل غنى وعمق، أو ضحالة، بقية النقاط التي تطرحها أعمال النُقاد.

أولاً، الماركسيون: تعرّضَ العميد لهجمتين ماركسيتين، الأولى عقب ثورة يوليو، على يد محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، في سلسلة مقالات جُمِعت في كتاب في الثقافة المصرية، هاجمَته مع العقاد وتوفيق الحكيم وآخرين، من منطلق أرثوذوكسي ماركسي اقتصادوي ضيق: قراءة أعمالهم بناء على الطبقة التي أتوا منها. الهجمة الثانية أتت بعد أربعة عقود على يد ماركسيين شوام، في كتاب طه حسين: العقلانية، الديمقراطية، الحداثة، استرجعوا العميد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وكانوا أكثر تعاطفاً معه، منتقدين الهجمة الأولى بسخرية مرّة: السخرية منبعها أننا لم نهضم طه حسين، لذا لا نستطيع تجاوزه. كلا الهجمتين، بالطبع، تحلمان بتجاوز طه حسين «الليبرالي».

يعنينا هنا أمران، الأول يتعلق بما قاله العميد في موضوع القيم والمنهج: هل هذا المنهج النقدي غربيٌ أم كوني؟ وهنا تتناقض الهجمتان بشكل كامل؛ والأمر الثاني موقفهم من «تجاوز» القيم النقدية الكونية ومن وحدة العقل الإنساني، وهنا تتفق الهجمتان بشكل كامل.

الهجمة الأولى اكتفت بقراءة الفصول الأولى من مستقبل الثقافة، لتحكم على العميد بالرجعية لأنه قال إن مصر جزءٌ من الغرب وإن القيم العقلانية غربية. الماركسيون يقولون العكس: العقل الإنساني واحد، ورؤية العميد متأثرة بموقفه الليبرالي وتأثره بالغرب: «العقل الإنساني واحد مشترك في خصائصه الجوهرية، وليس ثمة عقل شرقي وعقل غربي… وإنما هي اختلافات تقوم على أساس تغاير الملابسات الاجتماعية وتمايز المستويات وتنوع العمليات الاجتماعية»، كما يقول حسين مروة، اللبناني الذي كتب مقدمة الكتاب، مستعيداً هذا الاقتباس من متن الكتاب، ومحتفياً بصدوره.

الهجمة الثانية اكتفت بقراءة مقدمة الشعر الجاهلي وما يشبهها في كتابات العميد، لتتجاهل بشكل كامل، وغريب جداً، ما قاله هو نفسه في مقدمة مستقبل الثقافة، أو لتؤولَ كلمات العميد شديدة الوضوح الداعية لتغريب مصر بطريقة ملتوية لإنقاذه من نُقاده الإسلاميين (راجع على الأخص، مقالات سعد الله ونوس الذي رأى أن حسين يدعو إلى «وحدة العقل الإنساني» ص 14 -15، وفيصل دراج ص 32 وص 62، ومحمد جمال باروت ص 382-386).

الهجمتان تُخطئان في قراءة فكر العميد. نستطيع فهم الاختلاف بينهما بالإحالة إلى طبيعة وزمن نشر العملين، والدافع الإيديولوجي الكامن خلفهما: الهجمة الأولى أتت في سياق مشروع يساري متسرّع لشبان يريدون دفن الماضي وتجاوزه، دون قراءة متعمّقة لما سيُدفَن، طالما أن المدفون «ليبرالي» يعبّر عن «البرجوازية». الهجمة الثانية حزينة متأسية، تريد استرجاع طه حسين، (راجع مقدمة سعد الله ونوس، ومقالات دراج وباروت ويوسف سلامة وأحمد برقاوي وعبد الرزاق عيد) لمواجهة الإسلاميين، تمهيداً لتجاوزه، ولا وقت لقراءة عميقة ومنصفة للعميد، أو للتفكر بالغضب الإسلامي المحقّ من صياغات طه حسين الضعيفة والمرتبكة والمثيرة للحنق في مستقبل الثقافة وقادة الفكر عن العقل الشرقي والعقل الغربي.

سنعالج الموضوع الثاني المتعلق بتجاوز العميد في القسم الأخير من هذه الورقة.

ثانياً، الإسلاميون: محبطٌ جداً قراءة نقد الإسلاميين للعميد. محبطٌ لأن بعضه سفيه وتافه، وبعضه مُتذاكٍ ومتشاطر.

السمة الأساسية لهذا النقد، إن وضعنا جانباً السفاهة والتفاهة والتذاكي، هي قراءة الإسلاميين الإيديولوجية وغير الأمينة لعمل العميد، أي التركيز على دعوته لتغريب مصر، وتجاهل كل ما قاله عن كونية القيم، ودفاعه عن استقلال مصر، الفكري والعملي، عن الغرب.

القراءة المغرضة والتجريح وغياب أبسط أصول النقد نراها في كتاب مصطفى صادق الرافعي تحت راية القرآن، المعركة بين القديم والجديد، وفيه اتهاماتٌ بالخيانة والكفر، وتحريضٌ للعامة والسلطات على الاقتصاص من العميد.

مؤخراً، قدّم المفكر الإسلامي محمد عمارة قراءة مختلفة، يطالب فيها باستعادة طه حسين إلى صفوف الإسلاميين في المواجهة مع العلمانيين (بالضبط كما فعل ماركسيو الهجمة الثانية على الضفة الأخرى). يرى عمارة أن العميد تأسلم مع تقدمه في العمر، منكراً أعماله الأولى الجاحدة العقيمة.

يقترح عمارة لتفسير أعمال العميد نظرية عجيبة: الرجل تزوج امرأة فرنسية، وعمها قسيس أثّر فيه بعمق (ص 23 -24). لا أعلم مدى قوة الحجة الفكرية التي تدعونا لفهم الفكر الفلسفي من خلال دين الزوجة ومذهبها وطبيعة عمل أعمامها وأخوالها. أقترحُ أن نجرّبَ الطريقة علمياً: ندرس دين زوجة تشومسكي وخليلة سارتر سيمون دوبوفوار، على سبيل المثال، ثم نقارن النتائج مع أفكار الرجلين، لنصل إلى فهم معمّق لرفض تشومسكي لمبدأ سارتر القائل بالوجود قبل الماهية، وطرحه لطبيعة بشرية أصيلة وثابتة. وكذلك لفهم منهج ديكارت وحجته الانطولوجية سندرس دين خليلته غير الشرعية التي أنجب منها طفلة. لا يزوّدنا التاريخ بالكثير عن دينها وعن أعمامها وأخوالها، ولكننا لن ندع مثل هذا التفصيل يحبط مساعينا العلمية. كنط لم يتزوج، وربما لم يقرب النساء، وكذا نيوتن: سنجد صعوبة شديدة في فهم أعمالهما وتفسيرها، وربما علينا أن نعلن عجزنا الكامل عن فهم ما الذي يقوله من لم يقرب النساء. وبالطبع، لفهم عمل برتراند راسل المعقد في المنطق واللغة والميتافيزيقيا والدين، سننظر إلى مغامراته النسائية الكثيرة، وإلى زوجاته الأربع. وهكذا: نضع قائمة فكرية/شخصية: تجريبي – عقلاني- وضعي – ما بعد حداثي – رجعي – قومي – يساري.. إلخ، إلى جانب دين الزوجة، أو العشيقة، أو العشيق، لنصل إلى فهم أعمق لحركة الفكر الإنساني.

دعك من هذا الكلام عن دين الزوجة الذي صدر عن أحد أكثر الكتاب الإسلاميين احتراماً، ولننتقل إلى مشكلة أعمق: يقترح عمارة أن العميد غيّرَ رأيه تدريجياً مع تقدمه في السن، وأصبح يكتب في الإسلاميات (أي الأعمال التي تتناول الإسلام بطريقة قصصية: على هامش السيرة والشيخان وغيرها) بطريقة دعوية تدافع عن الدين في وجه الأعداء الغربيين والمحليين. في هذا العرض مشكلة تاريخية: نشرُ الإسلاميات ترافقَ مع بقية الأعمال، ولم يأتِ في مرحلة متأخرة، كما يتضح من البيبلوغرافيا التي نشرها عمارة نفسه (ص 8 -11): على هامش السيرة الجزء الأول سنة 1933 والثاني 1937 والثالث 1938، في حين ظهر مستقبل الثقافة سنة 1938. أضف إلى ذلك أنه لا يوجد أي تسجيل أو حديث أو دليل على تراجع العميد عن مواقفه التنويرية النقدية بشكل علني واضح. على العكس، في اللقاء التلفزيوني الشهير المتأخر الذي جمع العميد مع مثقفي مصر، يصرّ طه حسين على تمسكه الكامل بمنهجه النقدي الديكارتي بقوة وصراحة، بل يأسف لأن الوقت لم يسعفه لتطبيق هذا المنهج على ثورة القرامطة كما طبّقه على الفتنة الكبرى. فوق كل هذا، تأويل الإسلاميات معقّدٌ وصعب: يقترح البعض أن الإسلاميات قد تكون طريقة ملتوية لطرح فكره التنويري (هذا رأي درّاج وونوس وهادي العلوي وغيرهم)، وهذا تأويل مختلف عن تأويل عمارة. العميد نفسه يطرح تأويلاً بين بين في مقاله «الاتجاهات الدينية في الأدب المصري المعاصر» في كتاب من الشاطئ الآخر، ويقترب في ذلك من تأويل ألبرت حوراني للإسلاميات (حوراني، ص 398-399).

هناك مجموعة أخرى من المغالطات في الكتاب، لا يتسع المجال لذكرها وعرضها للأسف.

ثالثاً، المابعديون: هؤلاء يتفقون مع الإسلاميين في أن الفكر النقدي التنويري غربيٌ مرفوض، بل أكثر من الإسلاميين، هم يعتبرون التنوير أسطورة! (مسعد ص56) ويريدون، كالإسلاميين، العودة إلى فكرنا الشرقي: الفارق الرئيس هو أن الإسلامي صريح وواضح ومتسق مع نفسه، في حين يتلكك المابعديون في الوصول إلى النتيجة المنطقية لعملهم، أي رجعية محافظة شديدة التمسك بالقيم المحلية.

نموذجنا هنا تلميذ إدوارد سعيد الباحث الشهير جوزيف مسعد، وسنرتكز بشكل رئيس على كتابه اشتهاء العرب. اختيار مسعد يختلف قليلاً عن بقية النُقاد: ينبع الاختيار من كونه النقيض الكامل الشامل لمشروع العميد التنويري العقلاني، وليس لأنه ناقش عمل العميد في النقاط التي ندرسها هنا.

يقول مسعد في مقدمة اشتهاء العرب، إنه لا يوجد تخلف أو انحطاط في الفترة العثمانية، بل إن هذه المقولة هي مقولة غربية مغرضة، ناتجة عن تنوير مفترض غربي، يحاول فرض آرائه وعقلانيته ورؤاه وطرقه على الشعوب المُستعمَرة، وقد قبلها أولئك المستعمَرون، من أمثال الأفغاني ومحمد عبده وطه حسين وغيرهم.

آراء مسعد متسقة مع الفكر المابعدي بوضوح: طالما أن كل السرديات متساوية ولا يوجد سردية أفضل من غيرها ولا يوجد تقدم وتخلف ولا حقيقة مستقلة عن المنظومة العارفة، بحسب المابعديين، فالنتيجة المنطقية ألّا يكون تخلف العرب أيام العثمانيين صحيحاً: بالأصل فكرة التخلف والتقدم فكرة غربية دخيلة شريرة غير قابلة للتطبيق خارج النموذج الغربي (أو حتى داخله). المنطقي إذن، بحسب مبادئهم، أن يكون القائلون بالتخلّف العثماني متأثرين بالغرب وبأفكاره التنويرية. إذن، عمل مسعد نموذجي تماماً لفهم المابعديين ونُقاد التنوير.

طه حسين يمثّل النموذج المناقض بشكل كامل للمابعديين: يوجد تخلّف وتقدّم: تخلّفٌ تمثله فترة الانحطاط العثمانية، وتقدّمٌ تمثله أوروبا المتنوّرة والفترة الكلاسيكية اليونانية والفترة العباسية الأولى، والعالم العربي بدأ بالاستيقاظ من سباته بعد حملة نابليون على مصر، ودورنا هو أن ندفع عجلة التقدم عن طريق نشر العقلانية والحسّ النقدي والديموقراطية. (راجع، على سبيل المثال، مقال «فرنسا ومصر» في كتاب من الشاطئ الآخر وكُتيب تقليد وتجديد وغيرها)1.
1. الإيمان بالتقدم لا يعني الإيمان بالداروينية الاجتماعية، على عكس ما يوحي به كتاب مسعد. لا يتسع المجال هنا للبحث في هذه المغالطة الكبرى التي وقع فيها مسعد.

بدايةً، سنفنّد سريعاً الأطروحة الرئيسة في كتاب مسعد، التي تستند عليها بقية أطروحات الكتاب التفصيلية: لا يعطي مسعد أي مثال لكاتب أو نص أو عمل عربي من زمن الحكم العثماني: في كتاب من 600 صفحة، مؤلفه مولع بحشد الاقتباسات الكثيرة جداً في كل صفحة بلا استثناء، يبدو غياب مثال واحد لدعم الأطروحة الرئيسة مثيراً للفزع. قد يتذرّع مسعد بالإشارة لمقال خالد الرويهب، وهو البحث الوحيد الذي يشير إليه مسعد حول الأدب في العصر العثماني: ولكن الإشارة لهذا المقال لا تساعد مسعد كثيراً في أطروحته. يقول الرويهب، بحسب مسعد، إن هناك نقصاً حاداً في الدراسات الأدبية حول الأدب العربي في العصر العثماني؛ وهو أمر قد يكون صحيحاً ودقيقاً، ولكنه مختلف تماماً عن القول بأن العصر العثماني لم يكن عصر انحطاط: عدم وجود دراسات عن عصر معين، لا يعني أن هذا العصر مكافئ لعصور أخرى: هذان أمران مختلفان تماماً. ما لم يفعله مسعد هو تقديم مثال واحد لكاتب من مستوى أبي نواس أو المعري أو نجيب محفوظ أو السيّاب، يجعلنا نقتنع بأن هذا العصر لم يكن عصر انحطاط.

ولفهم مكمن الخطأ في عمل مسعد والمابعديين عموماً، يجب أن نميّزَ بين صحة نظرية س وبين الانتماء الثقافي للقائلين بالنظرية س، وهو ما سنفعله في القسم الأخير من هذا المقال.

في متن الكتاب يركّزُ مسعد على قراءة العميد لشعر أبي نواس، وهذا يقع خارج نطاق موضوعنا. ولكني أحبُّ أن أشير إلى أن في العرض مغالطات كثيرة، واحدة منها تثير الحنق أكثر من غيرها: يصف مسعد العميد بأنه «يشغل منصباً جامعياً رسمياً ويعتبر مقرباً من النظام والاحتلال الإنكليزي، خاصة وأن حسين كان ينتمي لحزب الأحرار الدستوريين، الذي كان منافساً لحزب الوفد، حزب البطل الوطني المصري سعد زغلول، المعادي للبريطانيين» (مسعد ص 109). هذا كلام مغرض وغير دقيق: أولاً، لا يذكر مسعد في كتابه أن العميد غيّرَ مواقفه السياسية واقترب من الوفد، بل أصبح وزيراً بسبب صلته بالوفد! على العموم، لا تجد في الدراسات عن طه حسين من يقول إنه كان مقرباً من النظام والاحتلال الإنكليزي، باستثناء محمد عمارة، وبشكل منطقي لأنه يشترك مع مسعد في تقسيم الدنيا إلى فسطاطين لا يلتقيان: الغرب الشرير والشرق المُستلَب، ولكن عمارة على الأقل يعترف بتحول العميد نحو الوفد. ثانياً، وهو الأهم، الاستنتاج بأن العميد مقرّب من النظام والاحتلال بسبب تقربه من حزب معادٍ لزغلول يبدو ساذجاً جداً: كتابات العميد ومواقفه المعلنة من الاحتلال خير دليل على خطأ الاستنتاج، من جهة؛ من جهة أخرى، للعميد موقف واضح من الوفد وسعد زغلول (في الجزء الثالث من كتاب الأيام، على سبيل المثال): كان العميد يكره المواقف الشعبوية لزغلول، ويرى في سياسات الوفد ضعفاً وتخبطاً، بل ربما يقول المرء: إذا اختلف زغلول والعميد، فيجب أن نشكّ في مواقف زغلول لا في مواقف العميد! أخيراً، تقلّبَ العميد بين أكثر من حزب سياسي في فترات متقاربة، وانخرط في الصراعات السياسية في زمن شديد التقلُّب، وهذا يجعلنا نوقف الحكم في قضية معقدة: ولا أقصد أن انحيازه الطبقي والفكري لم يلعب دوراً في انحيازه السياسي، ولكنني أقصد أن الوضع السياسي في مصر كان أكثر تعقيداً من تبسيطه بسذاجة على طريقة مسعد وعمارة. (من أجل عرض ممتاز وممتع حول الموضوع راجع مقالات هادي العلوي ومحمد عفيفي في كتاب طه حسين: العقلانية، الديمقراطية، الحداثة، والفصل المخصص لطه حسين في كتاب ألبرت حوراني المشار إليه).

رابعاً، المنصفون: هناك قراءات منصفة للعميد، أي قراءات تشتبك معه بجدية، مُحاوِلةً فهم حججه دون وجهة نظر إيديولوجية مسبقة حول انتماءه الفكري. من أهمها مقال سيد قطب «نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر»، ومقالات بهاء طاهر وهادي العلوي في كتاب الهجمة الماركسية الثانية. أيضاً، الفصل المخصص لطه حسين في كتاب ألبرت حوراني الفكر العربي في عصر النهضة.

أول ما يعترض عليه قطب، محقاً برأيي، هو قسمة الدنيا إلى قسمين فقط، غربيٌ يضمّ أمريكا وأوروبا، وشرقيٌ يضمّ الهند والصين. في هكذا قسمة، ستبدو مصر غربية. لو كان الشرق يضم فارس وجزيرة العرب، اللذين يتجاهلهما العميد، لاعتقدنا أن مصر شرقية. أيضاً، لماذا فقط قسمان وعقليتان؟ ولماذا لا يكون لدينا عقليات أكثر من هاتين الاثنتين، مع تنوع أجناس الشرق والغرب وأفكارهم ونظمهم؟ «متى كان لأوروبا عقل واحد؟ وللشرق الأقصى أو الأدنى عقل واحد؟».

الاعتراض الثاني على صلة المسيحية والإسلام بالفلسفة اليونانية. يرى العميد أن الفلسفة اليونانية أثرت في الإسلام وفي المسيحية، وطبعتهما بطابعها، بينما يرى قطب أن المسيحية انطبعت بالطابع اليوناني؛ في حين لم يحصل ذلك في الإسلام، ويعزو ذلك إلى ما يراه الفارق الرئيس بين الإسلام والمسيحية: الأول يعطي «شرائع ونظماً وحدوداً دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية متكاملة، بينما يكاد الإنجيل يخلو من هذا كله». يضيف قطب تمييزاً آخر، هو الطبيعة القاسية التي تجعل المصري يعمل ليل نهار، مقابل الطبيعة السمحة لأوروبا، مما يعني أن العقليتين مختلفتان بين الشعبين. لا أجد هذين الاعتراضين مقنعين.

الاعتراض الثالث هو على حجّة العميد القائلة: طالما أن مصر أخذت بالحضارة الحديثة منذ جلاء الأتراك، فهي غربية. وحجة قطب المعاكسة قوية جلية: الأتراك واليابانيون أخذوا بهذه الحضارة، فهل هم غربيون أيضاً؟

الاعتراض الرابع، هو على سخرية طه حسين من القائلين بمادية الغرب وبروحانية الشرق. للأسف، يقرّ قطب بأن الغرب مادي والشرق روحاني، وهو ما يناقض اعتراضه الأول عن تعدد العقليات شرقاً وغرباً!

يتسم عرض قطب باحترام شديد وأصيل لطه حسين، وبمحاولة جادة لفهم الحجج الفكرية التي عرضها، والاعتراض عليها بطريقة عقلانية. بل أكثر من ذلك، يتفق مع العميد في ضرورة إصلاح النظام التعليمي، وبأهمية مطالب العميد التفصيلية، وهو الهدف الرئيس للكتاب.

المقال الثاني المنصف هو للأديب المصري اليساري بهاء طاهر، «صورة الغرب في أدب طه حسين». يبدأ طاهر بعرض تحفظات طه حسين نفسه على دعوته لتغريب مصر، قائلاً إننا لا نريد الفناء في أوروبا، ونريد أن نحفظ استقلالنا من عدوانها وطغيانها، ونريد أن نأخذ بأسباب القوة لنكون أنداداً. من هنا، يلاحظ طاهر أن العميد كان مهتماً بأسباب القوة المادية، كالجيش الذي سيحمي الاستقلال. ولكنه، وهو يعرف تاريخ مصر، يدرك جيداً أن محاولة بناء جيش قوي كما فعل محمد علي لا تكفي دون الأخذ بأسباب القوة الأخرى، أي التعليم. بعد ذلك، يعرض طاهر للخصال الأساسية في اليونان القديمة التي يُعلي من شأنها العميد: الوعي القومي والحرية الفردية والديموقراطية السياسية. وهي الخصال التي أحيتها أوروبا الحديثة في عصر النهضة. ثم يشرح طاهر أن العميد كان واعياً لمثالب الحضارتين الإغريقية والأوروبية المعاصرة، مع أمثلة مقنعة.

يخلص طاهر، بعد نقاش ممتع عن صورة الغرب ومثالبه في فكر العميد، إلى النتيجة التالية: «قد لا يكون ما يريده مستقبل الثقافة… هو أن تصبح مصر قطعة من أوروبا… بل الواقع هو أن اليونان التي شخّصها طه حسين، وصورتها الأوروبية الجديدة، ليسا في نهاية الأمر غير «يوتوبيا» من خلق العميد…».

في مقاله «طه حسين والتعصب الديني»، يطرح هادي العلوي وجهة نظر قريبة لتفسير تناقضات العميد. التناقض سببه أن العميد لم يملك «من الوعي السياسي ما يمكنه من إدراك هذا الفرق بين الإيديولوجيا والثقافة في الموقف من أوروبا»، أي بين الدعوة لتغريب مصر، وبين الدعوة لتطبيق المنهج النقدي الغربي على مجالات الفكر والثقافة.

تتقاطع رؤية طاهر والعلوي مع رؤية ألبرت حوراني، الذي يرى أن العميد، ومعظم الكتاب والسياسيين في بداية القرن العشرين على اختلاف توجهاتهم، سلّموا بتفوق أوروبا، ولكنهم، في الوقت نفسه، تطلعوا إلى الاستقلال عنها: في هذا، برأيي، تفسير لتناقضات العميد العميقة.

التفسيرات الثلاث متقاربة، وتقدّم تفسيراً مقنعاً للتناقض الجلي في عمل طه حسين، هذا التناقض الذي سندرسه بالتفصيل في القسم التالي.

طه حسين يناقض طه حسين
يتناقض العميد مع نفسه، بعمق وبكثرة، في قضية كونية القيم وخصوصيتها. من جهة، لدينا دعوته الصريحة المباشرة إلى أن نكون غربيين، فكراً وعملاً. ومن جهة أخرى، لدينا رفضه القول بوجود جوهر ما للعرب، أو للرومان، أو لغيرهم، مع دعوته للاستفادة من منجزات الحضارة الغربية كي نحافظ على استقلالنا، ودعوته لتجديد علاقتنا بالتراث، مع هجوم حاد على كل من يريد التخلي عنه، أو التمسك به كما هو: خلف كل هذا، يكمن إيمان عميق بوحدة العقل البشري.

سنبحث في هذين المظهرين المتناقضين، لنخلص في النهاية إلى أن الموقف الثاني هو الذي يعبّر عن فكره، لترابطه الوثيق مع تفاصيل وإنجازات أعماله الرئيسة: حديث الأربعاء، فلسفة ابن خلدون، في الشعر الجاهلي / في الأدب الجاهلي، تجديد ذكرى ابي العلاء، مع المتنبي، الفتنة الكبرى، وغيرها. في حين لا يعبر الموقف الأول عن أي مبدأ فعّال يقود أعماله، بل حتى عندما يرد في مستقبل الثقافة، نراه مقطوع الصلة عن متن الكتاب الإصلاحي.

بعض ما سيرد أدناه قد ورد في مقالات بهاء طاهر وسيد قطب وهادي العلوي، بصياغات مختلفة، غير واضحة أحياناً وغير مُرضية تماماً، ولكن وجب التنويه إلى أسبقيتهم.

أولاً، العميد متغرّباً

هذا الجانب من عمل العميد يجعله يظهر كأنه يدعو إلى تغريب المجتمع بصراحة، مستخدماً لغةً مستفزة وصادمة، داعياً إلى أن نكون غربيين، في التفكير وفي النظم السياسية وفي الحياة المادية، موضحاً أن هناك عقلين مختلفين تماماً عن بعضهما، منذ بداية التاريخ إلى اليوم: العقل الغربي التحرري العلمي، والعقل الشرقي المستبد الأسطوري الروحاني.

تظهر هذه الدعوة بشكلها السافر في كتابين: قادة الفكر ومستقبل الثقافة في مصر.

في مستقبل الثقافة، يسأل العميد، «أمصر من الشرق أم من الغرب؟ وأنا لا أريد بالطبع الشرق الجغرافي والغرب الجغرافي، وإنما أريد الشرق الثقافي والغرب الثقافي، فقد يظهر أن في الأرض نوعين من الثقافة يختلفان أشد الاختلاف، ويتصل بينهما صراع بغيض، ولا يلقى كلٌّ منهما صاحبه إلا محاربًا أو متهيئًا للحرب. أحد هذين النوعين هذا الذي نجده في أوروبا منذ العصور القديمة، والآخر هذا الذي نجده في أقصى الشرق منذ العصور القديمة أيضًا…». يفترض العميد أن علينا اللحاق بالغرب عن طريق تبني العقل الغربي والتخلي عن الشرقي، إذ علينا «أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحَب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يعاب».

التضاد الكامل بين العقل الشرقي والعقل الغربي نراه بشكل أعمق في كتاب قادة الفكر. هذا الكتاب يقدّم قراءة سريعة لمجموعة من الشخصيات التي أثّرت في الفكر العالمي؛ والقراءات التي يقدمها العميد ساحرة بدقتها وعمقها وموسوعيتها، مثل عرضه لشخصية سقراط وفكره وزمنه. الفكرة الرئيسة في الكتاب هي عرض «لتاريخ الفكر الإنساني»، تتمحور بأكملها حول قيادة الغرب لهذا التاريخ، فكل القادة غربيون، يقتبسون باستمرار من روح الفلسفة الإغريقية الصالحة لكل زمان ومكان. يقول العميد: «ونحب أن نلاحظ أن العقل الإنساني ظهر في العصر القديم مظهرين مختلفين: أحدهما يوناني خالص، هو الذي انتصر، وهو الذي يسيطر على الحياة الإنسانية إلى اليوم. والآخر شرقي انهزم مرات أمام المظهر اليوناني، وهو الآن يلقي السلاح ويسلم للمظهر اليوناني تسليمًا…» ثم يضيف: «أنه لم يكن للشرق في تكوين الفلسفة اليونانية والعقل اليوناني والسياسة اليونانية تأثير يذكر، إنما كان تأثير الشرق في اليونان تأثيرًا عمليٍّا ماديٍّا ليس غير، فقد أخذ اليونان عن الشرقيين أشياء كثيرة ولكنها عملية مادية وليست نظرية فكرية»؛ فهذه دمغة أصيلة للإغريق العباقرة وحدهم.

وفي خاتمة الكتاب، يشرح لنا أن إمبراطورية روما تمثّل الطغيان الشرقي وليس الغرب التحرري: «كان الغرب منتصرًا من الوجهة العسكرية، ولكن الشرق كان ينتصر من الوجهة العقلية والشعورية. أتظن أن من المصادفة المطلقة أن تنشأ الإمبراطورية في روما ويثبت سلطانها في نفس الوقت الذي يظهر فيه الدين المسيحي في الشرق وتبدأ الدعوة إليه؟! وهل كان النظام الإمبراطوري في الغرب إلا نحوًا من نظام المُلك الشرقي؟!».

قبل الدخول في وجهة النظر الثانية القائلة بوحدة العقل الإنساني، سنسجّل تناقضات في وجهة نظر القائلة بوجود عقلين مستقلين: أولاً حول موقع مصر، وثانياً حول طبيعة العقلين الشرقي والغربي. في مستقبل الثقافة يجزم العميد بأن مصر غربية، وليست شرقية، استناداً لتاريخها الطويل في البحر المتوسط. في المقابل، في قادة الفكر، يبدو جلياً أن ما يقصده بالشرق يشمل فارس ومصر وبلاد ما بين النهرين، كما يتضح من الاقتباس السابق حول غياب دور مصري أو شرقي في صنع الفلسفة الإغريقية الغربية، وحول استبداد الإمبراطوريات الفارسية والرومانية بسبب العقلية الشرقية التي حكمتها. ثانياً، ملاحظات العميد في مستقبل الثقافة توحي بأن العقل الشرقي روحاني، في إشارة إلى الهند والصين؛ في حين أن العقل الشرقي مستبد وغير علمي في قادة الفكر، في إشارة إلى فارس والشام والرافدين ومصر: وهذان أمران مختلفان، وإن لم يكونا متناقضين بالضرورة. تغيب الإشارة إلى الاستبداد في مستقبل الثقافة ويختفي الكلام عن الروحانية في قادة الفكر: من الصعب أن نعرف ما هو جوهر العقل الشرقي بالضبط في كتابات العميد.

لا يبدو أن العميد رتّب أفكاره بدقة في موضوع العقلين وطبيعتهما ومجالهما الجغرافي.

على أي حال، سننتقل الآن إلى وجهة النظر الثانية القائلة بوحدة العقل الإنساني.

ثانياً، العميد والقيم الكونية

في معظم كتاباته، يرى العميد أن العقل الإنساني واحد، ليس شرقياً ولا غربياً، وأن المنهج النقدي الديكارتي والتنوير العقلاني يصلحان لكل الشعوب، لأن الإنسان هو الإنسان في كل مكان وزمان، وما الاختلافات التي نراها إلا نتيجة للظروف المختلفة التي خضعت لها المجتمعات. على سبيل المثال، في عرضه لفكر أرسطو، يعلّق العميد على قوانين المنطق: «وهذه القوانين ثابتة لا تتغير، ملائمة للإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث إنه شرقي أو غربي، ولا من حيث إنه قديم أو حديث». ويشرح في حديث الأربعاء قانونَيّ ابن خلدون: «الناس جميعًا متشابهون مهما تختلف أزمنتهم وأمكنتهم، و … مختلفون مهما تشتد بينهم وجوه الشبه». كما نجده أيضاً يقول في كتابه في الأدب الجاهلي: «أما نحن فلا نزعم أن القدماء كانوا شرًّا من المحدثين، ولكننا لا نزعم أيضًا أنهم كانوا خيرًا منهم، وإنما أولئك وهؤلاء سواء، لا تُفرق بينهم إلا ظروف الحياة التي تصور طبائعهم صورًا ملائمة لها دون أن تتغير هذه الطبائع…».

ويستخدم العميد حججاً مختلفة لشرح موقفه القائل بوحدة العقل البشري، هنا أهمها:

الحجة الأولى، لا يوجد عقل شرقي وعقل غربي: كل من الغرب والشرق فيهما فكر متعدد متنوّع. في الفصل المخصص لنقاش مادية الغرب وروحانية الشرق في مستقبل الثقافة، يصرّ على أنه لا يوجد غرب مادي، من جهة، بل هناك روحانية عميقة إلى جانب التطور المادي، ولا يوجد شرق روحاني من جهة أخرى، إذ أن الأمم الشرقية أخذت بأسباب الحضارة المادية من جهة أخرى. مما يجعل كل فكرة العقلين المختلفين تماماً فارغة كلياً!

الحجة الثانية، العميد يرى في الحضارة الإسلامية نتاج اختلاط وامتزاج حضارات متعددة، عربية وفارسية وهندية وبيزنطية، مما يجعل فكرة عقل شرقي وعقل غربي غير واضحة المعالم (راجع الفصول السبعة الأول من الجزء الثاني من كتاب حديث الأربعاء، والفصول الخمسة الأولى من تقليد وتجديد). بل أكثر من ذلك، بالمعنى العرقي، لا يوجد عرق عربي صاف منذ خروج العرب من الجزيرة، (راجع المقالة الأولى في تجديد ذكرى أبي العلاء، والفصل الثالث من الجزء الأول من كتاب مع المتنبي).

الحجة الثالثة، يعقد العميد دوماً مقارنات بين حضارات مختلفة في ظروف مشابهة، ليبين النتائج المتشابهة، أي وحدة العقل الإنساني تحت ظروف متشابهة: أشهر هذه المقارنات تأتي في قصية انتحال الشعر التي يجدها العميد في حضارات ثلاث: الإغريقية والرومانية والعربية، لأسباب متقاربة؛ وفي انتشار المجون في حضارات مختلفة لأسباب متقاربة (الفصل العاشر من الجزء الثالث من كتاب حديث الأربعاء).

في واحدة من هذه المقارنات المثيرة، يرى العميد أن المسيحية والإسلام اضطهدتا الفلسفة، بل إن الدين الوثني أيام اليونان اضطهد سقراط أيضاً: يخلص العميد من هذه المقارنة إلى أن الظروف المتشابهة، أي تدخل السياسة والدين في الحياة العقلية، سيؤدي إلى اضطهاد الفكر الحر. (راجع مقال «بين العلم والدين»، وفصل «بين عصرين» من كتاب قادة الفكر).

الحجة الرابعة، يشير العميد إلى وجود حسّ نقدي عالٍ في التراث العربي، حسّ يرفض التسليم بالموروث دون نقده والشك به، كما في حالة النقاد العرب القدامى التي يستند عليها للشك في صحة الشعر الجاهلي، وكما في تقييمه للحسّ النقدي العالي عند ابن خلدون والمعرّي وأبي نواس وغيرهم. أي أن هذا الحسّ النقدي ليس ابتداعاً غربياً.

ثالثاً، تطبيقات المنهج النقدي

لم يكن العميد تلميذاً للغربيين في علاقته بمناهجهم، ولا في تطبيقات المناهج. على العكس، كان ذا شخصية مستقلة إلى درجة كبيرة، يفكر بأدواته المنهجية وبصلاحيتها وباستخداماتها تبعاً لموضوعه ولأهدافه.

المنهج النقدي الذي دعا إليه العميد يطالب بإعمال الشكّ فيما يقرأ، وألا يقبل إلا ما يستطيع البرهنة عليه. في مقاله الممتاز «ديكارت وطه حسين، مشكلة المنهج» (إن تجاوزنا الكثير من الرطانة الماركسية)، يفصل يوسف سلامة بين المنهج الديكارتي بالمعنى الإبستمولوجي، وبين المنهج النقدي الأعم الذي يدعو إليه طه حسين: أي أن منهج طه حسين ليس «ديكارتياً» إلّا بمعنى كونه يشكّ ويُعمل العقل، دون الالتزام بالمنهج الديكارتي بتفاصيله. هذه ملاحظة هامة لفهم عمل العميد وعلاقته بديكارت.

لاحظ أن العميد يعرض لمناهج مختلفة في كتبه المختلفة، وفي أهمها، أي في الأدب الجاهلي، ينتقد مناهج الغربيين في دراسة الأدب، ثم يجمع بينها في وحدة خاصة، أو مدرسة خاصة، مختلفة عن كل من المدارس المعروضة، ولا يتسع المقام لعرضها هنا2.
2. في الواقع، المنهج الذي يعرضه العميد يختلف من كتاب لآخر، وهذا يحتاج إلى بحث منفصل.

الأمر الثاني الذي يعنينا هنا هو تطبيقات المنهج. كان العميد ينتقد، أو يتفق، مع المستشرقين، ومع معاصريه من النقاد العرب، ومع النقاد العرب القدامى، بحسب تقييمه لحجتهم الفكرية (راجع انتقاداته للمستشرقين في فصل «الدين وانتحال الشعر» من كتاب في الأدب الجاهلي، وانتقاده ماسينيون في «مع أبي العلاء في سجنه» وغيرها).

في المناهج وفي تطبيقها، حسُّ العميد النقدي العالي غير محدود. من الغريب اتهام العميد بالتبعية للغرب، وهو الذي لا يتبع أحداً، إلا عقله الشكاك الحاد.

رابعاً، لماذا نحتاج إلى المنهج النقدي؟

لأننا نريد أن نتقدم ونلتحق بالأمم المتحضرة، ولأننا نريد حياة أفضل لنا ولأبنائنا، ولأننا نريد فهم أنفسنا وتراثنا وموقعنا في العالم. يضع العميد الإجابة بوضوح في مستقبل الثقافة:

«ونحن نريد آخر الأمر أن نكون أحرارًا في بلادنا، أحرارًا بالقياس إلى الأجنبي بحيث لا يستطيع أن يظلمنا أو يبغي علينا، وأحرارًا بالقياس إلى أنفسنا بحيث لا يستطيع بعضنا أن يظلم بعضًا أو يبغي على بعض. نريد الحرية الداخلية وقوامها النظام الديمقراطي، ونريد الحرية الخارجية وقوامها الاستقلال الصحيح والقوة التي تحوط هذا الاستقلال».

لذا يستخدم العميد منهجه في موضوعات مختلفة، محاولاً فهم التاريخ والحاضر بعقلانية موضوعية. والموضوعات التي ركّز عليها العميد متنوعة متعددة، ولكن همّه الأول والأخير هو الأدب، وبالأخص الأدب القديم: أعماله الكبرى تتضمن حديث الأربعاء عن الشعر العربي القديم وفي الشعر الجاهلي وتجديد ذكرى أبي العلاء، الذي تبعه كتابان أيضاً عن المعري ومع المتنبي وغيرها؛ بالإضافة إلى قراءات متعددة في الأدب الحديث؛ وفي التاريخ قدّمَ فلسفة ابن خلدون والفتنة الكبرى. في كل هذه الأعمال، منهج العميد منهج نقدي عقلاني، لا يساوم على الحقيقة ولا يخشى في الحق لومة لائم.

يريد العميد من دراساته في الأدب القديم وفي التاريخ الحفاظ على التراث وصونه وفهمه وتجديده والاستفادة منه. في مقدمة حديث الأربعاء، يشرح لنا:

«المعنى الصحيح لكلمة التجديد؛ فليس التجديد في إماتة القديم، وإنَّما التجديد في إحياء القديم، وأخذ ما يصلح منه للبقاء… وأكاد أتخذ الميل إلى إماتة القديم أو إحيائه في الأدب مِقْياسًا للذين انتفعوا بالحضارة الحديثة أو لم ينتفعوا بها، فالذين تُلهيهم مَظَاهِرُ هذه الحضارة عن أَنْفُسهم حين تُلهيهم عن أَدَبِهم القديم، لم يَذُوقوا الحضارة الحديثة ولم ينتفعوا بها، ولم يفهموها على وجهها، وإنما اتخذوا منها صورًا وأشكالًا، وقلَّدوا أصحابها تقليد القردة لا أكثر ولا أقل».

وللعميد صولات وجولات في قضية القديم والجديد والتقليد والتجديد، نراها على الأخص في الجزء الثالث من حديث الأربعاء، وفي كتيب صغير متأخر يحمل عنوان تقليد وتجديد. ونراها، عموماً، في مجمل عمل العميد الذي يختص بدراسة الأدب العربي القديم. يرى العميد أن حركة التجديد هذه ابتدأت مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، لتتسع لاحقاً فتشمل معظم مجالات الحياة، من الفكر الديني إلى الأدب والسياسة والأخلاق والصناعة وغيرها. (راجع تقليد وتجديد، ومقال «الاتجاهات الدينية في الأدب المصري المعاصر» في كتاب من الشاطئ الآخر.) كما يرى الصراعَ بينهما طبيعياً في المجتمع الحي: في تجديدات أبي تمام، وأبي نواس، وفي أشعار شوقي وحافظ إبراهيم، وفي صراعات فكرية فرنسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفي غيرها: وحده المجتمع الميت، أو المتخلف، لا يحوي صراع حول الجديد والقديم: الحياة هي حركة تجديد من داخل القديم مستمرة دوماً، دون انقطاع.

خامساً، التناقض وأسبابه

إذن، يبدو أن العميد يناقض نفسه، بين دعوته لتغريب مصر، وبين دعوته للأخذ بأسباب القوة، أي الفكر العقلاني النقدي، الذي لا ينتمي لشرق أو غرب، بل هو كوني مشترك بين كل الناس. الغريب جداً في هذا التناقض، أنه يأتي من أستاذ الوضوح والدقة في الأدب العربي3: الأسلوب الناصع الجلي المهيب القريب من القلب والعقل الذي ميّز العميد في كل ما كتب، وإشراق الحجج الساحر وسهولتها وبساطتها التي تميز أعماله، تختفي كلها ليسقط في تناقض كامل حين يتعلق الأمر بكونية القيم والمنهج!
3. راجع مقالي «من وصايا العميد: فضيلة الوضوح»، من أجل عرض أوسع لأهمية الوضوح في عمل العميد.

أسباب هذا التناقض متعددة، منها ما ذكره بهاء طاهر وهادي العلوي وألبرت حوراني أعلاه. هنا أريد أن أضيف سببين آخرين يفسران تناقضات العميد.

الأول، هو استخدام الفكر والحجج الفكرية لأهداف سياسية أيديولوجية. أي أن العميد في معركته السياسية لفصل مصر عن العثمانيين ومواجهة دعاة الخلافة وأسلمة الدولة، يذهب بعيداً في صياغة حججه، مناقضاً نفسه، وطارحاً آراء غير دقيقة وغير متماسكة، كما رأينا فيما قاله عن العقلين الشرقي والغربي. (راجع مقالات العلوي وعفيفي وألبرت حوراني المشار إليها أعلاه حول السياسة والعميد).

وربما، كانت تحولاتُ السياسة المصرية، أي اقتراب العميد من الوفد لأسباب متعددة تدريجياً، ثم تغيّر الظروف مع ثورة يوليو، تفسيراً لغياب مثل هذه الأفكار عن أعماله المتأخرة: أي أن السبب السياسي المباشر الذي جعل العميد يصوغ نظريات تغريب مصر انتفى مع تقلبات السياسة.

السبب الثاني هو اندفاع العميد في شبابه، وغروره، ومحبته للجدل العنيف. لم يكن العميد فريداً في هذه الخصال، بل كان المشهد السياسي والفكري والصحفي المصري بأكمله غنياً ومتشعباً ومعقداً، وعنيفاً في خصومته. وردود العميد نفسه تحمل قدراً من السخرية والهزء من خصومه، يتجاوز المقبول أحياناً (راجع مقال «بين الجد والهزل» في كتاب من بعيد، على سبيل المثال). العميد نفسه هو من يخبرنا بخصاله تلك، نادماً على تسرعه بعض الأحيان في الخصومة. (راجع الفصلين الخامس والسادس من الجزء الأول من كتاب حديث الأربعاء، والفصل الثالث من الجزء الثالث من كتاب الأيام) ولكنه، على أية حال، لم يراجع دعوته لتغريب مصر علناً، على ما أعرف، في أي من كتاباته اللاحقة.

قبل أن ننتقل إلى القسم الأخير، سنعود سريعاً إلى نُقاد العميد.

يبدو لي أن معظمهم يرتكب الخطيئة نفسها التي ارتكبها العميد: أي تقديم قراءة غير دقيقة خدمة لأهداف إيديولوجية: ماركسيو الهجمة الأولى والإسلاميون في تجاهلهم لتشعب وتعقد عمل العميد وإيمانه بوحدة العقل البشري وتركيزهم فقط على دعوة التغريب، وماركسيو الهجمة الثانية في تجاهلهم الكامل لدعوة التغريب ولقسمة العقل الإنساني إلى قسمين غربي وشرقي. في الحالتين، عدم دقة غير مقبول، والسبب هو القراءة الإيديولوجية المنحازة سلفاً لمشروع سياسي.

حجج جديدة لدعم المشروع التنويري
في هذا القسم الأخير سأقترح أن نتبنى إجابة العميد الثانية: أي الدعوة لمنهج نقدي تنويري منفتح، كوني عابر للأعراق والثقافات، وأن نطرح جانباً كل عمل العميد الداعي إلى التغريب وإلى وجود عقلين شرقي وغربي، لأنه ناتج عن تسرع وقلة وعي سياسي وأدلجة غير مقبولة، بالإضافة، بالطبع، لتناقضه المشين الواضح.

وللدفاع عن قيم التنوير، سأقترح حجتين جديدتين: الأولى التمييز بين معنيين لقولنا بأن القيم غربية، والثاني حجة «سلبية» في مواجهة نقاد العميد، أي البرهنة على فراغ وخواء النقد الموجّه للعميد بسبب خلوه من أي مشروع إيجابي4.
4. هذا المقال هو الرابع في سلسلة مقالات تتناول موضوعات مترابطة عن النسبوية والتنوير، راجع «تشومسكي قارئاً راسل» و«أخلاق مشتركة لعالم متناثر» و«غريزة الحرية». في المقال الثاني أعرض لتهافت النسبوية الأخلاقي، دون التعرض عملياً لتهافتها الفكري. في المقالين الأول والثالث أعرض لبعض جوانب تهافتها الفكري. الحجج المعروضة في المقال الحالي مختلفة عن المقالات السابقة.

الحجة الأولى بسيطة، وتقتضي التمييز بين معنيين في نسبة القيم والأفكار لثقافة ما: عندما نقول هذه القيم غربية، قد نعني أنها نشأت في الغرب، وقد نعني إنها تنتمي بمعنى أعمق للغرب: هي غربية لا تصلح إلا للغربيين. اقتراحي أن الخلط بين هذين المعنيين هو أحد جذور رفض التنوير والمنهج النقدي، وهو خلط غير صحي يجب التخلص منه5.
5. راجع مقال صادق جلال العظم الممتاز «دفاعاً عن التقدم والفلسفة». الحجة الأولى المعروضة هنا تتقاطع بشكل كبير مع حجج العظم.

لنفرض أن قيم الديموقراطية والفردانية والمساواة وحرية الرأي وغيرها نشأت في الغرب. فهي، بالمعنى الأول، غربية. هل يعني هذا أنها غير صالحة إلا في المكان الذي نشأت فيه؟ القفزة من المعنى الأول إلى المعنى الثاني غير منطقية، وبحاجة إلى تبرير، لا أعتقد أنه موجود، أو حتى ممكن.

لنفكر بأمثلة أخرى: هل الدورة الدموية غربية لأنها اكتُشفت في الغرب؟ هل دوران الأرض حول الشمس غربي لأنه اكتُشف في الغرب؟ هل فن الرواية والسينما غربيان لأنهما نشأا في الغرب؟ هل مفهوم الصفر هندي لأنه نشأ في الهند؟ هل كل هذه الأمور لا تصلح إلا في المكان الذي نشأت فيه؟ معظم الناس، إن لم يكن جميعهم، سيجدون مثل هذا الاقتراح سخيفاً جداً.

ولكن حين يتعلق الأمر بالقيم والمنهج، يُخيّل للبعض أن ما نشأ في الغرب لا يصلح إلا للغرب. وهنا يجري الخلط: فلنضع حجتهم هذه إذن بشكل أوضح: س نشأ في الغرب، إذن س لا يصلح للعرب أو للمسلمين.

أقترحُ أن هذه الحجة غير صالحة وغير مقنعة: السؤال عن مكان نشوء س تافه وثانوي وهامشي، ولا صلة له على الإطلاق بالسؤال الثاني: هل يصلح س للشرق أو للعرب أو للمسلمين؟

السؤال الحقيقي هو الثاني: هل يصلح التنوير والمنهج النقدي لنا؟ هل ننتفع به؟ بغض النظر عن نشوئه في الغرب أو الهند أو على القمر أو المريخ أو في بلاد يأجوج ومأجوج.

جواب العميد الواضح، والغني، هو أن المنهج النقدي التنويري هو السبيل لتحريرنا من الاستعمار الخارجي ومن التخلف الداخلي. والجواب يغتني، ويبرهن على قوته وأهميته وصحته، بأعمال العميد النقدية الباهرة في الشعر والتاريخ، أي بإنجازاته في التطبيق: هذا هو المعيار للحكم على نجاح المنهج، ولعمري إنجازات العميد تعني أن المنهج النقدي هو السبيل الصالح لنا.

لنعد إلى المثال الذي طرحناه في القسم الأول في نقاشنا للمابعديين: رفض فكرة انحطاط العرب أيام العثمانيين يجب أن يترافق مع أمثلة توضح حجم العمل الفكري العميق في العالم العربي أيام العثمانيين، ومقارنته بدقة مع الفترة العباسية أو عصر النهضة العربي، لدحض نظرية الانحطاط العثماني: هكذا يستطيع الباحث نقض النظرية ورفضها؛ ولكن لم يقدّم أحدٌ لنا هذه الأمثلة، لأن فترة العثمانيين كانت، ببساطة، فترة انحطاط. ما يقوم به مسعد والمابعديون، في الحقيقة، هو رفض فكرة انحطاط العرب أيام العثمانيين، لأن المفكرين الغربيين التنويريين قالوا بها، وليس لأن الفكرة ذاتها خاطئة أو صحيحة. هذا نموذج مثالي للخطأ الذي تحدثنا عنه هنا، والذي يميز المابعديين، ومعظم الإسلاميين والقوميين المتطرفين: رفض فكرةٍ ما لأن القائل بها غربي فقط، دون الخوض في جوهر السؤال: هل الفكرة نفسها صحيحة أم خاطئة!

دعونا ننتقل إلى الحجة الثانية: الحجة «السلبية»، وأقصد هنا بالسلبية أنها تشير إلى تهافت النُقاد وسلبيتهم: ما الذي يقترحه نُقاد العميد كبديل للتنوير؟ لا شيء عملياً، وإن يكن بطرق مختلفة:

أولاً، الماركسيون: يتفق الماركسيون على ضرورة تجاوز العميد، لأن الماركسيين مولعون بتجاوز كل ما هو برجوازي، والعميد برجوازي، لذا فكره يعبر عن طبقته، وكماركسيين طيبين عليهم تجاوزه. (راجع كتاب في الثقافة المصرية، مقدمة حسين مروة ومقالات محمود العالم وعبد العظيم أنيس، بالإضافة إلى مقالات سعد الله ونوس وفيصل دراج وعبد الرزاق عيد وأحمد برقاوي ويوسف سلامة ومحمد جمال باروت في كتاب طه حسين، العقلانية، الديمقراطية، الحداثة). المشكلة هنا هي التالية: لا يخبرنا أحد، لا في الهجمة الأولى ولا في الثانية، ما الذي يجب تجاوزه بالضبط: أعني أن تجاوز طه حسين فكرةٌ كبيرة والله: هل نتجاوز نقده للمتنبي؟ فهمه للمعري؟ منهجه النقدي الأدبي؟ قراءاته لموقع أبي نواس ودوره في تاريخ الشعر العربي؟ تحليله للفتنة الكبرى؟ مقدمة في الشعر الجاهلي؟ تحليله للشعر العذري؟ دعوته لتعليم اليونانية واللاتينية في الجامعات؟… إلخ.

المشكلة الثانية هي قول الماركسيين، في الهجمتين، إن العقل الإنساني واحد، وتأكيدهم، في الوقت نفسه، أنه لا يوجد أي أفكار تصلح لكل زمان ومكان، طالما أن الأفكار نتاج الطبقة: هذان أمران متناقضان، وعلى الماركسي أن يحسم أمره بينهما. في بعض المقالات، هناك الكثير من الرطانة الماركسية عن حركة التاريخ والديالكتيك، والتي لم أفهم منها شيئاً، رغم محاولاتي المتكررة، ولم أجد فيها طريقاً للخروج من المشكلتين.

اقتراحي البسيط للخروج من المشكلتين هو التالي: يوجد أفكار صالحة لكل زمان ومكان، ويوجد حقائق ثابتة، مثل الدورة الدموية ودوران الأرض حول الشمس وتحريم اغتصاب الأطفال وبعض حقائق المنطق والرياضيات وغيرها. أي أنني لا أتفق مع الماركسيين في أن الفكر تعبير عن الطبقة التي ينتمي إليها المرء، بالضرورة. من هذه الأفكار التي تصلح لكل زمان ومكان العقلانية النقدية التي نجدها في مقدمة كتاب في الشعر الجاهلي. هذه العقلانية لا تعبّر عن طبقة ديكارت، ولا عن طبقة طه حسين، بل عن فكر إنساني يمتد من فلاسفة ما قبل سقراط إلى ابن رشد والغزالي وديكارت وبيكون وصولاً إلى طه حسين وكارل بوبر.

وبدلاً من «تجاوز» طه حسين، هكذا بالمطلق لأنه برجوزاي، أقترح أن يتم تحديد النقاط التي سنتجاوز فيها فكر العميد: القيم الكونية، الصالحة لكل زمان ومكان، لا نستطيع تجاوزها: بل علينا التمسك بها، لأنه دربنا الوحيد للخروج من مآزقنا الكثيرة. ولكن، بالنسبة لي، كيساري فوضوي، أقترحُ أن نتجاوز ليبراليته الاقتصادية، وثقته بأن العدالة الاجتماعية ممكنة بتحسينات تدريجية؛ ونتجاوز تناقضاته فيما يعنيه بغربية قيم التنوير، وهو هدفُ هذا المقال.

ثانياً، الإسلاميون: الذين يقترحون العودة إلى إسلام طاهر نقي غير قابل للنقد. أي أن الإسلاميين، فيما أرى، لا يرفضون المنهج النقدي بالكامل (على العكس مما توحي به معظم مقالات الماركسيين في الهجمة الثانية)، بل يريدون فرض قيود على المنهج النقدي. لا يتسع المجال هنا لنقاش حجم وطبيعة القيود، ولكنني لا أرى أن فرض القيود على البحث العلمي هو الوسيلة الأنسب لفهم أنفسنا وللوصول إلى الاستقلال الشخصي والعام. في مقدمة كتاب في الشعر الجاهلي، رفضَ العميد أي قيود على البحث العلمي، ولم يتقدم الإسلاميون بحجة مقنعة لفرض قيودهم، باستثناء التشدق بالدفاع عن تاريخنا: الدفاع عن التاريخ يكون بجعل البحث حراً ومفتوحاً وغير مقيّد: أي باتباع وصية العميد.

ثالثاً، المابعديون: لا يوجد أي مشروع إيجابي عند المابعديين، نجد فقط نقد الشرقيين المتأثرين بالغرب. ما الذي ينتقده المابعديون في العلاقة مع الغرب؟ كل شيء، بلا استثناء، وبلا تحديد (كما يفعل الماركسيون الذين يريدون «تجاوز» العميد البورجوازي!).

لموضوعنا هنا، ولأننا نبحث جدياً في فكرة العلاقة مع الغرب، سنحدد قضيتين تتصلان بالتنوير والعقلانية. الأولى، السؤال شديد الأهمية الذي لا إجابة عنه في كتابات المابعديين العرب: ما هو البديل الذي تطرحون للتنوير؟ لا شيء إطلاقاً. في الحقيقة، نجد الإيحاء بالتمسك برجعية دينية إسلامية كونها التعبير الحقيقي غير الغربي عن المسلمين والعرب، ولكن، دون الالتزام بها فعلياً! على الأقل، يلتزم الإسلاميون بمذهبهم، وكذا يفعل الماركسيون، والليبراليون، والتنويريون: وحدهم المابعديون لا يقدمون شيئاً يمكن نقاشه وفهمه وتحليله: كل ما يقدمونه هو نقد الغرب.

القضية الثانية هي أن المابعديين العرب يقدمون نموذجاً للتناقض الفكري: يرفضون كل ما هو غربي، ولكنهم يقبلون ما هو غربي، أي يقبلون ما يرفضونه، في الوقت نفسه، وبالحدة والضجيج والحماسة نفسها! أقصد بقبول الفكر الغربي وتبنيه هو قبول أفكار ما بعد الحداثة: الفكر المابعدي النسبوي فكرٌ غربي نشأ في الغرب لأسباب غربية داخلية معقدة، ومستمد من فوكو وأدورنو وديريدا وأشباههم، وهم المثقفون الغربيون الذين يستلهمهم جوزيف مسعد وإدوارد سعيد6 وغيرهما. وهنا التناقض العجيب: رفض الغرب وقبوله في الوقت نفسه. ولا يرى المابعديون هذا التناقض: أي أنه، بحسب المابعديين، يحق لمسعد وسعيد استلهام غربيين ضد التنوير، ولا يحق للتنويريين العرب استلهام غربيين مع التنوير: أعني عندما يتأثر مسعد بكاتب غربي، فهو ليس ضحية استعمار ثقافي، وعندما يتأثر تنويري عربي بتنويري غربي، فهو ضحية استعمار ثقافي!
6. تخبّطَ سعيد بين موقفين: نسبوي وكوني. للتفاصيل راجع «أخلاق مشتركة لعالم متناثر».

على أي حال، وبغض النظر عن هذا التناقض المنطقي الفاقع، وكما قلنا أعلاه، السؤال عن أصل المنهج، التنويري أو ما بعد الحداثي أو غيره، هو سؤال ثانوي وتافه: السؤال الحقيقي هو هل هذا المذهب متماسك فكرياً؟ هل هو صحيح أو يقترب من الصحة، أم أنه مبني على مجموعة مغالطات منطقية؟ هل يصلح المنهج التنويري، أو الما بعد حداثي، أو الماركسي، أو الإسلامي الإصلاحي، أو السلفي، لنا، وهل ننتفع به؟

شخصياً، أعتقد أن المذهب المابعدي النسبوي متهافتٌ كلياً، ولا يصلح لنا أو لغيرنا؛ وأحد أسباب تهافته عجزه عن تقديم مشروع إيجابي.

يقترب أحمد بيضون من المابعديين في قراءته لطه حسين. في مقاله «حياة طه حسين الثانية»، وبعد عرض طويل لمكانة الرجل في الفكر العربي، ثم عرض موضوعي ممتع ومفصّل لحججه وحجج خصومه فيما يتعلق بالشعر الجاهلي، يختتم بيضون بمقولة غريبة: الدولة الحديثة، ابنة الحداثة التي دافع عنها العميد، أدّت إلى المأزق الذي نعيشه. هذا كلام غير مقنع: أولاً، أعتقد أن الأمر هو بالضبط عكس ما يقوله بيضون: التراجع عن مشروع طه حسين أدى إلى المصيبة التي نعيشها اليوم، وليس السير على نهجه، وفي هذا أتفق تماماً مع ماركسيي الهجمة الثانية، سعد الله ونوس ورفاقه: نهج العميد التحرري النقدي العلماني الليبرالي المنفتح خانته ثورة يوليو وما تبعها. يجمع بيضون بين العميد وبين دولة يوليو تحت مسمى «الحداثة»، مستعيداً ربما نقد أدورنو والمابعديين للتنوير والحداثة وما يجلبانه من مصائب. وهو أمر أيضاً غير مقنع. لا يتسع المكان لنقاش مفصل هنا. الأمر الثاني، هو غياب مشروع إيجابي في انتقاد طه حسين بهذه الطريقة. الغريب جداً، والمثير، أن بيضون نفسه يختم مقاله باعتراف أن نُقاد العميد لا يقدمون بديلاً، تاركاً القارئ في حيرة، ربما هي حيرة بيضون نفسه، وحيرة كل من يقترب من مشروع المابعديين: يُحسَب لبيضون أنه يرى هذه الحيرة، بوضوح وصراحة.

أودُّ قبل الختام أن أقول كلمات مختصرة حول المشروع الإيجابي الذي ندعو إليه، أي مشروح طه حسين التنويري: ربما يعتقد بعض نُقاد التنوير أن التنوير لم يترك مكاناً للروح، وأنه يلتزم بالإيمان المطلق بالعلم، وأنه مسؤول عن عقلنة كل جوانب الحياة وعن العنف الذي تمارسه الدول: كل هذا غير صحيح، وينمّ عن تجاهل لأدبيات التنوير، سواء صدر من فلاسفة كبار غربيين أم من مفكرين عرب. التنوير في الحقيقة مشروع متردد شكاك منفتح عقلاني متعدد، كما نراه عند ديكارت وهيوم وفولتير وكنط وبرتراند راسل وكارل بوبر وتشومسكي وغيرهم؛ قد ينطبق النقد على بعض مفكري التنوير أو على جزء محدد من نظرياتهم، وينطبق بشكل أكبر على فلاسفة القرن التاسع عشر، وهذا أمر يحتاج إلى دراسة أوسع. ولا نريد القول إن التنوير لم يحمل إشكالياته الخاصة: العرقية والجندرية والاجتماعية والاقتصادية، عندما استثنى النساء والسود وأبناء المستعمرات والفقراء من المشروع التنويري العقلاني: ولكن الحل يكون بتوسيع التنوير وتعميمه، وليس برفضه. المشروع الكنطي التنويري يقتضي نشر العقلانية، والإيمان بفردانية الناس وحقهم في الاختيار، وقدرتهم على تقرير مصيرهم: لا أجد أي سبب للتخلي عن هذا المشروع، ولا أجد في نقد العميد والتنوير بديلاً متماسكاً واضحاً.

ختاماً، وبعيداً عن كل هذا التنظير المتفلسف عن الماركسية وما بعد الحداثة وديكارت، في العمق، يريد العميد أن يثوّرَ المجتمع المصري بسبب ما عاشه شخصياً ورآه في أعماق هذا المجتمع، كما يقول أحمد برقاوي في ملاحظ ثاقبة (برقاوي ص 155). من هنا نفهم اندفاعه للعلم والعقلانية والتنوير ولإصلاح أحوال الريف والمدينة. في تحفته الخالدة، الأيام، يتجلّى عمق فهم العميد لحاجتنا للتنوير. وفيها أيضاً، نجد سبب كراهيته للخرافات والجهل، الجهل الذي أودى ببصره مبكراً، ولكنه لم يؤثر على بصيرته ومحبته للناس وللحياة. في أحد فصول الجزء الأول، وبعد أن يعدد أشكالاً مختلفة من علماء الريف، وأساطيرهم وترهاتهم وخرافاتهم، يختم بالقول:

«وكان صبينا يختلف بين هؤلاء العلماء جميعًا، ويأخذ عنهم جميعًا، حتى اجتمع له من ذلك مقدار من العلم ضخم مختلف مضطرب متناقض، ما أحسب إلا أنه عمل عملًا غير قليل في تكوين عقله الذي لم يخلُ من اضطراب واختلاف وتناقض».

أجمل ما كتبه العميد وأكثره ثراءً وعمقاً، ليس مستقبل الثقافة ولا في الشعر الجاهلي ولا نقده للمتنبي ولا تحليله للفتنة الكبرى: بل كتاب الأيام. نستطيع القول إنه كتب الأعمال النظرية الكبرى لأنه عاش الأيام المصرية، وحلم بتغييرها نحو الأفضل، متناقضاً غاضباً ساخراً مرحاً مليئاً بالأمل والمحبة والثقة بالغد الأفضل.

وهذا هو التبرير الأكثر إقناعاً لمشروع العميد التنويري العقلاني، ولأهميته لنا اليوم.

*****

المراجع الرئيسة
أعمال العميد

اعتمدتُ على أعمال طه حسين التي توفرها مجاناً مؤسسة هنداوي على الشبكة العنكبوتية، باستثناء:

في الشعر الجاهلي. 2007. دار رؤية.

من الشاطئ الآخر: كتابات طه حسين بالفرنسية. ترجمة عبد الرشيد الصادق محمودي. 2008. المشروع القومي للترجمة.

أعمال أخرى

– الزعبي، عدي. مشكلات المعرفة والحرية: تشومسكي قارئاً راسل. 2014. موقع الجمهورية.

أخلاق مشتركة لعالم متناثر: قراءة في النسبوية والاستشراق والاستشراق المعكوس. 2015. موقع الجمهورية.

غريزة الحرية: تشومسكي والفوضوية والطبيعة البشري. 2016. موقع الجمهورية.

من وصايا العميد: فضيلة الوضوح. 2017. مجلة رمان الثقافية.

– العظم، صادق جلال. «دفاعاً عن التقدم والفلسفة». فصل في كتاب ذهنية التحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب، 1997، دار المدى.

– العالم، محمود أمين وعبد العظيم أنيس. في الثقافة المصرية. تقديم حسين مروة. 1955. دار الفكر الجديد.

– بيضون، أحمد. «حياة طه حسين الثانية»: فصل في كتاب كلمن. 1996. دار الجديد.

– حوراني، ألبرت. الفكر العربي في عصر النهضة. ترجمة كريم عزقول. 1968. دار النهار.

– عمارة، محمد. طه حسين: ما بين الانبهار بالغرب والانتصار للإسلام. 2015. دار الفكر العربي.

– قطب، سيد. نقد مستقبل الثقافة في مصر. ملحق في كتاب محمد عمارة.

– الرافعي، مصطفى صادق. تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد. 2002. المكتبة العصرية.

– مسعد، جوزيف. اشتهاء العرب. ترجمة إيهاب عبد الحميد. 2013. دار الشروق.

– ونوس، سعد الله. طه حسين: العقلانية، الديمقراطية، الحداثة. 2017. دار كنعان.

– مقالات أحمد برقاوي وبهاء طاهر وفيصل دراج ومحمد جمال باروت وعبد الرزاق عيد وهادي العلوي ومحمد عفيفي وسعد الله ونوس المشار إليها في النص يتضمنها كتاب ونوس.

عن موقع الجمهورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق