العيــد

تململ الخروف ثمّ سئم فمد عنقه للنّحر. أهوى الرّجل المتعب بالسكين عليه فطوّح بالرأس. ولم تمر دقائق حتّى كانت الجثة العارية من الصوف تتدلّى من غصن شجرة زيتون هرمة.
لم يحزن الصغار لذبح الكائن الضعيف، ولم يظهر الفرح على أحد يوم العيد الدامي في هذه البقعة من الأرض. انهمكت النّساء في التّمثيل بالجثة، بينما تحلق سرب من الذّباب الجشع حول دم متخثر. الكلب الأسود الهزيل لم يُعِرْ الأمر اهتماما كبيرا. كان مشغولا بعينه المفقوءة من عبث الصبيان. رهط من القطط كان يجوب المزابل لتمضية الوقت المترع بالقذارة.
حلّ مساء حزين وبدأت الشمس تنزلق في رتابتها المعتادة في جوف تنين هائل الضخامة. كان الجميع قد تناسوا العيد حين طوقهم ليل صارم.
سماء سوداء بلا نجوم. تكاد تسقط على الأرض فتسحق النمل المهمل في الشقوق وتنثر بيضه في الفراغ. نال النّاس أشلاء من اللّحم الفاسد، الرّجال خائرو القوى من المجزرة والنّساء العقيمات والكلب  وقد أطبق جفنه على عينه الوحيدة والقطط. ولم يظلّ مستيقظا إلاّ خفّاش اعتاد أن يتدلى من غصن شجرة زيتون هرمة.
علا شخير الكائنات البائسة في ليل حاد الطباع ولم يجد الخفاش فرقا واضحا بين صمته الأزلي وثغاء الخرفان في اللّيلة السّابقة، وتخيل اللّيلة القادمة وقد ألفى الشّجرة الهرمة تكاد تسقط من ثقل ما تعلّق بها من جثث هؤلاء التّعساء. وتخيل كلّ الأشجار مشانق. ورأى نفسه بلا غصن للتدلّي، فأوجعه أرق وهمي.

 

كان العالم بلا بوصلة. والبشر يهيمون فرادى في أرض التهمتها الخرافات ولفظتها على قارعة الكون شظايا كواكب مندثرة. القليلون الذين احتفظوا ببعض التوازن، كانوا مستمرين في البحث، بلا جدوى، عن ينبوع الماضي العجائبي وإكسير الحياة.
مرّ زمن طويل، وكان العيد يزور النّاس في سنوات قليلة إلى أن غاب تماما ولم يسأل عنه أحد بعض المهاجرين العائدين من بلاد بعيدة.
مرّ زمن، وفقد الكلب الأسود عينه الأخرى. وحين كان يرفع رأسه إلى السّماء العابسة، كان  يخيل له، في ظلامه الأبدي، أنّه يشاهد خفاشا يتدلّى من الشّمس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق