صيف بيكاسو السّاخن يزيّن جدران المتاحف في جنوب فرنسا

تميّز المشهد الفني- الثقافي في جنوب فرنسا هذا الصيف بانتشار معارض متعدّدة تحمل اسم الرسّام العالمي الشهير بابلو بيكاسو، منفرداً أو مع فنانين آخرين. معارض حملت عناوين عديدة ومواضيع غنّية تجاوزت عرض اللّوحات إلى منحوتات وصور وأشياء متعلّقة به، بما يشبه البحث العميق في أعمال هذا الفنّان الرّائد الّذي تمرّ هذا العام ذكرى ربع قرن على وفاته (8 أبريل 1973) في مدينة موجان الفرنسيّة، وهو المولود في مالاغا الإسبانية في 25 أكتوبر 1881.

 

بجانب مرفأ مارسيليا التاريخيّ، وتحت عنوان “بيكاسو- رحلات خياليّة”، حطّت قافلة الفنّان الإسبانيّ الخيالية رحالها في كلّ من متحف الحضارات الأوروبيّة والمتوسطيّة Le Mucem، وقصر شاريتيه القديم La Vieille Charité ، وذلك كجزء من مشروع “بيكاسو-البحر الأبيض المتوسط”، الّذي بدأه متحف بيكاسو الوطني في باريس.

في مبنى جورج هنري ريفييرالتابع لمتحف Mucem المطل على البحر من جهته الغربية وعلى ميناء مارسيليا القديم من جهة الشرق، تألّقت أزياء الباليه الروسية بتصميم بيكاسو، والّتي كانت حصيلة رحلاته بين إيطاليا وإسبانيا. لقد تمّ إبراز الرّوابط القويّة الّتي تربط الرّجل بالفنون والتقاليد الشهيرة بأسلوب رائع بدا في تصاميمه وأزيائه الخاصّة الّتي تنتجها شركة Serge Diaghilev الروسيّة للباليه. بين عامي 1916 و1921، عمل بيكاسو على تصميم أزياء وثياب الباليه. ربّما أتاحت هذه التجربة له التّعامل مع لغة الجسد والرّقص، وألهمته لاستكشاف إمكانيات رسميّة جديدة، والّتي ضمّها إلى عناصر مستعارة من مسرح العرائس (هو فنّ أدائي مسرحي يمزج بين عدّة فنون مثل التأليف، التّصميم، التّشكيل، التّنفيذ، الإخراج، التمثيل والتّحريك)، وكوميديا ديلارتي (كوميديا الفنّ الإرتجاليّ الإيطالية) وفلكلور إسباني. هكذا استطاع بيكاسو استيعاب وإعادة تفسير التّقاليد التصويريّة في عصره ووضعها في قالب حداثي.

أمّا في مبنى La Vieille Charité، وسط الأجواء المهيبة في الكنيسة الصغيرة القديمة المجاورة تناغم بيكاسو بتصاميمه ولوحاته مع بيير بوجي بهندسته المعماريّة البارزة في هذا المعلم الأثري الجميل القريب من شاطيء البحر. جمع المعرض هنا ما يزيد عن مئة من القطع الفنيّة – المنحوتات والمقتنيات والرسومات- مع مجموعة من البطاقات البريديّة والأعمال الرئيسيّة الموجودة في متاحف مارسيليا، في الرّسم والنّحت، منها امرأة ترتدي طربوشاً تركياً، شكّلت شعار اللّوحة الإعلانيّة للمعرضين معاً. هذه اللّوحة الزيتيّة رسمها في العام 1955 على قماش بمساحة ( 116 × 89 سنتيمتراً) وهي من مقتنيات المتحف الوطنيّ للفنّ الحديث – مركز الإبداع الصناعي في مركز بومبيدو- باريس.

المرأة والطفل

استقطب هذا المعرض العديد من الأعمال الموجودة في متاحف عالميّة مثل لوحةالمرأة والطفل (1902) المرسومة بالزيت على قماش، فهي من مقتنياتإدينبورغ، المعرض الوطني في سكوتلندا. ثمّة لوحة زيتيّة على القماش لامرأة (1907-1908)، استُعيرت من متحف الفنون في دالاس، فيما بدت المرأة حاضرة في معظم لوحات الفنّان التكعيبيّ مثل لوحة مائية مرسومة على الخشب الرّقيق لفتاتين تجريان على الشّاطئ (1922)، من متحف بيكاسو الوطني في باريس، ثمّاغتصاب سابين” (1962) اللوحة الزيتيّة على القماش، من مقتنياتبومبيدو . أمّا  قبلة” (1943) الزيتيّة المرسومة على الورق، فهي من مقتنيات متحف بيكاسو، ومن ودائع متحف كانتيني في مارسيليا.

لعلّ أبرز المنحوتات تلك الشهيرة بعنوانالسباحون، المصنوعة من البرونز، وهي من مقتنيات متحف بيكاسو، وقد أنجز هذه التحفة خلال شهري أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول العام 1956. من خلال أعماله السّابقة، وخصوصاً منذ العام 1953.

نساء الجزائر

في مدينة مثل مارسيليا يشكّل المهاجرون الجزائريون أكثريّة تقدر بنحو مئة ألف شخص، فإنّ عرض لوحةنساء الجزائر بعد ديلاكروايبدو مثيراً للاهتمام. هذه اللّوحة المرسومة بالزيت على قماش بين العامين1954-1955، من مقتنيات متحف الفنّ الحديث- سان فرانسيسكو، رسمها ضمن سلسلة من 15 لوحة، مستوحياً لوحة الرسّام الرومانسي الفرنسي يوجين ديلاكروا لعام 1834 الّتي حملت عنوان “نساء الجزائر في شققهم”.

يبدو أنّ رحلات بيكاسو الخياليّة أنتجت نحو 300 قطعة، بينها مئة لوحة ومنحوتات ومطبوعات وبطاقات بريديّة جمعها إضافة إلى أعمال فنيّة أخرى تضمّ أيضاَ الأزياء. فمن شواطئ المتوسط إلى أبعد المناطق في أفريقيا، يقدّم عمل بيكاسو نقطة انطلاق لأماكن أخرى، ورسم خرائط بلا حدود حيث تتنوّع الفنون وتختلط أحياناً. على الرّغم من أنّه ليس فنانًا متنقلاً، فإنّ رحلته ترسم إطارًا أسطوريًا يشكل محور عمله الشهير بالمينوتورMinotaur  الّذي هو عبارة عن رأس ثور وجسم رجل.

لغة الجسد 

في مدينة les Baux de provence كانت عروض لوحات بيكاسو إلى جانب فنانين إسبان آخرين، مختلفة من حيث التقنية والأسلوب. فداخل تلك السراديب المكعبة والمستطيلة المتّصلة ببعضها، بدأت مجموعة عروض الفنون البصريّة، في الثاني من مارس 2018 والّتي تستمر حتّى السادس من يناير 2019 . تتألّق روائع كل من بيكاسو، غويا، سورولا، روسينيول وزولواغا، في إطار نسخة رقميّة مصحوبة بصوت الموسيقى، بما يشبه رسوماً متحركة تتراقص على سُقُفٍ وجدرانٍ وأرضياتِ من الحجر الجيري داخل سرداب معزز بالكتل الإسمنتية، متنوّع الارتفاعات والتّضاريس الّتي تُجسّد تعاريج الطبيعة الجبليّة.

هي دعوة حقيقية للذّهاب في رحلة اكتشاف ما أبدعته أنامل إسبانيّة. برعاية وتنظيم مؤسسة CARRIÈRES DE LUMIÈRES (وظائف الأضواء) الّتي تقوم بإعداد برنامج سنوي في هذا المكان. تقنيات بصريّة تجعل الرّسوم تتحرّك على جدران رحبة تتحوّل بما يشبه شاشات سينمائيّة متصلة ببعضها بشكل ساحر.

                       

 

بيكاسو وبيكابيا

      

 

في مدينة إكس إن بروفانس، Aix-en-provence  وبعد انتهاء أعمال معرض عن بيكاسو وبوتيرو، افتتح معرض بيكاسو- بيكابيا، في متحف Granet، من 9 يونيو وحتى 23 سيبتمبر، يرسم بيكاسو البحر الأبيض المتوسّط ​​في أعمال تُعتبر استثنائيّة.

فرانسيس بيكابيا الفنّان الفرنسي المولود في باريس (1879-1953) توحده مع بيكاسو الكثير من الأمور المشتركة الّتي تتجلّى في لوحاتهما إن لجهة الموضوعات أو لجهة الأسلوب. مع Picasso و Picabia ، يتمّ اكتشاف تحوّلات الذّات في طريقة الحياة عند الرجلين.

أكثر من 150 عملاً زينت جدران متحف Granet في معرض مميّز يستند إلى مجموعة مختارة من اللّوحات والرّسومات والصور والأرشيف من المجموعات العامّة والخاصّة، الفرنسيّة والدوليّة. فمن خلال مجموعاته الرّائعة، الّتي تمّ جمعها حسب التّسلسل الزمنيّ والموضوعيّ، يركز المعرض على اللّحظات الأساسيّة لرحلة كلّ منهما في مهمّة مستحيلة نحو الشموليّة، يعبّر كلّ من بيكاسو وبيكابيا، بسبب الغنى الشّديد في حياتهما المهنيّة، تاريخ الحركات الفنيّة في القرن العشرين.

وبفضل أعمال “التوأمة” المدهشة فإنّ التّشابه في بعض اللّوحات والموضوعات لم يمنع وجود تناقضات واضحة بين أسلوبين مختلفين، إذ يبدأ المعرض بالأعمال التكعيبيّة في العام 1907  ثمّ ينتقل إلى التّجريد والسوريالّية. وينتهي بالأعمال الّتي تمّ إنجازها خلال عقد (في العام 1953 بالنسبة لبيكايا وبعد حوالي عشرين عامًا، في العام 1973 بالنسبة لبيكاسو).

لقد تميّز هذا العام بعام بيكاسو فنياً، إذ جالت روائعه على متاحف وصالات عرض عديدة في باريس والمدن الفرنسيّة الأخرى الّتي لا تزال تحتفظ بكنوز هذا الرسّام الرّائع الوافد من إسبانيا إلى عاصمة الأنوار حيث ترك آثاره المتلألئة على الجدران المخمليّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق