السّؤال روح الإيمان: قراءة نقديّة في أعمال نصر حامد أبو زيد(1من2)

ليس سهلا ان يكون الإنسان مؤمنا، لأنّ ذلك يتطلب منه القدرة على إنتاج السؤال، حتّى يتحرّر من أسر الأجوبة الجاهزة للدين السّائد الّتي تجعل منه واحدا من الأتباع وفق قوانين الجماعات والعصبيات وأعرافها والّتي لا تكفّ عن إنتاج الفرق والملل والنحل والخلاف إلى حدّ الاقتتال في ادّعاء امتلاك حقيقة الأجوبة الصحيحة للدين القيم. فالمؤمن هو الذي يتحمّل مشقة ومحنة عذابات السؤال مهما كلّفه ذلك من تضحيات جسام، ودون الخضوع لأيّة تنازلات أو ترضيات، لأنّ في ذلك إلغاءً للسّؤال الّذي هو روح الإيمان.

 أولا – أفكار من أجل سردية جديدة

أوضح منذ البداية أنّني أتعامل مع مفهومي الدين والإيمان كما لو كنت أتعامل مع مفهومي الطوباوية والإيديولوجية، فكلما تحوّل الإيمان/ الطوباوية إلى مسألة عقائدية شعائرية وطقوسية فقط إلا وكان أقرب إلى مفهوم الدين/الإيديولوجية بمعناه العصبي الجماعي، أي الانفعالي للانشطار الوجداني الباحث عن خصم شيطاني يسلبه قيمته الإنسانية، حتّى يسقط عليه كل الشرور. ولذلك أرى بأن الإيمان فردي بامتياز يسمح بالحديث عن المؤمن، ومتى صار جماعيا إلا وكان مجرّد دين عصابة ينتج الأتباع، وشتان بين المؤمنين والأتباع. ومن جهة أخرى الإيمان سؤال لا يكف عن الشك في اليقين بحثا عن اليقين، ومن جهة أخرى الدين جواب يرفض الشّك ويُكفر السؤال. لكن ما الذي يجعله يَكفر بالسّؤال ويُكفر السؤال، هل بسبب حرصه على الإيمان أم استجابة لنزوة التّسلط والسيطرة على الدنيا من خلال الدين بما يناقض السّؤال الّذي هو روح الإيمان؟

فكيف يمكن اليوم ان نفكر في الإصلاح الديني، بمعزل عن كلّ ما قيل حول الإصلاح الديني، لأنّ الأمر لا يتعلق بالدين كزاوية نظر وأفق للتفكير خارج المشروع الوجودي للإنسان، بل كشف القناع الالهي الّذي سيج به الدين التاريخ البشري للإنسان في سياقاته وظروفه وسيروراته التاريخيّة الاجتماعيّة، والسياسيّة الاقتصاديّة، والثقافيّة الأنتروبولوجيّة… وهذا الكشف هو الّذي يسمح برؤية جدل التفاعل بين السّؤال/ الإيمان والواقع الحي للإنسان، وهو تفاعل ليس بالسهل اليسير، حيث اصطدم في نشأته وتكونه كسؤال بالدين، أي بالايديولوجية السّائدة، الّتي تأخذ اشكالا تعبيريّة اجتماعيّة مختلفة في عنفها القمعي، من المرن القانوني او الشرعي إلى الاقصاء والنفي وهدر الحياة. ومن ضمن هذه التعبيرات نجد مظهر الاعتقاد الّذي يكون رفضه للشّك وتكفيره للسؤال سببه سياسي اجتماعي خوفا على أجوبة اليقين الّتي تحمي الدين في وجوده المشروع والشرعي، أي في وجوده وشرطه التاريخي الاجتماعي كاجتماع إنسانيّ، محكوم بالتّغلب والّتسلط والقهر والطغيان باسم قداسة الدين. الإصلاح الديني بالمعنى الّذي نطرحه لا علاقة له بإنقاذ الدين وتجديده أو إصلاحه كما يقال عادة في التداول اليومي لتصريف أزمات/أسئلة المجتمع من خلال أجوبة الدين، بل الإصلاح الديني هو إنقاذ للإنسان من نزوة تسلط الدين على حقّ السؤال الّذي هو روح الإيمان في ممارسة الشّك، ونزع قداسة الدين عن تاريخ الإنسان، أي هو استئناف سيرورة جدل التفاعل بين الأرضي والرمزي، بين المادي والمعنوي، بين الحياة والسؤال، إنّه استئناف ممارسة التغيير الاجتماعي، وعيش الصيرورة، حيث لا ثوابت دائمة في الإيمان غير أفق السّؤال الّذي يبني حقيقة اليقين باستمرار. الشّيء الّذي يستلزم النظر الى ما تمّ في السؤال الإبراهيمي والمحمدي كأنه نقصان يتطلب استكمال البناء من جديد. هكذا هو الإيمان سؤال لا ينتهي ولا يعرف حقيقة الكمال، ولا كمال الحقيقة. من ثمّة كان الدين/الجواب عدوا للشّك والسّؤال، وبالتالي للإنسان والإيمان.

بمعنى بسيط وواضح كلّ الوضوح أن الدين  في حركة ولادة سيرورته الإيمانية كان مرتبطا بما يحدث على الأرض من دلالات وعلاقات وتفاعلات بالتاريخي الاجتماعي للمجتمع الإنساني. لذلك وجب النظر إلى الإيمان من زاوية السؤال وما يجابهه اليوم من تحديات تفرض ابداعات وصياغات متنوّعة ومتباينة للسؤال كي يكون جديرا بوعد الخلاص للإنسان في الحياة الدنيا وبأمل النجاة من غم وهم كدر المأساة، ككائن يعرف بحرقة فناءه المحتوم. لذلك فإنّ تجديد واستئناف القدرة على السؤال يحتاج الى الانطلاق من سردية ما تمنحنا حق شرعية السّؤال والشّك في الجواب/ الدّين.

والسرديّة الّتي نراها النموذج هي تجديد النظر إلى السّؤال الإبراهيمي والمحمدي: هذا ربّي، هذا ليس ربّي؟ وهما معا يكذبان الآباء الأولين في عبادة أجوبة الدين

ثانيا – السّؤال روح الإيمان

ما الّذي يجعل الدين عاجزا عن تحمل مشقة السّؤال، هل السّر في ذلك  هو أنّه خائف حقّا من انكشاف عريه، ولذلك يتعفّف داخل حجاب أو بتعبير أدق داخل نقاب الأجوبة؟ ألهذا الحدّ يرى الدين الجواب أفق خلوده الوحيد، بينما يفرّ من حتفه المحتوم في أفق السّؤال؟  أيمكن القول بأن الجواب والدين توأمان يشهدان أفول الإيمان، أي سؤال الحقيقة وولادة يقين أجوبة الأوهام؟ لكن ما الّذي يحول بيننا وبين إمكانية إعادة طرح السؤال الابراهيمي: هذا ربّي، هذا ليس ربّي،  بمعنى إزاء آيات الرّحمة والمودّة والسّلام والمحبّة…، نقول هذا ربّي، بينما تجاه آيات العنصريّة  ودونيّة النّساء والكراهية والقتل…هذا ليس ربّي؟ وهو لم يكتف بتكذيب آبائه، بل تجرأ على تكسير الآلهة/ الأصنام، ثمّ وضع آلة الهدم في عنق كبيرهم ليضع قومه وجها لوجه إزاء اجوبة دينهم مقتنعا بأن السّؤال روح الإيمان، وهو مناقض في ذلك للدين الّذي همّه الوحيد هو التمترس وراء الأجوبة الجاهزة للآباء الأوّلين. ما الّذي يمنعنا اليوم من حدس هذا السّؤال ومحاولة تلمس ولادته وتكونه وتطوره كرؤية وممارسة تفكير ونمط حياة؟ وما هي السياقات الّتي نعدمها نحن بينما كانت حاضرة بالنسبة لإبراهيم، ثمّ من بعده النّبي محمد وهو يكذب آباءه حين كان يسخر ممّا كانوا يعبدون؟ كيف تجاوزا إبراهيم ومحمد سقف الأجوبة ودخلا في افق اللاّمفكر فيه دون أن يخضعا لإكراهات ممنوع التفكير، وما يبدو لنا نحن مستحيلا التّفكير فيه؟ أليس من حقنا السّؤال وهو روح الإيمان، ونكذب آباءنا وكلّ أساطير الأوّلين في اجتهاداتهم وأفكارهم واعتقاداتهم وتفاسيرهم وتأويلاتهم…، دون أن نخشى لومة لائم من أهل الجواب، أو قل من أهل الدين الّذين اعتلوا منصة الحقّ والجواب اليقين؟ ما الّذي يزعجهم ويقلقهم ونحن نقتحم السّؤال الإبراهيميّ من جديد: هذا ربّي ، هذا ليس ربّي؟ ونحن نمارس حقّ التّفكير في الحياة، في زمن حيث لا ممنوع التّفكير فيه، أو مستحيل التّفكير فيه؟

سياقاتنا أكبر من أجوبة آبائنا الأوّلين، وسقف السّؤال أعلى وأوسع وأعمق من أزمنتهم وأمكنتهم، بما يجعل السّؤال أعقد بكثير ممّا كان وحصل من ورشات في آيات التنزيل. أوّلا لأنّ السّماء لم تعد تخصنا وحدنا، وأنّ الأرض نشترك فيها مع الآخرين، الشّيء الّذي يلزمنا بالعالمية في كلّ شيء، في الرؤية والتّفكير، في الفعل والأفكار، في القوانين والأخلاق والمعاملة والتّواصل الإنساني، في قراءة الماضي والنّظر إلى الحاضر والحلم بالمستقبل، في احترام الإنسان وتأسيس الدول…، لاشيء خصوصي مسبق في التّاريخ والدين واللّغة والعرق…، يجعلنا أفضل من النّاس.

ثالثا- طغيان النّص: فائض في الدّين، وشح في الإيمان

نأخذ هنا النّص  ليس فقط بمعناه المكتوب، بل أيضا بالمعنى الواسع ثقافيا وسوسيولوجيا وأنثربولوجيا، وفي كلّ ما يتعلق بالقيم والبعد الحضاري للمجتمعات. تعيش اليوم مجتمعاتنا نوعا من سيطرة النّص: من المكتوب، المفسّر، المؤول، المسموع، المرئي، الملبوس، وفي كلّ السكنات والحركات بما في ذلك التّحكم في العقول والقلوب، أي على كلّ مفاصل ومظاهر الحياة، كما لو أنّنا في مرحلة الزّهد والورع وتقوى روح الإيمان/ السّؤال، لكن واقع الحياة لا يؤكّد إلا فائض الدين/ الجواب، وشح الإيمان/ السّؤال. فسطوة النّص هذه ترى خللها الوحيد في عدم اعتناق الدين والأخذ بكلّ أجوبة السلف من الآباء الأولين، وأن النهوض الاجتماعي والحضاري لن يتحقّق على أساس السّؤال، لأنّه ليس هناك أحسن ممّا قيل من أجوبة ناجزة نهائيّة في نصوص الدين. والنّص بذلك آلية من آليات إيقاف التّفكير، بل يمنع حدوثه لأنّه يغيب السّؤال في كونه عبادة متجاوزة للشّعائر والطّقوس، أي بحث مستمر عن اليقين” واعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين”. طغيان النّص يعني إلغاء للإنسان وإكراه في الدين، الشّيء الّذي يولد تناقضا بين القيم والممارسات، بين الأقوال والأفعال، بين النّفس وحقيقتها…

طغيان النّص في كلّ مظاهر الحياة يعني بمنطق العادة سيادة الدين، وجعله قسرا، وضدّ جدل تاريخ الاجتماع الإنسانيّ، صالحا لكلّ زمان ومكان، ومن ثمّة إعلان سيطرة ثقافة الأجوبة، وموت الإنسان والسّؤال في استكمال ورشات الإيمان في سيرورتها التاريخيّة، إذ لكلّ زمان ومكان أسئلته، أي أشكال إيمانه الّتي لا تفارق السّؤال، في الحفر والشّك، في الهدم والبناء، وفي التّكذيب المستمرّ لسطوة الدّين على حقّ الإنسان في السّؤال، أي في الإيمان.

طغيان النّص يعني انتصار عصابة الدّين على فردانيّة الإيمان، وانتصار المقبرة على المدينة، وأيضا انتصار نزوة الموت على نزوة الحياة، من خلال فقدان المناعة الذاتيّة بالانجذاب السحريّ إلى ثقافة الفناء والإفناء، وبالتاّلي النّمو الذّاتي لآلية التّدمير والتّآكل الداخلي للمجتمعات بفعل التّوحش الدينيّ العصبيّ الإيديولوجيّ. إنّها أخطر آلية ينتجها استبداد الدّين على سؤال الإيمان حين يطغى النّص على الوجود الإنسانيّ. وهذا ما يسمّى أقصى درجات الاستلاب العقائديّ لقيمة وحرمة وحصانة الإنسان. يستبطن الأتباع – لأنّه في ظلّ التّشيؤ والاستلاب لا يمكن الحديث عن المؤمنين – تبخيس واحتقار مشروعهم الوجودي في الحياة، فيجعلون من أنفسهم مجرّد وقود للعنف والخنوع والعبوديّة مستجيبين لكلّ ما تمليه عليهم برضوخ قربانيّ نزوة الموت في سلوك مسلك الوحش المروع، أو الذبيحة المنبطحة باسم أقنعة قداسة الدّين. وهذا ما يجعلنا إزاء فائض في الدّين، في أشكال مختلفة من التّدين النصيّ، وشحٍّ في الإيمان.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق