رقص الجنوب (1من 2)

ما يلي هو مقاربة اجتماعيّة وثقافيّة لفكرة الجنوب الجماليّة. أعني بالجنوب ما كان يُسمى قضاء الظفير  ويُسمى الآن إداريا منطقة الباحة في المملكة العربيّة السعودية. وهو مكان  يقع بين خطي طول ( 41- 42 ) شرق خط غرينتش من جهة،  وبين دائرتي عرض(20 -21) شمال خط الاستواء من جهة أخرى. أما فكرة الجنوب فأعني بها الفكرة الجماعية الّتي تحدد هُوية الجنوبيين الجمالية الّذين يسكنون هذه المنطقة، وهي هُوية تفرق بينهم  وبيْن الآخرين من غير الجنوبيين. وأعني بفكرة الجنوب الفنية تجربة الجنوب الفنيّة كما تتمثل في أداءاته الفنيّة وهي: العرضة واللّعب والمسْحباني.

نبعت هذه المقاربة من  افتراض هو أن الجنوب  بالمعنى الّذي شرحته أعلاه لا يقتصر على كونه موجودا جغرافيا بين خطي طول ودائرتي عرض، وعلينا أن نأخذ مأخذ الجد الملاحظة الّتي أبداها المفكر الجغرافي  المصري جمال حمدان  الّتي تقول بشخصية الأقاليم، وأن نطبق هذه الملاحظة ليس فقط على الجنوب من حيث هو مكان؛ إنّما أيضا على مجاله الجمالي من حيث هو إقليم؛ فالجنوب إقليم جغرافي، وكيان تاريخي. والأهم أنه فكرة جمالية وتقاليد ثقافية لها خصوصيتها الّتي  تظهر جانبا من تصورات ساكنيه  للحياة والكون لم تكن لتظهر من غير هذا المجال.

يمكن أن نرى في فنون الجنوب الأدائية إمكانات فكرة جمالية واجتماعيّة وثقافيّة تعبر عن نفسها في كلّ أداء؛ ذلك أن لكلّ أداء روحه الخاصّة. للعرضة روحها الّتي تختلف عن روح اللّعب أو المسحباني، ومرد ذلك إلى أن الحركة في هذه الفنون الأدائية تُنمْذج بطرق متنوعة.

كلّ وصف هو بالضرورة وصف جزئي. ومع ذلك  سأعرض خلاصة ذات طابع وصفي لكي تظهر روح كلّ أداء. وما سأصفه هو  ما  يحتاج القارئ  إلى أن يتذكره عن هذه الأداءات، وهو  يبحث عن أرواحها، وإن كان القارئ يملك معلومات أكثر ممّا أوردته فسيعمّق  روح  الأداء ولا ريب.

2

تؤدى فنون الجنوب المركزيّة كالعرضة واللّعب والمسحباني في الأفراح  والمناسبات، ويمكن أن يكون الزمن الّذي تؤدى فيه العرضة نهارا أو ليلا، ولا أعرف أن ذلك يحدث مع اللعب أو المسحباني إلاّ فيما يتعلق برحلات الشباب في الوقت الراهن؛ إذ جرت العادة أن تؤديا في  عقب عرضة الليل.

يمكن أن تؤدى  هذه الفنون في أي مكان ماعدا المقابر والأمكنة الدينيّة كالمساجد، وقد تؤدى على أسطح المنازل الحديثة؛ فيما يعرف محليا بـ (الطينة) حيث يُخشب الرجال سطح البيت الّذي بُني حديثا ويغطى بالتراب ثمّ يؤدون العرضة فوقه، وقبل عقدين من الزمن خُصص لها مكان عادة ما يكون ملحقا بقصر أو استراحة للأفراح  إذا ما كان الفرح أو المناسبة في أحد هذين المكانين.

تُسمى الجماعة الّتي تؤدي العرضة (عرّاضة) وإذا ما رقص واحد منهم في  وسط الدائرة أو شبه الدائرة الّتي كونتها الجماعة فيسمى ( محمّل ) وأداة الإيقاع التي يضبطون حركاتهم عليها تسمى ( الزير ). والرجل الّذي يدقّ الزير يسمى ( النقّاع )، وتختلف المسميات من قرية  إلى أخرى.

لكلّ فنّ من هذه الفنون شكل أداء؛ ففي العرضة يرفع كل عرّاض رجلا ثم يضعها ليرفع  مباشرة الرجل الأخرى بتناغم وتناسق وضبط دقيق مع إيقاع الزير. تبدأ حركة الرجلين والعراض واقف بحيث يرفعها ممدودة إلى الأمام قليلا ضمن الدائرة أو شبه الدائرة الّتي كونها العراضة، وحين ينتهي الشاعر من بدع قصيدته والرّد عليها يدور العراضة مثْنى مثنى ، ويضبط كلّ عرّاض حركة رجليه؛ أعني رفعها والإيماء بها إلى الأمام مع حركة رجلي العراض الّذي  يتقدّمه.

قد يحمل كلّ عرّاض عصا يهزها فوق رأسه، أو يقلبها بين أصابعه، وقد يرفعها بإحدى يديه بشكل أفقي. والحالة المثالية للعراض هي أن يتمنطق بجنبية يستلها ثم يهزّها، وربّما تمنطق عرّاض بما يسمى محليا ( المسْبت ) وهو من كماليات البندقية الّتي يحملها لأنّها مخزن الذخيرة.

بعد أن يُنتهى من العرضة يؤدى اللّعب وعادة ما يطلب العرّاضة ذلك من الشاعر؛ فأرواحهم الّتي تحمّست أثناء العرضة تحتاج إلى ما يهدؤها، لذلك فاللّعب أهدأ، والحركة فيه من أدنى إلى أعلى استنادا على مشط القدم  وبوتيرة واحدة يصاحب ذلك  التصفيق إذا ما اشتد الحماس.

أمّا المسحباني فأداؤه أصعب، وعادة ما يأتي ترتيبه في الاحتفال بعد اللّعب، وهو أبطأ من اللّعب، ويؤدى بخطوة إلى الأمام والعودة إلى الخلف بعد أن يصطف الرّجال، لذلك يسمى في بعض القرى ( الخطْوة )، ولصعوبته فإنّ مؤديه قليلون، ووقته أقصر، وعادة ما تُختم به ليلة الاحتفال.

على الرّغم من أن لكلّ من العرضة واللّعب والمسحباني  روحها الخاصة، إلاّ  أن  روح كل واحد منها  لا تعبر عن مزاج الّذين يعرضون أو يلعبون، ولا تعبر عن حالاتهم العقلية؛ ذلك أن حالات العرّاضة واللاعبين العقليّة تتنوّع بتنوّع هذه الأداءات الفنيّة  وبتنوع  رغبة كلّ فرد في  أدائها، ومرد ذلك إلى اختلاف العرضة عن اللّعب، واختلاف هذين عن المسحباني. ولا بدّ لنا هنا من أن نذكر برفع الفرد رجله أو ردها كما في العرضة أو الصعود والهبوط على مشط القدم كما في اللّعب أو مد الرّجل إلى الأمام وردها إلى الخلف كما في  المسحباني-هذه الحركات يمكن أن نعبر عنها بالكر والفرّ، والمجيء والذّهاب الّتي تكوّن طبيعة مفهوم اللّعب الّتي نجدها في أساس هذه الأداءات.

يختار الفرد العرضة أو اللّعب أو المسحباني، ثمّ يفصل سلوكه أثناء الأداء  عن سلوكه الآخر خارج الأداء، وما دام يؤدي فسيظل يسلك سلوكا منتظما وفق حركة العرضة أو اللّعب أو المسحباني  الخاصة؛ لأن الغرض من هذه ليس في الحقيقة إلاّ أنّ تنظم وتشكل حركتها.

ينظم الزير هذه الأداءات، ويعطي كلّ أداء ما يناسبه من الإيقاع. وكما نعرف يتكون (الزير) من ماعون دائري (برميل صغير أو كبير) غالبا ما يكون من الحديد، وتُغطّى فتحته بجلد من جلود الحيوانات، وأفضلها جلد الحمار يليه جلد الجمل ثم جلد الثور، ويُنْقر (النقّاع)  على الجلد بعد أن يُشدّ الجلد بأن يعرضه على فوْح الجمر المتّقد. وفي أفضل حالات شدّ الزير يُطلق على صوته (حنين) أمّا إذ لم يُشد بأن يكون الجلد باردا فيُتهكّم على الزّير بأن يقال عنه (شكْوة) الّتي يُخض فيها الحليب. والعادة أن يكون الجمر من أجود الحطب، ويُتجنّب شجر الضّرم  فهو لا جمر له.

يُستخدم في النقر على الزير عصوان قصيرتان، وأفضلها يكون من شجرة الشوحط وهي شجرة جبليّة كان يُصْنع منها فيما مضى القسيّ. ويمكن أن تكونا من شجرة العُتم وهي الزيتون البري. ولا يشترط زير واحد إذ قد يكون هناك زيران بصوتين مختلفين يكمل أحدهما الآخر.

زادت عدد الأزيار –محليا يُجمع الزير على زيَرة –في المرحلة الّتي نعيشها، وتحوّلت إلى مهنة مدرّة للدخل، واحترفها أفراد بعد أن كان بإمكان كل واحد. هناك  الزير الرئيس الّذي ينْقعه-كما يسمى محليا- النقاع الأساسي، وهناك المردّات وهما في العادة زيران إضافيان أو أكثر، وهناك الدف. كلّ هذه تتجاوب وتتناسب  وتتناغم وتنسجم لكي تؤدى العرضة أو اللّعب أو المسحباني.

قد يصاحب الزير آلة نفخية تشبه البوق وتسمى محليا (مزمار). وفي تهامة يصاحب الزير ما يسمى (الزّلفة) وهي كالزير من حيث التكوين، إلاّ أنّ الوعاء ليس عميقا كالزير، والجلد يكون أرقّ، والنقر عليه براحتي اليدين إذ يضم المزلّف الزّلفة إلى بطنه  ويجعلها تتكئ على حزام خاص.

وفيما لو بدأنا من الساحل فسيكون إيقاع الزير سريعا جدا، ويبدو أشبه بالطبول الإفريقية، ممّا يجعل حركة العرّاضة أسرع إلى حد يتعذر فيه على سرويّ أن يؤدي العرضة؛ ذلك أنّنا كلما اتجهنا شرقا  صاعدين  الجبال يتباطأ الإيقاع إلى حدّ يكون فيه هادئا جدا في جبال السراة.

لا يدخل تحليل  القضايا المتعلقة بالإيقاع والدور الّذي لعبه في الطور القديم  من الإنسانيّة ضمن موضوعي إلاّ بالقدر  الّذي يسهم في إضاءة بعض جوانبه؛ فقد يفكر البعض أن  العلاقة بين  الزير وبين  العرضة واللّعب والمسحباني علاقة سببيّة؛ أي أن إيقاع الزير هو سبب حركات مؤديها؛ وهي الحركات الّتي وصفناها بشكل عام فيما سبق بالذّهاب والمجيء أو الصعود والنزول إلخ.

من المنظور الّذي اخترناه لا يوجد سببيّة بين إيقاع الزير وحركة العراضة. ما يحدث هو ” التّحول إلى بنية ” ، وهذا يعني أن هناك طريقا آخر لفهم العلاقة بين الزير وبين هذه الأداءات الجماليّة غير السببيّة وهي البنْية الّتي تدلّ على التّرابط بين الإيقاع في الزير وحركات المؤدين إلى حدّ لا تكون فيه أسبقية لأحدهما؛ أي ليس هناك  سبب يعقبه نتيجة إنّما هناك  علاقة تفاعل.

يدفع التّفكير  في ضوء هذا الترابط البنيوي إلى مفهوم دمج النتائج  كما يسميه  جادامير،  وهو مفهوم لا يركز على التمييز بين السبب والنتيجة؛ إنّما يركز على الصلة الوثيقة الّتي تربط نتيجة بأخرى، وهذا يعني أنّ العرضة واللّعب والمسحباني في علاقتها مع الزير لا تفسر تفسيرا سببيا؛ إنّما تفسر  في ضوء مفاهيم كالتّناغم والتّفاعل والانسجام بين الزير ومهارات العرضة.

حين يكون كل شيء جاهزا: الزير، والنّار الّتي تدفئ الزير وتوتره، يخرج العرّاضة إلى ساحة العرضة ليكونوا الدائرة ثمّ يبدؤون في الرقص في أمكنتهم مرددين قصيدة قديمة، ثمّ يدورون مرددين آخر بيت من القصيدة. والوضع الشّائع للرقص هو رفع الرّجل اليمنى أولا ثمّ اليسرى في العرضة؛ أو ” الرّهز ” واقفين مستندين إلى أمشاط أقدامهم إلى أعلى وأدنى في اللّعب، أو التّقدم خطوة والتّأخر أخرى في المسحباني. وفيما يتحركون ما يتطلب تحرك كامل النّظام العضلي فيجب أكثر من ذلك أن يركز كلّ واحد منهم حاسته البصر وهو وسط آخرين ليضبط حركته مع حركته، وفي الوقت ذاته يركز  بحاسة السمع ليضبط حركته مع الإيقاع .

تخلق هذه الممارسات الحركيّة وحدة وتناغما وانسجاما تبلغ أقصاها حينما ينسجم أداء الجميع ويتناغم. وهكذا يستغرق كلّ فرد في هذه الوحدة الجماعيّة، يشعر فيها كلّ واحد بنفسه، وطاقته القصوى محترما ذاته إلى أقصى الاحترام، وشاعرا بأهميته، ومنتشيا بوجوده بين أعضاء جماعة متوحّدين لاسيّما حين يلبسون لباسا خاصا للعرضة يزينون بها تناغمهم وانسجامهم.

إذا ما كان هناك أكثر من زير فإنّ العرّاض المحترف يلتقط إيقاع أكثر من زير واحد، ويستجيب له، لكن في أفضل رقصات العرضة حيث يرقص الأفضل في منتصف الدائرة يبدو كما لو أنّه يضبط رقصته على إيقاعات  لا يسمعها إلاّ هو. إنّ المحمّل الماهر يرقص على فراغ الإيقاع، وعلى الفجوات التي  في إيقاعات الزير، يغير ويبدل في رقصه والجامع هو تطابقها مع الإيقاع.

يغير المحمّل المتمكن أسلوبه الحركي من غير أن يفقد انسجام حركاته مع الزير. ويبدو للمحترفين الآخرين موضحا للكيفية التي تُسمع بها نغمة الزير إما بالفوران (القفز إلى أعلى) أو بالسرعة (خطوات واسعة وموزونة وسط الدائرة) أو بالمرونة (الهبوط على الأرض) وفي كل هذا يتمثّلون دقته، فالرّقص وسط  دائرة العرضة يتطلب دقة مستوى ثلاثي: جري ، صعود، هبوط.

لم تعد البندقية الّتي يحملها  العراض في العرضة للحرب إنّما للسلم، ولم تعد للضرر إنّما للمسرّة. كما أنّ الجنابي والسيوف الموشاة والمزينة بدأت تجذب الانتباه إليها في حدّ ذاتها وليس لأنّها ضارة أو نافعة. لا تقنع ” ملكة ” اللّعب الموجودة خلف العرضة-الملكة ذات القدر الأكبر من الحرية -بمجرد إدخال  نافلة جماليّة كالبندقية أو السيف أو الجنبيّة في صميم الضروري، بل إنّ البندقية أو السيف أو الجنبية  تنفلت بالكامل من القيود الّتي  تقيدها إلى الضّرورة وتشدها إلى مقتضياتها. ومن هنا يصبح الجمال موضوعا ينصرف إليه سعي الفرد، فيحفل المرء بتزيين نفسه وتجميلها، ويحتلّ الشّعور بالبهجة الحرّة مكانا له بين مطالب الإنسان ورغباته.

3

يكتمل أداء العرضة واللّعب والمسحباني بالشّاعر؛ حيث يصاحب كلّ فن من هذه الفنون الأدائيّة شاعر يجمع محليا على (شُعّار). وتُقسم قصائدهم إلى قسمين: القسم الأوّل يسمّى البدْع والقسم الثّاني يسمّى الردّ. قد يبدع شاعر ويرد عليه آخر، وقد يرد الشّاعر على بدعه. ويسمّى كلّ بيت في البدع أو الرد (المحراف). ويردّد نصف العرّاضة آخر (محراف)  من البدع، ويُعرف هذا النّصف من العراضة  من توجّه الشاعر إليه، بينما يردّد النّصف الآخر آخر (محراف) من الرد.

تُغنَّى القصائد ويسمى غناؤها بـ (الطّرق)، وإذا ما ركزت قصائد العرضة  على  أغراض معيّنة كالمدح والفخر، فإنّ قصائد اللّعب والمسحباني تكاد تُقصر على التغزّل بالمرأة.  وفي حين تتنوّع ألحان القصائد في العرضة فإنّ لحن اللّعب والمسحباني واحد لا يتغيّر، وهو لحن مملوء بالشّجن. وربّما من المناسب هنا أن أشير هنا إلى أنّ لعب الرّجال يشبه لعب  النّساء ويسميان معا اللّعب.

ليس شرطا أن تكون القصيدة مُبْدَعة في زمن العرضة أو اللّعب أو المسحباني؛ إذ ربّما لا يصاحب العرّاضة شاعر،  فيكتفون بواحد منهم  يردّد قصائد قديمة يحفظها. وربّما يكون الشّاعر مبتدئا فيسمونه (متعلّم) وفي الآونة الأخيرة قل اهتمام العراضة بترديد (المحراف) الأخير من البدع أو الرّد، وأصبح المهم عند العرّاضة هو  الإيقاع (الزير).  وهذا على العكس ممّا كان عليه الأمر قديما حيث التحدّي في مَنْ يتوقف أولا لاسيّما حين يشارك في العرضة قريتان أو فخذان أو قبيلتان.

لا معنى لكلمة مؤلف أو أصل عند الحديث عن القصيدة الّتي ترافق هذه الفنون الأدائية؛ ذلك أنّ الشّاعر الجنوبي مؤدي. والشّاعر هو العرف الشعري ذاته. ومن المعتاد أن يتقاضى الشّاعر الجنوبي أجرا، لكنّه لا يعود إلى قصائده إنّما يعود إلى عرف سائد يُطلق عليه محليا (كسوة الشّاعر).

يحافظ شعراء هذه الفنون الأدائيّة العاديون على مفهوم القصيدة، ويبْقونها للأجيال القادمة إلى أن يظهر شاعر نموذج يكون مرجعيّة لشعراء آخرين عاديين، وبالرّغم من أنّ هذا الشّاعر المرجعيّة يرث التقنيات والصيغ والموضوعات إلاّ أنّه فريد من نوعه يطور ويبدّل بينما يردد الشّعراء الآخرون.

إنّنا لا نستطيع أن نميز في سياق ثقافة شفهيّة كثقافة الجنوب بين عمل فردي لشاعر ما وبين عمل ناتج عن تأليف مشترك من الشّعراء؛ فأغلب القصائد التي تصاحب هذه الفنون الأدائيّة هي في واقع الأمر تكرار لا يمكن حصره لأداءات متعدّدة ومختلفة. صحيح أنّ القصيدة مفردة، لكن يمكن أن تُكرّر من قبل آخرين؛ لذلك فإن مفهوم مؤلف القصيدة لا معنى له في هذا السّياق.

إنّ ثقافة شفهيّة كثقافة الجنوب تفترض التّناص، حيث تُبنى قصائد هذه الفنون الأدائيّة على قصيدة أخرى، وبشكل عام فقصائد هذه الفنون طيّعة، تهرب من سلطة الشّاعر، لتنضم إلى عالم اجتماعي؛ يمكن للمستمع  أن يغير فيها بإرادته، وبهذا تصبح جزء من خطاب مستمرّ.

سيبقى الحديث ناقصا من دون أن أتحدث عن إسناد القدرة شبه الخارقة للشاعر عند الجنوبيين وأنا أورد إلهام الشّاعر الّذي يصادفنا في تصوّر الجنوبيين، أي في حكايات يكاد يكون لها مصداقية غير قابلة للشّك، وفي اللّهجة الجنوبيّة نجد أنّ كلمة شاعر تفهم على الفور بمعنى مُلهَم؛ حيث يعبّرون  عن هذا المعنى بكلمة محليّة هي (السّقْيا)؛ أي أن كائنا ما يسقي الشّاعر الشّعر.

يوجد في قلب هذا التّصور مفارقة؛ فالشّاعر  يُسقى الشعر؛ أي لا دور له سوى أنه يتلقاه، لكنّه يتلقاه من جنّي وليس من الله كما هو الدين، لذلك لا يوجد شخص ينافس النبي أكثر من الشّاعر، وإنّه لمن الغرابة أن هذه العلاقة مع كائن خفي لم تتلاشى  بفعل  تديّن الجنوبيين.

ربّما بدأت القصائد الجنوبيّة بداية دينيّة. أقول (ربّما) لأنّ  لا دليل قاطع على ذلك سوى إشارات في القصائد مازالت تلمّح  إلى مجال ديني كافتتاحيتها المناسبة لكائن فوق بشري، والإشارات التاريخيّة إلى أنّ الشعر كان يجسد في الجزء القديم من الإنسانيّة حقيقة المعرفة الدينيّة.

غير أنّ المهم  إذا ما كان ذلك حدث فعلا؛ فهو تحوّل لغة شاعر العرضة من لغة مقدّسة إلى لغة دنيوية بحتة، فاللغّة الدينيّة اتّصاليّة بوعد أو وعيد أو ترغيب أو ترهيب يكون الهدف منها نفعيا وبالتّالي يكون الجمال فائضا.  أمّا لغة الشّعر  الدنيويّة في القصيدة فلا تستند إلى خبرة المقدّس إنّما إلى خبرة الشّعر؛ فالقصيدة لا تهدف إلى أن تخبرنا بشيء مّا إنّما نكون موجهين بشكل كلي إلى القصيدة  ولا نسأل عن خبرها. ومن هذا المنظور فقصيدة  العرضة مستقلة عن الشاعر، وعن السامع (العراضة) وهي في شكلها المثالي قصيدة مكتملة من دون أي غرض قصدي. وبالتالي فإنّ القصيدة  مثلها مثل العرضة تحقيق نوع من الألفة إزاء العالم .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق