أسئلة الثّوابت وعلاقتها بالتّاريخ

هناك بعض الكلمات والمصطلحات تفرض نفسها كبديهيات، خاصّة حين تتلبس رداء الدين والقداسة، الشّيء الّذي يمنحها حصانة إجتماعيّة وثقافيّة وقيميّة تجاه العقل النّقدي، متحايلة في إخفاء حقيقتها التاريخيّة الاجتماعيّة، وموقعها الفكريّ والسّياسيّ في الصّراع المجتمعيّ  وما يطبعه من تطوّرات وتحوّلات مختلفة المستويات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإيديولوجيّة والسّياسيّة…

ومن بين هذه المصطلحات، الأكثر حضورا في الخطابات الفكريّة والسّياسيّة، وفي الأرضيات والمرجعيات الإيديولوجيّة لبعض المثقّفين والجمعيات والأحزاب والطّوائف والقبائل العرقيّة و الدينيّة السياسيّة، وفي مواد الدساتير العربيّة الاسلاميّة، والأكثر رواجا أيضا في زمن التّغيير والتّحوّلات، نجد اليوم مصطلح ” الثّوابت” الّذي يعتلي منصة الخصوصيّة والهويّة المفارقة للتّاريخ البشريّ في نوع من التّماهي بالمعطى الدينيّ القداسيّ للوصم المجتمعيّ كقانون علوي مفارق لطبيعة قوانين الحياة والمجتمع في كوننا مجتمعات وصمت بأنّها ” خير أمّة أخرجت للنّاس” تأمر بالثّوابت وتولد وتحيا في الثّوابت وتموت من أجل الثّوابت.

لكن هل يصحّ حقّا، وفق أدنى المعارف العلميّة والإنسانيّة الاجتماعيّة، واعتمادا على الرّؤى المنهجيّة وأدواتها الإجرائيّة، الحديث عن الثّوابت في الحياة والمجتمعات البشريّة، وفي التّاريخ الاجتماعيّ الانسانيّ، أم أنّ الأمر يتعلّق بتاريخيّة التّغلب والقهر والسّيطرة والهيمنة الّتي تأخذ في سياقات الصّراع المجتمعيّ  بعد الحقيقة المطلقة المنزّلة والأزليّة الّتي لا مفرّ من الإذعان لها بالسّمع والطّاعة والعبوديّة؟  وإذا كان الأمر هكذا، أي أنّ الثّوابت في حقيقتها التاريخيّة الاجتماعيّة  ليست إلّا ممارسة سياسيّة للصّراع المجتمعيّ، تتحايل إيديولوجيا بلغة القداسة في التّمثيل الكليّ والشموليّ العموميّ لكلّ فئات المجتمع، وهي تتستّر عن كونها مجرّد تعبير وشكل سياسي لطرف وموقع اجتماعيّ سياسيّ عينه على السّلطة في السّيطرة والهيمنة والقهر، وشكله السّياسي المسيّج دينيّا وقداسة بلغة الثّوابت لا يهدف إلّا للدّفاع عن ديمومة سلطة سياسيّة يحتكرها، أو يسعى للسّطو عليها باسم الخصوصيّة والهويّة والثّوابت، فكلّ هذا يعني أنّنا إزاء شكل سياسيّ خصوصيّ ضيّق في وجوده الاجتماعيّ السّياسيّ، لا يمكن أن يدّعي التّمثيل المجتمعي أو قل أنّه مكوّن أو تيّار مجتمعي ضمن مكوّنات مجتمعيّة أوسع وأعمق منه،  وأكثر انتشارا وتجذّرا ديمغرافيا واجتماعيا، وتطلّعا للحريّة والكرامة ومعانقة الآفاق الانسانيّة. لكن تطاوله السّلطوي والقهري في الزّمن، إلى درجة كان محايثا للدينيّ، وبشكل أكثر دقّة سيّج فعله البشري بقدرة القداسة الإلهيّة في التّحكم في قوانين الوجود الاجتماعيّ التّاريخيّ باسم الثّوابت المعطاة والناجزة بصورة نهائيّة.

وحتّى لا يبقى كلامنا فضفاضا في لغة الأفكار العائمة المنزوعة السّياقات التاريخيّة الاجتماعيّة نشير إلى ما عرفه الفكر والواقع العربي الإسلامي في تاريخه القديم في التّغلب والاستبداد والقهر لكلّ التيّارات الفكريّة والسياسيّة المخالفة والمختلفة عن أنصار الخصوصيّة والثّوابت والهويّة، والشّيء نفسه حدث في التّاريخ الحديث والمعاصر إزاء التّغيرات والتّحولات المجتمعيّة في وضع الدساتير ومدوّنات الأحوال الشخصيّة، خاصّة حين تمسّ حلقتهم الأضعف: المرأة والحريّات الفرديّة والديمقراطيّة…، كما حدث مؤخّرا تجاه مسألة الإرث في تونس والمغرب، وأيضا تجاه المتغيّرات القانونيّة المدنية والحريّة العقائديّة، بما في ذلك قانون الحريات والمساواة في تونس الّذي جوبه من أطراف مختلفة متحصنة وراء تبريرات واهية في الانحياز والدّفاع  عن اختيارات وممارسات سياسيّة تقليدانيّة خارج وعي اللّحظة التاريخيّة والمرحلة الحضاريّة، حيث من الصّعب اليوم على المفكّر والمثقّف والسّياسي الحديث عن الخصوصيّة والثّوابت والهويّة بالمعنى الموروث في التّغلب  السّلطوي السّياسي الدينيّ،  لأنّ عمليّة التّأثير والتّأثر، والتّسرب أو التّسريب بشكل أو بآخر للقيم العلميّة الفكريّة والفلسفيّة والثقافيّة والاجتماعيّة، للأفكار والدّلالات…، تشتغل باستمرار  وبتفاعل متفاوت التّطور والتّحكم والهيمنة.

إزاء واقع وحدة التّاريخ العالميّ الّتي فرضها التّطور الموضوعي للرأسماليّة كضرورة تاريخيّة استعماريّة وإمبرياليّة وصولا إلى راهن العولمة التاريخيّ الاجتماعيّ المعقّد التّفاعلات والعلاقات والتّبادلات الماديّة والرمزيّة، في سياقات السّيطرة والهيمنة، هل يمكن لنا كشعوب الخروج من التّاريخ والانعزال عن الوجود البشريّ باسم الخصوصيّة والثّوابت كآليات  دفاعيّة مرضيّة في الانكفاء والهروب إلى الأمام بطريقة الانحدار في الزّمن تأبيدا للتّسلط والقهر والتّخلف، ولكلّ أشكال التّدمير الذّاتي لمجتمعاتنا في صورة الإرهاب المتوحّش، ولتآكل النّسيج السوسيولوجي والثّقافي المتنوّع والمتعدّد والمختلف في بنياتنا الاجتماعيّة والثقافيّة؟ وهل الانتماء الديني والموروث الثّقافي وكلّ المرجعيات والمعايير القيميّة والأخلاقيّة لما يؤسّس لمفهوم الثّوابت والخصوصيّة والهويّة مفارق للديناميّة الاجتماعيّة السياسيّة وللصّيرورة التاريخيّة للاجتماع الإنسانيّ؟ فالتغلّب والقهر، والإقصاء والاستئثار بالسّلطة لم يكن مطابقا للحقّ والحقيقة الّتي لا يمكن أن تنشأ إلّا نسبيّة متنوّعة متعدّدة مختلفة متطوّرة ومتغيّرة باستمرار في نوع من التّكذيب العلميّ والتاريخيّ الدّؤوب للمنجز والثّابت بما يتجاوز المعنى الأخلاقيّ لمفهوم الكذب، بل هو جدل استيعاب وتجاوز قريب من فرضيّة قتل الأب في بناء ونماء وثراء الإنسان والمجتمعات.

فالانحياز إلى خطاب الثّوابت والخصوصيّة والهويّة لا يدلّ إلّا على مقاومة التّغيير، وعرقلة التّحولات المجتمعيّة، مع تكريس تصوّر وتقاليد ومعتقدات وممارسات خصوصيّة في التّاريخ لفئة اجتماعيّة خصوصيّة لا تمثّل المجتمع ككلّ ولا تعبّر عن حركته الاجتماعيّة التاريخيّة حتّى تنال جدارة تمثيل عموميّة الحقيقة الشموليّة المطلقة للمجتمع ككلّ  في نوع من الحاكميّة المقنعة إيديولوجيا بالدّين للسّطو على الثّروة والسّلطة والثّقافة والمجتمع والدولة. فالتّحوّلات المجتمعيّة عبر التّاريخ البشريّ لا تقاس فقط بالفاعلين الاجتماعيين سواء كانوا أفرادا أو احزابا كقوى إجتماعيّة، بل بالدرجة الأولى بدلالات الآثار الّتي ولّدتها حركة التّغيير، هكذا تقرأ مثلا الثّورات، من الثّورة الفرنسيّة والأمريكيّة والبلشفيّة والتونسيّة…، أي من خلال ما أفرزته التّحولات الدستوريّة والقانونيّة والحريّات المدنية والديمقراطيّة. من هذا المنطلق مثلا نفهم مسألة الإرث والمساواة والحريّات…، في علاقتها بالأثار الإيجابيّة للمنجزات السّابقة الدستوريّة والقانونيّة والمؤسساتيّة والأحوال المدنيّة. بمعنى أنّ أسئلة الثّوابت في هذه السّياقات تسلطيّة واستبداديّة وقهر لجدل الحريّات في التّاريخ الاجتماعيّ الانسانيّ، جدل لا يكفّ عن التّطلع إلى تحقيق القيم الإنسانيّة الكونيّة بالمعنى التّشاركي لكلّ إسهامات مختلف المجتمعات والحضارات.

لهذا لا يمكن أن يكون خطاب الهويّة والخصوصيّة والثّوابت إلّا فعلا اجتماعيّا في حركة إنتباذيّة تاريخيّة تكرّس التخلّف والاستبداد والتّسلط والقهر، كما تعمّق السّيطرة والهيمنة الأجنبيّة على خيرات وكفاءات  بلدانها بلغة التّخويف الدينيّ من الفتنة والتّفكك والانقسام المجتمعيّ في حروب أهليّة، مع تعطيل أفق التّنوير والحريّات والتّطور والنّماء وبناء الإنسان في اقتداره الفكريّ والمعرفيّ والسياسيّ الديمقراطيّ، وفي التّمكن العلميّ التكنولوجيّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق