أوبرا العشق القاتل من مضارب العرب حتّى بلاد الإغريق

قيس يغازل ليلى بالفرنسية في "أورفيو ومجنون"

كثيراً ما يُردّد العرب عبارة “من الحبّ ما قتل”، فكيف إذا كان الحبّ مُسبّباً للجنون وللموت معاً، حينها تصدق عبارة “جنون الحبّ القاتل”. فالتّاريخ مليء بحكايات وأساطير تتحدّث عن سعادة الحبّ الّتي تحوّلت إلى شقاء وعن متعة العشق الّتي تشوبها المعاناة وتنتهي بمأساة، كما حدث مع الشّاعر العربيّ قيس بن الملوح وحبيبته ليلى (هناك خلاف حول تاريخ هذه القصة بين من ينسبها الى العصر الجاهلي ومن ينسبها إلى فترة حكم عبد الملك بن مروان ومروان بن الحكم حيث يذكر أنّه ولد في 645م ومات في 688 ). القصّة التي تحوّلت إلى عمل أوبرالي عالمي مدموجاً بأسطورة أخرى يونانيّة “أورفيو وأوريديس” شكّلت ثلاثية: العشق والجنون والموت.

هذا الصيف الّذي اشتهر بحرارته الشديدة بدأ في جنوب فرنسا بعمل فني أعطى للمناخ نداوته من خلال أوبرا “أورفيو ومجنون” التي عُرضت في الهواء الطلق في ساحة “Cours Mirabeau” وسط مدينة Aix-En-Provence، القريبة من مدينة مارسيليا.

بين حضارتين

ساحة “كوور ميرابو” في ذلك المساء كانت عبارة عن ملتقىً إبداعي بين حضارتين عربيّة وإغريقيّة تولف بينهما اللّغتان الإنكليزيّة والفرنسيّة، مع الحفاظ على نطق الأغاني الشعريّة العربية بلغة الضّاد إذ ظهرت مشاركة عربية واسعة في التّأليف الموسيقيّ والأداء والعزف واختيار مشاهد ملائمة لجو الصحراء العربية الّتي عاش فيها قيس. لذلك بدت السينوغرافيا ساحرة بمشهديتها المتنقلة بين عالمين مختلفين يجمع بينهما الفنّ الملحميّ الأسطوريّ وقيمة الحبّ بلذّته وشقائه، وحتمية الموت.

 هواة وسط العمل

لعلّ من محاسن هذه الأوبرا أنّ هذا المشروع الّذي صمّمه الفنان آيران بيرج، وضع المشاركين الهواة في وسط العمل الإبداعي، فبعد نحو ثلاث سنوات من الجهد الدؤوب على انجاز تفاصيل وتقنيات العرض من موسيقى ورقص وتجهيزات وثياب ومجسّمات لحيوانات مشابهة لما تتحدّث عنه الأسطورتان. ورشات عمل كثيرة تمّ تنظيمها في عدة مسارح وأماكن عامّة ومدارس، بتنظيم من شركة Passerelles مع طلاب المدارس والجمعيات والمؤسسات التربوية والفنية، مكّنت عشرات الهواة من جميع الأعمار مشاركة الفنّانين المحترفين، الأمر الّذي ساهم في نضوج هذه الثمرة الجميلة.

ديار بني عامر

إذن نحن أمام عمل مسرحي أوبرالي ضخم في ساحة عامة تتّسع لمئات الأشخاص جلوساً ووقوفاً وعلى شرفات الشقق المحاذية، يستمتعون بعرض مباشر ومن خلال شاشات كبيرة على جانبي الطريق تتضمن ترجمتين بالفرنسيّة والإنجليزيّة.

تتغيّر المشاهد بحسب القصّة  ففي قصة “قيس وليلى” يظهر جو الصحراء حيث القمر يضيء البراري الّتي تعيش فيها الوحوش، أو مضارب القبائل العربية وأشخاص بجلابيب إلى جانب مقتنيات بدوية وغناء أصيل على وقع موسيقى مستوحاة من الفنّ العربيّ.

هنا عاش الصغيران قيس وليلى في ديار بني عامر في نجد (تقع في السعودية الآن) يرعيان لأهلهما الغنم، واشتدّت العلاقة بين هذين الصغيرين وكبرت حتّى عشق كلّ منهما الآخر بجنون. إذ كان قيس يلتقي بليلى في غار جبل التوباد، بعيداً عن أعين أبناء القبيلة.

حين كبر قيس طلب من عمّه يد ليلى للزواج لكنّ الأخير رفض، إذ كان سائداً بينهم آنذاك نبذ العشق، وكان عقاب ذلك حرمان العاشقين من بعضهما. لذلك رحلت عائلة ليلى إلى تيماء لتبتعد عن كلام النّاس، ما أدى إلى إشعال نيران الشّوق بين العاشقين إلى أن صارت قصتهما على كلّ لسان بما اشتهرت به من قصائد غزلية خطّها قيس لمحبوبته، منها:

“أَلَيسَ اللَيلُ يَجمَعُني وَلَيلى        كَفاكَ بِذاكَ فيهِ لَنا تَداني

تَرى وَضَحَ النَهارِ كَما أَراهُ      وَيَعلوها النَهارُ كَما عَلاني”

أمّا ليلى فقد انفطر قلبها ألماً من ذلك الفراق وقد أُجبرت على الزواج من  رجل آخر لا تحبّه، فيما أصيب قيس بالجنون فكان يقضي أيامه ولياليه ينشد الأشعار ويبكي. رحلت ليلى عن الحياة من دون أن تودع حبيبها الّذي لم يطل إنتظاره فلحق بها إلى القبر، وممّا قاله:

“سأبكي على ما فات مني صبابة       وأندب أيام السرور الذواهب

وأمنع عيني أن تلذ بغيركم      وإنِّي وإنْ جَانَبْتُ غَيْرُ مُجانِبِ

وخير زمان كنت أرجو دنوه    رَمَتْنِي عُيُونُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ

فأصبحت مرحوما ًوكنت محسداً          فصبراً على مكروهها والعواقب

ولم أرها إلا ثلاثاً على منى     وعَهْدِي بها عَذرَاءَ ذَاتَ ذَوَائِبِ

تبدت لنا كالشمس تحت غمامة  بَدَا حاجِبٌ مِنْها وَضَنَّتْ بِحَاجِبِ”
عشق وأفعى

أمّا أسطورة “أورفيو وأوريديس” فبعد أكثر من 400 عام على العرض الأول للأوبرا الغنائيّة «أورفيوس» الّتي أبدعها الموسيقار كلاوديو مونتيفردي في العام 1607، عادت الأسطورة إلى ساحة المسرح الغنائيّ بحلّة جديدة. إسطورة تُجسّد موت أوريديس يوم زفافها ورحلة أورفيو إلى العالم السفلي «هاديس» لإعادة معشوقته إلى عالم الأحياء. وأورفيو Orpheus في الأساطير اليونانية هو شاعر وموسيقي من تراقيا Thrace وهو ابن الإله أبولون Apollon وأمه كاليوبِه Calliope (إحدى ربّات الشعر والموسيقى التّسع عند اليونان). وأهداه أبولون قيثارة فكان يعزف عليها ويغني ألحاناً شجية ساحرة.

تزوج أورفيو حورية الغابة أوريديس Eurydice الّتي هام بها. لكن القدر لم يمهله فماتت زوجته من لدغة أفعى في أثناء فرارها من أريستايوس بن أبولون الّذي راودها عن نفسها. حزن أورفيو عليها فلجأ إلى زيوس الّذي سمح له بأن ينتقل إلى العالم السفلي (عالم الأموات Hades) كي يعيد  زوجته إلى الحياة.

وتمكّن أورفيو بألحانه الشجية من التأثير في ملك العالم السفلي بلوتون Pluton وزوجته بيرسفونه Persephone فأذنا له باصطحاب أوريديس إلى عالم الحياة والنّور شرط ألا يلتفت أي منهما إلى الوراء لدى مغادرته عالم الأموات. وحين بلغ أورفيو، ثغرة تفصل بين العالمين أراد أن يتحقّق من أن زوجته ما زالت خلفه فالتفت إليها فاختفت لساعتها، واعتزل أورفيو الناس متوحداً في الغابة يعزف على قيثارته إلى أن قتلته عصبة من نساء تراقيا كن يمارسن طقوساً سرية احتفاءً بديونيسوس Dionysus، حين رفض مشاركتهن الغناء، فقطعنه إرباً إرباً وبعثرن أشلاءه، ورمين برأسه في نهر هِبروس Hebrus.

يلاحظ المشاهد لهذا العرض الّذي تمّ بدعم “برامج أوروبا الإبداعية” التابع للاتّحاد الأوروبي، كثرة الحيوانات البريّة والطيور الأسطوريّة والّتي عايشها كل من العاشقين خلال هيامهما في البراري. هذا المناخ الأليم المصحوب بموسيقى تراجيديّة ومشاهد حزينة على ايقاع القصائد الغزليّة، تجعل العمل من نوع الغنائيّة التراجيديّة بامتياز.

مسيرة الحيوانات

كان لافتاً على مستوى الإستعداد والترويج لهذه التظاهرة الفنيّة الرائدة، المسيرة ” Parade ” الّتي سبقت عرض الأوبرا بأسبوع في ساحة “كوور ميرابو” أيضاً، والّتي شارك فيها المئات يحملون مُجسّمات الحيوانات والطيور ومنهم من ارتدى الملابس المخصصة للعرض، على وقع الموسيقى والرقص المستوحيين من أجواء العمل. فإيقاع الموسيقى الإحتفالية تميز بلمسات من موسيقى الجاز والبحر الأبيض المتوسط والأفريقية الأميركية. كما سبق العرض عروض مسرحية في عدة أمكنة ومدن فرنسيّة منها المسرح الكبير في مدينة إكس إن بروفانس، وهي من فحوى الأسطورتين بعنوان “ليلى وأوريديس” من بطولة كل من الممثلات جان روسيل وهيلين لازكومب ومارغريت بيناتل.

لعلّ أهميّة الأوبرا الّتي تميزت بموسيقاها وكلمات قصائدها وأناشيدها، كانت في مشاركة فنانين كبار مثل الموسيقي الفلسطيني منعم عدوان ورافائيل إمبرت، عازف الساكسفون والجاز، والمغنية ماريون رامبال من شركة “Nine Spirit”، ومديرة الجوقة ألكسندرا ساتغر، والمخرج جوليان مارشيسو من شركة ” Rara Woulib”.

أمّا الجوقة فقد تألّفت من 150 هاوياً من (بما في ذلك جوقة ابن زيدون، التي يديرها عدوان، جوقة الهواة من منطقة Aix-Marseille، جوقة من المدارس شركاء المدارس والجامعات والمعاهد الموسيقيّة في المنطقة).

في هذا المجال ، كتب الملحنون الثلاثة لـ”أورفيو ومجنون”: ديك فان دير هارست للجزء الأنجليزي من الأوبرا، منعم عدوان للجزء العربي من النّص التشكيلي وهارد مودي للجزء الغنائي من الجوقات. وأنجزت الأوبرا على نص موسيقي لمارتينا وينكل، بينما قامت بالترجمة الشعريّة العربيّة فاتنة الغرة، والترجمة الفرنسيّة كانت من قبل آلان بيروكس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق