حينما يصرخ المؤرخ ” ارفعوا أياديكم عن تاريخنا يا ساسة العرب”

لا شك أن كتابة التاريخ اليوم تكتسي من الأهمية بمكان إذ نظرا لما أصبح يميز عالمنا المعاصر من تحولات سريعة وتغيرات عميقة ما انفكت تعصف بالسائد و المألوف و نظرا كذلك لما طغى على الساحة الدولية في السنوات الأخيرة من صراعات طائفية و إثنية و هووية تستند إلى قراءات معينة للتاريخ الإنساني و تروم البحث عن مرويات و سرديات جمعية توجه بها التاريخ وجهة ايديولوجية خالصة فإننا لاحظنا تزايد اهتمام العامة و الخاصة على حد السواء بعلم التاريخ بل إن هناك طلبا اجتماعيا لجوجا على هذا الأخير  غايته فهم قراءة المؤرخ للحدث و تأويله له . وبالتالي فإنّ كتابة التاريخ لم تكن بمنأى عن التوظيف السياسي والإيديولوجي   خاصة في ظل السياق السياسي السائد و ما تنتظره النخب السياسية من فوائد من القراءات الموجهة للتاريخ التي تصب في صالحها و تخدم أغراضها و هو الأمر الذي يجعل المؤرخ يتصدى بكل قوة لكل قراءة مزيفة للتاريخ لا تستند إلى الموضوعية التاريخية و الرصانة العلمية  محاولا في ذلك الكشف  عن اختلاف الرؤية للتاريخ بين المؤرخ و السياسي و ما يترتب عن ذلك من مخاطر تعطل مسيرة الإنسان نحو التقدم والتحرر. ألم يقل “هيغل” بأن مسار التاريخ  هو مسار تقدمي تطوري غايته تحرير الإنسان من التسلط والاستعباد  وشتى أشكال الظلم؟ .في هذا الإطار تتنزل دراسة الأستاذ و المؤرخ “الهادي التيمومي” المعنونة بـ”إلى الساسة العرب ارفعوا أياديكم عن تاريخنا “.الصادرة عن دار محمد علي الحامي للنشر بصفاقس في أكتوبر 2017.

هذه الدراسة هي آخر الكتب التي ألفها الأستاذ “الهادي التيمومي” الذي اهتم في السنوات الأخيرة بتناول قضايا هامّة جدّا تتخذ بعدا راهنا واستراتجيا ومتصلة بمسائل مثل الهوية والتحديث والتربية والتعليم. فالأستاذ الهادي التيمومي وهو مؤرخ تونسي وأستاذ متميز بالجامعة التونسية أظهر اهتماما وشغفا كبيرا بدراسة التاريخ التونسي خاصة وتبين منعرجاته ومنعطفاته الكبرى إذ بحث في البداية في البنى الاقتصادية والاجتماعية العتيقة في المغرب العربي قبل حلول الاستعمار الأجنبي وتوطينه للرأسمالية الغربية وكان ذلك من خلال أطروحته “الاستعمار الرأسمالي والتشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية: الكادحون الخماسة في الأرياف التونسية(1861-1943) ” التي فجر من خلالها قراءة جريئة و مستحدثة لنمط إنتاج سماه بالمخامسي. اهتم كذلك بالتاريخ التونسي فكتب في ذلك عديد المؤلفات نذكر منها كتابه عن الفترة البورقييية والمعنون ” تونس من 1956 إلى 1987″ وكذلك كتابه الآخر الذي تطرق فيه إلى تجربة التحديث في تونس و الموسوم بـ”تونس والتحديث أول دستور في العالم الإسلامي” .لم يمنعه هذا الاهتمام بالتاريخ التونسي  من طرق مسائل منهجية في التاريخ فكتب عن المدارس التاريخية الحديثة و عن تطور علم التاريخ من عصر النهضة إلى العولمة. أمّا في السنوات الأخيرة فقد وجه اهتماماته نحو الشخصية التونسية و ذلك من خلال الحفر المعمق  في مكوناتها التاريخية والسوسيولوجية  وذلك تزامنا مع ما شهدته تونس من تصاعد الصراع حول الهوية فظهر بذلك كتابه ” كيف صار التونسيون تونسيين”.

أما اليوم فهذا الكتاب الذي نروم تقديمه في هذه الأسطر القليلة فإنه يواكب تحول علم التاريخ إلى موضع اهتمام مجتمعي متزايد  هذا فضلا عن انكباب الساسة العرب على توظيف هذا السلاح لصالح أغراضهم و احتكاره لتحقيق الفائدة . وقد ورد في 166 صفحة وهو يعد صغير الحجم لكنه دسم من حيث المادة وسنعمل في هذا التقديم البسيط إلى الكشف عن أهم المحاور والقضايا الرئيسية التي تناولها المؤرخ.

يفتتح الكتاب بتوطئة أشار من خلالها الكاتب إلى أن الأمر الذي شجعه على الغوص في هذا الموضوع الشائك هو التشويه المتعمد الذي لحق بتاريخ تونس في الآونة الأخيرة و خاصة تاريخ الرئيس الحبيب بورقيبة من قبل الساسة خاصة الإسلاميين منهم. كما أوضح الكاتب أن هاجس المؤرخ يظل البحث عن الحقيقة ولا شيء غيرها فالتاريخ هو “إعادة كتابة لا تنتهي والأهم هو عزم المؤرخ على بلوغ الحقيقة”.

هذه أهم النقاط التي تناولها الكاتب في التوطئة لينتقل فيما بعد إلى المقدمة العامة حيث أشار فيها منذ البداية إلى السرديات التاريخية التي يعتمدها السياسي لتوظيف التاريخ واحتكاره و ذلك عن طريق وقائع تاريخية منتقاة تكون مبثوثة في الكتب وذلك من أجل توجيه التاريخ الوجهة المراد الوصول إليها. تبعا لذلك يرى الأستاذ الهادي التيمومي أن الخلافات بين السياسيين والمؤرخين هي كثيرة و متعددة خاصة في العالم العربي الذي تتنوع فيه الكيانات الحاكمة من دولة قبلية إلى دولة قومية عروبية فدولة إسلامية أصولية و أخيرا دولة اشتراكية أممية و سيكون إذن سعي الكاتب هنا هو بيان توظيف هذه الكيانات لعلم التاريخ عن طريق ما أسماه بالسرديات أو المرويات الجمعية.

بعد هذه المقدمة العامة يتعرض الكاتب في مرحلة أولى إلى أهم الأحداث الرئيسية التي ميزت العالم العربي من عصر محمد علي في مصر إلى انبلاج فجر الربيع العربي بتونس. يشير في هذا العنصر إلى تسارع الأحداث التي عرفها العالم العربي منذ اتصال هذا الأخير بالرأسمالية الغربية ثم بالإمبريالية العالمية وقد ساهم ذلك في تشكل أحداث فاصلة في تاريخ المنطقة خاصة منذ القرن التاسع عشر. ولا ريب أن تثير هذه الأحداث والمنعرجات  إشكاليات ما انفكت تؤرق الفكر العربي إلى اليوم:  من ذلك مثلا أسباب فشل الدول العربية في بناء رأسمالية وطنية أو أسباب عدم تحقيق العرب لنهضة شاملة على الرغم من الثورة البترولية والغازية التي أتيحت لهم ؟أو  كيف يمكن تفسير النزوع القوي نحو الاستبداد السياسي الذي تمارسه الأنظمة العربية؟ أو كذلك لماذا تغرق الدول العربية في فوضى تدميرية لم تعرفها أبدا في تاريخها؟. هذه التساؤلات وغيرها تكتسي من الأهمية بمكان في نظر المؤرخ إذ أن النظر المعمق في طبيعة التشكيلات السياسية الكامنة في صلب العالم العربي و فهم نظرتها إلى التاريخ و مدى فاعليتها في صنع الحضارة البشرية كفيل بجعل المؤرخ يتبين أسباب هذه الانتكاسات و الكبوات القاسية.

ينتقل الكاتب الآن إلى الشكل الأول من التنظيم السياسي وهو الدولة الأسرية أو الأسرية القبلية إذ يعتبر أن هذا الكيان السياسي لا يزال مستمرا رغم كل التغيرات  الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شملت العرب منذ ظهور الإسلام .فقد حكمت الكثير من الدول العربية أسر تنتمي إلى قبائل مثلا أسرة آل سعود أو آل الصباح أو آل القاسمي. ويرى الكاتب أن التنظيم القبلي يتسم بالضعف في المغرب العربي خلافا للمشرق وذلك بفعل الطابع التوطيني للاستعمار الفرنسي في هذه البلدان متسائلا في النهاية عن سبب استمرار هذا الكيان العتيق جدا في عصر العولمة والحداثة وخاصة عصر الديمقراطية والدولة المدنية.

يتطرق الكاتب إلى كيان سياسي آخر و هو الدولة القومية القطرية التي تعني وجود تطابق قائم بين  حدود سياسية ترابية من جهة و حدود مجموعة سكانية تتمتع بتجانس ثقافي وديني و لغوي. وقد ظهر هذا الشكل تزامنا مع صعود الطبقة البورجوازية في أوروبا الرأسمالية. أما بالنسبة للبلدان العربية فإن الكاتب يؤكد على وجود  سرديات تاريخية  اعتمدتها الدولة القومية القطرية ذات الوجود القديم أو الجديد لتبرير سيادتها السياسية أو لخدمة مصالحها الذاتية. ففي مصر مثلا رأى الكاتب أن رفاعة رافع الطهطاوي كان أول من دعا للدولة القومية القطرية ثم تواصل ذلك مع التنظيمات السياسية التي عرفتها مصر كحزب الوفد مثلا بزعامة سعد زغلول إلى أن ينتهي إلى صعود جمال عبد الناصر سدة الحكم حيث اعتبر نفسه أول مصري يحكم مصر منذ عهد الفراعنة و هذا الرأي بطبيعة الأمر يرفضه المؤرخ و لا يمكنه أن يصمد أمام الصرامة العلمية التاريخية لما فيه من نزعة واضحة لاحتكار التاريخ و تسييسه. كما انبرى عديد المفكرون للتنظير لفكرة الدولة القومية القطرية بالاعتماد على سرديات تاريخية واهية فقد تحدث “توفيق الحكيم” مثلا عن وحدة مصر الخالدة أمّا “طه حسين” فقد تحدث في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” عن الأصول الغربية لمصر و أنها ليست لها أي صلة بالشرق؟؟؟.

أمّا في لبنان فقد رأى الكاتب أن  الصراعات الطائفية المحتدمة هناك و سعي كل طائفة إلى الاستفراد بالتاريخ و احتكاره كل ذلك ساهم في حبك السرديات البعيدة كل البعد عن الموضوعية العلمية. أما في تونس فقد انبرى عديد الكتاب للدفاع عن فكرة وجود أمة تونسية متجذرة في التاريخ منذ القدم، فـ”علي البلهوان” و هو مناضل سياسي في صلب الحركة الوطنية اعتبر تونس أمة قائمة الذات في كتابه” نحن أمّة”. أما الرئيس الحبيب بورقيبة فقد كان يعتقد أن لتونس شخصيتها المستقلة منذ أقدم العصور وأنّه أول رئيس تونسي يحكم تونس منذ عهد قرطاج. وقد كانت لهذا الأخير نظرة خاصة لتاريخ الحركة الوطنية إذ لم يتوان عن التقليص من شأن مساهمة الأرياف التونسية في الحركة الوطنية . في مقابل ذلك أكد الكاتب على وجود قراءة إسلامية أصولية لتاريخ الحركة الوطنية مناقضة للسردية البورقيبية إذ لم يتوان الإسلاميون عن التشهير ببورقيبة المعادي للعروبة والمتشيع للغرب العلماني كما عمدوا إلى تضخيم الدور النضالي ضد الاستعمار الفرنسي لكل الذين كانت لهم مرجعية دينية و لا ريب أن هذه القراءة هي قراءة تحريفية للتاريخ هدفها سياسي بامتياز وهو النيل من الشخصيات الحداثية التونسية والإعلاء في مقابل ذلك من شأن الشخصيات الإسلامية. وعموما ينتهي الكاتب إلى القول بأن هذه السرديات التاريخية المتعلقة بالدول العربية والتي حبكها سياسيون و مفكرون هي بعيدة كل البعد عن الدراسة الموضوعية المعمقة و التحليل العلمي الرصين و غالبا ما تعتمد على اسقاطات واهية لا تمت للتاريخ بصلة .

يواصل  الكاتب تحليله المعمق للكيانات السياسية العربية  حيث يتعرض الى شكل آخر من التنظيمات السياسية و هي” الفكرتان الإقليميتان السورية و المغاربية” و هما دعوتان سياسيتان ظهرتا في عشرينات القرن العشرين ترومان توحيد سوريا الكبرى و توحيد بلدان المغرب العربي الكبير. استعرض الكاتب هنا المراحل التي رافقت فكرة عملية توحيد البلدان المغاربية على الرغم من  ترسخ فكرة الدولة القومية القطرية بهذه البلدان غداة حصولها على الاستقلال. و يلاحظ الأستاذ” التيمومي” غياب كتابات دقيقة و تنظيرات معمقة تخص الوحدة المغاربية إذ لا توجد سوى كتابات تؤكد على وجود شخصية مغاربية فريدة تختلف عن الشخصية المشرقية فيما عدا ذلك لا نجد دراسات مستفيضة تنظُر للوحدة الثقافية أو الاقتصادية لبلدان المغرب الكبير. فابرز مثالا على ذلك بالنسبة للكاتب هو ما كتبه  المفكر محمد عابد الجابري الذي يعتبره قد مارس نوعا من التمركز حول الذات المغاربية في كتاباته و اقتصر في تفسيره على البني الفوقية( على الرغم من أهمية مؤلفاته) في حين أن الأسباب الرئيسية لعجز البلدان المغاربية تكمن أساسا في الإستبداد السياسي و احتكار الدولة للسياسة و للاقتصاد و التأويل الماضوي للإسلام و العزوف عن السيطرة عن الطبيعة.

ينتقل الأستاذ “التيمومي” إلى فصل آخر من التشكيلات السياسية ألا وهي الدولة القومية العروبية إذ يشير منذ البداية إلى كون أصل الفكرة هو أروبي مرتبط أساسا بصعود الطبقة البورجوازية و نزعة المجتمعات نحو العلمنة. و يقوم هذا التيار على ضرورة توحيد العرب من المحيط إلى الخليج و إلغاء الحدود التي صنعها الاستعمار و ذلك نظرا لما يجمع بين العرب من عناصر مشتركة كالدين و اللغة و الأرض. و قد ظهر الفكر العروبي منذ القرن التاسع عشر و أخذ في التبلور بعد الحرب العالمية الأولى خاصة مع كتابات “ساطع الحصري” و “ميشيل عفلق” مؤسس حركة البعث سنة 1943. و يرى الكاتب أن الفكر العروبي اشتد ساعده منذ الخمسينات أي مع تبني مصر مع عبد الناصر للفكرة القومية العروبية و إلا أنه شهد تراجعا خاصة بعد النكسة 1967 و رحيل عبد الناصر 1970و هي السنوات التي شهدت صعود المد الأصولي الإسلامي .يعمد الكاتب فيما بعد إلى تحليل مضامين الفكر العروبي و التي تبدو كلها تنظير لا يرتبط بالواقع المادي اذ يرفض الكاتب ما ذهب إليه بعض العروبيون من اعتبار العرب أمة واحدة موجودة قبل ظهور الإسلام ليؤكد على أنها أمة في طور التكوين كما لم يطمئن إلى السرديات التاريخية الأخرى التي تعتبر القومية محرك للتاريخ و أنها ستنجح يوما ما في تحقيق وحدة العالم العربي من المحيط إلى الخليج. إضافة إلى ذلك فقد كان تصور العروبيون للأمة تصورا ميتافيزيقيا لم يكن ناتج عن سيرورة طويلة و تراكمات تاريخية كما كان الأمر في أروبا أومستند الى فكر تنظيري معمق و إنما يسيطر على كتاباتهم الطابع الرومنسي الوجداني و البلاغة الرنانة فقط. زيادة عن ذلك لم يستطع في نظر الكاتب جل العروبيون التوفيق بين الإرث الإسلامي الذي تبنوه و العلمانية الغربية التي ترفض تداخل الديني و السياسي. أما بخصوص ممارساتهم السياسية فيرى الكاتب أنها كانت تسلطية استبدادية لا تمت للديمقراطية بأية صلة.

من أهم القضايا الأخرى التي يمكن إثارتها هي مشكل المجموعات الإثنية غير العربية حيث لم يسع العروبيون إلى حل مشكل الأقليات و لعل الحروب الطائفية  و الإثنية التي تدور رحاها إلى الآن بالشرق الأوسط خير مثال على ذلك. يشير كذلك الكاتب إلى السرديات التاريخية التي يعتمدها العروبيون لتوظيف التاريخ لصالحهم حيث تم مثلا تحميل الأتراك العثمانيين مسؤولية انحطاط العرب ففي تونس مثلا جنح بعض الكتاب إلى اعتبار كل حراك سياسي يقوم به السكان المحليون ضد الأتراك هو تحرك قومي عروبي أو اعتبار كذلك صالح بن يوسف هو قومي عروبي في حين أنه كان فرانكفونيا إلى حد النخاع فالصراع بينه و بين بورقيبة هو صراع سياسي على الزعامة بالأساس ليس له أي صلة بالقومية. في مقابل ذلك يعتقد الكاتب بوجود دراسات جادة و رصينة أرادت أن ترتقي بالفكر القومي من ذلك مثلا دراسة الماركسي المصري سمير أمين الذي أكد أن الأمة ظاهرة اجتماعية يمكن أن تظهر في فترة ثم تعود إلى الضمور في فترات أخرى.

يتطرق الكاتب فيما بعد إلى الدولة الأصولية الإسلامية حيث يؤكد أن أصحاب الإسلام الأصولي يؤمنون بضرورة الالتزام الحرفي بما جاء في القرآن و السنة و ينفون في ذلك حركة التاريخ و تطور المجتمعات الإنسانية فهم يريدون فرض قراءة معينة للتاريخ قائمة على يتوبيا الحنين إلى ماض تليد ولى وانتهى وتجاوزته الحضارة الإنسانية لذلك فإن مضامين السرديات التاريخية المتعلقة بالإسلام الأصولي  تشترك كلها حسب الكاتب في تلك الرغبة الواضحة لإعادة أسلمة المجتمعات و إعادتها للماضي السحيق. ومن بين هذه السرديات يذكر الدكتور التيمومي اعتقاد الأصوليون في كون الحاكمية لإله و  ضرورة الاعتماد الكلي على النقل لا العقل كما ترفض الأصوليات الإسلامية أي تفسير للتاريخ الإسلامي يقصي الدين عن أدواته التحليلية ليستنتج في النهاية بأن الإسلام الأصولي لا ينظر للمستقبل إلا من خلال ماض إسلامي غير موجود اخترعوه اختراعا. و يستدل الدكتور بحزب النهضة الإسلامي التونسي الذي وصل إلى السلطة بعد 2011 و الذي يستند هو الآخر إلى جملة من السرديات التاريخية الزائفة والمناقضة للحقيقة التاريخية فقد ركز هؤلاء مثلا عند دراستهم لتاريخ تونس المعاصر على كل الشخصيات التي كان لها علاقة بالدين أو بالجامعة الزيتونية كما عمدت إلى تقليص دور بعض الشخصيات الحداثية أو تجاهلها تماما مثل شخصية المفكر الطاهر الحداد على الرغم من كونه سليل الزيتونة و صاحب رؤية رائدة للمجتمع. عموما ينتهي التيمومي في هذا الفصل إلى الدعوة بضرورة التسلح بالجرأة و الفكر النقدي لمقارعة النصوص المؤسسة للفكر الإسلامي الأصولي ( من ابن حنبل إلى السيد قطب) و ضرورة تحديث الفكر الديني في الإسلام حتى يتمكن المسلم من الإلتحاق بركب الحضارة.

تعلق الفصل التالي بالأممية الاشتراكية و امتداداتها العربية إذ يعتقد الأستاذ التيمومي أن كل من نظر للأفكار الشيوعية و الإشتراكية  تعاملوا مع الماركسية بصفتها عقيدة لا منهجا للتحليل و العمل كما رفضوا كذلك الانفتاح على الإيديولوجيات و الأفكار غير الماركسية . أما بخصوص مضامين السرديات التاريخية للشيوعيين العرب فهي تكمن حسب الكاتب في كونهم أخضعوا التاريخ العربي الإسلامي للوحة الخماسية الستالينية ( شيوعية بدائية فيودالية رأسمالية اشتراكية ) و هو ما لا يتطابق و البني المادية للعالم العربي الإسلامي كما أخضعوا كذلك التاريخ  لنظرة انتقائية حيث تم انتقاء ما هو ديمقراطي و مادي و عقلاني و ثوري و ذلك لتوظيف التراث لخدمة الشيوعية. و يعتبر الكاتب أن أهم المؤلفات التي تستحق الاهتمام و التي تنم عن جهد تنظيري متميز هي مؤلفات الماركسي المصري سمير أمين الذي نجح على حد تعبيره من خلال ما كتبه في تخليص التاريخ العربي الإسلامي من تبعات النظرة المتمركزة حول الذات الغربية. و لعل أهم إضافاته حسب تعبير الكاتب هي مقولة نمط الإنتاج الإتاوي التي تبقى جديرة بالإهتمام و التحليل على الرغم من النقد الذي وجه لها في العقود الأخيرة. و يستخلص الكاتب  في هذا الفصل  أن خطأ الشيوعيين اليوم يكمن في ضعف وعيهم بالتغيرات العميقة التي أدخلتها العولمة على مقولات الحداثة مثل القومية و المجتمع و الدولة المركزية و الثقافة و البروليتاريا.

ينتقل بنا الدكتور التيمومي إلى فصل آخر عنونه” بإسرائيل سرقة الأرض و سرقة التاريخ ” حيث سيحاول فيه تتبع السرديات التاريخية الصهيونية التي لا تتوافق و الحقيقة التاريخية . يقدم لنا في البداية بسطة تاريخية عن تاريخ اليهود في العالم لينتهي إلى أن ظهور إسرائيل و الصهيونية كانتا نتيجة التحالف بين الإمبريالية الغربية و اليهود أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة في العالم قاطبة. وفي رأي المؤرخ تكمن خطورة الحركة الصهيونية في أنها كرست التاريخ لتفرض هيمنتها و لتزوير وجودها في مقابل ذلك يعيب على العرب والفلسطينيين عدم اهتمامهم بضرورة دراسة الصهيونية وتاريخ اليهود إذ لم تظهر هذه الصحوة إلا مؤخرا و من هنا تكمن أهمية علم التاريخ الذي أصبح بمثابة سلاح يتم توظيفه لخدمة قضايا بغض النظر عن كونها قضايا عادلة أم ظالمة. وقد اعتمد الصهاينة على سرديات تاريخية واهية لا تمت للحقيقة التاريخية بصلة من ذلك اعتمادهم على معطى قيام دولة يهودية في التاريخ الغابر و ذلك لفرض عودة اليهود إلى فلسطين اليوم وطرد شعب بأكمله عاش فيها منذ آلاف السنين.

كما يعتقدون أنهم شعب الله المختار و أنهم سيستوطنون أرضا لا حدود لها تفيض لبنا و عسلا. كما لا بد من الإشارة الى معطى  استغلته الدعاية الصهيونية أيما استغلال منذ الحرب العالمية الثانية  ألا و هو “الهولوكوست” أو المحرقة و على الرغم من أن الجرائم التي ارتكبها النازيون تبقى فظيعة و وحشية إلا أن استغلال هذه المأساة لتبرير سياسة إسرائيل التوسعية يبقى أمرا غير مقبول.  ينهي الكاتب  هذا الفصل  بالتأكيد على أن إسرائيل كيان استعماري امبريالي توسعي  لن تتحررمنه المنطقة العربية  إلا بالتحرر من التبعية الإمبريالية الغربية و بناء اقتصاد وطني يخدم الأغراض الوطنية.

الفصل الأخير في هذا الكتاب أراده المؤرخ أن يكون خاصا بعلم التاريخ حيث يستعرض فيه  أهم الإشكاليات التي تثيرها اليوم كتابة التاريخ مستشرفا في ذلك مستقبل هذا العلم و رهاناته. و قد عنونه تحت “علم الماضي العربي مستقبله لا يزل أمامه” حيث أكد فيه  على صعوبة كتابة التاريخ فقراءة الحدث التاريخي ليست بالمهمة السهلة و إنما هي شاقة و متعبة فليس ثمة على حد تعبيره أعسر من دراسة الإنسان الحاضر لإنسان الماضي. فالعودة إلى التاريخ لا تكون فقط للبحث عن الماضي في التاريخ لكن للبحث عما في الماضي ما يمكننا من بناء المستقبل و معاصرة الزمان. و عموما يشدد الكاتب على ضرورة تحلي المؤرخ بقيم الإنسانوية الجديدة المعادية للعولمة و النيوليبرالية المتوحشة حتى نتمكنا من تطوير الكتابة التاريخية و ابتكار اتجاهات مستحدثة ترتقي بالمؤرخ إلى مرحلة الإبداع. يتطرق الكاتب كذلك الى قضية أخرى و هي كتابة التاريخ العربي و اشكالياته حيث ترتسم في هذا الأفق عديد المسائل لعل أهمها مسألة التحقيب التاريخي حيث لا يزال التاريخ العربي خاضعا للتحقيب الغربي الذي فرضته أروبا عن طريق سردية تاريخية لماضيها.

يؤكد الكاتب كذاك على ضرورة تجنب المؤرخين العرب التبني الأعمى للمفاهيم الغربية إذ لا يجب إسقاطها جزافا على تاريخنا بطريقة تعسفية داعيا في ذلك   إلى ضرورة الإنكباب على دراسة قضايا راهنة و إستراتجية تخدم الشأن الوطني و تدفع بحركة التقدم و الرقي إلى الأمام من ذلك مثلا قضايا المرأة حيث أن الدراسات الجندرية لا تزال ضعيفة التطور و كذلك قضايا الأقليات إذ لا يمكن لأحد أن ينكر أهمية هذا السؤال الشائك اليوم و أخيرا  قضايا البيئة و التغيرات المناخية.

يختم المؤلف كتابه بخاتمة عامة يستخلص فيها البون الشاسع الذي يفصل بين السرديات التاريخية للدول والتنظيمات السياسية العربية و كتابات المؤرخين وهذا البون الشاسع يعود أساسا لهدف كل طرف فحينما يسعى السياسي لتوظيف التاريخ لخدمة مآربه السياسية يسعى المؤرخ إلى بلوغ الحقيقة التاريخية و لا شيء غيرها. وعموما فإن الأستاذ التيمومي يرى أنه على الرغم من هذه الفوضى التدميرية الغارقة فيها البلدان العربية فإن الأمل يبقى معقودا وخاصة إذا ما نظرنا إلى التاريخ نظرة نقدية جذرية تسمح لنا بفهم الحاضر.

بعد هذه القراءة السريعة في مضامين هذا الكتاب لا بد من أن نسوق بعض الملاحظات البرقية و السريعة:

أولا يهدف الكتاب إلى بيان أن المؤرخ يظل عنصرا  فاعلا في المجتمع يدعو دائما إلى تحرير الكتابة التاريخية من تسلط السياسي ورغبته في احتكار التاريخ و توظيفه  وهو بذلك يساهم في الدفع بمسيرة التحديث و التنوير من خلال خلق رؤية أعمق لتاريخنا تمكننا من فهم الماضي و تمثل الحاضر و استشراف المستقبل.

ثانيا لا أعتقد أن هذه السرديات التاريخية التي يوظفها السياسي مرتبطة فقط بالكيانات العربية وإنما نجد ذلك أيضا عند الدول الغربية التي تستند هي الأخرى لمرويات لا تقل خطورة عن هذه التي توظفها الدول العربية.

أخيرا لا يمكننا أن ننفي وجود مؤرخين سخرتهم السلط السياسية لخدمة أغراضها و إنتاج معرفة تاريخية تصب في صالحها و هذا أمر خطير يتوجب الانتباه إليه حتى نتمكن  من معرفة  “مؤرخي البلاط” الذين لا يتوانون عن تزييف التاريخ و توجيهه وجهة أخرى.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق