ما لم يكتبه ماركيز.. ألف ومائتا عام من العزلة / الصحبي العلاني

في روايته الشهيرة “مائة عام من العزلة”، هذه التي صنعت مجده ومجد أدب أميركا اللاتينيّة من بعده، أخذ الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز (1927-2014) قرّاءه نحو تخوم لا عهد لهم بها، وقادهم إلى عوالم امتزج فيها الواقع بالخيال وتداخلت فيها الحقائق بالأوهام، وجعلهم يعيشون حكاية أجيال متعاقبة من أفراد عائلة واحدة هي عائلة بوينديا التي استوطنت قرية ماكوندو في مكان ما من جغرافيا السرد والإيهام. كانت رواية “مائة عام من العزلة” عالما من ورق، ولا أظنّ أنّ أحداً من قرّائها الذين ينتشرون عبر العالم ويُعدّون بالملايين قد خطر بذهنه احتمال أن توجد في الواقع بأحداثها وشخصيّاتها وتقلّباتها أو أن يوجد ما يقرب منها ويشبهها. ولكنّ دار بلون الباريسية للنشر فاجأتنا مؤخرا بإصدار عمل جديد للكاتب روبار كولونا ديستريا تحت عنوان “عائلة من كورسيكا: 1200 عام من العزلة”. وهو عنوان من الواضح أنّ صاحبه يقيمه على الإثارة، لا فقط من خلال إحالته على رواية ماكيز، بل من خلال مضاعفته العزلة قرونا عديدة وأزمنة مديدة، ومن خلال تنزيله لها في جغرافيا الحقيقة وعلى أرض التاريخ.

جغرافيا العزلة وتاريخ الاشتباك

كورسيكا -لمن لا يعرفها- هي جزيرة من الجزر الواقعة في الحوض الغربيّ للبحر الأبيض المتوسّط إلى الشمال من صقليّة وبمحاذاة جزيرة سردانية التي تحدّها جهة الجنوب مباشرة. وقد ظلّت بسبب خصائصها الطبيعيّة وموقعها الجغرافي محكومة بتلك الثنائيّة العريقة التي حكمت كلّ الجزر عبر العالم، ونعني بذلك ثنائيّة الانغلاق والانفتاح. فهي منطوية على ذاتها يشعر سكّانها بأنّهم منقطعون عن الخارج وبأنّ عليهم -والحال هذه- أن يتدبّروا شأنهم بأنفسهم دون تعويل على الآخرين؛ ولكنّها ظلّت أيضاً -ويا للمفارقة!- مُشْرَعَةً على المجهول الذي قد يحلّ بها في أيّة لحظة ولا سيّما أنّ الغزاة لم يكفّوا عن الطمع في خيراتها وعن السعي إلى الاستحواذ عليها من أجل استثمار موقعها أفضل استثمار.

بلغة الجغرافيا، كانت جزيرة كورسيكا (أو “قرشقة” مثلما تسمّيها المصادر العربيّة في العصر الوسيط) مجرّد رقعة من الأرض في بحر من الأمواج المتلاطمة؛ ولكنّها كانت بلغة التاريخ مفتاحاً من مفاتيح السيطرة على البحر الأبيض المتوسّط، هذا البحر الذي مثّل سُرّة العالم القديم والذي كانت مياهه امتداداً لصراعات الأمم المختلفة التي سكنت حواليْه منذ عريق العصور.

واعتباراً لما تقدّم، ورغم ما في ظاهر كلامنا من مبالغة، يمكننا القول: إنّ من يملك كورسيكا (أو غيرَها من الجزر الهامّة في المتوسّط، كصقليّة وسردانية والبليار وقبرص وقرقنة وجربة) يمكنه أن يحكم العالم القديم، بَـرَّهُ وبحرَه، بعضه أو كلّه، وأن يوجّه دفّة التاريخ مثلما يشاء وبقدر ما تتيحه له قواه وإمكاناته.

ولعلّ من أهمّ ما يلفت انتباه القارئ وهو يطالع كتاب “عائلة من كورسيكا: 1200 عام من العزلة” أنّ المؤلّف روبار كولونا ديستريا كان واعياً تمام الوعي بجسامة المهمّة الملقاة على عاتقه.

فقد كان مطالَباً -أوّلاً- بأن يهتدي إلى مواطن الفصل ومواقع الوصل بين الجغرافيا الداخليّة المحليّة لجزيرة كورسيكا، من ناحية، وتاريخها في بُعدِه الخارجيّ العالميّ، من ناحية أخرى؛ أي بين ما سمّيناه بعبارتنا “جغرافيا العزلة” في مقابل (أو بموازاة) ما أطلقنا عليه تسمية “تاريخ الاشتباك”.

ورغم الأهميّة القصوى لهذا المطلب الأوّل من الناحية المنهجيّة على وجه الخصوص فإنّه يبدو في نظرنا يسير المنال ممكن التحقيق مقارنة بالمطلب الثاني الذي لا نشكّ إطلاقاً في خطورته ودقّته. ومدار الأمر في هذا المطلب الأخير أنّ الكاتب روبار كولونا ديستريا كان مدعوّاً إلى وضع الحدود واضحة بين ذاته من ناحية، والموضوع الذي يتصدّى لدراسته، من ناحية أخرى. ذلك لأنّ الأسرة التي اختار الحديث عنها في كتابه واستعراض تاريخها الممتدّ على ألف ومائتَيْ عام من الزمن ليست سوى أسرته التي تضرب جذورها في ماضي كورسيكا البعيد وما زال حضورها متواصلا مستمرّا فيها، الآن وهناك.

معضلة الكتابة من الداخل!

كيف يمكن لكاتب ما أن يتحدّث عن أسرته من الداخل؟

تلك هي المعضلة، بالرغم من أنّ الإجابة قد تبدو للوهلة الأولى وفي نظر الكثيرين أمراً يسيراً متاحاً!

وإنّ الأمر -فعلاً- يسيرٌ متاحٌ إذا ما أراد صاحب الكتاب أن يصوغ عمله على شاكلة سيرة لا يتحدّث فيها عن ذاته بل عن آبائه وأجداده الأقارب والأبعدين.. وهو يسيرٌ متاحٌ إذا ما اختار المؤلّف السَّيْرَ على نهج علماء الأنساب الذين يستعرضون في ما يشبه القائمات المتتالية أجيالاً من الأعلام البارزين في العائلة الواحدة جيلا بعد جيل.. وهو يسيرٌ متاحٌ بالنسبة إلى من يفضّل تناول المعطيات ومعالجتها من منظور تاريخيّ قائم على نقد الوثائق ومقارعة الروايات وتبيّن الفواعل والدوافع والمآلات وصولاً إلى “الحقيقة” الأرجح وقوعاً وإلى “الأحداث الفعليّة” الأقرب إلى التصديق..

لكنّ روبار كولونا ديستريا طلّق هذه الإمكانات كلّها وخيّر أن يصوغ كتابه صياغة متحرّرة من إكراهات الخطابات العالِمة.

لم يكن روبار كولونا ديستريا في ما كتبه مؤرّخاً، ولا عالم أنساب، ولا واضع “سيرة أُسَريّة”؛ بل كان هذا كلّه، وأكثر.

فقد اختار -أوّلاً- وعلى امتداد أكثر من أربعمائة صفحة شكّلت متن الكتاب ومادّته أن يخاطب قرّاءه بضمير المتكلّم المفرد (أنا) تحقيقاً لحميميّة الصلة بين الباث والمتقبّل.

ثمّ إنّه اختار -ثانيا- أن يتحرّر من “سلطة الأسرة” التي يتحدّث عنها ويستعرض تاريخها. فهو -بالرغم من كونه فرداً من أفرادها- لا يزعم أنّه ينطق باسمها أو أنّه مُكلّف بالمحافظة على أمجادها ومآثرها، بل إنّنا نلفيه في مواطن عديدة من الكتاب يُعرّي سوءات بعضٍ ممّن حملوا اسمها.

وهو -ثالثا، وتتويجاً لما تقدّم كلّه- يرسم صوراً لعائلته التي كان بعض أفرادها جزءاً من تاريخ جزيرة كورسيكا بل العمود الفقريّ لذلك التاريخ على نحو مغرق في البساطة مشبع بالإنسانيّة بعيداً عن مظاهر التفخيم والإجلال التي دأب عليها غيره من كتّاب السِّيَر والتراجم. ونتيجةً لمجمل هذه الاختيارات المنهجيّة التي سار روبار كولونا ديستريا على هديها عبر صفحات كتابه أمكننا أن نطّلع على تاريخ آخر مغاير لجزيرة كورسيكا غير ذاك الذي ألِفْنا قراءته وسماعه.

فلئن تعوّدت السرديّات المدرسيّة الرسميّة (أو شبه الرسميّة) على ربط هذه الجزيرة بالحروب والصراعات وتعاقب الأمم التي مرّت بها واستوطنتها أو حاولت استيطانها، كالقرطاجنيّين والإغريق والرومان والوندال والغوط الغربيّين والمسلمين والجنويّين وغيرهم؛ فإنّ السرديّة التي يقدّمها روبار كولونا ديستريا تبدو أكثر حيويّة وأشدّ عمقاً لأنّها لا تجعل من التاريخ “صناعة باردة” أو مجرّد كرونولوجيا تعاقبيّة يستعرض فيها الأشخاص الاستثنائيّون (هؤلاء الذين تعوّدنا على تسميتهم “قادة” وعلى وسمهم بـ”العظمة” و”التفرّد”) مظاهر عبقريّتهم، بل إنّها سرديّة تضفي على التاريخ معاني أخرى متعدّدة الأبعاد يتداخل فيها الوضيع بالرفيع والمقدّس بالمدنّس والفرديّ بالجمعيّ والواضح بالمبهم والأسرار بالحقائق… أي إنّنا –في خاتمة المطاف- إزاء “تاريخٍ لما أهمله التاريخ”، تاريخِ أُسرةٍ ظلّت المصادر تعتبرها “نبيلة” إلى أن جاء أحد أفرادها فأعاد الأمور إلى نصابها لا ليُنكر على أسرته “نُبلها” أو “عراقة محتدها” أو “محوريّة” دورها في التاريخ بل ليُذكّر بأنّ “النُّبل” و”العراقة” و”محوريّة” الإسهام في التاريخ ليست ممّا يُعطى جزافاً أو يُتكرّم به، مِنَّةً وفضلاً؛ بل إنّه ممّا يُكتسب اكتساباً بالبذل والعمل والاجتهاد.

وبعد؟!

بكثير من الحيرة التي لا أستطيع أن أخفيها وبفائض من القلق المعرفيّ الذي لا يمكنني أن أكتمه أَنهَيتُ مطالعةَ كتاب “عائلة من كورسيكا: 1200 عام من العزلة” لروبار كولونا ديستريا. وبالرغم من أنّني كدت أفرغ من تحرير العرض الذي خصّصته لهذا العمل الذي أعتبره استثنائيّاً، فإنّ ثمّة سؤالاً ظلّ يرافقني على امتداد أكثر من أربعمائة صفحة لم أرَ بُدّاً من مكاشفة قرّائي به، وأعني بذلك سؤال التصنيف الذي لا يمكن إلاّ أن يُقضّ المضاجع:

أين يمكننا أن نضع كتاباً مثل هذا ضمن خاناتنا المعرفيّة/الأكاديميّة المعهودة؟

ليست لديّ إجابة قاطعة واضحة أو نهائيّة، فالصيغة التي اختار روبار كولونا ديستريا أن يكتب بها عمله صيغة مراوغة تجمع بين الذاتيّ والموضوعيّ، بين الفرديّ والجمعيّ، بين “التافه” و”الجليل”، بين الأدب خطابَ تخييل وتمثيل والتاريخ فعلَ تحليل وتعليل.

وبعدُ؟!

هل من الغريب حقّا أن نجد أنفسنا، نحن القرّاء، في مثل هذه الورطة، ورطة التصنيف؟

لا تنسَوْا أنّنا في جزيرة! وأنّ الكتابة عن الجُزر والعيش فيها والإقامة بها ليست أماناً كلّها ولا ظلمات بعضها فوق بعض… بل هي مزيج فريد من هذا وذاك!

تذكّروا السلسلة التلفزيونيّة الشهيرة “لوست” Lost (“تائهون” أو “الضياع” بحسب الدبلجة العربيّة، إنتاج 2004-2010). هل كان بالإمكان أن تشدّنا أطوارها وأن ترتجف لها أفئدتنا لو لم يكن التيه في جزيرة؟!

أسئلة أطرحها عليكم، في انتظار أن نقرأ عن جزيرة أخرى وعن أُسرة غير أسرة كولونا ديستريا صنعت التاريخ حين تفاعلت مع الجغرافيا!

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق