علي زيعور في حوار صامت مع الكبار في المدرسة العربية الرّاهنة في الفلسفة والتّصوف

(عبد الرحمن بدوي، محمد عابد الجابري، جورج طرابيشي، محمد أركون)

قد يكون من النوادر في عالم الكتابة والتأليف في العالم العربي أن يجري كاتب أو فيلسوف أو عالِم متخصص حوارات صامتة مع أقرانه من أهل الفلسفة والعلم. يحدث غالباً وضع مقالات وأبحاث وكتب، تناقش فرضيات وآراءالكتّاب والفلاسفة والعلماء، مما يسمح بالتعرف على أفكارهم ونتاجهم الفلسفي والعلمي بعيون قارئيهم وعارفيهم ومنتقديهم. 

 في هذا الحوار الذاتي الأقرب إلى المقابسات يتحاور المعلم علي زيعور، أستاذ التحليل النفسي والفلسفات النفسية، مع أربعة أعلام كبار في الفلسفة وتاريخ التصوف الإسلاميين، هم على التوالي: عبد الرحمن بدوي، محمد عابد الجابري، جورج طرابيشي، ومحمد أركون. ليست الغاية نقد الأفكار أو صدها، وإنما إجراء تفاكر علمي متكافئ معها بغية الكشف والفهم وإعادة البناء. 

لا يهدف الحوار/ المقابسة، الذي يشكل فصلاً من كتاب أوسع قيد النشر، تقديم إطار عام حول المناهج والأفكار التي صاغها هؤلاء الكبار فحسب، بقدر سعيه إلى إنتاج “قراءة نقدية موازية”، تعمل على الكشف عن”المحجوب” و”المكبوت” في النصوص والنفوس، استناداً إلى منهجية جديدة على العالم العربي، قوامها محاورة في العمق لتنظيرات وطرائق تفكير بعض أعلام المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والتصوف، الداعي إلى تأسيسها زيعور،كمشروع مفتوح أمام المبدعين العرب في هذين الحقلين.

ربما يواجه القارئ هنا صعوبات في فهم المصطلحات التي ابتكرها زيعور، لكننا لم نتدخل فيها على الرغم من صعوبتها، إيماناً منا بأن اللغة المكتوبة مرآة عاكسة لهوية صاحبها وفكره. قمنا بتعريف أبرز الشخصيات الواردة في هذا الحوار/ المقابسة وأشرنا إليها في الهوامش، فقد تغيب عن عقول البعض.

  وضع الدكتور علي زيعور، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية سابقاً، العديد من المؤلفات في ميدان علم النفس والفلسفة النفسية. طالب بتأسيس “المدرسة العربية في التحليل النفسي” وكتب كل مؤلفاته  باللغة العربية، على الرغم من أنه يجيد الفرنسية، وذلك لإيمانه بأن العربية بإمكانها  استيعاب العلوم الحديثة، لذا نجده يستحدث مصطلحات مبتكرة قادرة على مواكبة علم النفس في العالم العربي. من مؤلفاته: “التحليل النفسي للذات العربية أنماطها السلوكية والأسطورية” ( دار الطليعة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1987)؛ “الكرامة الصوفية والأسطورة والحلم: القطاع اللاوعي في الذات العربية” (دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1978)، “قطاع البطولة والنرجسية في الذات العربية: المستعلي والأكبري في التراث والتحليل النفسي” (دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1982)، “الأريكة التحليلنفسية والمقعد الفلسفي داخل الدار العربية للنفسانيات والفكر الاجتماعي والصحة الحضارية” (مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2015).

وفي ما يلي نص الحوار/ المقابسة:

  • مَن تختار من الكبار الذين، في حقول الفلسفة والتصوّف، مهّدوا الفضاءَ والنجاح لِمن أطلقْت عليهم اسم “السادوس في نقد الفكر العربي الراهن؟ لا نريد تكديس معلوماتٍ تاريخية. نفضّل البحث سوياً وحوارياً في شخصياتٍ تاريخية حرثَتْ وزرعتْ فِي حقول ذلك الفكر، أو في النظرانية والعقل العملي، والعقلِ الصراطي أي ذي الرأي المستقيم.

– يُعدّ عبد الرحمن بدوي (2002) بطلاً مؤسِّساً. فقد خصّب الأرضَ الصالحة، وأشاد المداميك المتينة في الصرح الفلسفي العربي؛ ووسّع وغَذّى الفعل الفلسفي المعاصر والراهن؛ وأنتج وغرس في شتى حقول الفلسفة العربية، وفي انتقالها وتزخيمها للفلسفة الوسيطية؛ وأشاد نظريته الخاصة والمميَّزةَ فِي الوجودانِية من حيث هي كونيةٌ وعالمية، كينونيةٌ وتنويرانية، حداثانيةٌ واستراتيجيا مستقبلانية أو مستقبليةُ الرؤيةِ والصِيغةِ والمعادَلة. ما زال بدوي معتَبراً، داخل المدرسة العربية في الفلسفة، ركناً هو الأقدر والأمتن في “توكيد وتزخيم” الفلسفة اليونانية – العربية – اللاتينية.

ومِمّا عزّز تلك البطولة، عند بدوي، براعته في التفكير النظري وصقلِ اللغة العربية في عودتها القديرة إلى التعبير الفلسفي، وفي حملِ وتطويرِ ذلك الخطاب العالمي الغزيرِ والمتنوّعِ والمعقَّد، وفي الانفتاح والتدبّر والاحتضان للفلسفة والفكر الكوني والتصوفِ العالَميني والمذاهب الإنسانوية…

  • أين اختلفت أنت ومحمد عابد الجابري؟ هل أعطى ما هو أهمّ أو أكبر من عطاء المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والتصوف؟ أظنّ أنّ نجاحات هذه “المدرسة” في التصوف، كشاهد، كانت رائعةً وغير مسبوقة. ولذا أنا أسأل: لماذا لم يَهتَمّ الثالوث الفلسفي العربي الراهن (محمد عابد الجابري، محمد أركون، عبد الله العروي… الخ.) بالتصوف؛ أي على غرار ما فعل بدوي وأنتم ومنتِجون آخرون يُعَدّون من الفلاسفة، ويَعدّون فلسفةً شامخة النظرياتِ في التصوفِ العقلانيِّ والإنسانوي، أو القطبانيِ والعِرفاني، كما السياسي الاجتماعي، اللامقوَمَنِ أي صاحب الهويةِ المتعدّدةِ المنفتحةِ والخاصةِ بالبشرية جمعاء؟

_ جرت انتقاداتٌ وتفكّرات عديدة على التقسيم الذي اتّبعه وطبّقَه الجابري. نحن نقول إنّه اختزل الفكر، وقلَّص النَّظَر، وأسرف في الوثوق والانبهار برأيٍ كان شائعاً أو معروفاً ومعهوداً… وهو رأي صوفي، إلى حد بارز، على حدّ إقرار الجابري نفسه بذلك، واستنتاجه للتمييز والتفوق أو القطيعةِ بين المَشارقي والمغاربي.

حتى المدرسة العربية الراهنة قالت إنّ في لاوعي ذلك التفكير المغاربي ومطموراته، أو في دوافعه المستورة الموغِلةِ و”الطفولية”، مشاعر سلبية مترسِّبة ودفينة… ومن تلك المشاعر التي حكمَتْ وأثَّرت ذكَرْنا الحسد والغيرة؛ وهذا كله، بغير إغفالٍ لكراهيةٍ مقموعة، ومشاعر بالنقص، والحاجة للتعويض وليس فقط للبروز وطلبِ التطهّر والتوازن النفسي الحضاري.

ليس موضوعنا إعادة نقد أفكار الجابري في التصوف ثم القطيعةِ والتوزيعِ الثالوثي “للثقافة” العربية. إن محور البحث قائمٌ على الذين استثمروا أو وظّفوا التحليل النفسي، وعلم الصحة النفسية، في قراءة أو تفسيرِ التراث والنزعةِ التراثية (=التراثانية).

نعم! إنّ الجابري أعلن مراراً، وفي ندوات ومؤتمرات، أنه لجأ إلى التحليل النفسي؛ وبخاصةٍ إلى أوالياتٍ كالكبت والنكوص، اللاوعي والمعنى المحجوب، الحالة “التحليلْنفسية”… من هنا اعتُبر أنّه الفارس المتعَمشِق، الهاوي أو صاحب “اليد الثانية”.

لكنّ جورج طرابيشي هو الذي سعى لأن “يغتال” (يَقْتل، يَسْحل، يُلغي) الجابري بالأداة نفسها التي انتصر بها هذا الجابري. كسْرُ سلاحِ الجابري كان هدف الملاحِقين والمضطهِدين له.

  • ننتقل إلى جورج طرابيشي. أتذكّر أنك كتبتَ عنه بمودة وتعاونٍ أو إيجابية. فهو صديقك، وكان المدير لمجلة دراسات عربية، كنتَ تقول إنه سياسي متنفِّذ “يستغِل” الثقافة. وهذا مديح له. وقلتَ إنّه لطيف، محبوب ولم تَقْبل أن يوصَف بالمتقلِّب. ولم توافق قسم علم النفس(ببطلَيْه نزار الزين[i] ومصطفى حجازي[ii]) على “رفضِ” ترجماته لفرويد. وكان معروفاً أنّك كنتَ في صفّهما بعد أن انتقلتَ إلى قسم الفلسفة بناءً على إلحاحية كمال يوسف الحاج[iii]. وسبق لك أن قلت إن الرّجل بطلٌ منتج. والتعصّب ضدّه لا يخدم ناقداً يعطي المتغيرات الخارجية أو العوامل الموضوعية (البيئية، المجتمعية، التاريخية) أهميةً يجب أن تحلَّل، وأن لا تكتفي بالاستناد إلى العوامل الذاتيةِ النزعة (الحَسَد، الغيرة، الرغبة بالسيطرة أو بالانتقام، النكوص…الخ).

– نعم! قالوا إنّ طرابيشي متعصب لجماعته أو طائفته، ولنظام سياسي معيَّن في لبنان. بعد حوادث الفتنة اللبنانية، غدا يأتي قليلاً إلى دار الطليعة[iv] ليمارس وظيفته؛ وشَرَع يتهيأ للرحيل إلى فرنسا وليس للعودة إلى سوريا، إلى حلب…

وردّ صاحب الدار، بشير الداعوق، بحدّة وتجهّم: ليس هو من المتعصّبين. لا أُحِب “التعرّض” السلبي تجاهه. فهو من أهل الدار. وأنا آنذاك، الصديق للدار، للجميع، قلتُ: إنّه مِنّا وفينا. وسافر طرابيشي… ولم يلبث نجمه أن سطع في جريدة “الحياة” في باريس. حوَّل أو عدَّل وغيّر في نمط الكتابة التي كان يَعْمل فيها… ثم ظهر عمله التعقّبي النقدي لأعمال محمد عابد الجابري واشتهر… وكان مطاع صفدي[v] (ت. 2016) مهتماً بأن يُبدي، تجاه ذلك، التعجّبَ أو “الاستخفاف” لأسبابٍ ربما كانت غير فكرية. لا أعرف. بل أنا لم أفكّر في ذلك الأمر قطّ.

  • التعصّب يستطيع أن يولِّد التعصّب المضاد. وذاك ما يَخْرج بنا إلى الإشكالي والملتبِس وبالتالي إلى اللاتعاون، إلى النفور والسلبي والترافض المتبادَل.

– صحيح. إنّ ذلك الأمر لن يكون سديداً إنْ رام الفريقان المتضادان العمل المنتج، والتقدم في السير باتجاه تحقيق الإيجابي والنافع من أجل توفير المصلحة العامة، أو المنافع للناس (الشعب)، ورفع المستوى، وتعميقِ المعنى للإنسان والإنسانيةِ وأنسَنة المسيرة البشرية.

أنا لا أنفي أنّ طرابيشي متوقّد بعاطفةٍ دينية تُميِّز الأقلاوي الذي يعي أنّه مجروحٌ على يد الأكثرانية. وهو نفسه قال ذلك علناً وللجميع، إيحائياً ورغبةً بالإقناع؛ والاقتناع الذاتي المنيع.

إذا أنت أبديتَ تعصّبك فلن يَقْتنع عدوّك أو لن تَنْتفع المعرفةُ من التعصّب المضاد. لا شك أنّي سوف أقع في الفخ واللاعمل إنْ عاملتُ تعصّبكَ بمثيله. لذلك يكون المقتضى ضرورةَ التقدم من قِبَل الجانبَيْنِ للتعاون ما أمكن؛ وهذا، حتى بغير أن لا يَبدأ العمل المشترك إلّا بعد إزالة الاختلاف أو الخلاف أو المشاعر العدائية.

  • يُلاحَظ أنك في تقديرك ومحاكمتك للسيد طرابيشي تَتَعمّد أن تكون أحكامك صادرةً عن أهل دار الطليعة، أي باسم أصدقاء وزوّار الدار. هل أنت، والحال هذا، لا تحبّ أن تكون ناقداً أو معلِّقاً سلبياً على صديقك آنذاك؛ جورج؟

– كنّا أصدقاء. وأتذكّر أنه طلب مني لائحة المصطلحات الفرنسية – العربية إنْ في علم النفس والتحليل النفسي وترجمة فرويد؛ وإنْ في ترجمته لتاريخ الفلسفة. وعند صدور عمله، الثاني، أظهر شكراً لم يكن لي، بل لآخرين… وقال إنّه أخذ المصطلحات من كتبي المطبوعة في دار الطليعة وتحت إدارته لها؛ وليس ذاك شيئاً مهماً عندي لكنه قد يكشف فيه الميل إلى الجانب المضادّ.

لقد انقطَعَت العلاقة بيننا بعد وقبل أن يُبدع في عمله في باريس معتمِداً التحليل النفسي، ورافضاً بقطيعةٍ ونفورٍ التصوفَيْن العلماني الفردي (العقلاني، المسكوني، المحَبّاوي) والسياسي الاجتماعي اللاغي للملكية الفردية والدولة.

  • هل ترى أنّ الجابري، نظير طرابيشي، أخذَ عن شخصٍ مَحَلّي المفاهيم والمقولات التحليلنفسية، والعيادية الاجتماعية، التي ميَّزت خطابه في التفسير النفساني للتراث والمفكّرين المحلِّلين للتراث الذين منهم محمد أركون ومحمد عابد الجابري وأضرابهما من ناقدي العقل العربي كما العقل الإسلامي؟ لقد اعتُبر الجابري كأحد كبار الصَّف الثاني. كان المستعيرَ أو صاحبَ “اليد الثانية” من الزارعين في الدراسة العيادية الاجتماعية؛ وأقرّ بذلك.

– ربّما. بل ذاك معروف؛ لم ينكر الجابري ذلك الأمر؛ بل أخفاه أي قَنَّعه وسَتَره. هنا نذكُرُ أوالية (=آلية) النكوص؛ كمثَلٍ أو شاهد. فالنكوص تبقى أشهر وأهمّ المفاهيم التحليلْنَفْسية التي تَمَحْوَرت حولها “تحليلات” طرابيشي؛ والجابري أيضاً، والتالين الآخرين.

يؤدي التمركز حول أوالية النكوص إلى بلوغ مصطلحات لصيقةٍ وحتمية أهمها القول بالعُصاب؛ ومن ثم بالعُصاب الجماعي. وذاك مصطلح لم ينكِر أحدٌ أنه كان، أصلاً، قد شخّصته ثم حلّلته “الموسّعة في التحليل النفسي للذات العربية” في الجزء الأول تحديداً. ذاك جزء أوصى المرحوم طرابيشي بطبعه. فهو الذي كان أوّل من قرأه في دار الطليعة، وأسرع بطبعه بشير الداعوق (رئيس الدار).

ثمة مصطلحاتٌ أخرى متنوّعة سبقت إليها موسَّعة التحليل النفسي؛ فهي التي فتحتْ الباب، وصقلتْ الموضوعات والحقول الأهمّ، وطرحتْ نظريةً في العلاج النفسي المتنوّع والذي كان منه أهمية وطاقات التمركزِ حول الصابر (الزبون، العميل، المُعاني، المريض أو المستشير).

هنا نتذكر، في آخر الأمر، كتاب طرابيشي – مذبحة التراث –وكان فيه مهاجِماً ومتجهماً يحوم ويحور حول أوالية النكوص بحسب فهمه ثم توظيفه لها.

  • لماذا نلغي بعناد، وبلذةٍ ساديةٍ وإصرارِ المستبدّين، التحصّنَ داخل “قلاع” التراث، والتّغطّي والتلطي كما التراجع إلى منصات الانطلاق. لماذا تقوم عداوةٌ مَرَضية في وجه القليل والهادئ من النكوص الواعي، العقلاني، النقدي؟ لماذا وكيف ومتى تُقلَّص التراثانية برمّتها إلى مجرّد ردّ فعل، أو تكيّفٍ ناقص، اسمه النكوص؟

النكوص عند الراشد عودةٌ لا واعية إلى تجربة الطفل التي كان هذا فيها يحبو ويلهو، يعمل ويسلك، يتصرف ويردّ بأساليب مخصوصة على المثير والمهماز، والضغوط الخارجية، والشروط البيئية، والعوامل النفسية والاجتماعية المعهودة في ذلك العُمر من الحياة أو التاريخ ثم المسيرة إلى النضج، إلى الرشدان والصحة النفسِية – الحضارِية.

أمّا أوالية الانشطار فهي أيضاً مرعِبة. إنّها تَقْسم إلى ملائكة وأشرار، الأنا الممتازةِ والأنتَ الجاهلةِ المكروهةِ أو المُعادية، الذاتِ المنرجَسة المركزيةِ والآخر المطرودِ والمرفوس…

  • ما هي الفروق والاختلاف بين الدراسة التاريخية التي قام بها طرابيشي للحديث النبوي، وللمعجزات، و(بين) التحليل الذي أجرتْه، “موسَّعة التحليل النفسي”، لتلك الموضوعات نفسها؟

– هو الفرق بين المعرفة المشبعة بالسلبية المطمورة والمعرفة المجبولة أو المسيَّرة بروحٍ إيجابية تفاؤلية. هذا، إنْ تَسَرّعنا، إنْ قَسَونا وخرجنا عن الهدوء والتفاوض.

أنا أشعر بانتمائي، النقداني أي الاستيعابي ثم التجاوزي، إلى الحديث النبوي، إلى السُّنّة النبوية، إلى الفقهيات والفقهنة. وهذا كلُّه، برغم أنّي أعدُّ نفسي من المتشدّدين في إنتاج المعرفة غير الملهوَتة أو غير المفقهنَة، وغير العدائيةِ بل وغير التأييدية أو الممجِّدةِ لتلك الحقول… أنا أرفض الحَرْفانية واللاتاريخي في التفسير… لا يحقّ لنا أن نُلغي قراءةً أو تفسيراً، وتحليلاً أو فهماً أو تأويلاً. فالقراءات تَتَعدّد؛ وهي متعاقِبة ومتراكِمة. إنّ قراءة نصر حامد أبو زيد التأويلية نافعة؛ ونقول الحكْم عينه في صدد قراءة أو اجتهاد كلٍّ من: أركون، المتخيَّل الصوفي، العالِم، المؤرِّخ، الإلحادي، الباطِني… ولا يُغفَل التفسيرُ بالاستعارة والمجاز وشتى أسرار البلاغة، وبالحُلميات والرمزيات والخرافيات، والتحليل النفسي الإناسي والألسني…

  • لم تُفصح عن الاختلاف، فِي قراءة المعجزات، بينك وبين طرابيشي؛ وحتى بينكما وبين محمد عابد الجابري أو محمد أركون!

_ الجواب ميسور. أنا أخذتُ المعجزات بمثابة حقلٍ أو قطاع يدرسه “علم المختلَقة” النفسي. فالمعجزات نتاج متخيَّل. إنّها تُدرَك على غرار إدراكنا للعُصاب أو المرض النفسي، للحلم والحكاية الشعبية، الاستعارة أو المرموزة، الكليدِمنةِ[vi] وحكايا الجانّ، النكتة والأغموزة والفعل الزَّللي (=الفعل الناقص؛ كزَلَةِ اللسان)… والأهمّ هو، هنا، أنّ المَرَض العُصابي بشتى تشكلاته إثنَيْنِيُّ المعنى (الصريح المعلَن، والمطمور المحجوب أو المَنسي الدفين). وهنا نذكر أيضاً: ذكريات الصدمة أو التجارب الطفلية المكبوتة، والمؤثِّرة في السلوك والوعي والعلائقية.

قراءة طرابيشي، وقراءة الجابري، مختلفتان عن القراءة التحليلنفسية للظواهر المَرَضية، أو عن الالتماسات العِيادية، أو عن التركيز على طبيعة أو أهمية وتأثير المعنى المحمول أو المستور والمقنَّع  تحت المعنى الصريح أو وراءه، أو ما بعده أو أَحَفّ به ورافَقَه.

  • تذكّرتُ أنّك خصَّصتَ حقلاً محدّداً مستقلاً لتحليل الأدعية، والمواليد النبوية؛ وذاك في كتابك “حقول التحليل النفسي والصحة العقلية كما الروحية والحضارية”.

– نعم! نَشَأ ضمن تحليلاتنا علم نفس الأدعية والأوراد والأناشيد التديّنية، وعلم نفس الاختلاق[vii]؛ وهذا إلى جانب علم نفس القتل (والجَلْد، وقطعِ عضوٍ جسدي…)، وعلم نفس التراجع والاهتداء، وعلم نفس المُعادي أو البطلِ المناهِض، وعلم نفس السيرة الذاتية وتدوين التاريخ، وسيكولوجيا التعصّب والتفكير والحَرْفانِية…

  • لِنرجِع إلى ما هو الفرق، أو غير الفروق الكثيرة، بين دراسة الجابري ودراسة طرابيشي للمعجزة والوحي، أو للقرآن والنبوة؛ وخصوصاً للحديث النبوي، وللتراث وأوالياتِ الإنعتاق والتحرّر والتفريد (=الفَرْدنة).

– مُدهِش كما هو نافع، وسديدٌ صائبٌ أيضاً، الاهتمام بالفروق، بالانطلاق من المختلِف أو السلبي، المستبعَد أو المنجرح، المقهور أو المغدور ومهدور الكرامة والكيان والقيمة.

التأسيس على الفروق المميِّزة للمرحوم طرابيشي عن غيره (كالجابري، حنفي…) يُبَيّن خصوصياته، وأعماقه الغورية المخفية كما المقنَّعة.

  • موافق على الوضع جانباً لموضوعاتٍ من هذا القبيل عن شخصٍ أحببتَه قبل المحنة التي جعلته يترك بيروت إلى باريس. لكن، وللتاريخ وتاريخ الترجمة في الجامعة اللبنانية، لماذا كانت المواقفُ قاسيةً وطاردةً لترجمات طرابيشي؟

– كانت ترجمة جورج طرابيشي لأعمالٍ فرويدية كثيرة النفع للطلاب؛ لكنّ رضا الأساتذة لم يكن إيجابياً تجاه تدخّل طرابيشي، غير المتخصص أو المسيَّس جدّاً وغير الأكاديمي، في الشأن النفساني. فقد لاقَتْ رفضاً عنيفاً بسبب “الأسلوب الأدبي”، غير الدقيق وغير الأمين والوفيِّ للنّص. ومع ذلك، فقد حظيت المترجَمات “الطرابيشية” لفرويد بشهرة، وانتشرت بسرعة. ذاك أنّها ما كانت لتكون لو أنّ المترجِم المصري كان حاضراً أو كان ممكناً الحصول على أعمال مصطفى زيوَر (1907-1990)[viii]، ونُظرائه.

مَرّ أعلاه، كيف بدأ طرابيشي ذلك العمل، وكيف استطاع تجميع المصطلحات التحليلنفسيةِ والرّدَّ القاسي على نزار الزين ومصطفى حجازي والأساتذة “الملتزِمين” في قسم علم النفس؛ وقسم الفلسفة بالطبع.

لقد كان مسرعاً في عمله الترجَمِي. وكان ردّ فعلِه على نجاحه زيادة سرعته في الترجمة والنشر. ومنعُ الأساتذة في قسم علم النفس إدخالَ طرابيشي كمترجِم لم يؤخّر قط إصراره وفرحه الانتصاري

أمّا ترجمة تاريخِ الفلسفة، للفيلسوف الفرنسي إميل بْرَهييه (Émile Bréhier) (ت.1952)، فيسري بحقها ما سبق أن قلناه عن ترجمات طرابيشي للنصوص النفسانية. وأنا أثِقُ جداً بنوايا نزار الزين، وزميلنا الآخر مصطفى حجازي؛ وهذا، رغم أنّي، حينذاك، فضّلتُ ظرفياً فقط، المنفعةَ على الحقيقة؛ مما يذكّرني بالترجمات التي طالبتُ علي مقلّد[ix] بأن يقوم بها “خِدمةً” للطالب واللغة، ثم للجامعة الناشئةِ والثقافة التخصصية.

كان ذلك مع ملاحظةٍ ملفِتة وإنْ مقنَّعة: كان زميلاي عادل فاخوري[x] وجورج زيناتي[xi]، مِثْلي تماماً، ألطف من غيرهما في محاكمة ترجمات طرابيشي وخِدمته للجامعة.

  • قد لا ينفع. لماذا لم تُشِر، في الندوات التي ورد فيها اسم الجابري، إلى أنّك وضعتَ تحليلاً نفسياً “لِحالته العِيادية” ألقيتَه في أحد المؤتمرات النفسانية؟ وما هي “العقدة النفسية المغاربية”؟ وعقدةُ المغربي تجاه المشارقة؟ والمشاعر الدفينة المتبادلة؟

– لا جواب. أنا أعتذر. لكني أودّ أن أشير إلى أني شعرتُ نحو الجابري بالرضا والمودّة في آخر ندوةٍ جرتْ بحضوره الفعال في بيروت. لم أكلّمه. لكنه عرف جيداً أنّي كنتُ بين الحاضرين والمعجَبين جدّاً بنشاطه المعرفي وخدماته الفكريةِ.

  • ما معنى رفضُ طرابيشي لطريقةِ العلاج النفسي للنقلي غير السّوي (العُصابي، الممروض) بحسب الجابري؛ أو لماذا أنكر التصوف العقلاني العلماني كعلاج؟ ولماذا كان إنكارُ العلاج بحسب طرائق العلاج المتمركز على الصابر؟

– الخوف من تفجّر المكبوتِ “عقدةٌ” هي، عند البطل المناهِض ردّاً على تسفيله أو توهّم تسفيله من قِبَل السلطة الحاكمة أو من الأكثرية، الخوفُ من عودة الخوف الأول، أي من المطرودية والإبعاد لأسباب إثنيةٍ أو دينية، عِرقية أو ثقافية أو اقتصادية.

قلتُ إنّي إذْ أُميِّز بين عالَم الجابري وعالَم طرابيشي، أُميِّز بيْن أنموذَجَيْن أو رؤيتَيْن للتراثي والأُمَّتي؛ أي بين فَهمَيْن أو تَصوّرَيْن للحقيقة والمعنى، وللتاريخ والمستقبل، وللفحص التشخيصي وإعطاءِ اسمٍ ومعنى، ومن ثم لطرح علاجٍ أو اشفاء وتطويرٍ أو تغيير.

  • هل قبِلتَ يوماً أن تكون قاضياً أو حَكَماً بين الجابرِي وطرابيشي؟ فمثَلاً، هل يحقّ للجابري أن يقول إنّ طرابيشي لا ينتمي إلى التراث العربي، أو إنّه ليس من التراث العربي بشيء. ما هو المطمور، أو الثاوي والدفين، في هذه الحالة التي وصفتَها بأنها مَرَضية، عُصابية، مغَطّاة ومقنَّعة. ولماذا نجعلها حالة “عُصاب جماعي”؟ أو حالةً تدميرية وغير فلسفية، غير حوارية وغير سويّة؟

– أراد الجابري أن يقول إنّ طرابيشي مستشرق أو غريب، أي قادم من خارج الهوية “الأُمَّتية” أو الانتماءات الدينيةِ العربيةِ… كان ذلك دفاعاً مَرَضياً، غير مباشر، ردّ فعل. انتصر، هنا، طرابيشي. وخسِر خصمه.

  • علاج المريض النفسي، أو المعاناةِ من عُصاب، يكشف المعالِجَ نفسَه أو طرائق الطبيب ومعناه. لكن كيف طبّقتم هذا المبدأ على المتصارعَيْن؟

– لقد قتل طرابيشي أخصامه بسيفٍ “تحليلْنفسي” اسمه “آلية النكوص“. ورأيتُ، أنا كمحلِّل، أنّ طرابيشي قَتَل نفسه، انتحر أو رمى بنفسه من النافذة (على حَدّ تعبير معجم الطب النفسي)، بالسيف نفسه الذي شَهَرَه فِي وجه خصمه. اضطراب (عقدة، مرَض) طرابيشي كان أنّه أُصيب  بالنكوص إلى الدين؛ أي إلى التجربة الطفلية الدفينة والمتصادمة بين الدينِ العربي الثاني (المسيحية المَشرقية الحَلَبية) ودين الإسلام أو التراث العائد للأكثرية والسلطةِ الظالمةِ للأقليات؛ وللعموم، طبعاً.

  • أين ومتى يتفق، ثم أين ولماذا اختلفَ أولئك الأبطال التراثيون؟ وهل هم الأهمّ داخل “السادوس” الفلسفي العربي الراهن في أوائل هذا القرن؟ هل تعود الفروق إلى اختلاف في الشخصية أو في المنظور والفهم؟ هل يُعدّ فيلسوفاً الباحث التراثي؟

– يعاني التراثي الخوفَ من عودة الخوف المتولّد من مفاعيل التاريخ السلبية الموروثة، أي من قتلِ العقل، وانعدامِ النجاح والقابليةِ للتقدم، ومن السلوكات والعوامل التقويضية الهدّامة التي ولّدها وغذّاها وراكمها التصوف الحشُودي، والفولكلوريات المحِفّة الناجمة، ومن مفاعيل الظلم والجهل، والقمعِ واستبداد السلطة والأكثريةِ والمجتمع المنقفِل، والفكر المتكلِّس المتحجِّر.

دعونا نترك هذا المنظور، وهذه القضية.

  • لا بأس! لكنك لم تُشر على نحوٍ واضح إلى أنّ تقسيم الجابري الثلاثي للثقافة أو الفكر أو أهلِ المعرفة يُشبْه أو يذكِّر بالتوزيع الرباعي الذي قام عليه التفسير الصوفي نفسُه الموجود، أصلاً، في كتابك “التفسير الصوفي للقرآن عند الإمام الصادق” (بيروت، دار الأندلس، 1979) والذي كان الشرارة التي أطلقَتْ “محنتك” على يد رجال الدين الحَرْفانيين بعد منتصف السبعينيات.

– ظهرت الطبعة الأولى من كتاب “حقائق التفسير ومصباح الشريعة”، (بيروت، 1973) وأحدثت قَلْقلة، أو بَلْبلة. فتفسير الصوفيين كان سبّاقاً، استعارياً، رمزياً وساحراً.

تبدأ الصفحة الأولى منه بالقول: “كتاب الله على أربعة أشياء: العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق. فالعبارة للعوام؛ والإشارة للخواص؛ واللطائف للأولياء؛ والحقائق للأنبياء” (را: ص ص 123،229). وقلنا تلك هي مقامات أو درجاتُ الوعي الديني، والوعيِ الأخلاقي، ودرجاتُ الناس في الفهم والتفسير، وفي المعرفة وطبقات المجتمع…؛ (م.ع.، صص 106-107).

لا نطيل… نقول بأنّ المقارنة هنا نافعة ومعبِّرة جداً بين التقسيم الرباعي في “حقائق التفسير” بحسب جعفر، عند السُّلمي، وبين التقسيم إلى بيانٍ وعرفان وبرهان (عبارة أو بيان، وتصوف، وفلسفة). كما استدعينا التقسيم السيناوي إلى زاهد وعابد وعارف… ولم نُهمل الإشارة إلى تفسير القرآن صوفياً عند القشيري ( القاهرة، تحقيق بسيوني) أي إلى بيان وعرفان وبرهان…

أورد الجابري أنه قرأ كتابنا عن التفسير الصوفي للقرآن، مصفوفاً على الآلة الناسخة والموجود في كلية الآداب (اللبنانية). لم يذكرني بالاسم إلّا في تلك المناسبة أو المَتاحة؛ ذاك ما كان من شِيَمه، ومن شِيَم غير المتواضع، الواثق من نجاحه وبطولته.

  • هل نستطيع الاستنتاج بعلاقةٍ ما بين توزيعكم وتوزيع الجابري؟

– لا أحد يقول إنّ الجابري تأثّر أو استولى، وأخَذَ أو نقَل… أنا أوردتُ قديماً الإشارة إلى هذه النقطة فقط لأني كنتُ مِمّن شدَّد على أنّ تقسيم الجابري أساسي ومحورٌ ونبعٌ عند الصوفية، وأنّ هؤلاء هم أشهر واضعيه… هنا تبقى القضية فاترة، غير حارّة؛ ولا هي جديرة، راهناً.

في جميع الأحوال، اسْتعرَ، أيضاً، الخلافُ الصامت بيننا بعد قولي إنّه ليس عند الشيعة السُّنّية، كالحال عند مذاهب السّنّة، تأثر بالهرمسية والغنوصيةِ وأضرابهما. لكنّ ذلك التأثّر بالهرمسية والسحريات والعلوم الخفية جاء لاحقاً. وهو موجود عند أهل الباطن، أو في المذاهب المغالِية… أصرّ الجابري على موقفه، لكن بغيرِ أن يُسمّي أحداً أو يكشف عن اسمي. ونسِي التاريخُ كلَّ ذلك، أو أُنْسِيَ الجابري كلَّ ذلك، أو تناساه.

  • لا بأس. لكن لماذا لم يهتمّ الجابري وطرابيشي، بالفكر الصوفي؟ ألا يستحق التصوف اهتمام الفكر العربي المعاصر والراهن؟ يبدو أنّ بدوي كان محِقَّاً في دراساته التاريخية عن التصوف؛ فهو قد انتبه سريعاً إلى عمق وعالمية القيم والحقائق الصوفية.

– لقد وَضَعَ التصوفَ في خندق إهمال مفكرين مهمين، أو من إعمال التحليل الملتبسِ والعملِ الفاسد والعقل الفاشل.

المدرسة العربية  الراهنة في “التصوف العقلانيلا تبخِّس أيّ “بضاعة” حتى المنتَجةِ عند الحَرْفاني أو في الفكر الأحادي؛ ولا تختزل نظريةً أو تفجرها… التصوف مبخَّسٌ عند الجابري على سبيل العيّنة، ومسفَّل من حيث هو، في نظره، نقيضُ الفلسفة، ومعادٍ لعقل وأهل البرهانِ. ويسوق الجابري أدلةً، ويَبْسط براهين وحججاً على أنّ “أهل القوم” غير عقلانيين، ولا “تُقبَل شهادَتُهم”، وخسِيسون أو نافرون منفِّرون… ربما يكون، رحِمه الله، مُحِقّاً؛ وأنا أقول ما هو، أحياناً، شديد الإقصاء والابتعاد عن الحقيقة والمنطقِ بحقّ “العرفانيين”. لا بأس! لكنّي، من جهتي الخاصة، لا أدافع عنهم؛ ولم أقُل قط إنّهم صالحون؛ أو قد لا ترضى الحداثةُ بغسلهم أو تطهيرِهم، ومن ثم القبول بهم كمنتِجين في عالم الفكر العالمي، والنظرِ الكوني، والنورِ المسكونِي والقيم الإنسانويةِ البُعد والمَدى والمعنى. وأنا، بموجب رؤيتي هذه، قد أحْصَيتُ “مجلوباتٍ” أو “مقولاتٍ مقبولةً” عديدةً للتصوّفات والعرفانيات؛ واكتشفتُ “مرذولاتٍ” كثيرة؛ وقلتُ إنّ الرافض للتصوفات والعرفانيات مُحِقّ فيما يُثْبت، ومُخطئ مسرفٌ فيما ينفي. فأنْ نقول إنّ العرفان بخسٌ أو نجِسٌ ورِجْس قولٌ صحيح؛ ولكنّه قول فاسدٌ إنْ قلنا إنه ليس سوى بخاسةٍ أو ضلالٍ، وغثاثةٍ أو رثاثةٍ.

  • فِي جميعِ الأحوال، قد يكون الأجدى، في الفصل بين الداحض والمحايدِ كما المؤيِّد، الاهتمامُ بموضوعاتٍ ذاتيةِ النزعة تفْصل بين أركون والجابري ومتعَقِّبه طرابيشي، وتفضح سر الاختلاف فيما بينهم حول التصوف. فما هو الأنفع لنا، الآن؛ أي ما هو الخطاب الصوفي العقلاني والنقدي بحسب المدرسة العربية في الفلسفة والفكر؟

– بين المقولات التي ألحفتْ عليها مدرستنا الفلسفية الراهنة تَبْرز تعريفاتُ التصوف (ومن ثم العرفانيات) العديدةُ أي حقوله المتداخلة، وغرضُه ومعناه، وأوهامه كما حقائقه، ومناهجه ومنجَزاته المخصوصةُ والكونيةُ الأعماقِ والقيم… هناك التصوف النفسي أو المعرفي، الإستسراري أو الإِيزوتِيري، والباطني والفِيّاوي (من: في) والداخلي، والقطباني والعرفاني… ذاك هو التصوف المشاعيّ والمشيِّع للنفس؛ وهو الشيعَوي، المنذور، المسيَّب والذي باع نفسه (أو المبَايِع) لله حبّاً مجانياً للكعبة وأهل الكعبة، لمكة وأهل مكّة، وللعالمين والناس أجمعين (را: الجذر ش و ع؛ المُشَيْوِع أو المستشيِع الجاهلي). وهناك، أيضاً، التصوفُ المشاعي أو المشيِّع والمُشيِع للملكية والأرض والمال. في هذا التصوف السياسي الاجتماعي لا يَملك الإنسانُ ولا يُملك، وهو إنكار للسلطة والدولة، وللثروة والأغنِياء والمُلّاك،ورفضٌ للمِلكية الفردية، ولامتلاك الأرض وأدوات الإنتاج.

وهناك التصوف الصوفَوي (=الصوفَتيّ) نسبةً إلى صوفة؛ ثم التصوّف الصوفي نسبةً إلى صوف الغنم؛ والصوفاوية نسبةً إلى صوفا أي المبارَك المقدَّس، المُضحّي والطاهر، الحامي والحارس؛ والتصوف الصَّفائي نسبةً إلى إخوان الصّفا أي الإخوان الطاهرين الأوفياء، أو المَيمامِين والمبارَكين والصَّفاويين أو أصحاب التصوف الصَّفاوي. علاوةً على ذلك، ثمة تصوّف منسوب إلىالصفوة من الناس؛ وهم، أصلاً، أهل مكة أو أهل الكعبة؛ وذاك هو التصوّف الصَّفْوتي. وآخر منسوبٌ إلى أهل الصُّفَّة (ولعلّها الصَّفّة)؛ وهم الصوفيون الصُّفَّتيون المقيمون في صُفّة المسجد والمبايِعون على الموت دفاعاً عن قضِية الدين، وأهله، وربّه. وهؤلاء، هُمْ أيضاً، مسيَّبون، منذورون، يُقدِّمون أنفسهم كضحيةٍ مرفوعةٍ مجاناً لله، وحبّاً بالله خالصاً، أي فداءً وقَرْبنةً (قُرباناً، قُربانيةً) للكعبة ورب الكعبة، ومن ثم لربّ مكة وأهل مكة والعالمين أجمعين.

  • هل تعتبرون المدرسة الراهنة في التصوّفات والفلسفة والفكر أبرز من أثبتَ أنّ التصوف العَرَبسلامي[xii] هو الذي أكّد وزخّمَ لنا/ الآن فهمَ أو تفسيرَ خطابِ الإنسانِ المظلوم المنجرح في مشاعية الملكية؛ أي في مشاعية الأرض والمال، وفي رفضِ الحياةِ السِياسِية الاجتماعية التقليدية، وفي التنكّر للسلطة القائمة، ولدولة الأغنياء ورجالِ الدين وأصحابِ النفوذ وشتى رجال الدولة وبطانتها؟

– تلك قضية غير محبوبة. يَنْفر منها، الآن، أصحاب السلطة وتقاليد الأكثرية. نَهجرها، الآن، ونُتابِع. على هذا، نعود لِنذكُر، أخيراً، أنّ المدرسة الراهنة فِي التصوفات والحكمة والفكر الكوني اعتنتْ بأن تَقْرأ قول الأسلاف، في مقولاتٍ أو شَخصياتٍ تاريخيةِ المكانةِ والقيمة، استناداً إلى مفسِّري الأحلام والخرافات. وعلى سبيل الشاهد، إنّنا نقرأ موسى أو عيسى ومقدَّسِين آخرين استناداً إلى المناهج التي اعتُمِدت في تفسير الحلم. المُراد هو أنّنا، في وجهٍ آخر، نحوِّل الموضوعةَ أو المقولة المراد دراستها، إلى حلم؛ ومن ثم نقوم بالتفسير أو التحليل والتعليل. والتفسير في الحُلميات هو عينه في الرمزيات والمجازيات وشتى قطاعات المتخيَّل الأخرى.

  • هل تثِقون بإنتاج بعضهم، أي رجال الصّف الثاني، في حقول الفكر الراهن متَّبعين أو مطبِّقين لمناهج التحليل النفسي؟ يقول الجابري، مثلاً، إنّه طبَّق تلك المناهج بنجاح. وتقولون إنّه من رجال الصَّفّ الثاني في ذلك المضمار النفساني. هل نفع أو طوّر المعرفة؟

– يُعد الجابري عضواً بارزاً بين من سارع إلى اعتمادٍ متسرّعٍ لمفاهيم تحلِيلنفسية أو لقراءةٍ “صحافِية” خاصةٍ بالصحة النفسية، وعلم النفس الاجتماعي العيادي… في عبارةٍ أوضح، يلجأ الجابري، على سبيل الشاهد، إلى اعتماد مصطلحاتِ اللاوعي (هرب الجابري إلى لفظة (شعور)؛ عُصاب (معصوب)؛ آليات الدفاع (=أواليات الدفاع)؛ التكرار القسري، انثلام (=الانجراح)، الصدمة الواعية والرضة اللاواعية، الهرب من الواقع، إنكار الجرح، الإنسان المنجرح أو الجريح، المقموع وناقصِ التكيّف، عُصاب جماعي، عقدة أوديبا، أواليات النكوص والإنشطار (=الشطرنة)…

نَتنبّه، هنا، إلى أنّه لم ينتبه إلى أهمِية ومعنى المرأة، والجنس، والحلم كما الاستعارة والرمزِ والمتخيَّل. لم ينتبه إلى أهمية الأنا الأعلى، والقيم، والسلطة كما المُثل والقوانين وضوابط الفعل…

لقد قبِل الجابري اعتمادَ التحليلِ النفسي كطريقةٍ ومنظور. ورفض كلّياً مجرّد التفكير في التصوف المربوط، عند الجابري، باللاعقل والخرافات وضدّ العقل، وباللامنطق والسحر وعلوم السّرِّ والخفاء.

  • هل يحقّ لأحدٍ إبعادُ التفسير الصوفي للنصّ الديني، وبعامة؛ هل دقيق صائِبٌ إغفالُ ذلك التفسير المبكِّرِ في الحضور على الساحة؛ أو طردُ رؤيته التفسيريةِ وأنموذجه الفكري البارز جدّاً بين التفاسير المتنوعةِ التي عرفها الفكر العربي الإسلامي؟ أين موقعه وقواعده، وما هي طبيعته ورهاناته، وقيمته بين التفاسير اللغوية والحرفانية، التاريخيةِ والاعتبارية؟

ماذا كانت الأسباب أو العوامل التي دفعَتْ بك إلى الاهتمام بالتفسير الصوفي أو المجازي للقرآن والنصوص الأدبية، وللرمز والشِّعر، واللغةِ والمقدّس؟

– بدأتُ حياتِي الإنتاجية بالبحث في تفسير الأحلام، والتعبيرات المجازية الشبيهة بالأحلام كالنكتة والأفعال الزَّلَلية، وبأسرار البلاغة وعلم الاستعارة، وبحكايا الجان والخرافات والحكايات الشعبِية… ولمّا وقعتُ على التفسير الصوفي للقرآن عند الصادق ظهر جليّاً أمامي أهمية ذلك من أجل تفسير المنامات والرؤى و”الأحاديث”. كانَ منطلقي تفسير الحلم عند فرويد وفي التراث والنبوة. هنا أترحَّم على: توفيق فهد، موسى الصدر، المستشرِق برنشفِيك؛ وكذلك على فؤاد سِيزجين (Fuat Sezgin) أو التركي المحظوظ.

  • لم تخبرني عن محمد أركون في انتفاعه أو توظيفه للتحليل النفسي.

– لقد استوعب ذلك البطلُ الاهتمامَ العالمي، في القرن الماضي، بالأسطورة والمعتقدات الدينية. فهنا قد انتفع جيّداً من أعمال لويس ماسينيون، وهنري كوربان…؛ ولا يُنسى أنه هَضَمَ وتمثَّل جيداً: جورج دوميزيل (Georges Dumézil)[xiii]، ميرسيا إلياد…؛ وكان هناك من أبطاله الكبار: كارل يونْغ، بول ريكور.

  • كيف نلخِّص المعضلة الإشفائية والحلول التغييرية؟

– هنا علينا العودة إلى معرفة العلاج الذي يقترحه البطل المناهِض للمفكّر المريض بالإدمان التراثي، أو المُعاني والمكتئبِ المُصاب بعصاب التراث، أو بالهجاس التُراثيّ وتسلّطه على الوعي والسلوك، وعلى التواصلِيةِ والعلاقةِ مع الآخر الذي هو، هنا، ابن الأكثريةِ اللغوية كما الدينية، والسياسية كما الاقتصادية الاجتماعية، والعِرقيةِ أو الإثنِيّة وما إلى ذلك من منظوراتٍ وأطروحات أو نماذج وصيغٍ ورؤى. ونتساءل، عند الجهة المقابلة، ما هو العلاج أو المنظور الذي يطرحه، في ذلك الشأن نفسه، البطل الصِّراطي أي الذي لا يعادي، علناً أو غورياً ومقنَّعاً، تراثه أو تاريخه، ولغته أو حقائقه وأمَّته… وهذا كلُّه، إلى جانب أنّه يكون أيضاً منخرطاً بحرّيةٍ وعقلانية في مشكلات الواقع والحاضر؛ وملتزِماً بالعمل من أجل تحسين وتطوير الصحة الثقافية الحضارية، والنفسيةِ كما الأخلاقية، للمواطن والوطن والمواطَنة، وللقيم الكونيةِ البُعد في الفرد والجماعة، والمجتمعِ والفكر المسكوني الحداثانِي…

الآن، لقد غدا تلخِيص الجواب ممكناً: يريد المناهِض القطعَ التام والانفصال الكامل حِيال التحصُّن بالتراث والتاريخ والأُمَّتي؛ ويريد الزوال للحصون والأحضان الموروثة، والدمار للنكوص والحنين وكل استسلاف. أمّا الحلّ الذي يجتبيه المفكّر الملتزم فبسيط ومعقّدٌ معاً وسوياً. إنّه حلٌّ إبداعي يستوعِب ويُعيد الإدراك والمَعْنَيةَ والأنسَنة.

  • ذاك هو الفرق، إذَن، بين الحلّ الذي يقترحه الجابري للشفاء والحلّ الذي يقترحه طرابيشي بل يُمليه ويفرضه على المُصاب بالنكوص، والحنِينِ إلى الفردوس المفقود، والثديِ المملوء حليباً وأمناً، استقراراً واطمئناناً؟ قُلتَ مراراً إنّ موقف اللبثِ والمكثِ عند محاورة التراث، والنظرِ في قضايا التاريخ والوعي الفكري الفلسفي المعهود المأنوس، موقفٌ غير كثيرِ الجدوى؛ لأنّه شأنٌ قد يُعيق الانصراف إلى الفلسفي في داره العالمية، وإلى السياسي الكوني، والأنظمةِ العالميةِ الحاكمة، والمجتمع الدولِي العام، والإنسانِ الكوكبي أو المتعولِم والمتَقْنَن جداً وجيّداً وكثيراً…

– لكأنّ التراثانيين الأشهر، من مثل حسن حنفي وحتى حسين مروة والجابري…، توقّفوا طويلاً عند العلاقة بين الإنسان الحاضر والتراث… وهذا، بحيث أنّ ذلك أنْساهم حقولَ الفلسفة أي الوجوديات (=الإنَّيات، الأيسِيّات) والمعرفيات كما الفنّيات والجماليات…؛ وحقولاً أخرى أيضاً كفلسفة البيولوجيا والميميات، والذرائعية والنفعانِية كما المصالِحية الشاطبية والفلسفات الأحادية الواحدية…

لقد خمدَتْ وذَوَتْ أدروجةُ نقد العقل العربي الراهن؛ والمذهبِ الشيوعي القديم؛ والوجودانيةِ؛ والظواهرية؛ وما إلى ذلك… ليس مؤسفاً أنّ بعضاً من المفكّرين المولَهين باتوا يشعرون بحنينٍ لمقولاتٍ ماركسيةٍ، وأخرى سلوكانية… فتلك النظريات الراهنةُ ما تزال شديدةَ النفع والتأثير، وبالغةَ القدرةِ على الانبعاث والتجدد، أو التنشيط والتوكيد.

إنّ خطاب الفلسفة الراهنة، وتماماً كما هو خطابُ الصحة الثقافِية  -الحضارية في دار البشرية، يتفاعل ويُحاوِر، ثم يحاكِم وينتقِد ويُفسِّر كلَّ النظرياتِ أو المذاهبَ والفكريات المعروفة، راهناً، في الذمّة العالمية للفلسفة. إنّ النظريةَ العربية الراهنةَ نتاج نظري كونيُّ الأبعادِ، وقائمٌ على التفاعلية والجدلية النقديةِ بين الأعمدة المعروفة: العَرَبي والغرْبي والأميركي؛ بل والهندي خاصةً، والنظريات العالَمْثالثية (الأفريقية، الأميركية اللاتينية…)، والمنتوجات الفلسفية والإستراتيجيات البشرية في أممٍ عظيمة (روسيا، الصين، الخ.) لا تُهمَل ولا تُغفَل.

*******

[i]  أستاذ جامعي لبناني، درس علم النفس في كلية الآداب الجامعة اللبنانية الذي كان من بين أبرز مؤسسيها. كان أول رئيس لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية، توفي عام 2008

[ii]  عالِم نفس لبناني من مؤلفاته: التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، علم النفس والعولمة: رؤى مستقبلية في التربية والتنمية. ومن ترجماته: الكلام أو الموت لمصطفى صفوان.

[iii]  فيلسوف لبناني (1917-1976) من مؤلفاته ” فلسفة اللغة”، “بين الجوهر والوجود أة نحو فلسفة ملتزمة” يُعد من أبرز المنظرين لـــ “القومية اللبنانية” تم اغتياله عام 1976 عشية الحرب الأهلية اللبنانية.

[iv]  دار نشر لبنانية في بيروت.

[v]  مفكر سوري من أشهر أعلام الفكر الفلسفي العربي المعاصر.

[vi]  نسبة إلى كليلة ودمنة.

[vii]  (را: الميثومانيا (Mythomanie) أي الكذب القهري) ().

[viii]  عالم نفس مصري، مؤسس قسم علم النفس في جامعة عين شمس، أسهم في إصدار أول مجلة علمية متخصصة في علم النفس في العالم العربي.

[ix]  كتاب ومترجم لبناني.

[x]  مفكر وفيلسوف وشاعر لبناني توفي عام 2017.

[xi]  باحث وأكاديمي لبناني، عمل أستاذاً للفلسفة الحديثة والمعاصرة والدراسات العليا في كلية التربية، وكلية الآداب بـ (الجامعة اللبنانية). من مؤلفاته في اللغة الفرنسية: ( La morale d’Avempace) (La bipolarité de la liberté). أما في اللغة العربية، فلهُ مؤلَّفات عدة، منها: رحلات داخل الفلسفة الغربية، الظمأ الأبدي. ومن ترجماته عن الفرنسية:  بول ريكور: الذات عينها كآخر، رينيه ديكارت: انفعالات النَّفس، وجان – كلود شينيه: تاريخ بيزنطة، ومونيك كانتوبيربر وروفين أوجيان: الفلسفة الأخلاقية.

[xii]  أي العربي الإسلامي يميل علي زيعور إلى دمج بعض الكلمات في كتبه ومؤلفاته وهذه من بينها؛ وعلى سبيل المثال نجد عنده أيضاً مصطلح “التحليلْنفسية” (التحليل نفسية).

[xiii]  مؤرخ الأديان، وأنثروبولوجي فرنسي توفي عام 1986.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق