الحرب والسكان

بول فانسن[1] Paul VINCENT

 

ملخّص

هل تشكّل الحرب نوعًا من الضبط الآلي للسكان؟ يثبت التاريخ أن ليس بمقدور الحرب أن تخفِّف بشكل ملموس من حدّة الضغط الديموغرافي في المناطق المكتظّة بالسكان: لا بل إنها تميل بالأحرى إلى التسبّب في زيادة شدّة الاكتظاظ السكاني. تاريخيًّا، لم تلعب العوامل الديموغرافيّة دورًا ملحوظًا في تكوّن الحروب إلّا لدى الشعوب الرعويّة. أما في عصرنا الحاضر، فقد بات بإمكان الأحوال الديموغرافيّة أن تتسبّب في قلقلة العلاقات الدولية.

إنّ العلاقات ما بين الحرب والظواهر الديموغرافيّة سرعان ما تتبادر إلى الذهن عبر منظور مزدوج:

  1. آثار الحرب في السكّان؛
  2. أثر الحالة الديموغرافيّة في تكوّن وسيرورة انتشار الحروب.

إذا ما استطلعت رأي رجل الشارع في هذين السؤالَين، فستلاحظ، في معظم الأحيان، أنّ بالإمكان اختزال إجاباته كالآتي:

  1. تتسبّب الحرب في خسائر باهظة في صفوف المحاربين؛
  2. إنّ الاكتظاظ السكاني (Surpopulation) هو أحد مسبِّبات الحرب.

وإذا ما ذهبت في استطلاعك إلى أبعد من ذلك، لن تتأخّر في ملاحظة أنّ اقتراحيّ الإجابة السابقَين ليسا في الواقع مستقلَّين عن بعضهما البعض في ذهن محدِّثك، بل هما على العكس مرتبطان في ما بينهما. إذ يرتبطان في ذهنه، عن وعيٍ أو عن غير وعي، بمفهوم ميتافيزيقيٍّ إلى حدٍّ ما، تلعب الحرب وفقًا له دورًا مُعدِّلًا للنموِّ المفرط للسكان. بكلمات أخرى، ولكي نستخدم تعبيرًا استُخدِم في كتاب صدر مؤخَّرًا، تكون الحرب عامل “استرخاء ديموغرافيّ”[2].

إن هذا التصوّر للحرب، في علاقاتها بالديموغرافيا، هو ما أسعى إلى امتحانه هنا. لكن وقبل كل شيء، ومن أجل تبيان خطورة المشكلات التي يطرحها هذا التصوّر، أودّ الإضاءة على ثلاثٍ من نتائجه:

  • الأولى، هي أنّ إسنادَ وظيفة اجتماعيّة حقيقيّة إلى الحرب، من شأنه أن يفضي إلى تبريرها – على الأقل في بعض الأحوال التي لن نجد صعوبةً في تقدير أنها قد وقعت بالفعل، أو أنها على وشك الوقوع.
  • الثانية، هي أنّ هذا التصوّر يخصّ الحرب بنوعٍ من سمة القدريّة، على الأقل طالما وجِدت مناطق “مكتظّة بالسكان” على سطح البسيطة – في حين أنّ بإمكاننا إدراك إلى أيّ حدّ يكون الحكم على تعبير “الاكتظاظ السكاني” فضفاضًا.
  • النتيجة الثالثة، هي تلك التي تنزع إلى أن تجعل من زيادة انتشار المالتوسيّة شرطًا لازمًا للحفاظ على السلام – في حين تُسجّل حالات يمكن فيها انتشار المالتوسية بلا كوابح أن يؤدي إلى نتائج معاكسة تمامًا.

أتناول هنا هذا الفهم الشائع جدًّا للحرب، الميتافيزيقيّ إلى حدٍّ ما. والحال أنّ قبوله، أو إنتاجه، لا يتطلّب إرباك الذهن بتحليلٍ للوقائع، إذ يكتفي ببعض الملاحظات العمومية، التي تبدو ظاهريًّا قائمةً على محاكمات منطقية، ليقفز منها إلى التفسير. وهذا “التفسير” ينسجم بشكل طبيعي تمامًا مع فكرة قدريّة الحرب: “ستقوم حروب على الدوام، لأنها قامت دائمًا”، الأمر باختصار هو من “طبيعة” الأشياء. (الـ)طبيعة، بأل التعرف أو من دونها[3]، تصبح إذًا بمثابة ألوهيّة جامدة تحكم على البشرية بالتكاثر والازدياد، ثمّ بتدمير ذاتها بالحرب.

ليس باستطاعة سيرورة التفكير هذه أن تدهشنا. إذ من النادر أن يعترف الإنسان بعجزه عن تفسير بعض الظواهر. كان اليونانيون قد حلّوا مشكلة حركة الأجرام السماوية: كلُّ جرم يندفع بقوة ألوهيّته الخاصة. وفي وقتنا الحالي أيضًا، لم ينجح العقل العلمي الحديث بعد في أن يزيح تمامًا منطق التفكير السكولائي[4] (Raisonnement scolastique). من جانبي، سأسعى هنا لتجاوزه.

*********

الفكرة الأولى التي سنعمل على امتحانها هي الآتية: هل، نعم أم لا، تكون الحرب، في الواقع، عامل “استرخاءٍ ديموغرافيّ”؟ بكلمات أخرى: هل بإمكان الحرب أن تؤدي إلى وقفٍ موقّتٍ لحالة الضيق الناتجة من الاكتظاظ السكاني؟ يبدو لي أنّ الخيار الأفضل للإجابة عن هذا السؤال يتمثّل في استنطاق التاريخ.

مع الأسف، يفتقر التاريخ إلى وثائق تتعلّق بحياة الجماهير. مالتوس الذي، من دون أن يطمح إلى كتابة التاريخ الديموغرافي، كان أوّل من سعى جاهدًا إلى إعادة بناء جزءٍ منه، سبق ولاحظ حالة الافتقار هذه: إنّ ما وصل إلينا من الماضي لا يخصّ عمومًا سوى “الطبقات العليا”[5]. وأسباب ذلك واضحة. لنكتفي إذًا بذكر نتائجه المؤسفة: إنّ العمل المضني اللازم لكتابة تاريخ الشعوب لا يتقدّم إلّا ببطءٍ بالغ[6].

أيًّا تكن الثغرات التي تمسّ معارفنا في هذا الشأن، يبقى بالإمكان تكوين فكرة عن النتائج الديموغرافية للحروب بالرجوع إلى التاريخ. هذه النتائج متنوّعة جدًا وتقود في البدء إلى التمييز بين ما سأطلق عليه تسمية الحملات العسكرية (Campagnes militaires) التي سأميزها عن الحروب الجماعية (Guerres de masses).

لا تكون الحملات العسكرية فتّاكة دائمًا، إذ لا يشارك فيها عادةً سوى جزء صغير من السكان، يضم الأرستقراطية المولعة بالقتال ومعها، بنسبٍ متفاوتة، أعدادٌ من المرتزقة وحملة السلاح المجنّدين طوعيًّا، إلى هذا الحدّ أو ذاك. غالبًا ما تُطبِّق الجيوش الداخلة في الصراع نوعًا من قواعد اللعبة في ما بينها: يعترف الفريق الذي يثبُت أنّه الأضعف بخسارته، تاركًا لممثّليه الدبلوماسيين مهمّة استخلاص نتائج الهزيمة. وهكذا نجد أنّ “معارك كبرى” كانت قد لعبت دورًا جوهريًّا على المستوى الدولي، لم تتسبّب إلّا في عدد من الضحايا غير ذي شأن – بالنظر إلى الأهمية السياسية لهذه المعارك: عدد يبلغ نحو بضع مئات من القتلى[7].

مع ذلك، يمكن أن تكون النتائج الديموغرافيّة لهذه الحملات جسيمة في بعض الحالات. إذ تعيش الفرق العسكرية عمومًا على الأراضي التي تمرّ بها. يكفي إذًا أن يدوم توقّفها في أراضٍ ما لوقت طويل، أو أن تكون أعداد أفرادها كبيرة، لتكون قادرة على تدمير السكان المدنيين، أكانوا ينتمون إلى فريقها ذاته، أم إلى الفريق المعادي. يحدث ذلك حتى لو لم تمارس على السكان أيّ نوع من أنواع الابتزاز أو السلب والنهب. إذ قد ينتج من وجودها حدوث مجاعات محليّة تتسبّب بخسائر مهمة في السكان.

من جانبها تعكس الحروب الجماعيّة مشهدًا مغايرًا تمامًا، فهي تمسّ فئاتٍ واسعةً من السكان، ما لم تمسّهم جميعًا. في المجتمعات البدائية، كانت الحروب بين العشائر هي التي تهدّد بقاء إحداها في حدّ ذاته. فهي تتّخذ إذًا شكل حرب إبادة (Guerre d’extermination)، قد ينتج منها اندثار شبه تام لأحد أطراف الصراع.

لا شيء يعارض، نظريًّا، القول بإمكان أن تتجاوز مجمل الخسائر في هذه الحالة ما نسبته خمسون في المئة من السكان العالقين في أعمال العنف. ومع أن الأعداد بقيمها المطلقة تبقى ضئيلة بالضرورة، إلا أنّ بالإمكان الاعتقاد بأن تكرار حدوث مثل هذه الصراعات الدموية بين القبائل المولعة بالحروب، من شأنه أن يجعل حروب العشائر فتّاكة للغاية.

في الحقيقة، تسمح المشاهدات القليلة التي أمكن القيام بها في شأن السكان البدائيين بالاعتقاد بأن حرب الإبادة استثنائية جدًّا لديهم. وعلى الأخصّ لدى المجموعات القبليّة الأكثر بدائيّة، حيث قلّما يتمّ الاعتداء على أراضي جني الثمار أو أراضي الصيد. بحيث أنّه حتى وإن شكّلت الحرب جزءًا لا يتجزأ من حياة القبيلة، إلا أنها لا تأخذ غالبًا طابع صراعٍ من أجل البقاء[8].

كما أنّ القلّة من المعدلات السنوية المتوسّطة للوفيات الناتجة من الحرب، والتي أمكن تقديرها لدى شعوبٍ بدائية، لم تكن مرتفعةً إلى الحدّ المتوقّع: يُسجِّل وارنر (Warner) 3.3 في الألف، و كرويبر (Kroeber) 2.4 في الألف، و رادكليف-براون (Radcliff-Brown) 0.2 في الألف فقط. يقع هذا المعدّل الأخير في حدود معدلات فرنسا خلال القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر. والحقيقة أنّ فرنسا «كانت على الأرجح الأكثر معاناة من الحرب، من بين الأمم الحديثة». كان ثورنوولد (Thurnwald) هو من أعطى التقدير الأعلى للمعدّل بقيمة 7 في الألف. وحتى هذه القيمة المرتفعة، الناتجة من تقدير عشوائي إلى حدٍّ كبير، تقود إلى تقدير نسبة الوفيات الناتجة من الحرب، من بين مجمل الوفيات المسجّلة في قبيلة مسّتها الحرب بشدّة، بما قيمته نحو 11 في المئة فقط[9].

لا تظهر الحرب الجماعية من منظورها الحقيقي إلا عندما نصل إلى مرحلة أكثر تقدّمًا من مراحل تطوّر المجتمعات، وعلى مستوى الشعوب. فإذا ما أجبر الجفاف شعبًا من البدو الرحّل على الارتحال والتنقّل، وإذا ما قرّر أن يأخذ مكان شعب مستقرّ، فإنّ هذا الأخير عادةً ما يستسلم، حتى وإن تفوّق عدديًّا، لأن حالته تضعه في موضع ضعفٍ في الحرب[10]. علاوة على ذلك فإنّ المزارعين، في دفاعهم عن أرضهم، يدافعون عن إمكانات وجودهم في حدّ ذاتها؛ مما يجعل قرار الفرار في غير صالحهم، ويزيد من شراسة المعارك. في هكذا حالات، يمكن العددُ الكليّ للخسائر في الأرواح أن يتجاوز بكثير أعداد المهاجمين في حدّ ذاتها، الأمر الذي يجعل من مثل هذه الحروب إحدى أكثر أنواع الحروب فتكًا. وهكذا فإن ذكريات الغزوات المشابهة لهذا النموذج النظري، تبقى محفورة في الذاكرة الجمعية للشعوب. وإذا ما بدا أنّ أيًّا من الغزوات الكبرى التي اجتاحت الأراضي الفرنسية الحاليّة، خلال القرنين الخامس والسادس للميلاد، لم تكن تضمّ أكثر من مئتي ألفٍ من الرجال الغازين، إلّا أنّ الخسائر البشريّة التي تسبّب بها بعض هذه الغزوات تجاوزت بلا ريب هذا العدد بكثير.

فحتّى في الحالات التي كان فيها الخوف من المجازر يؤدّي إلى فرار سكان الأرض أمام هجوم الغزاة، إلّا أنهم كانوا لا يجدون بدًّا من اللجوء إلى المناطق الأكثر حرمانًا، والأقلّ خصبًا، بعيدًا من تلك المناطق التي يستثير غناها أطماع القادمين الجدد، وبعيدًا من طرق الاتصال الطبيعية. وبما أنّ تلك الشعوب القديمة كانت تعيش دائمًا عند حدود الكفاف، فإنّ التدفّق المفاجئ للهاربين إلى مناطق اللجوء تلك كان يؤدّي حتمًا إلى معاناةٍ من ندرة الموارد ومن المجاعات التي سرعان ما كانت تودي بفائض السكان المحليين[11].

ما بين هذين النموذجَين للحرب، التبسيطيّين قليلًا، توجد بطبيعة الحال نماذج متعدّدة مختلَطة، ومن بينها على الأخصّ حروب الغزو وما يرافقها من مواكب العبيد. لنأخذ كمثال الحرب الغاليّة (La guerre des Gaules) التي «كانت بمثابة مطاردة دائمة للعبيد، وإحدى أشدّ الغزوات من نوعها وحشيّة على امتداد التاريخ الروماني»[12]. على الرغم من الطابع التخميني الذي يَسِم جميع التقديرات المتعلِّقة بهذا الموضوع، لكن يبدو أنّ بإمكاننا التأكيد على أنّ الشعوب التي حاربها يوليوس قيصر (César) خسرت أقلّ من عشرين في المئة من مجموع سكانها على امتداد السنوات العشر للحملة[13].

على امتداد قرون عدّة، كانت نهاية الغزوات الكبرى في أوروبا بمثابة تعبيرٍ عن اندثار الحرب الجماعية على المستوى الدولي – إذ لم يعد لها وجود إلا على شكل حروب داخلية، مدنيّة أو دينيّة. وكانت الخسائر المباشرة في الأرواح التي تسبّب بها ما لا يعدّ ولا يحصى من الحروب المتعاقبة حتى القرن الثامن عشر، ضئيلةً نسبيًّا[14].

مثّلت الثورة الفرنسية، بندائها الموجّه إلى جميع أبناء الشعب للنهوض والوقوف إلى جانب الحقوق التي تحصّلت عليها للتوّ، نقطة العودة إلى الحرب الجماعيّة. لقد كان التجنيد الإلزامي، على الجانب الفرنسي، خصّيصة الحروب الإمبراطوريّة؛ ثمّ بحلول الحرب العالمية الأولى سنشهد حالة تعميمٍ لتدابير التعبئة العامة لدى الدول المتحاربة.

لهذا الصراع الأخير هيئة مغايرة وجديدة تمامًا، تتّسم بظهور نموذج للحرب لم يكن معروفًا حتى ذلك الحين، هو نموذج الحرب الديموغرافيّة. فالحرب “الشاملة” للفاشيّة تختلف في الحقيقة جوهريًّا عن حروب الاسترقاق أو حروب الإبادة التي شهدها التاريخ. إذ غابت تمامًا عن هذه الأخيرة أيّ إرادة بتحقيق أهداف ديموغرافيّة. في حين نجد هذه الإرادة، على العكس، واضحةً أشدّ الوضوح في التصوّر الهتلري للحرب الإمبرياليّة. هي لا تعكس هنا مجرّد رجوع إلى حالةٍ همجيّة بدائية كنا نظنّها ولّت وانقضت، بل تعبِّر عن ظهور نموذج جديد للهمجيّة، همجيّةٍ عصرية، وعلميّة.

إنّ الأهمية المركزية التي تحتلها قضايا السكان في الأدبيات الفاشيّة عمومًا، والهتلريّة خصوصًا، لا تدع مجالًا للشكّ في أن الألمان كانوا على وعيٍ تام بالنتائج الديموغرافيّة لحملات الترحيل واسعة النطاق التي قاموا بها في الأراضي التي احتلّوها. بموازاة ذلك، اتّخذوا كافة الإجراءات اللازمة لتجنّب تشكّل “الفئات العمرية المجوّفة” (Classes creuses) في سكانهم. وبالإضافة إلى ذلك، فقد استغلّوا الحرب لكي يضعوا موضع التطبيق الخطةَ التي كانوا أعدّوها من أجل إبادة شعوبٍ معينة، بالمعنى الحرفيّ لكلمة إبادة. ولقد عملوا قدر المستطاع على إخفاء هذا الأمر، ساعين إلى استكمال عملية الإزالة هذه بوساطة الموت “الطبيعي” الناتج من سوء التغذية، وسوء العلاج الطبي، وغياب الوقاية من الأوبئة…الخ.

هذه الطريقة – التي طُبِّقت في معسكرات اعتقال أسرى الحرب السوفييت، والمنفيين السياسيين، والمنفيين لأسباب عرقية – تبيّن أنها غير فعّالة بما يكفي، وبطيئة جدًا على وجه الخصوص (بالنظر إلى حجم الخطّة المعتزمة)، فما كان من هتلر إلا أن استبدل بها الإبادة الصريحة بلا قيد أو شرط. يقول: «يجب علينا أن نطوِّر تقنية إخلاء السكان. وإذا ما سألتموني عما أقصده بإخلاء السكان، سأقول إنني أفهمه على أنه إلغاءٌ لوحدة عرقية كاملة، وهنا يكمن مشروعي… إذا كنت قادرًا على إرسال نخبة الأمة الألمانية إلى أتون الحرب، من دون أيّ أسفٍ على الدم الألماني المراق، فإن لديّ بالتأكيد الحقّ في إزالة الملايين من الأعراق الأدنى، والذين يتكاثرون كالديدان»[15]. وضِعت التقنية موضع التطبيق: غرف غاز ومحارق اجتمعت معًا، وسمحت بالفعل بـ “إزالة ملايين البشر” خلال بضعة أشهر.

هكذا أبيد خلال الحرب جزءٌ كبير من السكان المدنيين، من بولندا، وبيلاروسيا، وأوكرانيا، ويوغوسلافيا، الخ. يعبِّر الجدول الآتي عن حجم الخسائر في أرواح المدنيين التي كابدتها الدول المحتلَّة بالمقارنة مع مجمل خسائر الحرب فيها، وكذلك دول الحلفاء الرئيسة المنخرطة في الحرب، وألمانيا. على الرغم من كونه يعطي فكرة جيّدة عن الموضوع، إلّا أنّ هذا الجدول لا يكفي للتعبير عن حجم المذابح التي تعرّض لها بعض السكان من المدنيين. وحتى النسبة الهائلة لخسائر الأرواح المدنية البولندية لا تقدِّم إلّا فكرة ضعيفة عن الأمر. فمن بين ثلاثة ملايين وثلاثمئة وخمسين ألف يهودي كانوا يعيشون في بولندا قبل الحرب، تمّ ترحيل ثلاثة ملايين ومئة ألف (أي ما نسبته 93 في المئة) إلى المعسكرات النازية. وفي تفسير الخسائر المدنية السوفييتية، يجب أن يؤخذ في الاعتبار أيضًا أنّ بعض الجمهوريات دون غيرها هي التي كابدت استعباد الغازي. في بيلاروسيا، على سبيل المثال، أحصيَ في نهاية الحرب ما نسبته عشرة في المئة من الوفيات وعشرون في المئة من المفقودين، من بين مجموع السكان عام 1939 والبالغ عددهم عشرة ملايين. أخيرًا، وفي ما يخصّ الخسائر الكليّة، ثمّة ما يسمح بالقول إنّه من بين الجرحى العسكريين للاتحاد السوفييتي، والبالغ عددهم أحد عشر مليونًا ونصف المليون، ثلاثة ملايين فقدوا تمامًا.

جدول (1) – خسائر الحرب في عددٍ من البلدان (1939 – 1945)

(أعداد تقريبية، بالملايين)

 

البلدان

 

عدد السكان نهاية 1939

الخسائر من المدنيين الخسائر الكليّة
الأعداد المطلقة النسب % من مجموع السكان الأعداد المطلقة النسب % من مجموع السكان
بولندا      35 4.6    13.2 4.8 13.7
يوغوسلافيا   15.7 1.4  8.8 1.7 10.6
اليونان 7.2 0.5  6.5 0.5 6.8
الاتحاد السوفييتي       172       10*       6*       17*  10*
هولندا 8.8 0.2  2.3 0.2  2.3
بلجيكا 8.4 0.1  1.0 0.1  1.5
فرنسا     41 0.4  1.0 0.6  1.5
ألمانيا**     70 0.5  0.7 3.3  4.7
المملكة المتحدة     48 0.1  0.2 0.4                      0.8
الولايات المتحدة       131 ـــ ـــ 0.3 0.2
* أرقام احتمالية، إذ لا نعرف على وجه الدقّة سوى قيمة الخسائر العسكرية والبالغة سبعة ملايين.

** أراضي عام 1937.

 

*********

إنّ الأعداد التي أوردناها خلال هذا العرض الموجز للآثار الديموغرافيّة المباشرة للحروب لا تسمح، بالاستناد إليها وحدها، بتقديم إجابة ولو جزئية عن السؤال المطروح. إذ لا بدّ بالإضافة إلى ما سبق من تكوين فكرة عن إيقاع النمو “الطبيعي” للسكان. تكمن الصعوبة إذًا في تحديد ما هو “طبيعي” في تطور مجموعة سكانية ما.

لنتذكر، في الواقع، أنّ السؤال الذي نسعى للإجابة عنه يفترض وجود حالة “اكتظاظ سكّاني”، وهي حالة لن نتمكّن من تعريفها بأفضل من قولنا بأنها حالة يكون فيها عدد السكان متقاربًا مع المستوى الذي تسمح به موارد المعيشة. في مثل هذه الشروط تكون الفاقة والمجاعات، والأوبئة التي تنجم عنها، عوامل “طبيعيّة” مؤثّرة في إيقاع نموّ السكان. ويتحدّد إيقاع النمو هذا بنموّ الموارد؛ وذلك في حال تمّ تناوله على امتداد فترة زمنيّة طويلة بما يكفي.

إن أمكن للحرب بالفعل أن تترك أثر “استرخاء”، فإنّ هذا الأثر سوف يفضي إلى اختفاء الفاقة والمجاعات بصورة موقّتة. يجب علينا إذًا أن نعمل على تقدير إيقاع النموّ الطبيعي في غياب الفاقة أو المجاعة، لا أن نقدِّر الاتجاه العام للنمو الملاحَظ بالفعل، والذي يتوقّف بصورة مباشرة على نموّ الموارد.

سيتّفق جميع الديموغرافيّين معي ولا ريب في اعتبارِ أنّ القيمة 1 في المئة، كإيقاع سنويّ للنمو الطبيعي في غياب الفاقة أو المجاعة، إنّما تشكل تقديرًا ضئيلًا في ما يخصّ المجموعات السكانية التي علينا أخذها في الاعتبار هنا. إذ يوافق هذه القيمة فرقٌ بنسبة 10 في الألف ما بين معدل الولادات ومعدل الوفيات “الطبيعية” (بالمعنى الذي حددناه للتوّ لهذه الأخيرة). هذا يعني أنّ جميع المعدلات السنوية للوفيات الناجمة عن الحرب التي بينّاها في هذه المقالة تبدو ضعيفةً مقارنةً بهذا الحدّ، ما عدا تقدير ثورنوولد (Thurnwald) الذي يجب ألّا ننسى أنه ينتج من تقريب احتمالي إلى حدّ بعيد. بكلمات أخرى، إذا كان بإمكان الحرب أن تلعب بالفعل دور تنفيسٍ للامتلاء السكاني في بعض المجتمعات البدائية، فإن هذا التنفيس لا يبدو كافيًا، حتى في مثل هذه المجتمعات، للقضاء على الفاقة والمجاعات بشكل دائم.

بطبيعة الحال، لا يمكن النظر إلى النتيجة السابقة باعتبارها تدحض الأطروحة التي نمتحن هنا، بما أنّ هذه الأخيرة تفترض عودةً دوريّة لحالة “الاكتظاظ السكّاني”. إنّ ما يجب علينا التساؤل في شأنه هو عمّا إذا كانت حربٌ ما قادرة على أن تترك ما يكفي من الآثار الديموغرافيّة بحيث تخلِّف هذه الأخيرة شعورًا بالارتياح على مستوى توافر الموارد، وإذا كانت الإجابة هي نعم، فكم سيدوم ذلك؟

لنأخذ حالة الغزو الغاليّ، ولنقبل بالقيمة 20 في المئة باعتبارها تعكس الخسائر التي تكبّدها الغاليون، مع أنها على الأرجح قيمة مرتفعة بشكل مبالغ به. مما لا شكّ فيه أنّ هذه النسبة أكثر من كافية لكي تظهر آثارها بشكل واضح تمامًا على مستوى موارد المعيشة، ما لم تكن هذه الأخيرة قد تناقصت بفعل الحرب ذاتها. لنفترض، مبدئيًّا، أنّ الأمر كان كذلك بالفعل. إنّ إيقاع نموّ سنوي يبلغ 1 في المئة يوافق فترة تضاعفٍ للسكان (Doublement de la population) تبلغ سبعين عامًا، وتنخفض فترة التضاعف هذه إلى ثلاثةٍ وعشرين عامًا إذا ما ارتفع معدّل النموّ السنويّ إلى 25 في المئة. وبالتالي فإن حالة “الارتياح” التي أوجدها الغزو ستكون إذًا قد دامت لأقلّ من ربع قرن.

لنأخذ مثالًا أقرب تاريخيًّا، حالة بولندا. خلال الفترة ما بين 1933 و1938 انخفض معدل نموّها السنوي من 12.3 في الألف إلى 10.7 في الألف. لنقبل من جديد معدّل 10 في الألف. بإيقاع النموّ هذا، سيكفي هذا البلد مدّة خمسة عشر عامًا لتعويض خسائر الحرب الأخيرة (والتي بلغت 14 في المئة من العدد الأوليّ للسكان)، أي ليزيد بمعدّل 16 في المئة عدد السكان الذي كان قد وصل إليه عند انتهاء حالة الحرب.

تعمّدت اختيار القيم الأكثر ارتفاعًا من بين ما تمّ ذكره سابقًا، من أجل أن أبيّن بوضوح كافٍ إلى أيّ حد تبدو مزعزعةً فرضيّةُ أنّ بإمكان الحرب أن تؤدي إلى تخفيفٍ كبير، وإن يكن موقّت، للمشكلات الناتجة من الاكتظاظ السكاني. في الحقيقة، لا تؤدّي الحرب لحدوث حالة “استرخاء ديموغرافي”، لا بل وخلافًا لذلك، تؤدي الحرب إلى تفاقم الاكتظاظ السكاني.

في الواقع، سبق ورأينا أنّ الاكتظاظ السكاني مسألة نسبية. يوجد اكتظاظ في بلدٍ ما في مقابل الموارد التي قد يمتلكها. لكنّ الحرب لا تؤدي عمومًا إلى إلحاق أضرار بالمخزون الغذائي، والمحاصيل، الخ. فحسب، بل تتسبّب كذلك في تدهور وسائل الإنتاج. بحيث ينخفض الإنتاج الزراعي غالبًا لسنوات طويلة في الأراضي التي تخضع للاجتياح.

كان من شأن الحرب الأخيرة[16] أن جعلت هذه الحقيقة واضحةً تمامًا للجميع، بما يجعل من غير المجدي إعادة التأكيد عليها. يكفي أن ننظر حولنا لكي نرى أنّ ما تكلّفته أوروبا من خسائر حرب، والتي بلغت نحو 35 مليونًا من أفواهٍ أقلّ لإطعامها، لم تجلب معها أيّ تحسّن في ما يخصّ مشكلة الموارد، بل على العكس. أدّت الحرب إلى حدوث قطيعةٍ في مسار نموّ الإنتاج الزراعي، في حين أنها لم تقم بأكثر من إبطاءٍ لنموّ السكان الأوروبيين. كم سنة سيتطلّب الأمر لكي يتمّ إدراك هذا التباعد وتعويضه؟ وكم من الأفراد سيموتون بفعل سوء التغذية خلال هذا الوقت؟

بالطّبع نستطيع أن ننظر إلى هذه الخسائر على اعتبار أنّها نتيجة غير مباشرة للحرب، وبالتالي نقوم بإدماجها في مجمل الخسائر الكليّة. لكن أين يكمن “الاسترخاء” في كلّ هذا؟ في أيّ بلد سيظهر هذا “الارتياح” الذي يفترض به أن يرافق زوال الضغط الديموغرافي الذي لا يُطاق؟ يشهد التاريخ على وجود حالات “ارتياح” كهذه، لكنها لم تكن يومًا نتاجًا للحرب. بل على العكس من ذلك تمامًا، فالعاقبة الطبيعية لفترات الحرب الفتّاكة وطويلة الأمد تمثّلت على الدوام في حالاتٍ من البؤس، وما يرافقها من معاناة، وفاقة، وأوبئة.

قد يحدث في نهاية فترات الفاقة، أو حتى بعد المجاعات أو هجمات “الطاعون”، أن يُسجّل أحيانًا تحسّنٌ ملحوظ في مصير الباقين في قيد الحياة. يبقى أنّه يُشترَط في ذلك ألّا تكون هذه الكوارث حادّة جدًا، لكي تسمح ببقاء قدرة الإنتاج الزراعي سليمة، أو على الأقل لكيلا تؤدي إلى حدوث اختلالات عميقة فيها[17].

لكن، تاريخيًّا، كانت حالات العوز المستترة، والمزمنة، هي “المنظّم” الأكبر لتوازن السكان والموارد. يتفق جميع أولئك الذين درسوا التاريخ الديموغرافي للبشرية على النقطة الآتية: كانت الآثار الديموغرافيّة للفاقة، والمجاعات، والأوبئة، أشدّ بما لا يقاس من آثار الحروب. لا بل إنّ العادات والأعراف، كمثل إطالة فترة الرضاعة الطبيعية (أرافقها أم لم يرافقها امتناع عن ممارسة العلاقة الجنسية)، والإجهاض، والوأد، وإطالة مدّة العزوبة؛ كلّها اكتست عمومًا أهمية أكبر بكثير من الحرب في حفظ أعداد السكان ضمن حدود الموارد المتاحة[18].

حاليًّا، بات تعميم تحديد النسل، أو ضبط النسل (birth control)[19]، أي الإنجاب المنظّم من طرف الأفراد، والذي يحدّ إراديًّا من ذريّتهم؛ هو العامل الرئيس الذي يسمح بتجّنب الاكتظاظ السكاني. وهو عامل بالغ الفاعليّة، بل قد يكون مفرط الفاعلية أحيانًا – عاشت فرنسا في هذا الصدد تجربةً قاسية – بحيث أنّه عندما تقع حرب ما بين أممٍ بعضها ضعيف ديموغرافيًّا، في حين يحتفظ البعض الآخر بمولوديّة مرتفعة، فإن هذه المجموعة الأخيرة تتمكّن من تعويض خسائرها في الحرب بسرعة كبيرة جدًّا، في حين لا تتمكن المجموعة الأولى من ذلك. وهكذا، بعيدًا من أن تسهم في حلّ مشكلات الاكتظاظ السكاني وفروقات “الضغط الديموغرافي”، لا تؤدّي الحرب في العموم إلّا إلى مفاقمتها.

*********

حتى وإن لم تكن الحرب قادرةً على الاضطلاع بوظيفة اجتماعية نزعم نسبها إليها، قد يحدث أن يكون الاعتقاد العام بامتلاك الحرب القدرة على أن تحلّ بذاتها عددًا من المشكلات الديموغرافيّة؛ مسبّبًا للحرب في حدّ ذاته. عمومًا، علينا الآن امتحان ماهيّة الدور الذي يؤدّيه الظرف الديموغرافيّ في سيرورة الحرب. ومن أجل تأطير المشكلة، يبدو لي أنّ من الضروري البدء أولًا ببضع ملاحظات عن المسبّبات الرئيسة للحرب.

لنبحث، على سبيل المثال، في التحليل الذي قدّمه رايت (Wright) في شأن المجتمعات البدائيّة[20]. يلاحظ رايت أنّ اللجوء إلى العنف للحصول على الغذاء على حساب الشعوب المجاورة هو أمرٌ نادر الحدوث. إنّ حدود الأراضي المحليّة، وكذلك السعي إلى السيطرة السياسيّة – والتي تلعب دورًا بالغ الأهميّة في المجتمعات الحديثة – لا تصبح مسبّبًا رئيسًا للحرب إلا بوصول المجتمعات إلى المرحلة الرعويّة أو الزراعيّة. من جانب آخر، لا تعرف الشعوب الأكثر بدائيّةً حروب الاستقلال، لكونها تجهل الإخضاع والعبودية والتقسيم الطبقي. في المقابل، تكثر فيها المعارك من أجل المجد (الرّفعة الشخصيّة للمحاربين)، أو كرياضة أو مغامرة؛ لكنّ جميع أشكال العراك هذه تكون خاضعةً لأعرافٍ تجعلها قليلة الفتك. والواقع أنّ خرق الأعراف المتعلِّقة بالعلاقات ما بين الجنسين – كحالات الاغتصاب أو الزنا التي تقع من طرف شخص غريب عن المجموعة – إلى جانب قتل أحد أفراد المجموعة، تشكِّل المسبِّبات الأكثر شيوعًا للحروب. علاوةً على ذلك، نجد أنّ الإنسان البدائي يدخل في قتال في جميع الظروف والأحوال التي تستدعيها الأعراف أو يستلزمها الدين، من دون أن ينشغل بالنتائج.

يخلص رايت إلى نتيجةٍ مفادها أنّ «الوظيفة الاعتياديّة[21] للحرب البدائيّة إنما تتمثّل في الحفاظ على التضامن الاجتماعي… بشكل عام، تكون الحرب لدى الشعوب البدائية أكثر ارتباطًا بأعراف الجماعة منها بالغريزة البشريّة، على الرغم من أنّ تطوّر الأعراف في ذاته كان قد خضع لتأثير الغريزة». هذه النتيجة، حتى في ما يخصّ المجتمعات البدائيّة، إنما تستهين كثيرًا بأثر الشروط الماديّة للحياة الاجتماعية في تطوّر الأعراف والدين.

في المرحلة الرعويّة، يمكن على الفور إدراك اعتماد الأعراف والدين على عوامل اقتصادية بالمعنى الواسع للكلمة[22]. إذا ما نظرنا إلى المسألة من المنظور الذي يعنينا هنا، سنجد بلا ريب أنّ نموّ السكان كان السبب الجوهري لعدد كبيرٍ من هجرات الشعوب الرعويّة، وهي هجرات ما كان بمقدورها إلّا في ما ندر أن تتّسم بطابع سلميّ، وخصوصًا عندما تحدث على نطاق واسع. كان من شأن هذه الضرورة الفعليّة للحرب لدى هذه الشعوب أن منحتها في العموم أعرافًا ميّالةً إلى الحرب، وهذه الأخيرة أدّت بها، في ما بعد، إلى خوض الحروب لأسباب أقلّ توسعيةً، إذ باتت تذهب إلى الحرب مدفوعةً بالتعطّش للسلب وتحت إغواء جمع الغنائم[23].

يمكننا إذًا أن نقول مع وارن تومبسون (Warren S. Thompson)، بأنه إذا ما كانت مسبِّبات الحرب شديدة التعقيد بما يجعل من المستحيل «أن ننسب حربًا ما إلى مسبِّبٍ محدد… يبقى أنّ من النادر، ما لم نقل من المستحيل، وجود حربٍ مجرّدة من أيّ مسبّبات اقتصاديّة»[24].

غير أنّه من الضروري الإشارة هنا إلى أيّ حدٍّ تختلف المسببات الأبرز للحرب ما بين مرحلة وأخرى من مراحل تطوّر المجتمعات. للتحقّق من ذلك، يكفي أن نقارن، على سبيل المثال، حرب الفتوحات التي شنّتها روما ضدّ البربر – وهي حملات تشابه قليلًا الحروب الكولونياليّة – بالهجرات الحربيّة التي أشرت إليها أعلاه.

تفقد العوامل الديموغرافيّة الكثير من أهميتها كمسبّبٍ للحرب ما بين شعبين، بوصول كليهما إلى المرحلة الزراعية.   يعرف المزارع أنّ جاره لا يمتلك حصّة يتقاسمها بأكثر مما يمتلك هو بذاته (يجب ألّا ننسى هنا أننا نتناول مرحلة كان فيها السكان يعيشون على الدوام عند حدود الكفاف). لا تستطيع الحرب، في أفضل حصيلة لها، إلّا أن تقود إلى بقاء الوضع على حاله؛ وهي في المقابل تحمل معها خطر استجلاب الدمار والهلاك.

كذلك نجد أنّ الحروب الجماعيّة التي تشهدها الشعوب الرعويّة ما تلبث أن تترك مكانها في المرحلة الزراعيّة لما أطلِقُ عليه تسمية الحملات العسكريّة. إذا ما قرّرنا، بدلًا من قراءة التاريخ الوطني ككل، أن نتصفّح على سبيل المثال كتابًا يتناول التاريخ المحليّ في الفترة الإقطاعية، لا يمكن إلّا أن نُفاجأ بغياب أيّ طابع شعبيّ لحروب السيادة على الأرض في ذلك الوقت. كما أنّ العامل السببي الديموغرافي يكون غائبًا تمامًا. ويكون كلّ من التنافس بين السلالات الحاكمة، وقضايا الإرث، والطموح، وشغب النبلاء المتعطِّلين والراغبين في عيش انفعالاتٍ قويّة؛ هي المحرِّكات الرئيسة للصراعات العديدة التي تتجاوز آثارها الاقتصادية والديموغرافيّة بكثير آثار الحروب التي نشبت على المستوى “الوطنيّ” في الفترة ذاتها.

في مراحل أحدث، «باتت مصالح السلالات الحاكمة هي التي توجِّه سياسات الأمم، وأصبحت هذه المصالح العامل الرئيس المُسبِّب للحرب…، وهي وإن اتّصلت بها مصالح أخرى أقل ذاتيّةً، إلّا أنّها لم تكن تلعب في الغالب سوى دورِ ساترٍ معَدٍّ لحجب الدوافع الحقيقية… لعب الدين دورًا يضاهي دور شؤون السلالات الحاكمة في زعزعة السلم… توسّع الإسلام، والحروب الصليبيّة، ومحاولات اجتثاث الهرطقة، والصراعات بين الكنيسة والدولة، والإصلاح الديني؛ تقدِّم جميعها أمثلة صريحة عن حروب شرسة وشديدة الفتك. لكنّ عددها يبقى ضئيلًا جدًّا بالنظر إلى مجمل الحروب التي لا تظهر فيها التنظيمات الدينية إلّا على هيئة داعمٍ أو مساعدٍ للرجالات وللأمم، وهؤلاء خاضوا معارك هذه التنظيمات بالتزامن مع القتال من أجل توسعهم الشخصي والوطني الخاص»[25].

في وقتنا الحاضر، تزداد أهميّة العوامل الاقتصادية كثيرًا. لكن، وبالنظر إلى اعتبارها عوامل لا يجب التصريح عنها، يتمّ إخفاؤها قدر المستطاع خلف اعتبارات أيديولوجية. لا بل تعدّ نتيجة منطقية لتطوّر الصراعات الحديثة باتّجاه شكل الحروب الجماعيّة[26]. وبما أنّ الاعتبارات السياسية بقيت كذلك محتفظةً بأهميّتها، فقد بات تبيان الجوهريّ من بين هذا التشابك الكبير في مسبّبات الحرب، عملًا أصعب منه أيّ وقت مضى.

تشكِّل البروباغندا المتمحورة حول “المجال الحيوي[27]” (l’espace vitale) إحدى الأبعاد الأكثر مشهديّةً لعملية نقل الأسباب هذه إلى المستوى الأيديولوجي. تحت غطاء مظهرها العلمي، كان من شأن نظرية “الأمم الأدنى”[28] أن سمّمت، بالمعنى الحرفي للكلمة، الرأي العام؛ لا في ألمانيا وحدها، وفي إيطاليا، لكن حتى لدى خصومها المستقبليين. إلى حدِّ أننا رأينا، أثناء المؤتمر الدولي للسكان المنعقد في باريس 1937، ممثلًا لإحدى القوى المهدّدة بشكل مباشر من طرف ألمانيا، يقدِّم تقريرًا ينزع إلى تصنيف بلاده على رأس الأمم في ما يتعلّق بـ”الضغط الديموغرافيّ”. بقيامه بذلك، وضع نفسه في موضع البروباغندا الإيطالية-الألمانية ذاتها، من دون مراعاةٍ لأيّ موضوعية علمية.

غير أنّ السير نورمان إنجيل (Sir Norman Angell) كان قد بيّن لنا[29] حجم المغالطة التي ينطوي عليها الأساس الذي بنيت عليه هذه البروباغندا المتعلّقة بالضغط الديموغرافيّ برمّتها. يكتب مثلًا: «على الرغم من الحملة الدعائية المكثّفة (التي استمرّت على امتداد جيل كامل) المتعلِّقة بالحاجة إلى إيجاد متنفَّس استعماريّ لفرطِ السكان الألمان، فقد وجِدت عشيّة الحرب[30] أعداد من الألمان الذين يكسبون عيشهم من العمل في باريس بأكثر مما قد وجِد في جميع المستعمرات الألمانية بكلّ أنحاء العالم». أتاحت الإحصاءات الرسمية الإيطالية للمؤلّف فرصة تقديم أمثلّة لا تقلّ بيانًا عن حقيقة المساعدة (؟) التي قدّمها استعمار إيطاليا لإريتريا وليبيا في شأن إيجاد حلٍّ لمشكلات السكان في البلد الأمّ[31].

لكنّ ما يعجز البرهان العلمي الأكثر انضباطًا عن هزيمته إنّما يكمن في الواقع في مثل هذه “الأفكار المؤثِّرة” التي تروِّج لها البروباغندا، خصوصًا عندما لا يحظى هذا البرهان العلمي بدعمٍ عبر حملةٍ فكريّةٍ مكثّفة. على الرغم من النشر المتكرّر لكتيِّب كوزينسكي (R.R. KUCZYNSKI) حول “المجال الحيوي ومشكلات السكان” (L’Espace vital et les problèmes de population) والذي ظهر لأول مرّة في شهر آب/أغسطس عام 1939[32]، يمكننا القول إنّنا بقينا بعيدين من استئصال جذور البروباغندا المتمحورة حول مشكلة “الاكتظاظ السكاني”، حتى من فكر دول الحلفاء، إذ بقيت هذه الجذور راسخة وطيدة.

لتوصيف حقيقة المشكلة يجب القول إنّ ألمانيا ما بين الحربين العالميّتَين كانت تمتلك إمكانات وافرة تتيح لها التزوّد بموارد المعيشة التي تحتاجها. إذ كان يكفيها لذلك أن تُكرِّس طاقاتها الصناعية – التي اختبر الحلفاء قوّتها – لتصنيع منتجات صناعية قابلة للتبادل مقابل موادّ غذائية، لا لتصنيع المدافع. إنّ الدول التي عانت أولًا من العدوان الألماني – النمسا، تشيكوسلوفاكيا، بولندا – لم تكن تمتلك من مخزون الموارد المستقبلي أكثر مما كانت تمتلك المانيا ذاتها، لا بل على العكس من ذلك، وما كان من شأن هذا الغزو سوى أن يزيد من الصعوبات التي تواجهها. إنّ المستعمرات الألمانية القديمة، حالها في ذلك كحال المستعمرات الفرنسية المكتظّة بالسكان – إفريقيا الشمالية، الهند الصينية – ما كان باستطاعتها أن تسهم بشكل أكبر في التخفيف من “الضغط الديموغرافي”. وأخيرًا، فعلى الرغم من القيود التي وضعتها الولايات المتّحدة الأمريكية على قبول الأجانب على أراضيها، بقيت احتمالات واسعةٌ للهجرة الوافدة مفتوحةً أمام الألمان الذين لم يستفيدوا منها في الحقيقة بشكل كامل. بل أكثر من ذلك، تمّ تسجيل حالات هجرة مغادرة للبولنديين من منطقة الروهو (Ruhr) الألمانية.

في المقابل، كانت المشكلة الديموغرافيّة في إيطاليا حقيقيّة. إذ لم يكن باستطاعة شبه الجزيرة الإيطاليّة أن تحتمل لوقت طويل زيادة طبيعية سنوية تتجاوز الأربعمئة ألف مواطن، وكان من شأن الحصص (الكوتا) التي حدّدتها الولايات المتحدة لإيطاليا، في تطبيقٍ لما عُرِف بـ “قانون الهجرة الوافدة” (Immigration Acte) لعام 1921 (الذي تم تشديد صرامته عبر قانون عام 1924)، أن شكّلت عائقًا جدّيًا أمام الهجرة الإيطالية المغادِرة، مثلما يظهر على الشكل البياني أدناه[33].

 

الولايات المتّحدة الأمريكية – قبول المهاجرين الوافدين الألمان والإيطاليين

   

في خطابه في شأن السياسة الخارجية، والذي ألقاه في الحادي عشر من كانون الأول/ديسمبر عام 1924 أمام مجلس الشيوخ، عرض موسوليني (Mussolini)[34] نتائج جهود حكومته التي نجحت في رفع عدد المهاجرين المغادِرين من أقلّ من ثلاثمئة ألف عام 1922 إلى أربعمئة ألف عام 1923. وهو مستوىً بقي قائمًا بحلول عام 1924. كانت الزيادة السنويّة للسكان الإيطاليين إذًا، وفقًا للمصدر ذاته، تبلغ نحو أربعمئة وستة وأربعين ألفًا وسطيًّا: وهكذا بدا أنّ المشكلة ليست مستعصية. لكن من الواضح أنّ حلّها كان يتطلّب الاستمرار في هذه الطريق، وعدم تشجيع المولودية في بلد كان معدل تكاثر سكانه الصافي (Taux net de reproduction) عند حدود 1.21 عام 1931 (وبقي في حدود 1.13 في الفترة من 1935 إلى 1937).

من جانب آخر، وفي الخطاب ذاته، عبّر موسوليني عن ارتياحه لوجود 315 حزمة في الخارج، وإذا ما أضيفت اليها “الزُّمر”، فسيرتفع هذا العدد “الضخم جدًا” إلى 417. لم يكن هذا الأمر بالتأكيد مشجِّعًا بالنسبة إلى دول الهجرة المغادِرة. كانت إرادة الفاشيين الإيطاليين في توظيف الظرف الديموغرافي لبلدهم كأداة للسيطرة السياسية واضحةً للعيان. بهذا المعنى نستطيع القول إذًا إنّ “الاكتظاظ السكاني” بات منذ ذلك الحين عاملًا من عوامل الحرب. مع ذلك، احتفظ الإيطاليون بإمكان الهجرة بحُريّة وجماعيًّا باتجاه العديد من البلدان، بما فيها فرنسا. لاحقًا، وبعد أن رمت بالأقنعة جانبًا، ذهبت الفاشية إلى حدّ عدم التشجيع على الهجرة المغادِرة، وإلى دعوة مواطنيها المقيمين في الخارج للعودة إلى صفِّها: كانت الحرب قد اقتربت.

*********

أتاحت هذه النظرة العامة إيضاح حقيقة أن “الاكتظاظ السكاني” يشكِّل في العالم الحديث ذريعة للحرب، على الأقلّ بمقدار ما هو مسبِّبٌ لها. مع ذلك، لا أتّفق مع فكرة بينروز (E.F. Penrose) عندما يكتب: «لا يكمن المصدر الأساسي للصراعات الاجتماعية العنيفة في أحوال العالم الخارجي، وإنما في روح الرجال»[35]. إذ من الجدير بالملاحظة، في الواقع، أنّ التغيرات الكبرى في البنى الاجتماعية يرافقها عمومًا تفاقم في الحروب.

إنّ اختلاف الأطوار التي شهدها التطوّر الديموغرافي لمختلف البلدان كان من شأنه أن أوجد اختلافاتٍ في “الضغط” بين مختلف أنحاء العالم. وهذه ظاهرة لم تكن لمعرفة منذ قرنين من الزمن. هذا الواقع “الخارجي” الجديد سيكون بالتأكيد قابلًا لأن يتسبّب في خلخلة لعلاقات الدولية.

مع ذلك، يجب أّلا يؤدي ضعف إدراك المشكلة من طرف الكتاب المروّجين للمالتوسية إلى مفاقمتها. عندما نكتفي بأن نقول للفرنسيين بأنّ الاكتظاظ السكاني هو مصدرٌ للحرب وأنّ تعميم المالتوسية هو العلاج العظيم لمشكلة الاكتظاظ السكاني، فإنّنا أمام احتمال كبيرٍ لحدوث سوء فهم – هذا على افتراض أننا كنّا قد قمنا مسبقًا بتحليلٍ ملائم للإشكالية. ونحن هنا أمام خطر مفاقمة مالتوسيّة الفرنسيين الذين لا حاجة لهم بها في الواقع؛ من دون أن نسهم في شيء في تخفيض سرعة تكاثر الأمم المكتظّة بالسكان.

هذه واحدة من بين العديد من مخاطر الأطروحة المضلِّلة التي حاربتها هنا. تكمن خطورتها في ظاهرها المنطقي وفي بساطتها. طبعًا يتعلّق الأمر بالأحرى بكونها “تبسيطيّة”. لكنّ الآثار التي تركتها البروباغندا التي أحاطت بمفهوم “المحيط الحيوي” تؤدي إلى رضوخٍ مباشر للذهن فيقبل بلا نقاش شبه-النظرية القائلة بالحرب كعامل ضبطٍ ديموغرافي. لهذا السبب، إلى جانب حقيقة أنّ اختلافات الضغط الديموغرافي بين البلدان لن تفتأ تزداد وأنّ الرأي العام سيصبح أكثر علمًا بها من ذي قبل؛ فإنني مقتنع تمامًا، وأتفّق في ذلك مع تومسون[36] (Thompson)، بأنّ المشكلات الديموغرافيّة ستشكِّل مستقبلًا علّة خلافات بين الأمم.

لكن يمكن ويجب أن تُحلّ هذه الخلافات سلميًّا، بما أننا نعرف أن الحرب، بعيدًا من أن تحلّ مشكلات الاكتظاظ السكاني، ما تلبث تفاقمها. ما يثير القلق هو أنّ «ما يولِّد المشكلات السياسية الدولية الناتجة من اختلافات المولودية بين الأمم ليس هو الضغط الفعلي، بل الضغط المحسوس»[37]. يبقى كبيرًا إذًا خطرُ أن تستعير بعض القوى العالمية مفهوم “المحيط الحيوي” لتوظيفه لأغراضٍ استعماريّة.

في الواقع، إنّ خطر التسبُّب في اضطراب العلاقات الدولية في المستقبل القريب لا يصدر من الدول التي تعاني اليوم أكثر من غيرها من الاكتظاظ السكاني، بل من الدول الأخرى[38]. غير أنّ أيًّا من المشكلات الديموغرافيّة التي تظهر في هذه الأخيرة ليس مستعصيًا على الحلّ. وهو واقع مشجِّع جدًّا يجب أن يدفع بالديموغرافيّين من جميع الدول إلى توحيد جهودهم لإيصال المعلومة إلى الرأي العام العالمي. غالبًا ما تكون لدى الباحثين، في خضمّ سعيهم وراء الجوهر صعبِ المنال، تلك النزعة المؤسفة في أن يتركوا لآخرين، أقلّ كفاءةً منهم، حقل الفعل. لربما تكون استقالتهم أمام مشكلاتٍ لا تتيح حلولًا دقيقةً بالمطلق سببًا في هذا الشكل من فقدان الثقة في الفعل السياسي لدى بعض فئات الرأي العام. مع ذلك، أليست السياسة إحدى أكثر الواجبات إلحاحًا لإنسانٍ جديرٍ بهذا الاسم، الواجب الأول لكل مواطنٍ في هذا العالم في سيرورة التكوّن الديموقراطي؟

أثناء كتابتي لهذه السطور، تعقد هيئة الأمم المتحدة للسكان أولى اجتماعاتها في منطقة (Lake Success)، بما يشهد على بدء الوعي في الأوساط الدولية بأهميّة مشكلات السكان في الحفاظ على السلم.

ببليوغرافيا

نجد تبثَ مراجعٍ مهمًّا في مؤلَّف رايت (WRIGHT) الذي سبق ذكره، وخصوصًا في ملاحظات الهوامش في الصفحات 101، من 242 إلى 246، و714.

 

الملحق

لا يسمح الإطار الضيّق لمقالة بحثيّة بمعالجة موضوع على هذا القدر من الاتّساع إلّا بشكل موجز. لهذا السبب اعتقدت أنّ من المجدي تجميع بعض الملاحظات التي من شأنها إضفاء المزيد من الوضوح على النصّ. آمل أن يجد القارئ فيها مادّة للتفكير.

طابع النزوع للحرب لدى لشعوب البدائية. (ملخّص لأفكار “رايت” حول هذا الموضوع[39]). يُصنِّف الكاتب الشعوب البدائية في أربع مجموعات تبعًا لطبيعة الحروب التي تنخرط فيها: حروب دفاعيّة (لا بل وتوجد قلّة قليلة من القبائل التي لا تدافع عن نفسها عند تعرّضها للهجمات)؛ وحروب اجتماعية (انتقام، تكفير ديني، رياضة، رفعة المحاربين الشخصيّة)؛ وحروب اقتصادية (استعباد، نساء، ماشية، مراعي، أراضٍ زراعيّة)؛ وحروب سياسيّة.

    في ما يخصّ الحرب الاقتصادية، يلاحظ الباحث أنّ هدفها يشتمل عادةً على أَسر النساء أو العبيد، ويتم أسر الأعداء إن أمكن، بدلًا من قتلهم. وبالتالي، قد يبدو هذا النمط من الحروب أكثر إنسانيّة؛ لذلك يميل البعض إلى اعتبار القبائل التي تمارسه أقل “نزوعًا للحرب” من تلك التي تنغمس في الحرب الاجتماعية. مع ذلك، يظهر أن الخسائر الناجمة عن الحرب الاقتصادية تتّسم عمومًا بكونها أشدّ، في ما يتعلّق بالسكان، مقارنةً بخسائر الحرب الاجتماعية الصرف؛ وذلك لأن الإنسان يُظهِر عنفًا أكبر في دفاعه عن ممتلكاته منه في دفاعه عن حياته، حيث يسمح له الفرار في حدّ ذاته بالوصول إلى هذا الهدف الأخير. أضف إلى ذلك أن القبائل التي تنخرط في الحرب الاقتصادية توظِّف الحرب كذلك لغايات اجتماعية – على سبيل المثال، من أجل التزوّد بضحايا لتقديمهم كأضاحي بشرية –، لا بل ويحدث هذا التوظيف عادةً على نطاق أوسع منه لدى القبائل المنتمية إلى المجموعة الثانية.

إنّ النموذج السياسي للحرب يرافقه ظهور نوعٍ من التراصف (Stratification)، تمايزٌ لطبقةٍ محاربة مسيطِرة. يبدو لي من اللازم ملاحظة أنّ هذه الظاهرة، مع كونها تؤدي ولا ريب لأن تصبح الحروب أكثر تواترًا، فهي تنزع إلى نقلها من مستوى الجماهير إلى المستوى العسكري، وهذا الأخير يكون عمومًا أقلّ فتكًا بــمجمل السكان. بحيث يصبح من الضروري الحذر من مفهوم الطابع “الحربي” لشعبٍ ما عند تقدير خسائر الحرب التي قد يكابدها.

خسائر الحرب عبر التاريخ. دوّن سوروكين[40] أعداد القتلى، من طرف المقدونيين، في عدد من أكبر معارك الإسكندر: غرانيكوس (Granique)، 120؛ إسوس (Issus)، 450؛ طروادة (Tyr)، 400؛ أربيل (Arbèles)، حوالى 500. في العصور الوسطى، في معركة بريمول (Brémule) عام 1119، لم يُحص كذلك إلّا بضع مئات من القتلى من الطرفين.

    في مداخلة له في أكاديمية النقوش والأدبيات (Académie des Inscriptions et Belles-Lettres)[41]، أوضح فيردينان لوت (Lot) من جهة أخرى إلى أيّ حدٍّ كانت ضعيفةً عمومًا أعدادُ المنخرطين في المعارك في العصور الوسطى. في كريسي (Crécy)، كان تحت إمرة إدوارد الثالث (Edouard III) أقل من عشرة آلاف مقاتل بقليل. وفي بواتييه (Poitiers)، كان عدد المقاتلين تحت إمرة ابنه أقلّ من ستة آلاف. واستطاع هنري الرابع (Henri IV) الانتصار في آزينكور (Azincourt) ومعه خمسة آلاف رجل. تبيّن هذه الأرقام إلى أيّ حدّ «تفتقر إلى الدقة الأعداد التي تقدّمها الأخبار التاريخية والمذكّرات حول القوات العسكرية: أحيانًا تكون هذه الأعداد مبالغًا بها حدَّ الجنون».

تنطبق الملاحظة ذاتها على العصور القديمة. ليس من المفاجئ إذًا أن تبلغ تقديرات أعداد السكان الغاليين، المبنيّة على مصادر مماثلة لما سبق، ما بين 48 مليونًا وفق تقدير والاس (Wallace)، و4 ملايين فقط وفقًا لمصادر أخرى. وإذا ما وجّهنا اهتمامنا نحو بعضٍ من بين أكثرها دقّة، نذكر تقديرات لوفاسور (Pierre Emile Levasseur)[42]: عدد السكان الكلي يبلغ ثمانية ملايين، من بينهم ستة ملايين للشعوب الستين في بلاد الغال كثيفة الأشجار (La Gaule chevelue)، ومليونين للشعوب الغالية الناربونيّة (Narbonnaise). وتقديرات بلوخ (Julius Beloch)[43]: العدد الإجمالي عشرة ملايين. وأخيرًا ولاحقًا عليهما، تقديرات كاركوبينو (Jerôme Carcopino)[44] الذي يحصي على أقلّ تقدير اثني عشر مليونًا في بلاد الغال التي حاربها يوليوس قيصر.

نلاحظ أن بإمكان التقديرات أن تتباين بسهولة حتى الضعف تبعًا لأهواء الكاتب. فإذا ما كان علينا أن نقبل مع جوليان (Jullian)[45] أنّ الأعداد التي ذكرها بلوتارك (Plutarque) (وهي: ثلاثة ملايين مقاتل، ومليون قتيل، ومليونًا سلِبوا كعبيد) تبدو معقولةً غير مبالغٍ بها، فإنّ علينا بالأحرى أن نتبع المؤلِّف ذاته في تأويله لمختلف المصادر حول العدد الكليّ للسكان: 20 إلى 30 مليونًا[46].

في الواقع، وقع جوليان في تضليلِ المبالغات النفعية ليوليوس قيصر[47]. فأعداد بلوتارك المبالغ بها، المقارِبة لتقدير كاركوبينو، الكبير على الأرجح، تقدِّم بلا ريب تقديرًا للحد الأقصى للخسائر التي تسبّبت بها الحملة.

سعى سوروكين[48] إلى تقدير الخسائر المباشرة الناتجة من الحرب عبر تاريخ اليونان، والرومان، وأوروبا بدءًا من القرن العاشر. الأعداد التي توصّل إليها تؤدي إلى قيم معدلات سنوية متوسطة لوفيات المقاتلين (محسوبة على امتداد قرن) لا تتجاوز إلّا استثنائيًّا 0.1 في الألف من مجموع سكان البلدان المدروسة (اليونان في القرن الرابع، وروما في القرن الثالث قبل الميلاد، وفرنسا في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر الميلادية).

الحروب الأهليّة. باستثناء تلك التي تأخذ شكل صراع عسكري حقيقي بين فريقين، فإنّ الدراسة الكميّة للآثار الديموغرافية للحروب الأهلية هي أكثر صعوبة من دراسة آثار الحروب الدولية.

كانت الحرب الأهلية الأمريكية (La guerre de Sécession) إحدى أطول الحروب الأهلية زمنًا وأكثرها فتكًا بلا ريب. فعلى امتداد سنواتها الأربع، أحصيَ ما مجموعه 620 ألف وفاة ناتجة من الحرب (ثلثها فقط تسبّبت به المعارك)[49]، ضمن مجموع سكان يبلغ 35 مليونًا تقريبًا، أي ما نسبته 1.8%.

وافق هذه الخسائر إذًا معدّل سنوي متوسط أدنى من 5 في الألف، وهو غير كافٍ مطلقًا لكي يُعطِّل، حتى في أثناء الحرب، النمو السكاني للولايات المتحدة (في الواقع، ازداد عدد سكان هذه الأخيرة 3.350.000 فردًا خلال هذه الفترة).

المجاعات و”الطاعون”. إنه لمن الصعوبة بمكان أن ندرك، في وقتنا الحاضر، إلى أيّ حدٍّ يمكن أن يؤدي وباء كبير أو مجاعة إلى خفض عدد السكان. من الصعب أن نتصور، بالعودة إلى تقديرات تومبسون، أن وباء الطاعون الأسود الشهير لعام 1348 أدّى إلى فقدان إيطاليا نصفَ عدد سكانها، وفقدت كلٌّ من فرنسا وإنكلترا نحو ثلث أعداد سكانها، في حين خلت جزيرة قبرص عمليًّا من السكان. بالنسبة إلى أوروبا ككل، «نقبل بشكل عام جدًّا أنّ ربع سكانها على الأقل قضوا خلال بضعة أشهر» مما يعني خسارةً كليّةً في الأرواح لا تقلّ عن 25 مليونًا[50].

    مع ذلك فإنّ مثل هذه الكوارث لم تحسِّن في شيء مشكلة الموارد في أوروبا. أورَد والفورد (Cornelius Walford) حدوث مجاعة كبرى في إنكلترا وفي فرنسا منذ عام 1353، ومجاعة في إيطاليا في الفترة 1374-1375[51]. وبالمثل، كان من شأن أسعار الحبوب التي سجّلها ثورولد روجرز (J.E. Thorold Rogers) أن أكّدت حدوث نقص حاد في الغذاء تالٍ، في إنكلترا، على الوباء الكارثي[52].

إذ يحدث في الواقع أنّ مثل هذه المصائب، بما تؤدّي إليه من تعطيل تام للإنتاج، تزيد من الاكتظاظ السكاني النسبي عبر آلية مشابهة لتلك التي أوردناها أعلاه في ما يتعلّق بالحرب. في حالة الطاعون الأسود، تم تأكيد هذا الأمر بشهاداتٍ من معاصريه[53].

درجة “الاكتفاء الذاتي الغذائي”. قام كوزينسكي[54] بنقل جدولٍ كان المركز الألماني للدراسات الاقتصادية (Institut allemand d’études économiques) قد نشره بتاريخ التاسع من شباط / فبراير عام 1939. أعدت نقل البيانات في الجدول (2) وعرضت فيه، بالإضافة إلى ذلك، عدد السكان نهاية عام 1939.

يزعم المؤشّر التعبير عن “درجة الاكتفاء الذاتي الغذائي لمختلف دول العالم”. يعبِّر المؤشر ذو القيمة 25 في المئة مثلًا عن أن الإنتاج الزراعي لإنكلترا يصل إلى 25 في المئة من تغطية الاحتياجات الغذائية لسكانها، وأنّ عليها بالتالي استيراد غذاءٍ لتطعم نسبة الـ 75 في المئة المتبقية (تتعلّق الأرقام بالأراضي الأصلية لإنكلترا – من دون المستعمرات).

مثل هذه الأعداد المستندة إلى إحصاءات التجارة الخارجية هي بطبيعة الحال غير ملائمة على الإطلاق لإعطاء صورة عن الصعوبات التي تواجهها مختلف البلدان من أجل حلّ مشكلات موارد المعيشة. لا بل إنني أعتبر أنّ هنالك بعض الصفاقة في عرض الهند والصين في هذا الجدول. إذا أنّ عدم امتلاك هذين البلدين لأيّ وسائل لاستيراد ما يلزم لإطعام سكانهم، سيضعهما طبعًا عند مستوى المؤشر 100 بالنسبة إلى المجاعات والفاقة المستمرّة. في حين أنّ معظم البلدان ذات المؤشر الأدنى والظاهرة في هذا الجدول، بإمكانها وبسهولةٍ بالغة تحقيق “درجة الاكتفاء الذاتي الغذائي” هذه، المرغوبة جدًا، وبتكاليف أقل[55].

على الرغم من هذه النواقص التي لا مفرّ منها والتي سلّط المؤلِّف الضوء عليه (عدم تجانس الإحصاءات، اللامساواة في التنقيب عن احتياطي المعادن)، يبقى أنّ الجدول (3)، المأخوذ عن تومبسون[56]، يسمح برؤية أكثر دقّة للوضع النسبي في مختلف الدول.

جدول (2) – مؤشّر الاكتفاء الغذائي

الدول السكان بالملايين المؤشر % الدول السكان بالملايين المؤشر %
بريطانيا العظمى    47.8 25 إسبانية 25.6 99
النرويج 2.9 43 تشيكوسلوفاكيا 15.4   100
سويسرا 4.2 47 الهند البريطانية          382   100
بلجيكا 8.4 51 الصين     450   100
هولندا 8.8 67 الاتحاد السوفييتي     172   101
إيرلندا 2.9 75 إستونيا       1.1   102
النمسا 6.7 75 الدنمارك       3.8   103
فنلندا 3.7 78 بولندا       35.5   105
اليونان 7.2 80 يوغوسلافيا 15.7   106
ألمانيا*   69.6 83 لاتفيا       2.0   106
فرنسا   41.2 83 بلغاريا       6.3   109
السويد 6.3 91 ليتوانيا       2.4   110
الولايات المتحدة       131 91 رومانيا 20.0   110
تشيلي 4.9 93 هنغاريا       9.1   121
البرتغال 7.7 94 نيوزيلندا       1.6   173
إيطاليا   43.9 95 كندا 11.4   192
اليابان   72.5 95 أستراليا       7.0   214
البرازيل   40.7 96 الأرجنتين 13.7   264
* أراضي عام 1937.

 

الهجرات الألمانية والإيطالية المغادِرة باتجاه الولايات المتحدة[57]. مثلما يبيّن لنا الجدول رقم (4)، فإنّ الهجرات الإيطالية المغادرة باتّجاه الولايات المتحدة، والتي كانت معدومةً عمليًّا حوالى عام 1850، لم تأخذ طابعًا شموليًّا إلا بحلول عام 1900. فبدءًا من هذا التاريخ وحتى قيام الحرب العالمية الأولى، كانت إيطاليا ترسل وسطيًّا أكثر من مئتي ألف مهاجرٍ سنويًّا، وافدٍ إلى الولايات المتحدة، وقارب العدد الثلاثمئة ألف عام 1914.

على العكس من ذلك، كانت الهجرة الألمانية إلى الولايات المتحدة كبيرةً منذ نحو عام 1880، وبلغت أوجها في العقد السابق على عام 1890 ثم تباطأت مطلع القرن العشرين، لتستأنف ارتفاعها عشية الحرب. في عام 1914، بلغت ثمانين ألفًا.

بعد الحرب مباشرةً، لم تستعد الهجرة الألمانية باتجاه الولايات المتحدة حضورها إلا ببط. على العكس من ذلك، أرسلت إيطاليا، منذ عام 1921، أكثر من مئتي ألف مهاجر نحو الولايات المتحدة.

في تلك المرحلة، أدرجت تشريعات أمريكية تقييدية نظام الحصص (الكوتا)، وحدّدت من خلاله العدد السنوي للوافدين الجدد الذين سيجري قبولهم من كلّ دولة، بما نسبته 3 في المئة من مواطني هذه الدولة الذين تم إحصاؤهم في الولايات المتحدة عام 1910. بما أن الهجرات الإيطالية كانت غير بعيدةٍ زمنيًّا، أصبح عدد المهاجرين الذين باستطاعة إيطاليا، بدءًا من هذا التاريخ، توجيههم نحو الولايات المتحدة، مساويًا لاثنين وأربعين ألف مواطن سنويًّا، أي أنه انخفض أربعة أخماس عن ذي قبل، كحدٍّ أدنى. على العكس من ذلك، فإن الهجرة المغادرة من ألمانيا، والتي كان سقفها قد حُدِّد بثمانية وستين ألفًا من المهاجرين، لم تبدأ تستشعر أثر هذه القيود إلّا بحلول عام 1924.

في تلك المرحلة، تم اختزال نسبة المهاجرين الوافدين الذين سيتم قبولهم إلى 2 في المئة، وبات تعداد الإسناد هو تعداد عام 1890. لهذا السبب، انخفضت الحصة الكلية بنحو النصف، إلا أنّ حصة إيطاليا التي كانت 42 ألفًا انخفضت إلى 3850 فقط، أي أنها انخفضت بنسبة 90 في المئة، في حين انخفضت حصة ألمانيا إلى أقلّ من الربع (بلغت 51 ألفًا).

جدول (3) – موارد مقارنة لعدد من الدول

 

الدول

 

 

(1)

المخزون

طن للفرد الواحد

الأراضي المزروعة المروج والمراعي أدغال وغابات وأراضٍ أخرى*
فحم

 

(2)

مناجم حديد خام (معروفة)

(3)

هكتارات للفرد الواحد

(4)

% من المساحة الكلية

(5)

هكتارات للفرد الواحد

(6)

% من المساحة الكلية

(7)

المملكة المتحدة 3900 122 0.12 23.8 0.29 20.5
فرنسا 720 181 0.41 41.8 0.22 37.7
ألمانيا 3500  19 0.33 43.7 0.13 39.3
إيطاليا 5  0.2 0.32 42.8 0.17 35.2
بولندا 3060   0.62 48.6 0.21 34.5
اليابان 114 1.3 0.20 15.5   84.5
الصين 900 2.4 0.22 14.1   85.9
الهند 213 9 0.47 46.0   54.0
أستراليا 25500 149 1.59  1.2   98.8
نيوزلندا 2280  47 0.55 2.8 5.00 72.1
اتحاد جنوب إفريقيا 6750 367 0.57 3.5   96.5
الولايات المتحدة 20700 79 1.15 18.0   82.0
كندا 64400 415 2.47  2.4   97.6
*  في حال خلوّ العمود (6) من أيّ بيانات، قمنا بنقل المتمم إلى المئة للعمود (5) نحو العمود (7)

 

أدّى التعديل الجديد الذي طرأ عام 1929 إلى خفض حصّة ألمانيا إلى النصف (فأصبحت 26 ألفًا)، وأدّت بحصّة إيطاليا إلى أن تبلغ قيمة ضئيلة (5800) فقط. علاوة على ذلك، جاءت الأزمة الاقتصادية وكان من شأنها أن تلغي تمامًا أيّ هجرة وافدة أيًّا تكن أصولها، إمّا لأن الظروف أدّت إلى تثبيطها (راجع صافي الهجرة الوافدة، الذي يبرز نموًا متزايدًا في عدد المهاجرين المغادِرين)، أو لأن الحكومة وظّفت التسهيلات التي يقدمها “قانون الهجرة الوافدة” لعام 1917 (الذي يسمح عمليًّا بإلغاء إي شكلٍ من أشكال الهجرة الوافدة في فترات الأزمات).

هذه العوائق التي وضعتها أمريكا في وجهة الهجرة الوافدة الإيطالية لم تؤثّر فعليًّا في تصميم الفاشية الإيطالية على جرّ بلادها إلى حرب عدوانية. لكننا ندرك، في ضوء هذا المثال، أنه في حال بدأت الدول ذات الهجرة الوافدة العالية بتبني مثل هذه السياسة معًا في وقت واحد – وهو أمر ليس بعيد الاحتمال في حال حدوث أزمة اقتصادية عالمية – فقد يؤدي الأمر إلى ردود أفعال حادّة جدًّا من جانب الدول التي ستجد منافذ سكانها قد ألغيت بفظاظة. الأمر الذي يبيّن بوضوح حقيقة أن تحقيق السلام لا يمكن أن يتمّ من خلال محكمة تحكم بالقانون الدولي الصارم، فالآليات المعنيّة بحفظ السلام إنما يجب أن تتمّ صياغتها وفق خطّة أكثر واقعية.

جدول (4) – إحصاءات الوافدين والمغادرين الأجانب في الولايات المتحدة (الأعداد بالآلاف)

 

الفترة

(1)

الهجرة الوافدة السنوية حسب الأصول (2) الهجرة الوافدة السنوية ضمن نظام الحصص (الكوتا) حسب الجنسية (3)
جميع الأصول ألمان إيطاليون جميع الجنسيات ألمان (4) إيطاليون
كليّة صافية كليّة صافية كليّة صافية كليّة صافية كليّة صافية كليّة صافية
 

1851-1860

1861-1870

1871-1880

1881-1890

1891-1900

1901-1910

 

260

231

281

525

369

880

   

95

79

72

145

51

34

   

1

1

6

31

65

205

             
1910

1911

1912

1913

1914

1042

879

838

1198

1218

839

583

505

890

915

71

66

65

81

80

58

51

50

69

68

223

190

162

274

296

168

114

52

184

211

           
1910-1914 1035 746 73 59 229 146            
1920

1921

1922

1923

1924

430

805

310

523

707

142

558

111

441

630

7

24

31

66

96

3

17

26

63

94

98

222

41

48

59

9

174

13 ـــ

25

36

 

 

357

358

«

 

 

244

335

358

 

 

68

«

«

 

 

19

49

68

 

 

42

«

«

 

 

42

42

42

1920-1924 555 376 45 41 94 46 (5)    312 (5)   45 (5)   42
1925

1926

1927

1928

1929

294

304

335

307

280

202

227

262

230

210

54

59

57

54

56

50

54

51

46

48

7

9

19

19

19

20 ـــ

11 ـــ

1

1

7

165

«

«

«

«

146

157

158

153

147

51

«

«

«

«

46

51

50

48

49

4

«

«

«

«

3

4

4

4

4

1925-1929 304 226 56 50 15 4 ـــ « 152 « 49 « 4
1930

1931

1932

1933

1934

242

97

36

23

29

191

35

68 ـــ

57 ـــ

10 ـــ

34

14

4

3

4

29

9

3 ـــ

3 ـــ

ـــ

23

14

7

4

5

20

11

1

3 ـــ

1

154

«

«

«

«

141

54

13

8

12

26

«

«

«

«

27

10

2

1

4

6

«

«

«

«

6

4

2

1

1

1930-1934 85 18 12 6 10 6 « 46 « 9 « 3
1935

1936

1937

1938

1939

35

36

50

68

83

4 ـــ

1

24

43

56

5

5

6

8

6

1

ـــ

4

5

1

7

7

8

8

7

4

5

6

7

5

«

«

«

«

«

17

19

28

42

62

«

«

«

«

«

5

6

11

17

32

«

«

«

«

«

2

2

3

3

4

1935-1939 54 24 6 2 7 5 « 34 « 14 « 3
1940 70 49 4 1 6 4 « 52 « 25 « 4
(1)     بدءًا من عام 1870، تسند البيانات إلى السنوات الضريبية التي تنتهي في الثلاثين من حزيران/يونيو من السنة المحدّدة.

(2)     حتى عام 1867، إحصاءات دخول الأجانب. من 1868 إلى 1891، ومن 1895 إلى 1897، إحصاءات دخول المهاجرين الوافدين الأجانب. من ناحية أخرى، لدينا بدءًا من عام 1910، إحصاءات مغادرة المهاجرين المغادرين الأجانب. يتم تحديد الأصول تبعًا لمكان المنشأ حتى عام 1905، وتبعًا لآخر مكان إقامة دائم (إقامة لمدّة لا تقل عن العام التقويمي) للفترة من 1905 إلى 1910. بدءًا من عام 1910: الإحصاءات حسب “العرق”.

(3)     تبعًا لمكان الولادة لعام 1922 وبدءًا من 1930 (تكون الفروقات مع الإحصاءات حسب الجنسية ضئيلة جدًّا، تشهد على ذلك نتائج السنوات 1929 و1930، التي نُشِرت في شأنها سلسلتا القيم).

(4)     بدءًا من عام 1938، تقديرات بالنسبة إلى الأراضي الألمانية لعام 1937.

(5)     الفترة 1922-1924.

 

*******

[1]  نشرت المقالة في: Population, 2ème année, n°1, 1947, p. 9-30. وبول فانسن 1912-1979 (Paul VINCENT): باحث فرنسي، متخصّص في القانون العام والاقتصاد السياسي. عمل منذ عام 1943 في “المنظمة الوطنية لدراسة مشكلات الإنسانية” (Fondation National pour l’Etude des Problèmes Humains)، ثمّ التحق بالمركز الوطني للدراسات السكانية (Institut National d’Etudes Démographiques – INED) منذ تأسيسه عام 1945، وأصبح فيه منذ ذلك العام رئيسًا لقسم الدراسات الكميّة والأحوال الديموغرافيّة. عمل بكثافة في مجالات البحث والتدريس وأسهم في إغناء البحوث الديموغرافيّة في فرنسا وخارجها. (م) بتصرّف عن:

Gérard Calot, In Memoriam: Paul Vincent, in: Population, n°6, 1979, pp. 979-984.

[2] يشير المؤلِّف في الهامش إلى مؤلّف غاستون بوتول: “مئة مليون من القتلى” (Gaston BOUTHOL, Cent millions de morts, Paris, 1946). وهو يسعى في مواضع عدّة من بحثه هذا إلى مناقشة أطروحة “الاسترخاء الديموغرافي” (La relaxation démographique) التي قدّمها بوتول وأكّد عليها لاحقًا في كتابه “ظاهرة الحرب” (Le phénomène-guerre, Paris, Payotte, 1962)، وتقوم هذه الأطروحة على اعتبار الاكتظاظ السكاني مسبِّبًا رئيسًا للصراعات العسكرية. ويعتبر بوتول أن الحرب تؤدي وظيفة اجتماعية، فالصراع العسكري الذي تتسبب به حالة الاكتظاظ السكاني يؤدي = إلى خسائر في الأرواح فيعيد التوازن الديموغرافي. يمكن الرجوع في هذا الشأن، على سبيل المثال، إلى: (Christian GODIN, La fin de l’humanité, Broché, 2003, p. 20). (م)

[3] في النص الأصلي: بالحرف الكبير أو من دونه (avec ou sans majuscule)، حيث تشير كلمة الطبيعة بالحرف الكبير (Nature) إلى الطبيعة المحيطة بكل ما تحتويه، إلى الطبيعة “الطبيعية”. بينما تحتمل الكلمة بحرف صغير (nature) معانٍ أكثر تنوعًا واتّساعًا (طبائع الأشخاص، جنس، نوع، صنف…الخ.). (م)

[4] فلسفة المدارس الكاتدرائية في العصر الوسيط. (م)

[5] An essay on the principle of population (1803), 8éme edition, Londres, 1878, p. 11.

[6] انظر: Edward M. EAST, Mankind at the crossroads, New York, 1923, p. 3. . في وقتنا هذا، يجب على خريج الثانوية المستقبلي الذي يدرس الحملات النابليونية أن يتبع دروسًا حقيقية يتعلّم فيها الاستراتيجيات والتكتيكات التي تكاد تصلح لأن تُدرَّس في مدرسة حربية. لا يُسمَح = لأيّ طالب بكالوريا أن يغفل اسمًا واحدًا في تعداد أسماء ملوك أسرة كابيتيان مثلًا (أول ملوك فرنسا Les Capétiens)، بالمقابل، فإن طالبًا في قسم الرياضيات بإمكانه أن يرتقي إلى أعلى مستويات الدراسات العليا مع بقائه جاهلًا تمامًا بالمسار التاريخي لتطور الفكر العلمي.

[7]  انظر: الملحق في ختام البحث.

[8] Quincy WRIGHT, A study of war, Chicago, 1942, p. 76.

[9] Quincy WRIGHT, op. cit., p. 569 et 570.

[10] MALTHUS, op. cit., p. 47.

[11] تزوِّدنا تقارير أسفار الراهب أبسالون Absalon بمثالٍ جيّدٍ عن هذه الآليات. حيث أعاد إلى آنجو Anjou، عام 948، آثار معلِّمه القديس فلورونFloren ، التي كان قد انتزعها من رهبان سان-فيلبير-أون- موج Saint-Philbert-en-Mauge، والذين كانوا يحتفظون بها بغير وجه حق في تورنوس ببورغون Tournus en Bourgogne. يرجع أوّل ظهور للنورمانديين في آنجو إلى عشية الاستيلاء على نانت Nantes عام 906. كانوا قد صعدوا إلى منطقتَي لوار Loire وفيين Vienne وصولًا إلى سومور Saumur، مهاجمين الضفاف ومحتلّين الجزر التي ما لبثوا أقاموا فيها حتى حوالى 923 (بالرغم من سلام عام 911 ما بين رولون Rollon [أحد قادة الفايكينغ] وشارل لو سامبل Charles le Simple [أحد ملوك فرنسا]). وعلى الرغم من أنّ أعدادهم لم تكن كبيرة، ومن أنّهم كانوا يبقون على الدوام على مقربة من الأنهار، إلا أنّ الهلع الذي كانوا يتسبّبون به كان من الشدّة بحيث أنّه لدى وصول أبسالون إلى مشارف سومور، بعد خمسة وعشرين عامًا من مغادرتهم، كان عليه انتظار مرور البحّارة ليسألهم “عمّا إذا كان بضعة أشخاصٍ من هذا البلد، الذي يراه مقفرًا، قد حظوا بفرصة النجاة من ضراوة النورمانديين. وقد أجابوه بأنّ جزءًا من سكان مدينة مور Mur وما حولها اعتكفوا في كهوف وأنفاق في منطقة دويه Doué، وخبأوا فيها أغراضهم الأثمن”. توجّه أبسالون إلى دويه، على بعد نحو عشرين كيلومترًا، “ووصل إليها من دون أن يصادف إنسانًا واحدًا على طول الطريق”:

  1. -F. BODIN, Recherches historiques sur l’Anjou, 2ème éd., Angers, 1847, tome I, p. 158.

[12] Camille JULLIAN, Histoire de la Gaule, t. III, Paris, 1909, p. 568.

[13] انظر الملحق.

[14] Cf. Pitirim A. SOROKIN, Social and cultural dynamics, vol. 3: Fluctuation of social relationships, war, and revolution, New York, 1937, p. 291.

[15] ذكرها الفريق رودينكو (Roudenko) في القضاء، وهو المدّعي العام للاتحاد السوفييتي في محكمة نورنبيرغ (Procès deNuremberg):

(Nouvelles soviétiques, Paris, 23 février 1946, p. 10).

[16]  أي الحرب العالمية الثانية.

[17] انظر: الملحق أدناه. (م)

[18] A. M. CARR-SAUNDERS, The population problems, Oxford, 1922.

[19] بالإنكليزية في النصّ الأصلي. (م)

[20] Op. cit., p. 75 à 79.

[21] من المفيد أن نلاحظ أنه إذا ما أمكن أن ننسب هنا إلى الحرب وظيفة اجتماعيّة فعليّةً هي الحفاظ على تماسك الجماعة، فإن أولئك المسؤولين عن الحفاظ على هذا التماسك (رجال الدين، الأسلاف، السحرة والمشعوذون، الخ.) إنما يستخدمون الحرب لهذا الغرض.

[22] سأقدِّم كمثال على ذلك هذه الحادثة من تاريخ الأنديز Andes أو الـ Andegaves [من الشعوب الغاليّة]، أسلاف الـ Angevins. «قبل قرنين من عصرنا الحالي، باتت أعداد سكان الأنديز، كغيرهم من سكّان مناطق أخرى عديدة، كبيرة جدًّا إلى حدِّ أنّ الأرض، مهما تكن خصوبتها، لم تعد قادرة على تأمين غذاءٍ كافٍ لسكّانها. فما كان من الكهنة، بموجب قانونٍ قديم يُجلِّه الغاليّون على اعتبار أنه يعبِّر عن نُذُر أخذته في ما مضى الأمّة بأكملها، إلّا أن أمروا بإرسال جميع الشبّان، المولودين ما بين الأوّل من آذار/مارس وحتى الأول من أيار/مايو، إلى بلدانٍ بعيدة، ليؤسسوا فيها لمستوطنات.

يكشف لنا Tite-Live [مؤرّخ روماني، عاش ما بين العام 59 قبل الميلاد والعام 17 ميلادي] أنّه إبّان حكم خامس ملوك روما Tarquin L’Ancien، قام القائد الغاليّ Bellovèse، بناءً على نصيحة عمّه الملك Ambigat الذي كان ملكًا على جزءٍ من بلاد الغال، بجمع هذا الفائض السكاني تحت رايته، ثم عَبَر به جبال الألب عبر مضيق توران (La gorge de Turin) ليستوطن ذلك الجزء من إيطاليا الذي سيسمّى منذ ذلك الحين Gaule cisapline والذي سيؤسِّس لقيام مدينة ميلانو. بعد فترةٍ من ذلك، عبرت مجموعة أخرة من الغاليّين جبال الأب، هذه المرّة بقيادة Elitorius. توزّع العدد الأكبر من أولئك الذين تبعوه في Le pays des Libuens. رافق الأنديز جيرانهم من الـ Aulerces-Cénomans [من الشعوب الغاليّة كذلك] في هذه الهجرة المغادِرة الثانية للغاليّين، وأسسوا في البقعة ذاتها القرية التي ما تزال تحمل اسمهم: Andes، وهي قرية باتت بالغة الشهرة لاحقًا بولادة Virgile [فرجيل، شاعر الإنيادة الروماني الشهير]» (J. F. BODIN, op. cit., t. I, p. 4 et 5.)

[23] Malthus, op. cit., p. 45 et suiv.

[24] Danger spots in world population, New York, 1929, p. 4.

[25] Thompson, Danger spots…, p. 3.

[26] Cf. WRIGHT, op. cit., p. 289 et suiv.

[27] المجال الحيوي عمومًا هو المساحة اللازمة لنمو الكائن الحي، وقد تمّ إسقاط هذه الفكرة على مستوى الدول التي، بنموّها، ستحتاج إلى المزيد من المساحات الحيوية، الأمر الذي من شأنه تبرير التوسّعات الاستعمارية. (م)

[28] في النصّ: Nations prolétaires، ومفهوم prolétaires مأخوذ عن اللاتينية proletarius، وكان يستخدم في روما في العصور القديمة للإشارة إلى مواطني الطبقة الأدنى في المجتمع، المعفيين من الضرائب، والذين لا فائدة ترجى منهم في الدولة سوى من خلال ذريتهم. (م)

[29] Raw materials, population pressure and war [World affairs books, N°14], in 8°, 46 p., World peace foundation, Boston-New York, 1936

[30] من 1914 إلى 1918.

[31] انظر حول هذه المسألة كتاب La population blanche dans les colonies لمؤلِّفه Imre FERENCZI، في: Annales de Géographie, 5 mai 1938, p. 225-236..

[32] Edition française [Etudes internationales, Collection Oxford], Oxford university press, 1944.

[33] انظر أيضًا: الجدول رقم (4) في الملحق.

[34] Œuvres et discours, édition définitive, traduction Maria CROCI, Paris, Flammarion, 1935, tome V, p. 342.

[35] Population theories and their application, Stanford university, 1934.

[36] Danger spots…, p. V.

[37] Warren S. THOMPSON, Population problems, New York (1930), 2e éd., 1935, p. 401.

[38] انظر: Frank W. NOTESTEIN, The facts of life (The Atlantic monthly, 1946)، وخصوصًا ص. 618 من المقتطفات المنشورة في مجلة Population N° 4, oct.-déc. 1946. لنلاحظ أنّ التخلخل الديموغرافي (Dépression démographique) خطيرٌ أيضًا، من وجهة نظرنا. إذ لن تُشكِّل الدول التي تعاني منه ضحايا تلفِت المعتدين المحتَمَلين فحسب، بل أيضًا لأن إحساس عدم الأمان الذي ينتج منه في الأمم التي تعاني من قلّة السكان (Nations sous-peuplées) يمكن أن يجعل هذه الأخيرة تُظهِر شدّةً مبالغًا بها في مجال السياسة الدولية، وأن تصير بمثابة مناصرٍ متشدّد لإبقاء الأوضاع ثابتةً على ما هي عليه.

[39] op. cit., p. 546, note ⁺₊, et p. 560 et suiv.

[40] op. cit.

[41]  جلسات 20 و27 حزيران/يونيو 1941، محاضر الجلسات، ص. 246.

[42] La population française, tome I, Paris, 1889, p. 100.

[43] Die Bevölkerung der griechisch-römischen Welt, Leipzig, 1886, p. 453.

[44] Histoire générale, collection Gustave Glotz, 3, II, 2, César, Paris, 1936, p. 707.

[45] loc. cit.

[46] op. cit., t. II, Paris, 1908, p. 8.

[47] CARCOPINO, loc. cit., note 30.

[48] op. cit. p. 259 à 300.

[49]  راجع التفصيلات في: Bulletin mensuel de statistique de la S.D.N., Genève, mai 1946, p. 191.

[50] Population problems, p. 237.

[51] On the famines of the world: past and present, in Journal of the Royal Statistical Society, 1878, t. XLI, p. 439.

[52] A history of agriculture and prices in England, Oxford, 1866, vol. I, p. 240.

[53] Cf. THORLOD ROGERS, op. cit., p. 297.

[54] op. cit. p. 29.

[55] Cf. Paul VINCENT, Pression démographique et ressources agricoles, in Population, N° 1, janv. -mars 1946. p. 9 et suiv.

[56] Danger spots…, p. 11.

[57] بيانات مأخوذة عن: Statistical abstract of the United States, 1910-1946.

*****

المقال الأصلي بالفرنسية:  Vincent paul. Guerre et population in population 2ème année n° 1 1947 pp 9-30 http : //www.percee.fr/doc/pop_00324663_1947_num_2_1_1160

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق