رقص الجنوب (2 – 2)

1

يعيش العرّاضة، وكذلك مؤدو  اللّعب وكذلك المسحباني على تقاليد وأعراف تنتمي لكلّ أداء وما يؤدونه يرتبط بصورة حتميّة بتجسيد أداءات فنيّة، وهي أداءات فنيّة بعيدة عن ما يجري في حياتهم اليوميّة؛ أي أن هناك بنية تحكم هذه الأداءات الفنيّة الجماليّة.

يمكن أن أفترض أنّ العرضة واللّعب والمسحباني بدأت بما يشبه الهيولي؛ أعني ضجّة وضجيج كما هو معنى كلمة (صدّة) ليتاح ما ليس متاحا في الحياة العادية، ثمّ نُظّمت هذه الضجّة والضجيج في شكل بنْية، وما كان ممكنا أن تنتظم إلّا بواسطة الإيقاع. إنّني أشعر أنّ هذه الفرضيّة يمكن أن توصف بالمعقولة أكثر ممّا يمكن أن توصف بالعكس، لاسيما إذا تذكرنا أنّ شكل هذه الأداءات (بنيتها) يمكن أن نعبّر عنه بمفاهيم كالإيقاع والتّناغم والانسجام، وأن تشويهها هو عدم الخضوع لهذه المفاهيم؛ أي حين ينتهكها المؤدون.

العرضة فنّ أنتجه النّاس دون أيّ مؤثر فوق  بشري، وإن حدث هذا فمن أجل أن يكون ما فوق البشريّ بشريا. العرضة رغبة النّاس في أن يبتهجوا، وأن يجعلوا العالم الّذي يعيشون فيه أكثر بهجة، وهي الفكرة الّتي تعارض أن العالم ليس مبهجا بما فيه  الكفاية كما تذهب إلى ذلك الأديان. العرضة غاية حرة؛ أي متحرّرة من الغايات الخاصّة. يعني هذا أنّ العرضة تتضمن في داخلها مصدر حركاتها. في صياغة أخرى: لحركات العرضة صورة الحركة الذاتيّة.

تكشف العرضة عن نشاط فائض؛ أي أنّها ظاهرة تمثيل ذاتي. في هذا الشكل اللاغرضي للعرضة فإنّ العقل هو الّذي يضع القواعد. والشّيء المميز للعرضة أن فائض النشاط، هذا الفائض الّذي يتخذ شكلا لا غرضيا يبرزه العقل في النّظام والترتيب في حركات العراضة المرتّبة والمنتظمة.

يتضمن أداء العرضة “عرضة مع”؛ أي  أن العرضة تتطلب مشاركة، وإذا ما حدث أن رأيت عرّاضا يعرض وحده فسيكون مدعاة إلى الضحك والاستهزاء؛ ذلك أنّ فعل المشاركة فعل أصيل في العرضة وعلى أكثر من مستوى. في المستوى الأول يتشارك عرّاضان حينما يدور العراضة، وفي المستوى الثاني يشارك كلّ عرّاضين العرّاضين اللذين أمامهما في حركاتهما. يتضمّن فعل المشاركة  مشاركة الجمهور الّذي يتفرّج؛ ذلك أن المتفرّج على العرضة لا يستطيع –على الأرجح- إلّا أنّ يشارك العرّاضة في عرضتهم، وهي مشاركة  يمكن أن نصفها بالمشاركة الباطنيّة.

تمثل العرضة نظاما من الدوران وحركات الذهاب والإياب  تظهر في شكل رفع الرجل وإعادتها. وهذه الحركات لا تفتقر إلى هدف أو غاية فحسب؛ إنّما تفتقر أيضا إلى الجهد؛ ذلك أنّ  حركة الرجل تحدث بنفسها إن صحّ التعبير؛ أي أنّ هناك سهولة بالغة في أداء العرضة.  يشير غياب الجهد في العرضة إلى غياب توتّر العراض. يعني هذا أنّ العرضة تؤدّى ذاتيا كاسترخاء؛ أي  أن بنية العرضة تمتص العرّاض داخلها، ومن ثمّ تحرره من عبء اتّخاذ المبادرة الّتي ينتج عنها التوتر الفعلي للوجود. والخلاصة هي  الإقرار بشكل أساسي بأولويّة العرضة على وعي العرّاض.

 

تجدد حركة العرضة ذاتها حينما تتكرر، وواضح أنّ  الدوران وحركة الرّجل إلى أعلى وإلى أدنى ذات مكانة مركزيّة في العرضة من دون اعتبار للعراض. يشبه هذا ما يحدث في الألعاب من حيث إنّ حركة اللّعب ” بلا قوام ” حسب توصيف جادامير. يعني هذا أنّ العرضة تُعرض بغض النّظر ما إذا كان هناك عرّاض أو لا؛ ذلك أنّ العرضة هي حدوث حركات العرضة في حدّ ذاتها.

هناك أولوية العرضة على العراض؛ أي أنّ العراض ينهمك  في العرضة إلى حدّ تتغلب  فيه العرضة على العرّاض وتسيطر  عليه، وينمّ هذا عن خاصية عامة في طبيعة العرضة من حيث هي عرضة؛ ذلك أنّ جاذبيتها وفتنتها -مثل جاذبية أي لعبة وفتنتها – تكمن في أنّ العرضة تتمكن من العراضة؛ فالذات (العراض) لا تَعرُض؛ إنّما تعرض العرضة ذاتها؛ أي أنّ العرضة تجذب العراض إليها، وتجعله تحت نفوذها، وتسيطر عليه وتجره جرا إلى العرضة وتوقفه فيها.

يضطلع العراض في العرضة  بمهمّات، وهذه المهمّات تنتمي إلى العرضة كرفع الرجل ووضعها، ورفع الرجل الأخرى مباشرة، والتّناسق مع إيقاع الزير إلخ. إنّها مهمات تنتمي إلى العرضة، لكن ما ينبغي أن ننتبه إليه هو أن  الغرض من العرضة ليس تحقيق هذه المهمّة؛ إنّما تنظيم حركة العرضة وتشكيلها، وهكذا فإنّ نمط وجود العرضة هو العرض الذاتي كما في الألعاب.

تقتضي العرضة أن يُدشّن مكان للعرضة. يمكن أن  يُدشّن هذا المكان في أي مكان ما عدى المقابر والمساجد؛ ذلك أنّ العرضة يمكن أن تؤدى في مكان مغلق كالبيوت، وفي أمكنة مفتوحة كسطح البيوت أو الباحات، والمهمّ أن يحتوي المكان على حدّ أدنى من الاستواء.

تُدشّن هذه الأمكنة مكانا للعرضة وتتحوّل إلى أمكنة مغلقة تشير إليها حركة الغلْق المتمثلة في الدوران أثناء تحرّك العراضة، أوفي الدائرة أو شبه الدائرة التي يكونها العراضة حين يقفون. وفي هذه الحالة تّحدد حركة الدوران  بوصفها سلوكا من سلوك العرّاض المنظّم.

تظلّ العرضة لُعْبة؛ أي أنّ لها بنية لعبة مُغْلقة، لكن مهما كانت العرضة مغلقة على نفسها إلّا أنّها مفتوحة للجمهور الّذي يرغب في أن يشاهدها. وتبدو فائدة الجمهور في أنّهم يحققون دلالة العرضة الكلية. يعرض العراضة حين يؤدون دورهم في العرضة، وبذلك تكون (توجد) العرضة، لكن العرضة هي الكلّ الّذي يجمع العراضة والجمهور كما يحدث حين يعرض الجمهور بأن يهزّ جسده أو ينقر بأصابعه، وقد يقف  في مكانه لكي يعرض ممّا يعني أنّ العرضة وصلت إلى مستوى مثالي.

في الواقع يستغرق العراضة والجمهور في العرضة. بمعنى آخر يتبادلان الأدوار؛ حيث يحلّ الفرد من الجمهور محل العراض والعكس، وهنا يصبح الجمهور كالعراضة، حيث  تُعْرض فيهما (الفرد من العراضة ومن الجمهور) العرضة، وتعرض من أجلهما. وسيظل الحال نفسه إذا ما عرضت الفرقة بدون جمهور؛ كحين تتدرب فرقة  العرضة في مكان مّا من دون جمهور، فإن كلّ فرد فيها يحاول  أن يؤدي عرضة أصيلة، وكذلك تبذل الفرقة جهدها لتبدو العرضة جيّدة. غير أنّ هذا لا يعني غياب الجمهور حتى وإن لم يكن موجودا؛ ذلك أنّ الجمهور موجود في طبيعة العرضة ذاتها، وفي أساس تحسين الفرقة أداءها.

يتحّرر العراضة في العرضة، ويصاحب هذا الإحساس بالتحرّر حيويّة. فمنذ أن يفرّ العراضة من عالمهم اليومي الّذي يشبه القفص إلى عالم العرضة يملكون عالما أوسع بكثير من عالم حياتهم اليوميّة. حين يكون الأفراد مأسورين في عالمهم اليومي لا يكون لهم سوى هذا العالم الضيق، أمّا العراضة فلهم عالم أوسع يصبحون فيه  أحرارا وغير مأسورين يغنون ويرقصون.

ما هو أساسي  للعرضة هو أنّها تؤدى في أزمان مختلفة، إذ لا يوجد لها زمن محدد، كما أنّها تؤدى في مناسبات مختلفة، لكنّ الأداء يختلف في كلّ مناسبة، وأكثر من ذلك يجب أن يكون مختلفا. على سبيل المثال فالعرضة الّتي تؤدى في مناسبات خاصّة كالاحتفال بأمير تساهم في فرادة العرضة إذ يؤديها أناس محترفون في مؤسسات ثقافية رسميّة (جمعيات الثّقافة والفنون)  لكنّ  من غير الممكن  أن نحدّد علاقة العرضة بهذه المناسبة؛ وإن أثرت المناسبة فيها.

لا تشبه العرضة العلامة؛ أي أن يكون لها مرجع خارجي، كما أنّها  لا تشبه  الرمز؛ أي أنّها تحل محلّ شيء آخر، إنّما هي في موقع وسط بين هذين يرفعها إلى مكانة فريدة. من هذا المنظور فالعرضة لا تقوم على مفهوم المواضعة (الاتّفاق) من حيث هو التّأسيس الحاضر في العلامة.

إن فعل التأسيس لشيء ما كرمز استقلال دولة أو علمها يتضمن فعل تركيب وتكريس يعطي دلالة لما له دلالة كالهلال في الإسلام أو الصليب في المسيحيّة. وهذا الفعل غير موجود في العرضة؛ لأنّ العرضة تمتلك مسبقا  بنيتها ذات الوظيفة التّدليليّة الخاصة من حيث هي تمثيل. وهذا هو السبب في أن العرضة  تقاوم أي فعل إيديولوجي.

2

يمكن أن أحسّن تأملاتي في العرضة بأن أتوقف عند زمن الجنوبيين وعملهم. فنحن نعرف أنّ أهل القرى الجنوبية يستيقظون مع طلوع الشّمس ويباتون مع غروبها، وهي ممارسة حياتيّة تتّفق مع الزّمن الكوني من ناحية، ومع وقت الإنسان الاجتماعي والجسمي والعضوي المقسم بين الرّاحة والعمل من ناحية أخرى. لذلك لم يكن  سهر اللّيل مقبولا، ولا نوم النّهار إلّا القيلولة.

تشير حكمة الجنوبيين ” لو فكّر الزراع ما زرع ” إلى بذر الأرض بالحب ثم انتظار المطر. ما الّذي يفعلونه إذا لم ينزل المطر؟ لا شيء. إنّه زمن فارغ، وذلك حين يبذرون الأرض ثمّ ينتظرون نزول المطر. وبين البذر ونزول المطر يقضون وقتا مملا يحتاج إلى أن يُملأ، ويمثل ملل الجنوبيين في هذه المرحلة الزّمان الفارغ؛ حيث يتسرّب الزّمن الخالي من الملامح ويتكرّر بوصفه واقعا أليما.

في مقابل هذا الزّمن هناك فراغ آخر يطرأ بعد نزول المطر (الحصاد) حيث ينهمكون في النّشاط إلى حدّ لا يتوفّر الوقت الكافي لعمل أي شيء. وبالجمع بين الزمنين يكون لديهم زمن تاريخي من حيث هو الزّمن الّذي يتوجب عليهم انتظاره، أو الزّمن الّذين يحتاجونه لينجزوا أعمالهم.

الحقيقة الكبرى في الجنوب هي أنّ الزراعة زراعة مطرية؛ يترتب على هذا النّوع من الزراعة أن  يختزل المجهود البشري إلى حده الأدنى. يعدّ الفلاح الأرض الزراعيّة لبذر الحبّ  يتوقف العمل أو يكاد حتّى يحين زمن الحصاد، وبين هذا وذك لا يوجد عمل  كأن تُحفر التّرع ومصارف الماء، أو تقام السّدود والجسور كما في الزراعة النهريّة؛ لذلك فالفلاح  الجنوبي تحت رحمة الطبيعة.

يقع  مقابل هذا الزّمن التاريخي الزمن فوق التاريخي، وهو زمن لا يزول فيه حاضر الجنوبيين كما هو الزّمن التاريخي إنّما يمثل اكتمال الزّمان، وزمن العرضة من حيث هي احتفال هو هذا الزّمن؛ أعني الزّمن المستقل بذاته. فزمن العرضة ليس زمنا فارغا يحتاج إلى أن يملأ، وليس  زمن انهماك شديد في العمل. إنّه زمن العرضة  المحدّد  ببنية العرضة الزمانيّة الخاصّة.

حين تؤدى العرضة فلا تؤدى من حيث هي زمن استراحة  من العمل داخل الزّمان التاريخي؛ إنّما تؤدى من حيث هي خبرة الجماعة الّتي توحدها العرضة بعد أن كانت خبرات منفصلة. فالعمل وتوزيعه يفصل ويوزع بينما العرضة تجعل الكل متّحدا،  حيث لا يوجد (أنا) أو (أنت) أو (هو).

تستبد العرضة بالعرّاضة وكذلك تستبد بالمتفرج الّذي جرّبها إلى حدّ تشبه  فيه الخبرة الدينيّة من حيث هي قوّة فائقة تغمر البشر. ومن المناسب هنا أن نفرق بين متفرج خبر العرضة وجربها وبين من لم يخبرها، وفي هذا السّياق تحضر نكتة شائعة؛ خلفيّتها أن سائحا حضريا تفرّج على عرضة جنوبية، لكنّه لم يكمل فُرجته. سئل فقال: ” همّ زعلانين على الأرض وبيضربوها”.

نحن على معرفة بنوع هذا المتفرج المربك في السّائح الأجنبي الّذي لا يعرف فنون البلد الأدائية، ويصبح منظوره تهكّميا وساخرا، ولهذا ترد في سياق التهكّم والسخرية على العرضة إلّا أنّها ذات دلالة مهمة لموضوعنا، ذلك أنّ العرضة لمن لا يخبرها تخلو من الأهميّة، وليست ذات شأن؛ لأنّه لا يعرف ما يتعلّق بالعرضة، ولا يوجد في خلفيته شيء  يتعلّق بالعرضة يركز انتباهه عليه.

حين تبدأ العرضة يفترض العراضة  مهارات العرضة، ويسري هذا الاتّفاق فقط بين العراضة وكذلك بين الّذين يخبرون العرضة وجربوها ويتفرجون عليها. بصياغة أخرى هناك مهارات  عرضة معروفة ومنتهية، وتبدأ العرضة الخلاقة في مرحلة معينة من العرضة حسب مهارة كلّ عراض. وهكذا فالأمر قريب من أن لكلّ واحد منا نغما يعرفه، وجملا يفهمها، وكما أنّنا لا ننفعل بغير ما نعرفه، فكذلك هو الّذي لا يعرف نغم العرضة ولا يفهمها لن ينفعل بها.

ما ينطبق على العراضة ينطبق على  التّجمع البشري، فالمجتمعات البشريّة تنشئ فنونها الأدائيّة  وتسلم بها إلى حدّ يمكن أن ننعتها بـ(البدهيّة) للوجود المشترك لهذا التّجمع البشري. تكرّس هذه (البدهيّة) وتوطد ترابط الهيئة الاجتماعيّة، وما يحدث  لسائح ما كالحضري أعلاه هو تعليق بدهياته عن فنونه الأدائيّة، وعدم  قدرته على تصوّر القواعد الّتي وضعتها جماعة مختلفة.

وكما هو الغريب  عن جماعة بشريّة حين يتصرف ببراءة؛ حيث  يبدو ساذجا ومضحكا لأنّه يجهل بدهيات الجماعة الغريبة عنه، كذلك هو الّذي لم  يخبر العرضة ولم يجربها يبدو بريئا ومضحكا وهو يشارك في  العرضة، كالطفل الّذي تثير حركاته البريئة والساذجة ضحك الكبار. وبطبيعة الحال ليس هذا الغريب ساذجا وهزليا في ذاته، إنما كان ساذجا حين حاكى الغرباء.

هناك تشبيه آمل بأن يفي بالغرض منه فيما يتعلق بهذا الّذي يعرض لكنه لم يخبر العرضة، فهو يشبه رجلا يحكي ويعيد حكْي ما قال، يقفز إلى الأمام  فترة من الزمن. يحكي كإنسان لا معنى للزّمن عنده. يقطع حكايته، وربما يعيدها، وربما يتابعها. ولا ريب أن حكيا كهذا الحكي سيتضمن فراغات لم تملأ، وهي تشبه الفراغات الّتي لم يملأها الغريب عن العرضة وهو يؤدي العرضة.

بوسعي أن أضم إلى هذا المشارك الغريب أو المتفرج الغريب مشاركا آخر هو الّذي يخبر العرضة وجربها لكنّه يتجاهل وجودها، أو ينتقص منه، ويرفض أن يعترف بمهاراتها الحركيّة، ويخفي معرفته بمهاراتها من خلال تظاهره بجهلها، وهو ما يفتح الأبواب أمام السخرية والتفكّه العبث.

طبيعة البدهيّ. هذه هي طبيعة العرضة؛ بشرط أن نفهم أن البدهي لا يستمد ماهيته من خارج البشر أو فوقهم، إنّما يمكن التّدليل عليه وتبينه وفق مبادئ معينة كالمبدأ الجمالي الّذي يحكم العرضة. يسلم العراضة بدهيا بأن يرفعوا أرجلهم ثم يضعونها ويرفعون الأخرى مباشرة، وأن يدوروا من غير أن يسألوا لم هم يفعلون ذلك، وإذا لم يسلموا بهذا فهم ينتهكون تقاليد العرضة وأعرافها، ولهذا السّبب تتميز العرضة بطابعها الجماعي، وليس الفردي.

يُنْظر إلى العرضة  الآن على أنّها موروث، وتُكوَّن لها الفرق في مؤسسات رسميّة، وتؤدى في العروض الشعبيّة الترفيهيّة والاحتفالات الرسميّة باعتبارها كذلك. لذلك فإن عرضة من هذا النّوع تميل إلى أن تكون ناجحة أو غير ناجحة، بدلا من أن تكون جيّدة أو رديئة. هنا سأنبه القارئ أنّني لم أورد كلمة موروث من قبيل المصادفة؛ ففي الوقت الحاضر ينظر إلى العرضة كما لو كانت شيئا ما  من الماضي يُعرض في وقت معين باعتباره موروثا، ثمّ يعاد إلى مخزنه لكي  يعرض مرة أخرى.

لكن حين نتبصّر في العرضة نجدها ليست موروثا؛ فهي معاصرة لكلّ عصر؛ لأنّها تحقق وظيفتها الجمالية في كلّ عصر، ولا تختلف هذه الوظيفة من عصر إلى آخر. إنّها هي هي، ولم تكن قط  موضوعا جماليا مخصصا لعصر من العصور، ومن هذا المنظور نقول إنّها معاصرة لكلّ عصر.

تتغير العصور، وتختلف الظروف، وتبقى هوية العرضة ثابتة، تظلّ هي ذاتها، تؤكّد ذاتها بذاتها، وتعرض من خلال العرضة وفيها، وجميع ما يطرأ -كالاستعاضة الآن بالموسيقى عن الزير  في سمر الشباب – ينتمي إليها، وليست غريبة عنها فالزير يحضر في الموسيقى  الّتي تحاكيه.

يحقق العرّاض في العرضة كينونته. على سبيل المثال فهو يختلف عن الحجر الّذي لا يملك الدخول في علاقة مع نفسه أو مع آخرين، يتجاوز الإنسان في العرضة كونه يكون أو يوجد إلى الدخول في علاقة مع ذاته ومع الآخرين، ولهذا استحقت العرضة أن تعاصر كل  عصر.

دائما العرضة جديدة. ليست كالغابة على سبيل المثال الّتي تستبدل أوراقها، أو أن ما نبت  من أوراقها يسقط قبل غيره. ليست كالشّيء الأقدم هو الأسبق  إلى الزوال، أمّا الشّيء الجديد فمزدهر ؛ ومن هذا المنظور فالعرضة  جديدة  مع كلّ مرحلة تاريخيّة جديدة.

من عرض أوّل مرّة؟ أي من الرّجل الّذي نقل تجارب النّاس وجعلها أداء فنيا هو العرضة؟ إذا وُجد هذا الرجل فلا بدّ من أن تحضر فكرة العبقريّة الّتي يمكن أن نرويها على النحو التّالي: ثورة جمال أدائية أحدثها رجل واحد، ولم تصل إلينا حكاية تلك الثورة ولا حكاية رجلها السعيد. غير أنّ فكرة العبقريّة هذه فكرة كانتيّة (إيمانويل كانت) وهي الفكرة الّتي حلّ محلها فكرة جادامير الّتي اتخذتُها خلفيّة نظريّة أعني “التحول إلى بنية”  بمعنى تحول التّجارب البشريّة  إلى أعمال فنيّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق