الصداقة فلسفيًا

«أيّها الأصدقاء، ليس هناك أصدقاء!»

أرسطو

«وقبل كل شيء ينبغي أن نثق بأنّه لا صديق، ولا من يتشبه بالصديق

أبو حيان التّوحيدي

 

الصداقة من المفاهيم الّتي ناقشها الفلاسفة بكثير من الاهتمام، وقد احتلت مكاناًّ بارزاً في فكر فلاسفة اليونان القدماء، كسقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم. وينظر إلى مفهوم الصداقة من داخل مبحث الأخلاق، لأنّها قيمة أخلاقيّة مركزيّة وعنصر جوهري في الحياة الصالحة[1] . علاوة على ذلك، فقد شدد عدد كبير من الفلاسفة على أهمية الصداقة، لا فقط في الحياة الأخلاقيّة فحسب، وإنّما أيضاً في الحياة العمليّة.

غير أن الباحث ميشيل حنا متياس يرى في كتابة عن الصداقة أن الصداقة باعتبارها قيمة أخلاقيّة مركزيّة غابت عن الفلسفة خلال الأربعمائة سنّة الماضيّة. وذلك راجعٌ، في نظره، إلى تَغَير في فهم الفلاسفة واللاّهوتيين لطبيعة السّلوك الأخلاقيّ، ولحدوث تحولات نموذجيّة أخلاقيّة منذ تراجع الفلسفة الهلنستية [2] وإعادة النّظر في الفلسفة.

ويرى الباحث ميشيل أنّه على عكس فلاسفة العصور الوسطى والحديثة لم يتخلى فلاسفة العصور القديمة على اعتبار الصّداقة من شروط الحياة الأخلاقيّة. ولهذا نجد أن الفيلسوف أبيقور يكتب:

«بين جميع الأشياء الّتي تستثمرها الحكمة لإنجاز نعمة الحياة الكاملة، امتلاك الصداقة أفضلها.»

ونجد الفيلسوف ديمقريطس يقول:

«حياة الفرد ليست جديرة بأن تعاش من دون صديق واحد على الأقل»

لكن أهم فيلسوف قديم ناقش الصداقة باعتبارها قيمة مركزية في التّنظير الأخلاقي هو أرسطو.

وقد اعتبر أرسطو الصداقة نوع من أنواع المحبّة أو العاطفة. وفي نظره أن هناك ثلاثة أمور تدفع الفرد إلى أن يحبّ الإنسان الآخر؛ وبالتّالي، هناك ثلاثة أنواع من الصداقة: صداقة تقوم على المنفعة، وصداقة تقوم على اللّذة، وصداقة تقوم على الخير. والصداقة الّتي تقوم على المنفعة هدفها مصلحة ما، وليس حبّاً لميزات الأصدقاء الأخلاقيّة. وهذا النّوع من الصداقة يكون بين الفقير والغني، أو الجاهل مع العالم ..إلخ، أي مع أشخاص متفاوتين في الميزات. أمّا الصداقة الّتي تقوم على اللّذة فهدفها تحقيق المتعة، وهي من أقوى المشاعر الّتي تحرك الشباب. أمّا النّوع الثالث من الصداقة فهو الصداقة الّتي تقوم على الخير، وتنشأ هذه الصداقة بين أناس صالحين ومتشابهين في محبّة الخير، فتكون الصفات الخيرة في شخص ما هي ما تدفعنا لصداقته، وهذا النوع الأخير من الصداقة هو الحقيقي، فالصداقة الحقيقية لا تقوم على اللّذة والمنفعة، وإنّما على الخير.

هكذا، نجد أن أرسطو يُعلي من قيمة الصّداقة الّتي تقوم على الخير، ويجعلها الصّداقة الحقيقيّة من بين كلّ الصداقات الأخرى، لأنّ الصّداقة الّتي تقوم على الخير ننشد فيها الصّديق لذاته وليس لأي ميزة عارضة يمتلكها وقد تزول في أي لحظة. ومن هنا، فالأصدقاء الحقيقيون، حسب تصور أرسطو، هم الجديرون بالمحبّة لأنّهم أخيار، ولأنّهم كذلك، أي أخيار، فإنّهم مصدر اللّذة والمنفعة الحقيقتين، لأنّ الخير نافعٌ دائماً، ولا يمكن أن يكون مؤدياً أبداً.

إنّ الصداقة من المفاهيم الفلسفيّة الّتي تجعلنا نفكر في علاقتنا بالآخر، بل إنّها تعد من العلاقات الإيجابيّة الّتي يمكن أن تبنى مع الغير. ولكن، مع ذلك، يحق لنا أن نفكّر في وجود الصداقة، فإذا كانت معرفة الغير غير ممكنة حسب تصور فلاسفة كبار أمثال سارتر ومالبرانش، فإنّه ينبغي أن نشك في وجود الصداقة.

والحقّ أن الصداقة مرتبطة بالنّفس الإنسانيّة الّتي يصعب معرفتها، لأنّها في تغير مستمر، فالفرد في تفكك دائم، وفي بناء نفسي يوميّ. وقد ذكر  أبو حيان التّوحيدي في كتابه ” الصداقة والصديق” على لسان أبو سليمان أن الصداقة تصح أو لا تصح على حسب مكانة أصحابها الاجتماعيّة، فالملوك مثلاً جلوا عن الصداقة، والتّجار لا تخلص لهم لغياب المروءة عنهم، أمّا الكتاب وأهل العلم فتصح لهم الصداقة بشرط ألا يكون بينهم تحاسد وتماري وتماحك. وهكذا، فالصداقة مرتبطة بالوسط الاجتماعي، وكذلك بالأخلاق الفاضلة.

والمقصود بالأخلاق الفاضلة هنا أخلاق الإيثار والتضحية والصدق والوفاء، فمع الأنانيّة والنّرجسيّة والكذب  يستحيل الحديث عن الصداقة، أو حتّى ما يشبه الصداقة، وإن نشأت فإنّ هذه الصّداقة هي صداقة المنفعة أو اللّذة وليست صداقة الخير الّتي أعلى أرسطو من قيمتها واعتبرها الصداقة الحقيقية من بين كل أنواع الصداقات الممكنة.

ترتيباً على ما سبق يمكن أن نقول: إذا أردنا التّفكير في وجود الصداقة، فإنّه ينبغي علينا ألا نفكر في وجودها خارج نطاق طبيعة النّفس البشريّة، ولهذا فالصداقة قد توجد في زمن معين، لكنها سرعان ما تخمد وتختفي، إمّا بفعل ظروف الحياة، أو بسبب تغير الفرد، ومن هنا، فالصداقة ليست مقاماً، إن شئنا الحديث بلغة الصوفيّة، وإنّما هي حال يزول. ولهذا فإنّها تتشارك مع الحبّ ومع مختلف العواطف الإنسانيّة في كونها ليست دائمة، مما يحتم علينا  أن نحرص على رعايتها والحفاظ عليها أطول مدة ممكنة، أي مدة وجودنا المؤقت على هذه الأرض.

إن الصداقة مثال جميل من أمثلة محبّة الإنسان لأخيه الإنسان، مثال ينسينا تصور هوبز المتشائم عن الطبيعة الإنسانيّة وعن حالة الطبيعة. وقد انتبه الفلاسفة منذ القدم إلى أهمية الصداقة في الحياة السياسيّة، إذ رأى اليونانيون أنّه من الشروط الأساسيّة لقيام الحياة الفاضلة داخل المدينة وجود الصداقة بين المواطنين. ولهذا فإن الصداقة من الطرق الّتي توصلنا إلى السعادة الّتي ينشدها الإنسان ويبحث عنها، لأنه لا سعادة بدون مدينة فاضلة، ولا مدينة فاضلة بدون صداقة بين المواطنين!

إلا أن الصداقة باعتبارها مفهوما تبقى مثالاً، أي فكرة كلية مجرّدة، نقترب منها حيناً، ونبتعد عنها في أحايين كثيرة، ولهذا فإنها، ككلّ الأفكار المثالية، تحتاج للمؤمنين بها، والمؤمنون دائماً قلة في واقع مادي لا يرتفع!

*******

هوامش:

1 ـ ميشيل حنا متياس، الصداقة، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 444، يناير 2017.

2 ـ المرحلة الهلنستية هي مرحلة في تاريخ الفلسفة تميزت بتشبع الفلسفة بالحكمة المشرقية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق