توصيات وتصوّرات من أجل مستقبل علميّ عربيّ

مشكلتنا في عالمنا الرّاهن أنّنا نحتاج إلى عدة أطوار من التقنيات العلاجية الفكريّة حتّى نرتقي لمستوى الصانع الفكري والمبدع، السبب يعود في ذلك أنّ المنطقة الّتي نحيا فيها قد ظلّت غائبة عن النتاج الحضاري الفكري والعلمي ما ينوف الخمسمائة عام ، وعلى هذا فإنّ المجتمعات قد أنجزت أطوارا اقتصادية ومجتمعيّة مختلفة، ومرّت بتاريخ من العقائد والأفكار والفلسفات الّتي امتحنها الواقع الحياتي لتلك الأمم ، وفي المجمل يمكننا تلخيص بعض النقاط الهامّة:

أولاً: التربية الجماليّة الفكريّة، وهي القاعدة الأساسيّة الّتي تعهد بالنشء نحو الإحساس الجماليّ والمعنويّ تجاه القضايا العلميّة والفكريّة، وهذا يستلزم مناهج تربويّة تعنى بتنمية وإثارة الفضول المعرفيّ، مع العناية الخاصّة بالموهوبين، وهذا الأمر يتراوح في نسبته بين البلدان بحسب إمكاناتها وما تنفق من ميزانيّة الدولة على التّعليم، ولا يغيب عن البال أنّه كلّما زاد مستوى الإنفاق على العمليّة التربويّة، مع تهيئة الموارد البشريّة اللاّزمة بقدر ما أصبح لدى الدولة رصيد من أصحاب العقول والمعارف.

ثانياً: كما تعنى الدول عادة بإنشاء مجالس اقتصاديّة وسياسيّة خاصّة بها، فإنّه لا بدّ أن تحظى العمليّة التعليميّة بكلّ مستوياتها بأقصى درجة من التّفعيل والدّعم والتّخطيط. إنّ الرّصيد من الموارد البشريّة ذات التّأهيل الممتاز سيشكل محوراً أساسياً في العجلة الاقتصاديّة والفكريّة لبلد من البلدان.

ثالثاً: إطلاق الحريّة في ما يخصّ إنشاء منتديات فكريّة وعلميّة، ودعمها من قبل مؤسّسات الدولة، ومهمّتها الأساسيّة نشر الوعي بضرورة الثّقافة وأهميتها في كلّ مجالاتها العلميّة والفنيّة والفكريّة، ممّا يساعد في تبديد ومحاربة الخرافة والجهل والأفكار الثابتة في كلّ الموروث الاجتماعيّ الفكريّ، وإعادة تصليح للنّسق الاجتماعيّ بحيث تعظّم قيمة العلم والإبداع بشتّى ألوانه.

رابعاً: جَسر الهوّة بين الجامعات والباحثين من شتّى المجالات، في هذه الحالة تتولّى الجامعة الإشراف على العمل البحثيّ ضمن حقولها المختلفة، وبذات الوقت تسمح بهامش نسبيّ من الباحثين الشباب في المجتمع بإتمام أبحاثهم وتأهيل البعض منها ليصار لتطويره، وذلك وفق فرق بحثيّة تتولّى الإشراف عليها من داخل الجامعة وخارجها، ويتمّ انتخابها دورياً بحسب ما تنتج من أبحاث وأعمال.

خامساً: تشجيع المؤسّسات الإعلامية بكلّ وسائلها على تناول القضيّة الثقافيّة، مع مستوى عالٍ من الحريّة الفكريّة، بحيث تتمّ إعادة صياغة الأولويات التعليميّة والثقافيّة في المجتمع، والابتعاد عن السطحيّة والتعمية الثقافية بشتى صورها. وهذا لا يتحقّق إلّا من خلال سياسات خاصّة بالثقافة والإبداع، كما هو الحال سياسياً واقتصادياً.

سادساً: عندما يتحقّق الدعم الاقتصادي للنتاجات العلميّة والإبداعيّة، فإنّه من باب الضّرورة وجود هيئات ومؤسّسات ترعى الأبحاث وتسوق لها في الميدان الاقتصاديّ والفكريّ، وبذلك يصار استقبال كلّ من يهتم بالبحث والتّفكير ونشر نتاجه وتشجيعه معنوياً ومادياً، حتّى يشعر الأفراد بأنهّم ذوو تأثير في النّسق الاجتماعيّ الكليّ وفي خطط الدولة المستقبليّة، وهو بذلك الرّصيد الأهمّ والأغلى لديها.

سابعاً: عندما تبدأ العقول بالتّحرر من الثّبات والجمود الفكريّ، فإنها تبدأ في التو بإعادة صياغة مفاهيم جديدة عن المجتمع وتطوره، وعن الدولة والعقل بكلّ ما ينتجه، وبهذا الشكل فإنها تتموضع وفق دورها الاجتماعيّ والفكريّ كلٌ حسب تخصصه، وهو ما يزيل ويخفّف الإحساس بالغربة، ويعزّز ثقة الأمّة بنفسها فتغدو فاعلة حاضرة في كلّ الميادين، أكثر من كونها منفعلة على نحو سلبيّ من التقليد والتشييء.

ثامناً: إنّ العمود الأساسي الّذي يشاد عليه الهرم الاجتماعي هو العقل، فكلّ ما يتّصل بالبناء العقليّ والروحيّ يعدّ مطلباً أساسياً وملحاً، وهو ما يجب أن يحظى بالتّقدير والدّعم. فلا تبنى المجتمعات والأمم على النزوات والأهواء والاعتقادات الجامدة، سواء كانت عقليّة أم سياسيّة أم اجتماعيّة.

تاسعاً: إذا سارت الأمّة والمجتمع نحو تحقيق جلّ هذه الأفكار وما يدور في فلكها، فإنّها بذلك قد ضمنت لها مقعداً بين الأمم المتحضرة، وكانت نبراساً أخلاقياً وإبداعياً. وبذلك فإنّ مستوى الذائقة الجماليّة والروحيّة سوف تعتلي وتغتني بشتّى المعارف والأفكار، ولن يكون هناك مكان للجمود والتّخلف على صعيديه الاجتماعيّ والفكريّ. وهنا نصل للقضية الأَولى، وهي  بناء الذات والهويّة  اللّتان لن تتحققا إلّا إذا تحلينا بالشجاعة والإيجابيّة في كلّ ما يخصّ بنياننا الموروث والاجتماعي الفكري.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق