الإعاقة والمعرفة في العالم العربيّ

لم تعد الإعاقة مسألة إحسان مرتبط بالعمل الخيريّ، وبالصّدقة، بل أصبحت قضيّة حقّ، وأصبح ذو الإعاقة ذات قانون sujet de droit.

ولم يعد ذو الإعاقة منعوتا بالإعاقة بما يفيد ثبوت الصّفة، أي “معاقا”، بل أصبح شخصا “في وضعيّة الإعاقة”، للإشارة إلى أنّه شخص وذات، وأنّ وضعيّة إعاقته لا تستوفي كلّ صفاته ولا يمكن أن نختزل فيها كيانه.

ولم تعد الإعاقة مجرّد اعتلال وتعطّل لبعض الوظائف الجسديّة، أو حالة منافية لما يسمّى اصطلاحا بـ”الوضع العاديّ”، دون أن يكون لهذا الوضع العاديّ مدلول محدّد، بل أصبحت تعرّف داخل معادلة تلعب فيها العوامل البيئيّة والذّاتية دورا أساسيّا. فمن حيث العوامل الذّاتيّة، تختلف علاقة كلّ ذات بجسدها ومرضها، بحيث أنّك تجد شخصين لهما إعاقة واحدة، لكنّ حياتهما مختلفة باختلاف نظرتيهما إلى ذاتيهما وإلى الواقع. يمكن أن يكون أحدهما في حالة انكفاء وانطواء وتسليم بالعجز، والآخر في حالة انطلاق وطموح وتجاوز للإعاقة. ومن حيث العوامل البيئيّة، شتّان بين ذي إعاقة تتوفّر في بيئته مقوّمات الإدماج والتّمكين، من فضاءات مهيّئة، وفرص تشغيل، وموارد معرفيّة، وذي إعاقة لا تتوفّر في بيئته هذه الإمكانيّات، ولا يتوفّر فيها الاحترام الضّروريّ له  باعتباره ذات حقّ، ولا تتوفّر فيها وسائل التّمكين والإدماج.

وكما أصبح ذو الإعاقة ذات حقّ، بدل أن يكون مجرّد موضوع للرّأفة، أصبح ذاتا للمعرفة. ومن كلّ هذه المنطلقات نفتح هذا الملفّ، ونستوفي كلّ وجوه العلاقة بين الإعاقة والمعرفة، بحيث تشمل المعرفة عن الإعاقة والمعرفة المتوفّرة لذوي الإعاقة. فهل يوجد تراكم معرفيّ عن الإعاقة في عالمنا العربيّ؟ وهل درسنا بما فيه الكفاية تطوّر الأفكار عن الإعاقة من النّصوص التّراثيّة الدّينيّة والأدبيّة إلى اليوم؟ وهل فحصنا مأثوراتنا ومرويّاتنا وتراثنا الشّعبيّ والعالم عن تصوّرات الإعاقة بأنواعها؟ ثمّ ما هي وسائل المعرفة المتاحة لذوي الإعاقة؟ ما الذي تتيحه لهم معرفيّا منظوماتنا التّشريعيّة التّعليميّة والإعلاميّة؟ هل يتوفّر لهم باللّغة العربيّة ما يكفي من الوثائق بلغة البراي وما يكفي من الكتب النّاطقة؟ أيّ مكانة لذوي الإعاقة في منظومات التّعليم وفي المكتبات الوطنيّة والجامعيّة والعموميّة؟ أيّ منزلة لمن يمثّلون الـ15 % من البشر، علاوة على أنّ كلّا منّا عرضة إلى ضعف البصر والسّمع وكلّ أنواع العجز، نتيجة هشاشة تكوينيّة في الإنسان المائت والناقص من حيث هو إنسان؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمد عزيز الحسين

    وهل يلقى الإنسان العربي الخالي من الإعاقة الاهتمام الكافي من حكوماته، ويحظى بحقوقه كاملة ليجد المعوق خلاف ذلك ؟!
    إنّ الحكومات العربية تتعامل مع مواطنيها على أنهم معوقون، ومفتقرون إلى الأهلية الجسدية والنفسية، وليس من حقهم أن يستخدموا عقولهم وقواهم المختلفة في ما يرونه ضماناً لتحقيق إنسانيتهم، بل إنها تبذل كل ما بوسعها للحؤول دون وصولهم إلى ذلك. وحين يحاول أحدهم البرهنة على أنه مواطن حرّ وقادر على استثمار ما يملكه من قوى في تحقيق ذاته على الوجه الذي يراه تحول بينه وبين ذلك، وتمنعه من ممارسة حقه الإنساني، وتعيده إلى خانة ( العبد) ، وتمنعه من التمتع بحريته وقواه الطبيعية.

  2. أحمد عزيز الحسين

    وهل يلقى الإنسانُ العربيُّ الخالي من الإعاقة الاهتمامَ الكافي من حكوماته، ويحظى بحقوقه كاملةً ليجد المعوقُ خلاف ذلك ؟!
    إنّ الحكومات العربية تتعامل مع مواطنيها على أنهم معوقون، ومفتقرون إلى الأهلية الجسدية والنفسية، وليس من حقهم أنْ يستخدموا عقولهم وقواهم الإبداعية في ما يرونه ضماناً لتحقيق إنسانيتهم، بل إنها تبذل كلّ ما بوسعها للحؤول دون وصولهم إلى ذلك، وحين يحاول أحدهم البرهنة على أنه مواطنٌ حرّ ٌوقادر على استثمار ما يملكه من قوى في تحقيق ذاته على الوجه الذي يراه مناسباً تحول بينه وبين ذلك، وتمنعه من ممارسة حقه الإنسانيّ الطبيعيّ، وتعيده إلى خانة (المعوّق) و ( العبد)، وتمنعه من التمتع بحريته وقواه الطبيعية على الوجه الأمثل.
    وهكذا يغدو الكلّ في نظرها معطوبين جسدياً ونفسياً، وليس هناك من فروق إبداعية بينهم، كلهم في نظرها أفرادٌ متماثلون في قطيعٍ واحد لا يحسن سوى الانحناء والطأطأة وقبول الأمر الواقع كما هو .
    وفِي ظني أن بعض الحكومات العربية، التي تولي المعوقين بعض عنايتها، تفعل ذلك لكي تجعلهم صالحين ليكونوا رعايا، ويتنعموا بكونهم محكومين لا مواطنين كاملي الأهلية، لأنها إن فعلت خلاف ذلك تخرج على النهج الذي تختطّه مع عموم محكوميها لا مع المعوّقين فقط.وفي ظني أيضاً أنّ الاهتمام بالمعوقين لا يصبح ذَا فاعلية وأثر في الوطن العربيّ ما لم تغيّر الحكومات العربية من نهجها في التعامل مع مواطنيها الأصحاء لا المعوّقين وحسب؛ لأنّ إيلاء المعوقين ما ينبغي من اهتمام لا يكون كاشفاً لحسن النوايا ما لم يترافق مع نهج عام واستراتيجية تغير فيها هذه الحكومات من آلية حكمها لعموم محكوميها ولا تبقي ذلك محصوراً بالمعوقين فقط؛ وعندئذ سيغدو الفضاء الاجتماعي العام صالحاً ومناسباً للجميع ويسمح لهم بالحصول على حياة حرة كريمة مدعومة بما يقتضيه ذلك من بناء المؤسسات والقوانين الضامنة بتوفير ذلك للجميع لا لفريق واحد فقط.

  3. أحمد عزيز الحسين

    في تعريفه بنفسه يكتب موقع ” الأوان” مذكراً قراءه بأنه يهدف إلى أن يكون فضاءَ التقاءٍ وحوار، ومع ذلك … فإنّ كتابه يأنفون من الدخول في حوار مع قارئ مثابر حتى لو تبيّن لهم أنه قارئ جادّ، ويستحقّ أن يُحاوَر، ويُردّ عليه.
    وقد تقصّدت، منذ بضعة شهور ، كتابة تعليقات على مقالات وحوارات نشرت فيه لكتاب من مختلف المشارب والاتجاهات، معظمهم معروف، وله إسهامات معروفة في الحقل الذي يكتب فيه، وأغلبهم يعلن أنّ له مشروعاً فكرياً واجتماعيّاً، وأنّه مهتمّ بموضعة مشروعه على أرض الواقع، وتشكيل حامل اجتماعي يتبنى مشروعه، ويساهم في تخلقه وتعميمه، وجعله ممارسةً وأداةً للتغيير بدلا من أن يبقى شعاراً وكلماتٍ خلبيةً لا غير.
    ومع ذلك…. فقد أدار الجميعُ ظهورهم إليّ كأنني بعيرٌ أجرب باستثناء كاتبٍ واحدٍ هو وائل السواح، الذي تفضل مشكوراً بإرسال رسالة خاصة إلى بريدي الإلكتروني الخاص يشكرني فيها على الاهتمام بما كتبه من حلقات عن سيرته الذاتية/ النضالية التي ينشرها في موقع ” درج” ثم يعيد نشرها في ” الأوان”.
    وقد سعِدتُ برسالته وتواضعه ودماثته، واعتبرتُ ما قام به أمراً ضرورياً…لا لأنني أزعم أنّ ما كتبته مهمٌّ ويستحقّ الردّ، بل لأنني أظنّ أنّ الحوار، في حد ذاته، ضروريّ، وقد يفضي بالكاتب إلى تعديل أدواته البحثية، وتغيير رؤيته للقضايا التي يكتب عنها بعد أن يتعرف إلى أثر الآلية التي ينتهجها في المتلقي الذي يخاطبه سواءٌ أكان هذا المتلقي كاتباً مثله أم قارئاً عاديّاً.
    ولستُ أنوي الكفّ عن كتابة تعليقاتي من موقع ” الزعلان” أو ” الحرِد” ؛ لأن زملاء لي لم يردّوا عليّ حين حاورتهم من موقع القارئ، بل أنا حريصٌ على الاستمرار في ما أكتبه؛ لأنني أَجِد فيه ” مسؤولية ” ينبغي أن أنهض بها بوصفي قارئاً عاديّاً ومواطناً مهموماً بقضايا الفكر والتغيير في هذا الوطن الكبير، الذي تعود كتابه ومسؤولوه على ” التطنيش”، واعتبروا أنّ من حقّهم أن يديروا ” ظهورهم” إلى قرائهم ومواطنيهم؛ دون أن يرفّ لأحدهم جفن، ومع ذلك يزعم أنه مهتمّ بتغيير واقعه، والاستجابة لمصالح الناس، والمشاركة في تغيير الواقع وتحسينه، والتأثير فيه تأثيراً جذرياً.

أضف تعليق