عن النقد الأكاديميّ وتهافته / شكري المبخوت

يروى أنّ أحد رؤساء اتّحاد الكتاب التونسيّين السابقين، وهو من الأدباء ذوي التكوين الزيتوني الأصليّ، ناقشه يوما أحدهم في أدبه، وقد أخذت مناهج النقد الحديث يومها من ألباب الجامعيّين والمتأدّبين كلّ مأخذ. ولعلّ رأي صاحبنا في أدب الشيخ استند إلى أقوال بعض النقاد الغربيّين المحدثين من بينهم تزيفتان تودوروف فما كان من الشيخ الأديب إلاّ أن ردّ عليه مستنكرا إحالته على علم من النقاد الغربيّين الذين لا يعرفهم قائلا: “أنا أكتب ما يوجد في رأسي ولا أعرف بودوروف هذا ولا طودوروف…”. فذهب قوله بين المتأدّبين التونسيّين وبعض الجامعيّين مذهب النوادر التي تروى كلّما ذكر الشيخ في مجلس من مجالسهم.

والواقع أنّ مثل هذه الأسماء التي يوحي نطقها بأصولها الروسيّة أو الأوروبيّة الشرقيّة من قبيل جاكبسون وباختين وشوكلوفسكي وتنيانوف وفلاديمير بروب وإخنباوم وكريستيفا وتودوروف نفسه ومن شابههم، كانت تثير في نفوس الشيوخ المؤسّسين للجامعة التونسيّة بعض الريبة إذ يربطون بينها وبين الفكر الشيوعي واليساري الذي كان منتشرا في الستينات. فلقي الباحثون الشبّان بعض العنت لإدخال النقد الشكلاني والحديث إلى الجامعة.

ولئن كانت بعض ردود الفعل من شيوخ الأدب وشيوخ الجامعة مفهومة في تلك الفترة فإن بعض ما نقرأه اليوم هنا وهناك لا يدلّ على زوال سوء الفهم. ولا بدّ من الاعتراف بدءا بأنّ الكثير ممّا يكتب في نقدنا العربيّ لا يخلو من رطانة “حداثويّة” كما يقال تكون فيها المفاهيم والمصطلحات مجرّد حلية وشقشقة لفظيّة، أمّا التصوّرات الحقيقيّة والإجراء التطبيقيّ المناسب فلا شيء منه. إنّها مصيبة يعيشها النقد العربيّ اليوم تبلغ في كثير من الكتابات التي تدرج في باب النقد، بما فيها عديد الكتابات التي تلبس لبوس الأكاديميّات، حدّ الكارثة التي تذهب بالنقد وبالأدب إلى حتفهما.

بيد أنّ هذا المجال من مجالات الثقافة العربيّة على مشاكله وكثرة المتعالمين فيه لا يعني الموافقة على مواقف تلقي حبل التهكّم على غارب النقد دون تثبّت وتمحيص.

فقد قرأت لأحد الأدباء الأصدقاء التونسيّين في صحيفة عربيّة حديثا عن “تهافت النقد الأكاديميّ”. وفي هذا الحديث من وجوه النقد ما يستحقّ أخذه بعين الاعتبار. بيد أنّني أودّ الوقوف على أمر واحد منها.

فقد رأى الصديق أنّ الأكاديميّين العرب إذ يعرّبون من النقد الغربيّ بعض المصطلحات يعسّرون معانيها فيلوكون “مفاهيم عصيّة على الفهم”. وقدّم مثالا على هذه المفاهيم التي تنقلب دُرجة وموضة بائدة عند أهلها مثل الشعريّة والتناصّ والعتبات.

يكفي هنا أن نشير إلى أنّ تعميم هذه الملاحظة على غير النقد من الاختصاصات مفضٍ إلى النتيجة نفسها. ففي علوم اللغة من المصطلحات الجديدة ما لا يمنح القارئ العاديّ أو المتوسّط معناه مهما كانت جودة التعريب ودقّته. وفي الفلسفة، قديمها وحديثها، من المصطلحات ما لا يدرك دلالته إلاّ من خبر الدرس الفلسفيّ وأجهد عقله لفتح مغالقه. وقس على ذلك جلّ مصلحات علوم الاجتماع والنفس والأنتروبولوجيا والتاريخ وما إلى ذلك من العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة.

بيد أنّ ما دفع صاحبنا إلى مثل هذا الكلام اعتقاد سائد أنّ من يتقن العربيّة كتابة وقراءة، فما بالك بمن يبدع فيها بعض فنون الأدب، قادر بالضرورة على فهم النقد الأدبيّ. كما لو أنّ المعادلة بيّنة لا تحتاج إلى مناقشة: “ما دمت أفهم الأدب وأتذوّقه فأنا أفهم النقد بالتبع”.

نعم إنّ بعض النقد الثقافيّ أو الصحفيّ قد يكون في متناول المتأدّبين من القرّاء والكتّاب بل إنّ بعض النقد المندرج في باب الأكاديميّات يمكن فهمه. ولكنّ القاعدة ليست ثابتة. فمن يستطيع أن يزعم أنّه إذا قرأ بارط أو جونات أو تودوروف أو كريستيفا لم يجد رطانة في الاصطلاح وغموضا في المفاهيم والتباسا في التحليل فأدرك كلّ ما يكتبون وإن كان ممّن يتقنون الفرنسيّة إتقانا جيّدا؟

إنّ المشكلة في تقديري تعود إلى أنّ فكرة الناقد الواسطة بين المبدع والقارئ قد انتهت منذ أمد طويل حين أخد النقد منحى بلوغ حدّ أدنى من العلميّة. فشواغل النقد الأكاديميّ تتجاوز تذوّق الأثر الأدبيّ وتقريب أسرار بلاغته ودلائل الفنّ فيه إلى القرّاء وانقلب اختصاصا يبحث في ما به يكون النصّ أدبيّا، وهو موضوع الشعريّة، والعلاقات التي تقيمها النصوص في ما بينها، وهو موضوع دراسة التناصّ، وتحليل جميع مكوّنات الأثر بما في ذلك العناوين ودار النشر والتقديم… إلخ وهو ما يجتمع في العتبات. وحين ندقّق في هذا نجد النقد الأكاديميّ، بقطع النظر عن مدى وجاهة مباحثه، مؤدّيا بالضرورة إلى المساهمة في بناء معرفة بالخطابات جميعا في إطار ما يعرف بعلم الخطاب.

إنّ النقد الذي يتوسّل بالمفاهيم التي تبدو غريبة في لسان العرب، عسيرة على الفهم لا يخرج عمّا تتطلّبه لغة الاختصاص العلميّ من انتقال من المعنى العامّيّ المتداول إلى دلالة اصطلاحيّة تقنيّة خصوصيّة تكوّن لغة ثانية يشترك في التخاطب بها أهل العلم بفنّ من الفنون، وإن أوهمت المعرفة بنصوص الأدب الذي يكتب للجميع أنّ المعرفة بالنقد يفهمها الجميع.

وربّما عذر صديقنا في ما قال أنّ كثيرا من الأكاديميّين يقدّمون نقدهم الذي يبني معرفة ما لها أهدافها ومؤسّسات إنتاجها ونشرها وتداولها على أنّه نقد أدبيّ للجميع، فينشرون في الصحف أحيانا بما ينشئ خلطا بين خطاب نقدي أكاديميّ وسياق صحفيّ لا يتوقّع فيه مثل ذلك الخطاب. لتوضيح الأمر، مع حفظ الفوارق، علينا أن نتصوّر فيلسوفا يفكّر في هايدغر وينشر قوله الفلسفيّ في صحيفة يوميّة لا على سبيل تبسيط المعرفة.

هنا المشكلة في رأينا، أمّا مدى اضطراب المصطلح وإخلال الباحثين بالمفاهيم وضعف الإجراء فلا يمكن أن يصدق فيه ما قاله الشيخ الأديب من أنّه يكتب من رأسه ويعبّر عن ذوقه، بل لا ينفع فيه إلا معرفة ما قال “طودوروف” وأضرابه لا “بودوروف”.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق