تاريخ السوريالية العربية في باريس 1973- 1975 .. ثورة شِعرية لن تنتهي / مارك كوبير

صدر في باريس عن دار اللاتماثل Les éditions de l’Asymétrie الفرنسية، كتاب يتناول تاريخ «السوريالية العربية في باريس 1973 – 1975م» (210 صفحات)، المعروفة بتجربة الرغبة الإباحية، قام بتحرير الكتاب الشاعر عبدالقادر الجنابي مؤسس المجموعة، وكتَبَ الناقد الفرنسي مارك كوبير مقدمة طويلة يشرح فيها تاريخ هذه المغامرة وأهميتها الشعرية.

يضم الكتاب ترجمةً إلى الفرنسية أغلب الوثائق والبيانات والأشعار التي عبّرت عن هذه التجربة، مع شروح سياقية وفهرس موسَّع لكل ما نُشِر في الأعداد الخمسة من مجلة “الرغبة”، وعدد كبير من الرسوم والصور للمجموعة. هنا مقتطفات من مقدمة مارك كوبير، ومن مدخل عبدالقادر الجنابي:

حال نشأة مشروع التحرر الأخلاقي والجمالي لـمجلة «الرغبة الإباحية»، كان هناك رجل وُلِد في بغداد في عام 1944م، والذي وصفه الشاعر الفرنسي الراحل بيير بشمور بأنه «عامل مساعد للسوريالية»، أما الشاعر اللبناني أنسي الحاج، فكتب يقول بخصوص ديوانه «حياة ما بعد الياء»، (باريس 1995م): «تظل كتاباته تثيرك؛ لأنها تقفز أبعد من «الكتابة»، ولأنه مهما أمعن في تقصي الألفاظ واللعب بكيميائها، يظل خارج «الجثمان الأدبي».

وقد رأى فيه مؤسس حركة «أطوار» الموازية للسوريالية في خمسينيات القرن الماضي إدوارد جاغير «المُكمِّل لبنجاما بيريه شاعر عصرِ الثورة السوريالية».

أهداه مؤلف «السوريالية والحلم» ساران ألكسندريان، في عام 2005م، العددَ الأخضر من مجلته «المجهول الأعلى» المخصص للأوراق الأربع من لعبة التارو، كاتبًا له هذه الكلمات: «إلى عبدالقادر الجنابي، صديقي مؤلف «الرغبة الإباحية» الصادرة عن العالم العربي، على نهر السين».

بُنوّة تفرض نفسها، لكن بسوريالية غير مشروطة: إرادة تجاوز الثورة بالذات. الحالة الاجتماعية، والثقافية، والجو السياسي، وبخاصة في البلاد العربية، وكذلك في أروبا، كانت محسوسة، في نطاق فاعلية فائرة، وأملٍ كبير في التغيير؛ كحالة مؤقتة ومقبولة تمامًا. كان هدف هذه المجموعة الأولى من الأصدقاء التي تعرف نفسها كـ«سوريالية عربية» هو الوطن العربي: «سورياليتنا هي لتدمير ما يسمى بالوطن العربي». في الواقع، الرغبة الإباحية التي سنطالع فيها مختارات من نصوص ورسومات، ليست شيئًا آخر سوى «لسان حال السوريالية الممنوعة في العالم العربي».

وفي «بيان 1975م» يمكن أن نقرأ ما يعبر عن موقف مضاد للناحية العنصرية في الانتماء الوطني: «الوطن العربي نغرقه في دخان الموت، لا لأننا نحارب فكرة الوطن، إنما لأن التأكيد على وطن إهانة لشمولية الإنسان». الموقف السوريالي ضد أي تدخل للسلطة الدينية في الشؤون الدنيوية، ومقاومته للمشاعر الوطنية، انتقل باتجاه الشرق العربي بدايةً بمجموعة شبان طالبوا، وللمرة الأولى، بـ«سوريالية عربية»، دون أن يُعَدُّوا مهمشين؛ لأنهم كانوا مسيحيين أو أقلية في أوطانهم. هذا هو كل الاختلاف مع جماعة «الفن والحرية» المصرية. وجود نشاط سوريالي قوي في بلد عربي، يتحد مع نقد إسهامات الحركة السوريالية الذي تم من قبل منذ عام 1938م بالقاهرة، غير أن الجنابي لم يتعرف إليه إلا قبل رحيل جورج حنين في عام 1973م في باريس بوقت قليل.

التصريح الأول لسوريالية عربية
للمرة الأولى يستخدم العرب كلمة «سوريالية» للتعريف بها عن أنفسهم، إنه التصريح الأول لسوريالية عربية كصفة مذهبية؛ إذ لا جورج حنين، ولا رمسيس يونان، ولا الشاعر اللبناني أنسي الحاج، كوّنوا جماعة وأطلقوا عليها تسمية: سوريالية عربية؛ كما أن إحدى فرادات الرغبة الإباحية هي أنها انحازت ضد الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني (وعلى نطاق أوسع الإسرائيلي – العربي)، مفضلة موقفًا أمميًّا يقوم على اتحاد بروليتاري يعارض الحرب. بدأ كل شيء في العراق، في بغداد… خيال الشاب الجنابي أُترع بالهواء الطلق في مغامرات الشارع، في المكائد العاشقة، في الحمى الكبيرة الجماعية للاشعور، التي تلتهب على الشاشة التي تجتاحها تمامًا الأفلام الأميركية، شهر عسل كبير لخيال جماعي عراقي – أميركي، الذي وسمه قطعيًّا كهاوٍ للسينما: «شبق عفيف»، لكن أيضًا كمبدع مستقبلي ينفتح على غمزات الخيال، يُحَسّ في الحياة الثانية للحلم.
في مخدع الطابق الأخير من إحدى بنايات باريس، 1976م

هذا التوتر الجسماني حُكي في كتابه «تربية عبدالقادر الجنابي» (دار الجديد، 1995م) بشراسة موجزة، مضرة نادرًا، ما عدا ربما في لفافة «في منتهى الطريق» لـجاك كيرواك.

يُحصى أيضًا التكوين السياسي بتأثير مشروع ماركسيّ وعلماني من أجل العراق، الذي مس الثورة قبل أن تغوص في توحّد سلطة عسكرية وعَلمنة، سرعان ما تجاوزتها الظاهرة الدينية. في غضون هذا، احتك الجنابي بحركة المجالسيين، مثلما احتك بالتحليل الماركسي الأرثوذكسي، وآمن بالأيام الحمراء المقبلة خادشًا قصائده الأولى، لقد ارتشف ليرويَ عطشه اللحظات الأولى للحرية كعصير رمانة ملء فمه، عرف اللذة المؤقتة لهذه الحقبة؛ حيث كانت البوهيمية مسموحًا بها، لكن ليس لوقت طويل، لقد تجلى له الوطن العربي حينذاك صورة مزدوجة وشيزوفرينيا حرية مُستشَفة، هوت عليها المطرقة الثقيلة للنظام الاجتماعي، حين سنحت فرصة له لرفع ذيل هذا القميص الجبري، لم يتردد، وفرّ ناحية سموات أكثر حرية، بدأ بلندن، العاصمة الحقيقية للعالم العربي الحر، أكثر من باريس نفسها؛ حيث، يستقر في نهاية المطاف الأسطول الصغير لمداد الرغبة الإباحية وقرطاسها.
مارك كوبير

لقد تنسم أريج المكتبة الماركسية التروتسكية «الكتب الحمراء»، متلعثمًا في لغة شكسبير بنشيد السلاسل المحطمة، ويدخل الجناح العربي لفرع الأممية الرابعة: «المجموعة الأممية الماركسية». مباشرة جرب استلاب العمل، ألعاب هيمنة الجنس والمال، اختصار الطريق بفضائل الفوضى، الأموال، وبخاصة أموال الطباعة غير القابلة للتصرف فيها، جُعلت للاستيلاء عليها، لا لشرائها، لقد وجد هناك مدخلًا لحياة لم تعد تُفقَد لتُكتسَب، بل كل جولة كاملة نحو الإنعاش الفكري للمُمْكنات. كان ذلك في لندن، في الضباب المتصاعد من أعالي الـ«تايمز»؛ إذ أصبح بوضوح مناضل العالم العربي المكتسب أفكار الطليعة وتيار الإباحية الفوضوي، الذي ينفي مِلْكيَّة الفرد ويُشرِك الجميع في الأموال والأزواج، في مجابهة للعالم الاقتصادي، سلك كجسد غريب ترسّخ في النظام الاجتماعي، لا يفهمه أولئك الذين يرتدون زيًّا موحدًا، ويرون فيه مهمشًا خطيرًا على وسائل القوت الملغزة.

في ذلك العصر، بدأ الجنابي فقط في تعميق معرفته بالسوريالية، لا سيما بالتردد على المكتبة البريطانية؛ حيث قرأ الدوريات السوريالية الإنجليزية، «مجلة لندن» التي جعلته يكتشف وجود حركة قريبة من السوريالية في مصر.
من اليمين إلى اليسار: عبدالقادر الجنابي ومروان ديب والشاعر الأفروأميركي تيد جونز

مرة ثانية، يطير هذا المهاجر هذه المرة إلى باريس في مايو 1972م، المدينة التي يبدو كل شيء فيها كأنه يبدأ من جديد، لكن بطريقة أخرى، كما في لندن أو فيينّا؛ حيث بذر بعض جمرات مسير ملتهب، كان مشروعه الأساسي أن يلحق ببيروت من باريس، غير أنه في النهاية يظل. كان هذا نهايةً في هذه المدينة بطريقة أكيدة؛ كي يستعيد حدود العقل الاجتماعي الذي اختاره، يستقر «العالم العربي» على شواطئ السين؛ ليصبح «العالم العربي على السين».

ولم يعد يستطيع أن يعود إلى الوطن العربي الذي انكب على العبودية وقومجية النخبة، لقد تخيل من باريس نشاطًا نشريًّا وفنيًّا، كمثال على ذلك، علاوة على مجلة «الثورة السوريالية» أو مجموعة «الفن والحرية»، التي أُنشئت منذ عقود باكرة جدًّا على شاطئ النيل على أيدي جورج حنين، ورمسيس يونان، وفؤاد كامل، والتلمساني، وهنري كيرييل، تحت رعاية المفكر المصلح سلامة موسى.

إشارة رمزية، طلب الجنابي من أصدقائه السورياليين الجدد بباريس أن يزينوا صفحات جواز سفره القديم بفيزات متحررة تصلح لجعل كل الجمارك شاحبة، يكتشف، على غير ما في لندن، نفاذية تفتنه، ليس هناك رقابة تشرف على منشوراته السرية، بل الموزعة بفاعلية في شارع سانت – ميشيل وفي أماكن أخرى.

«الرغبة الإباحية»، هي جماعة ومجلة وُلِدتا في عام 1973م انعكاسًا لتحالف بروتون – تروتسكي، على أهمية تصالح الشعر والسياسة من دون إنكار من أحدهما على الآخر.

حركة صاخبة وشجاعة
هذا التجمع من مختلف البلدان العربية كان في بداية سنوات السبعينيات، إحدى أجمل المفاجآت التي تلقتها السوريالية (إدوارد جاغير)، كان الأعضاء الأكثر نشاطًا كتّابًا وشعراءَ ورسامين: الجزائري فريد العريبي، واللبناني غازي يونس، والعراقيون: عبدالقادر الجنابي، ومحمد عوض، وعلي فنجان، والسوري مروان ديب. هذه الحركة «الصاخبة» و»الشجاعة»، من الصعوبة أن تأخذ عنها فكرة جلية حين تكون فرنسيًّا أو أروبيًّا، أو عربفونيًّا.

في الحقيقة، كان هذا المشروع موجَّهًا في البداية إلى العالم العربي، لقد غمر بلادًا غارقة في حدودها بشعارات متحررة ذات قيمة بذْرية، منطوية بعناية قصوى على خصوصيتها الثقافية، في ظل منارات منتفخة، تشييد وحيد شائع مباح، مع تشييد أمومة إجبارية مفروضة على المرأة.

اتضح إذن هذا المشروع في اللغة الخالصة للأمة العربية، التي تظل حرفًا بالنسبة للقارئ الفرنسي العادي، كان لا يُعقَل أن تكون اللغة عائقًا أمام نشر أفكار مدمرة ومتحررة، لقد قام دعم الكولاج والرسومات الفطرية الفعالة إلى أبعد مدى مقام اللغات، أيضًا هناك بعض النصوص التي كانت تُقرأ بالفرنسية أو الإنجليزية في المتن.

وتكملةً، تخيل الجنابي أن يضم في مطبوعة بالفرنسية من 8 صفحات مقاس A4 ما يمنح النص ثقلًا نوعيًّا كبيرًا، خلاصة هذا النشاط العربي، وقد كان هذا بالفعل في الخامس والعشرين من نوفمبر من عام 1975م، ترجمة فرنسية قام بتحريرها كل من: مروان ديب، وعبدالقادر الجنابي.

إحدى فضائل النصوص المجموعة هنا في هذا الكتاب: هي أنها تجعلنا نعايش من جديد، بدايات المغامرة، ولو كانت لا تعيد تمامًا مظهرها المادي. في تجربته يحتفظ الجنابي بقيمة لا تُقدَّر للنصوص التي كُتِبت على آلة الرينيو، تم كل شيء باليد، رسم، نسخ (بدعة أخرى)، مع تخطيطات لرسومات، وأسلوب الاختطاف الذي اتبعه تنظيم «أممية مبدعي الأوضاع». أسلوب تغيير وجهة رموز القصص المصورة، أو الثقافة الشعبية الأميركية، هو سلاح يستخدم ضد واقع الأمة العربية.

لا عنوان سوى رقم صندوق بريد من الصعب اكتشاف صاحبه، كان التوزيع ميسورًا وحرًّا، وُزِّعَت المجلة في فرنسا، بل وصلت أيضًا إلى مقربة من مشتركين عرب كثيرين، ما المخاطر التي تجشمتها؟ هل كانت الرقابة ممكنة في عام 1973م لمجلة كهذه؟ كنا عقب انتفاضة مايو 1968م بعد ديغول، كان نمط حياة هذه الجماعة من الأصدقاء لا ينفصل عن المنشورات التي تصدر عنهم.

هكذا انفتحت الحفلات التي نظمها الجنابي على وضع مشترك للنصوص والرسومات التي صارت منشورات، كانت بعض مقاهي الحي اللاتيني تصلح قاعدة لاجتماع مرِح، ومكانًا للإنتاج ولا سيما للرسامين. يمكننا أن نحدد وبخاصة مقهى «le Villon» الواقع في 88 شارع سانت جيرمان، وكذلك مقهى «le Rostand» المواجه لحديقة لوكسمبورغ، كان النشاط اللعبي موضوعًا في المقدمة على يد الجماعة السوريالية، ولا سيما اللعب على الأسلوب، وانطلاقًا من لعبة الأقوال المأثورة حُرر 30 مثلًا مضادًّا بواسطة الجنابي ومحمد عوض، يكتب الأول فعلًا بصيغة الأمر: «اقتل»، بينما يقترح الثاني موصوفًا، من دون أن يعلم ما كتبه الأول: «تفاحة»، «اقتل تفاحة»! هنا نماذج من هذه الأمثلة المضادة: «استرح من ألف جرح»، «امسح كلّ الكتابة»، «لا تراهن على يمامة»، «ليس اللعبُ حصانًا مجنونًا»، «لا تتجعد كالممنوع»، «صيّف جنون الأفاعي»، «تفضّأ في واحة»، «تودّد إلى الحلم»، «انسلخ عن السلطة». هذه الأمثال المضادة نُشرت بالعدد 3،2 (إبريل 1974م) بعد جلسة مقهى، وهذا اللعب على التكسير اللفظي للكلمة الواحدة:

«الحياة: الحيا مات

الحُلم: حلُّ اللمّ

رأسماليّة: رأسي ما ليَ

المجهول: مُجمل الذهول

الأدَب: أَدَبَةُ ما هبّ ودبّ

الفكاهة: فكّ آهة

الانتحار: آناءَ النهار (النهار كساه الغيم)

الكلام: كلأ اللَّام (عشب الهول)

المعرفة: مَعرُ الرأفة»

لكن عمومًا، كانت جماعة الرغبة الإباحية تمارس الألعاب السوريالية قليلًا. من بين المواظبين على اجتماعات المقهى، نجد مروان ديب، وُلِد في سوريا من أم بولونية، يهتم بالهندسة، وأيضًا بموضوع الاغتراب عن محيط إلى محيط آخر الذي كان يتبعه تنظيم أممية مبدعي الأوضاع، بعد ذلك يتخيل، بعض الشيء، صورًا كاريكاتيرية كصور شارلي إبدو، يحب القصص المصوَّرة كثيرًا ويستفيد منها، مبدلًا خاصة لوحة تانتان، كذلك ينسخ العناوين بعناية، أو بالأحرى يخط مواد العدد- (60 صفحة) المُهدَى إلى جورج حنين- كاملة بيده، أيضًا يترجم نصوصًا مهمة عن السوريالية.

يصل محمد عوض إلى باريس بين العراقيين، يقابله الجنابي في مقهى (au depart)، في شارع غي – لوساك، إنه مترجم يساعد الجنابي في إعداد عدد، كان يعرف اسمه من العراق، وله نفس عمره، تكفل النقاش بهذا، فوجدا نقطة مشتركة: السوريالية، من هنا جاءتهما فكرة عمل مجلة، أي نموذج سيتبعان؟ كانت أوراق الستنسل (الرونيو) فكرة جيدة، سهلة التحقيق، ذات مرة وهم ينضدون النص لم يستطيعوا أن يصححوا أخطاءه، كانت الآلة الكاتبة قد اشتُرِيَتْ من باريس، ونُضِّد النص في غرفته في فندق «العظماء»، ثم سُلّم لمطبعي في أعلى شارع سانت – ميشيل أو في المدينة الجامعية، حيثما رأى مروان ديب على الأرض العدد 1 والعدد 2-3، اشترى منهما نسخة أو اثنتين.
الجنابي وخلفه لوحة له، 1973م

وبعد نقاش قَبِل أن يعمل مع المجموعة، جاء غازي يونس إلى المقهى مع العراقيين، واهتم هو نفسه بالسوريالية، كان لبنانيًّا، طالبًا جامعيًّا، بعدها صار فنانًا، كان شعره ثريًّا بالصور، في سن الخامسة والعشرين كان بائعًا في بوتيك بورنو في مونتبارناس، وروى كثيرًا من الحكايات عن الزبائن، كان صاحب قلم جميل، وكان يحب البورتريه، رسم بورتريه الشاعر الألماني باول تسيلان، وكذلك بورتريه أنسي الحاج، كان هو أحد المؤلفين الأكثر استمرارًا؛ لأنه بقي في باريس بخلاف الآخرين، كان كذلك يتدخل في ترجمات تزارا أو سوبو، صار بعد ذلك ممثلًا، واليوم يُعتبَر أحد كبار رسامي البورتريهات الكاريكاتورية، ويوقع باسم Xavier Ghazi.

فريد العريبي قَدِم إلى المجموعة قبل صدور العدد الأول، كان يعمل صحافيًّا لدى «ORTF»، كان ساخرًا، ثم كتب قصيدة بغرض الإضحاك، نشرها الجنابي، ففرح بهذا، واصل العريبي مشاركته في أنشطة المجلة؛ لأنه كان يحب السوريالية، وقد تُوُفِّي عام 1900م.

من بين الأعضاء المهمين في المجموعة، علينا أن نذكر علي فنجان فيما يتعلق بالعدد 5، كان رسامًا ومصممًا جيدًا، وهو عراقي أتى إلى باريس في عام 1973م كي يدرس فيها الفن على المستوى الدولي، كانت مجموعة الرغبة قريبة من فرانكلين روزمونت في الولايات المتحدة الأميركية التي أقامت أكبر معرض عالمي للسوريالية في شيكاغو 1976م: Marvelous Freedom, Vigilance of Desir».

اطلاعات تتحول إلى ممارسة حياتية
كانت روح المجلة تقتات على مجموع اطلاعات الجنابي، التي تتحول إلى ممارسة حياتية: أندريه بروتون، ماركس، أدورنو، كتّاب أممية مبدعي الأوضاع، وبنجاما بيريه. كانت بعض المظاهر سهلة على الفهم: إرادة تهشيم الجمود، والتابوهات، والامتثالية السياسية والذهنية، وخصوصًا السميكة آنذاك في الوطن العربي. لقد أظهرت المجلة إرادة تتجاوز الماركسية، وتفكك جيدًا النشاط السياسي، والنشاط الثوري، والنشاط الشعري.

في وقت حرب صَدّام والإيرانيين، اتخذت أساليب اختطاف أخرى، كانت كل نتاجات هذا العصر شاهدة قطعًا على وضع بيّن وعدواني، ورغم ذلك لم يكن هناك لا هجوم ولا رقابة يمنعان الخوض في هذه الموضوعات بطريقة عنيفة، كان هذا عصرًا؛ حيث كانت هناك حرية حقيقية للتعبير عن مشاعر ضد – دينية، يمكن فهمها في البلاد العربية، كان ثمة مرجع آخر جوهري، هو مرجع أممية مبدعي الأوضاع. بشكل خاص، كان الجنابي صديقًا حميمًا لبعض نصيري الموقعية، مثل: مصطفى خياطي، وراؤل فانيغم، وكذلك بيير لوبيتي الذي أقام تمثالًا من الجبس لشارل فورييه على قاعدة كان قد انتزع تمثاله منها منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد نما إبداع المجلة مع الدعم النظري والاقتداء بتجربة أممية مبدعي الأوضاع وبعض السورياليين، كان أدورنو، وهوركهايمر، في نقد «جدل الأنوار» جوهريين، وأحد أوائل المقالات التي كتبت بالعربية عن مدرسة فرانكفورت كتبه الجنابي ونُشِر على حلقتَينِ في «النهار العربي والدولي 1978م».

لا بد من إرجاع هذه التقصيات إلى ما بعد عام 1968م، كانت سنوات السبعينيات موسومة بظهور هذه المجموعات المرتبطة بتمرد الشباب، كان بنجاما بيريه يمتلك أهمية خاصة جدًّا، لمَ هذه الأهمية؟ تأملاته ونموذجه يسمحان بالتوفيق بين توجهين متزامنين ومتناقضين لكل شاعر مناضل؛ لأن الجنابي كان قبل كل شيء شاعرًا، وكلماته، إن كانت بالعربية، أو بالفرنسية، أو بالإنجليزية، ترنّ بقوة، مفتاح قبة صرح المجلة هو الشعر نفسه.

في الحقيقة، كما يذكر إدوارد جاغير مستشهدًا بالجنابي: «بؤس كل شعر حين يوضع في خدمة ثورة». ومن بينهم المرتدون: أراغون، وإيلوار، وشعراء المقاومة، أو الشعر الشيوعي، ومن جانب آخر، المشاركون في مجموعة المجلة الذين يتبنون عن طيب خاطر الاعتقادات الراسخة قديمًا، التي عبر عنها بنجاما بيريه في كتيّبه «عار الشعراء» المنشور في مكسيكو عام 1945م، كان هذا النص يرد مباشرة على كتاب «فخر الشعراء» الصادر بباريس في عام 1943م، في طبعة دار مينوي؛ حيث نجد قصائد لأراغون، وإيلوار، وبيير سيغير، وغيلفيك، وجورج أونيه تمجد الشوفينية الوطنية الفرنسية.

حال وصول الجنابي إلى باريس، أكمل معرفته التي يستطيع أن يحصل عليها من السوريالية، ومن القضية الأساسية للفاعلية الشعرية في مجيء الحرية للإنسان، التقى جورج حنين في مكاتب الإكسبريس نهاية عام 1972م، جالبًا له منشورًا داديًّا، في تلك اللحظة، لم يكن يعرف جيدًا السوريالية القاهرية، وحال رحيل حنين سينشر قصيدة «والي» ثم قصيدتين لـجويس منصور في العدد الأول من «الرغبة الإباحية» في ديسمبر 1973م.

كان الجنابي يعرف ترجمات بروتون أو أرتو بواسطة أنسي الحاج، غير أن أول اتصال له كان مع أنصار من تنظيم «أممية مبدعي الأوضاع»، قبل أن يلتقي السورياليين تمامًا. يبدأ تاريخ السوريالية بإبراز المهمشين والمضطهدين الذين يُحْدِثون أحيانًا فائدة أكبر من أن يظل السورياليون أرثوذوكسًا، على وجه الخصوص بقى السورياليون الأميركيون في الأرثوذوكسية، وهو ما سمح للمجلة أن تحصل على سبق طويل.

في تجربة المجلة كانت الكتابة الذاتية أقل هيمنة من حيل نقد الثقافة العربية، محتوى الرغبة الإباحية ينجم مباشرة عن الوضوح الذي جلبه بنجاما بيريه، والانحلال الجدلي لحالتين: حالة المناضل، وحالة الشاعر. ظال وحيدًا، ومن دون سمة، يُخرج الجنابي في بداية الثمانينيات، السلسلة الثانية من «الرغبة»، التي لم تكن مجلة تحمل صفة سوريالية، بل عقلًا مفتوحًا، مع القدرة على ضم العديد من السورياليين فضلًا عن كونهم في نزاع ما بينهم.

دائمًا ما يُعتبَر الجنابي سورياليًّا بقدر طريقته في استلهامها، ولم يمنعه هذا من طرح سلسلة مجلات جديدة، مثل: «Grid»، أو «Homnésie»، ولا من مواصلة وضع الشعر في جلاء ثوري نظري.

البعد النقدي يمضي في مصافِّ التجربة الشعرية؛ كشاهد على التعاقب المنسجم بما يكفي بين النصوص النظرية والنصوص الإبداعية في الترجمة المختصرة، (التي حُررت على نطاق واسع بالفرنسية) للرغبة الإباحية المؤرخَة بــــ 25 نوفمبر 1975م بالفرنسية فقط، ثمة إذن، قصيدة «مطرقة» لغازي يونس، أو قصيدة «اشتعال الرمل» للجنابي احتفالًا بـجورج حنين، تقتربان من سلسلة تأكيدات على التقارب بين الشعر والثورة، كسلسلة من الطعن في فضائل الذاتية، وبالتالي في ركيزة السوريالية، بواسطة جورج حنين ورمسيس يونان.

الطبعة الجديدة، بقيمة تعادل ما لم يُطبَع (طبعة محدودة من 260 نسخة خارج التوزيع)، في عام 1975م لنص من عام 1948م، هي طريقة للرجوع إلى روح التفوق على الذات للسوريالية على يد أكثر المعجبين المتحمسين لها، القادمين من بلد عربي.

في هذا النص الصعب نجد، على سبيل التأويل الرهيف أحيانًا، إنكارًا فظًّا للذاتية الآلية أو التي أوِّلت، لكن أيضًا من كل خرافة ستأتي، مع ميل قوي إلى مجابهة الفراغ، لتوضيح كلمة «عزلة» بلذة، بخاصة، الْتماس ما لا يحل، «حقوق الفراغ» (حنين)، كانت هي الوحيدة المعترف بها، تأمل الحاضر «أمام الفراغ» (يونان) يطيل ويفتح جدلًا شكاكًا نحو الكلام (التمنطق حقيقي عن العدم)، يونان يجنح إلى الإبقاء على اللغة حين يقترح حنين القفز في الفراغ: «ألا ترتبط بشيء»، في وضع سلبي بوضوح، وإن كان طامحًا إلى مجهول واقعي: «من الانحراف التام يمكن أن يُولَد شيء من المجهول» (حنين).

ونتيجة لهذا، يضيف: «وحيد ذاك الذي ليس لديه اسم موجود».

هذه التأملات تقتات بالتأكيد على الشعر، وعلى تأمل مؤلفي الرغبة. على أية حال، لا نستطيع إلا أن نتأثر بتطابق الصور مع الأفكار.

لنعُدْ إلى القصيدتين المأخوذتين من طبعة 1975م: «اشتعال الرمل» و«المطرقة». غازي يونس الذي يواظب على حرفة الرسام، أنجز عمله الشعري كاملًا على صفحات المجلة، تحت هذا العنوان المُلغِز: «المطرقة»، يغرز مسمار تأكيد الحرية في السطح الأخلاقي والجمالي، مقابل الزمن، يُعرّف عمله كـ«محاولة يائسة لتعريف المُبهَم»، بالضبط هذا هو البرنامج الذي سيأتي، والذي نسبه جورج حنين إلى الرجال حَسَني النية. لفظة «مطرقة»، مِدَقّ، في تكرارها تصلح كمرتكز لإعادة تعريف بعض القيم التي لا تزال سليمة، والتي تظل الحياة ممكنة بها.

أصل الإبداع الباقي، هذه المرة، هو إبداع التعريف غير المتوقع، كميكانيزم لزمنيْن صائر إلى مباغتة القارئ في عاداته وفي تصوره للعالم: «مطرقة… هذا حينما أجدل أغشيتي بالسكَّر كي أفسرها جيدًا، أوسّع أفكاري […]». لن تصبح الرغبة الإباحية في هذه النقطة التي تستند إلى رهان نسق شعري وثوري من دون شخصية مؤسسها عبدالقادر الجنابي، هذا الأخير يطمح، ببعد نظر منذ سنوات عديدة، إلى تجلية أفق شعري عربي، لأجل ذلك، سلك مسلك المترجم، منتقيًا من بين الشعراء الأكثر تشددًا والأقل عادية للجمهور العربي، مثل: ويليام كارلوس ويليامز، وباول تسيلان، وبليز سندرار، ورينيه دومال، وجويس منصور.

قصيدة النثر في هذا المنظور هي رهان جوهري؛ لأن هذا الشكل لم يكن معروفًا لدى العرب، والبحث عن حداثة شعرية عربية قاده ليلتقي رغبته في تمهيد ثقافي (على الأقل على المستوى الشعري)، مع الانشغال بتعريف التجارب الأكثر تجديدًا في اللغة العربية للجمهور الفرانكفوني أو الأنغلوفوني، ومطبوعاته المختلفة، ومنها الرغبة الإباحية وضعت نقطة شرف للسخرية من التقاليد الرجعية، والأشعار المنشورة وافقتها مع التماس المُعقّد، كان منطقيًّا أن يعرف (وإن كان هذا بعد موته بقليل) كل امتداد فكر جورج حنين الذي أهدى إليه، من بين آخرين، نص «اشتعال الرمل».

التعبير «كلام في الاتجاه المعاكس»، يلخص جيدًا طموح شعر الجنابي الذي ظهر أيضًا بواسطة قصائد جميلة كـ«سيرة طائر» (1977م)؛ احتفالًا بالشاعر اللبناني أنسي الحاج، هذا الشاعر أساسي للجنابي؛ لأنه المثال الجلي لانفتاح ممكن للشعر العربي على الحداثة، مع أن هذا الشاعر مسيحي، إذن متعدد الوجوه لعالم عربي منغلق على عُصاب نفسي ذاتي. لقد منحه الجنابي حضورًا في العالم الفرانكفوني، ولا سيما بترجمته لـ«الرسولة بشَعرها الطويل حتى الينابيع»، ومختارات تحت عنوان: «الطائر الأبدي».

باريس، يوليو 2017م
الهوامش:

1) إعلانات عن صدور العدد الأول من «الرغبة الإباحية» نوفمبر 1973م.

2) أحمد راسم، صور للشاشة، الإسكندرية، 1953م، ص120.

3) جورج حنين «يوتوبيا» في موسوعة سياسية صغيرة، 101 كلمة دالة، باريس، لو سوي، 1969م، ص292.

4) جورج حنين، «الفن في المعمعان»، الفن والحرية، عدد 1، 1939م.

5) ليعرف القارئ أن تأثير هذه الكتب الكلاسيكية الثلاثة السوريالية، كان جد شديد؛ بحيث زَيَّنت صور مؤلفيها: رينيه كريفيل، وأندريه بروتون، وبنجاما بيريه غِلَاف العدد الأول مع عبارة: «إن تعشق الحب، ستحب السوريالية».

ترجمة: عاطف محمد عبد المجيد

عن مجلة الفيصل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق