في تجديد النموذج الثقافي والحداثة العربية المعطوبة / كرم الحلو

إزاء الثورة المعرفية المعاصرة وما طرحته وتطرحه من تحول جذري في المفاهيم والأعراف والأنساق الفلسفية والأيديولوجية، ثمة من لا يزال يراهن على «نموذج ثقافي عربي يواكب النموذج الثقافي الغربي»، أو ربما يتجاوزه انطلاقاً من أنه يمكن الحضارة العربية رفد الحداثة بقيم إيجابية تحتاج إليها لـ «الحد من غطرستها وتعاليها»، الأمر الذي يزيل غربتنا عن الحداثة ويجعل من الإسلام مكوّناً أصيلاً في نقد الحداثة وتصويب مسيرتها.
رهان ينهل في رأينا من مقولتي التفوق والتأصيل الشائعتين في فكرنا العربي الحديث والمعاصر منذ اصطدامنا بعقل الحداثة وإنجازاتها الحضارية. ففي محاولة منّا لرتق الجرح النرجسي الذي خلّفه شعورنا بالتردي والفوات الحضاري إزاء الغرب، وتفوقه في كل الميادين السياسية والعلمية والاجتماعية، أدمنّا على الادعاء بتفوق حضارتنا تاريخياً وسبقنا العلمي والفكري باعتبار علوم الغرب وتقدمه ونهضته ذات أصول في حضارتنا العربية، وأن ما يتحدانا به من إنجازات علمية وثقافية إنما هو «بضاعتنا ردّت الينا»، وهي المقولة المتوارثة من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وفرنسيس المراش ورشيد رضا إلى راشد الغنوشي ومحمد عابد الجابري وحسنين توفيق إبراهيم وسواهم.

لكن هذا الادعاء الذي يبلسم «وعينا الشقي» يتجاوز حقيقة أن الحداثة شكلت فضاءً جديداً بالفعل، بما أرسته من قيم وتصورات غير مسبوقة بصدد الإنسان وموقعه في الكون، والعقل الإنساني ومرجعيته المطلقة، والسلطة وشرعيتها، ما أسس لمفاهيم الفرد والحرية الفردية والعقد الاجتماعي والمجتمع المدني. وبينما بقيت هذه المقولات الحداثية من دون سند أيديولوجي في فكرنا العربي، وبينما يبقى السؤال النهضوي الكبير «لماذا تأخر العرب وتقدم الآخرون؟» عالقاً، يطرح على المثقف العربي إنجاز نموذج ثقافي جديد يشكل مساهمة جدية في نقد فكر الحداثة وما بعد الحداثة. فهل في إمكان العرب أو مثقفوهم الاضطلاع بإنجاز كهذا يعيد النظر في الفكر الإنساني الحديث والراهن ليطرح قيماً ومبادئ ومقولات تشكل إضافة نوعية وثورية إلى هذا الفكر؟

كي ينخرط العرب من خلال مثقفيهم في مثل هذا النقد الجذري والخطاب التجديدي يجب أن يبدأ أولاً من بنية سياسية واجتماعية وفكرية تمثّلت فكر الحداثة وثقافتها ومقولاتها ووصلت إلى استنتاج أن هذا الفكر في أزمة وأنه لم يعد قادراً على الإجابة عما استجد من أسئلة وتحديات. فهل هذا هو واقع العرب؟ وهل هذا حال مثقفيهم؟

إذا كان الغرب توصل إلى نقد الحداثة بما تعنيه من قيم العقلانية والحرية والتنوير بعد قرنين من الذهاب في هذه المقولات إلى نهاياتها، فإن العرب لم يعرفوا إلا حداثة معطوبة مستوردة لم يشاركوا في إنتاجها أو صنعها. وإذ يتعايش التراكم الكمي لمنجزات حضارة لم تنبت في أرضنا مع النمط التقليدي في الفكر والذهنية، تبدو المنشآت المدنية والعصرية كأنها واجهات خارجية تثوي في داخلها روح الماضي وقيمه ومفاهيمه، ويستمر فكر الريف والبادية وراء جدران المدنية وشوارعها، ويظل الاغتراب قائماً بين العلم والثقافة.

عليه بقي دور المثقف العربي محدوداً، فكان في الإجمال مقلداً ومن دون إبداع حقيقي، ومن دون موقع مميز في تجديد المجتمع لأنه يعمل في بيئة غير مواتية، حيث الأمية مرتفعة، والإنتاج العلمي ضئيل، والتردي الثقافي والمعرفي ناتئ، والسلطة السياسية مستبدة طاغية، وقدرة المثقف على الوصول إلى الجماهير شبه مستحيلة بسبب الأمية الثقافية والاستهلاك شبه المعدوم للثقافة النقدية التجديدية مقابل ثقافة الاستهلاك والخرافة والتقليد.

إن تجديد الخطاب الثقافي لم يكن ولن يكون من مهمات المثقف، كما لو أنه يستأثر وحده بقيادة الحراك الاجتماعي والسياسي، بل إن ذلك التجديد لا يمكن أن يكون إلا النتيجة الحتمية لمجتمع يتمتع بدينامية فكرية وسياسية واجتماعية. فهل كانت ثورة الغرب الحداثية نتيجة لأفكار هوبز ولوك وروسو ومونتيسكيو، أم إن مجتمعات الغرب بديناميتها الاجتماعية والسياسية والثقافية هي التي أنتجت مثقفين مثل هوبز ولوك وروسو ومونتيسكيو، وأفكاراً مثل العقد الاجتماعي، ودولة الحق، والحرية السياسية والاجتماعية؟

لا نتطلع هنا إلى نفي دور المثقف ولا إمكان التجدد والتغيير في مجتمعاتنا، بل جل ما نريده تجاوز الطرح الأحادي بإسناد الأولوية إلى عامل محدد ثقافي أو اقتصادي أو سياسي أو طبقي، لنذهب إلى أن التغيير إما أن يكون شاملاً وذا مقدمات ومنطلقات تاريخية وإما أن يبقى طوبى لن يكتب لها التحقق والإنجاز. فلكي نشكل مكوناً أصيلاً في نقد الحداثة وتصويب مسارها وإزالة غربتنا عنها، يجب أن نعيد النظر في حراكنا التاريخي كله، وننخرط في شكل فاعل وجدي في سيرورتها الثورية بكل ما تعنيه من انقلاب في القيم والأعراف والمفاهيم.

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. Tarek Zeinah

    حبذا لو ابتدأ الكاتب موضوعه بتعريف للحداثة المقصودة، أو لنقل على الأقل توضيح المقصود بما أورده في التالي: “التحول الجذري في المفاهيم والأعراف والأنساق الفلسفية والأيديولوجية”، فهذا عنوان كبير جدا، هل المطلوب مثلا أن ننام و نصحو لنجد أنفسنا نأكل الهمبرغر و نشرب الببسي في صالات ماك دونالد، أو لنجد الناس و قد اندفعوا في الشوارع للاحتفال بقنونة الزواج المثلي (كما حصل في الهند مؤخرا). إذا كانت الحداثة تعني نسخ حضارة الغرب المعاصر و لصقها على المجتمعات الأخرى، فالأحرى أن نسميها باسمها الحقيقي و هو الغزو الثقافي السافر، و احتقار الآخرين.

أضف تعليق