تونس: عقوبةُ القبلة سلبٌ للحرية بحكمِ القانون والقاضي / أمل المكّي

لمحت في شفتيها طيف زنزانتي

“عامان مرّا عليها يا مقبّلتي… وعطرها لم يزل يجري على شفتي”… هكذا وصف نزار قبّاني “القبلة الأولى” في قصيدته الشهيرة. وبينما يمعن الشاعر في وصف عذوبة القبل بالقول “لمحت في شفتيها طيف مقبرتي”، فإنّ عشّاقاً ومحبّين كثراً في تونس اليوم يتبادلون القبل فيما يلوح أمامهم “طيف السجن”.

“القوانين الرجعية مرتبطة بموروث ثقافي وديني يقوم على الاستنقاص من المرأة واعتبارها قاصراً، ليس لديها الحق في التعبير أو أخذ القرار… كلّ شيء مرتبط بالدين والعادات والعرف بما في ذلك القانون الذي يمسّ من الحريات وينبذ الحبّ ويعاقب من أجل قبلة حميمة. التونسي يرى الاغتصاب والتحرّش كلّ يوم ولا يزعجه ذلك، لكنّه ينزعج من قبلة الحبّ ويكشف حينها عن النزعة الذكورية التي فيه”.

بهذه الكلمات السّاخطة على واقع تراه مكبّلاً، تصف أسرار موقفها من القوانين التونسية التي لا تزال متخلّفة عن تطبيق الدستور فيما تعاقب على أفعال تمسّ الحريات الفردية. فبتهمة “التّجاهر عمداً بفحش” أو “الاعتداء على الأخلاق الحميدة والآداب العامّة”، يمكن لقبلة حميمة في الشارع أو داخل سيارة أن تضع متبادليها تحت طائلة الفصلين 226 و226 مكرّر من المجلّة الجزائية.

“القانون قاسٍ، لكن علينا أن نثور عليه”، تقول أسرار وهي ناشطة اجتماعية ونسوية شابّة، مواصلة “يجب أن نبادر كي نساهم في تغيير العقليات… الثورة تبدأ بشخص واحد… يجب أن نحدث فعل الصدمة كي نطرح هكذا مواضيع للنقاش… المشكل في مجتمعنا اليوم هو غياب المصالحة مع الأجساد… فالتصالح مع جسدك وحده يجعلك تشعر بالحبّ وتتصالح معه”.

أسرار وصديقها الحميم
وفي دلالة على تصالحها مع الجسد والحبّ، تنشر أسرار على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعي صورها وهي تتبادل القبل مع صديقها الحميم في أماكن عامّة… “القبلة تعبير عن الحبّ… وهي مهمّة جدّا لنفسيّتي وفي حياتي اليومية أعتبرها أساساً ضرورياً لبداية كلّ يوم فهي تعطيني شحنات إيجابية”.

حميدة لا تحبّ القبل؟!

يمرّ اليوم عام تقريباً على “قضيّة القبلة” الشهيرة التي تحوّلت من إعلان للحبّ بين شابّ فرنسي من أصل جزائري وفتاة تونسية إلى قضية ملأت الدنيا وشغلت الناس في تونس وفرنسا أيضاً. ضبط الحبيبان حينذاك وهما يتبادلان القبل داخل سيارة شمال العاصمة تونس. ألقي القبض عليهما وتمّ الاحتفاظ بهما بعد استشارة النيابة العمومية. ثمّ وبمثولهما أمام القضاء، وجّهت للشاب والفتاة تهم تتعلّق بالتجاهر عمداً بالفحش، وهضم جانب موظّف عمومي أثناء قيامه بمهماتّه والسكر الواضح والاعتداء على الأخلاق الحميدة. وأصدر القاضي حكماً بالسجن 4 أشهر في حقّ الشاب و3 أشهر للفتاة. تقول الجهات الأمنية إنّ الحبيبين تفوّها بكلام فاحش ضدّ الأمنيين، في حين تؤكّد جهة الدفاع أنّ الأمر يتعلّق بمطالبة الشاب والفتاة الشرطة بإظهار ما يثبت أنهم رجال أمن.

وعلى رغم أنّ دستور 2014 قد وصف بكونه “دستور الحريات” بامتياز، إلاّ أنّ الترسانة القانونية التونسية تضمّ حتى اليوم عدداً من القوانين التي تتعارض مع الدستور وتنتهك الحريات لا سيما الفردية منها. ينصّ الفصلان 226 و226 مكرّر من “المجلّة الجزائية” التونسية على التالي: “يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها ثمانية وأربعون دينارا كل من يتجاهر عمدا بفحش.” و “يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها ألف دينار كل من يعتدي علنا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول أو يعمد علناً إلى مضايقة الغير بوجه يخل بالحياء”.

يوضح الباحث في القانون وعضو الجمعية التونسية للحريات الفردية أحمد علوي أنّ الفصل 226 مكرّر قد تمّ تنقيحه عام 2004، غير أنّ التعديل لم يذهب في اتّجاه إلغاء العقوبة أو تخفيفها بل كرّسها وعززها، مبيّناً أنّ تهماً من قبيل الاعتداء على الأخلاق الحميدة والإخلال بالآداب العامّة وفرصة لارتكاب فجور، هي تهم غير محدّدة المفهوم وفضفاضة قد تتغيّر وفق السياق والأشخاص المعنيين، ما يترك هامشاً كبيراً للسلطة التقديرية وفق هوى عون الأمن ووجدان القاضي.

نضال وزوجته
“زد على ذلك، فإنّ الفصلين المذكورين كلاهما مخالف للدستور الّذي يضمن للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامّة في فصله الحادي والعشرين، وينصّ على ضرورة حماية الدولة للحياة الخاصّة في فصله الرابع والعشرين.” ويواصل علوي “كما أنّ الفصل التاسع والأربعين من الدستور يؤكّد أنّ الحرية هي الأصل والتقييد هو الاستثناء، ما يعني أنّ قيد “الآداب العامّة” ومشتقّاته من الضوابط التي تأتي بها القوانين يجب أن يكون في ظلّ “دولة مدنية ديموقراطية” وليس دولة مبنية على الأحكام الأخلاقية، كما يجب أن يكون متناسباً مع خطورة الفعل وهو ما لا ينطبق على فعل تبادل القبل”.

ويختم الباحث في القانون قائلاً بأسف “يفترض في دولة القانون والمؤسسات أن يكون القاضي هو حامي الحقوق والحريات والدستور لكننا في هذه الحالة نراه ينتهك الدستور بنفسه…”.

امرأة غير صالحة للتقبيل في الفضاء العامّ

“بالنسبة للتونسي أن تكون المرأة صديقتك أو خطيبتك أو حتى زوجتك فذلك سواء، هي غير صالحة للتقبيل في الأماكن العامّة… عاداتنا المجتمعية ما زالت رجعية جداً ومنافقة… شعبنا يحبّ البوس (التقبيل) لكن في الزوايا المظلمة”. لنضال (38 سنة)، صور كثيرة لقبل حميمة مع زوجته. عندما سألناه، هو المغترب في أوروبا منذ سنوات ما إذا كان يفعل ذلك في الفضاء العامّ بتونس، أجاب بنعم من دون تردّد.

لا يغيّر نضال القناة عند مشهد تبادل للقبل كما أنه يحرص على طبع قبل حميمة على شفاه زوجته أمام أبنائه كي يتعلّموا أنّ ذلك من أساليب التعبير عن الحبّ وكي لا يكبروا يوماً ويرموا بالحجارة كلّ حبيبين يرونهما معاً.

“حدث منذ سنوات أن كنت مع زوجتي على شاطئ البحر في ضاحية قرطاج. اقترب منّا شرطي بزيّ مدني وسألنا عمّا نفعله. لم يضبطنا “متلبّسين” فقد انتبهنا مسبقا إلى صوت خطواته قبل وصوله”. يشعر نضال بالغضب حتى الآن وهو يسترجع ذكرى ما سمّاه “حشر البوليس أنفه في حياتنا الخاصّة”. يردف قائلاً: “قانون حميدة سيئ الذّكر هذا يجب أن يحذف أو على الأقلّ أن يعرّفوا لنا الأخلاق الحميدة فهي إلى الآن مطّاطية وفضفاضة”.

يقول التونسي المغترب في إسبانيا منذ سنوات للعمل، إنّه تحدّث مع شباب تونسيين وعرب كثر بخصوص دوافعهم للهجرة، جازماً أنّ “نسبة كبيرة من بينهم لا يهاجرون طمعاً في تحسين وضعهم الاقتصادي بل سعياً وراء الحلم الأوروبي، أي الحريات الفردية التي كانوا يشاهدونها فقط في التلفزيون في الأفلام والتقارير. هاجروا ليحصلوا على صديقات يسهرون معهنّ ويرقصون في الساحات العامّة. هاجروا ليشعروا باحترام الناس لهم ولذواتهم كأفراد”.

القبلة إعلان لميلاد الفرد… وممارسة للحرية

يتّفق الباحث في علم الاجتماع فؤاد غربالي مع نضال في وصفه للقبلة الحميمة في تونس وغيرها من المدن العربية بأنّها “مدعاة للشك من قبل حراس الأخلاق والبوليس المفوّض من الدولة للمحافظة على (الأخلاق الحميدة)”. “ليس من فضاء عمومي بالمعنى الحديث للكلمة في شوارع تونس”، يتابع غربالي بل “هو فضاء تفتكه السلطة وتراقب كل الانحرافات التي قد تحدث فيه. القبلة في منظور السلطة هي انحراف وتهديد لها ولسطوتها”.

وقبلة الحبّ هي “إعلان لميلاد الفرد الذي تخشاه الجماعات المؤمنة”، يعلن باحث الاجتماع شارحاً “ونقصد هنا جماعات الإسلام السياسي وأيضاً الدولة التي تخشى التمرد لأنها تعودت حكم القطيع. الحب في الشارع هو إعلان للخروج عن حالة “الهم” وفق الفيلسوف الألماني هيدغر أي حالة القطيع والجماعة”.

التقبيل في الشارع في تونس تمنعه التقاليد وتحرّمه قوانين الدولة لهذا تبدو ممارسته إعلاناً لشيء من التمرّد والتحدّي، يصفه غربالي بـ”تحدي فردانية خجولة وسرية تعلن في كل مرة عن ذاتية تتوق إلى التحرر”، خالصاً إلى أنّه “لا يمكن أن نبني ديموقراطية سليمة من دون أن نتيح للفرد التعبير عن ذاتيته في الفضاء العمومي وبشكل خاص في عوالم المدينة”.

“مدننا التونسية أغلبها شبيهة بالقرى. وإن كانت العاصمة تبدو أكثر تسامحا بحكم الديمغرافيا وحكم المجهولية أي لا أحد يعرف الآخر و لا أحد مستعد للتعارف مع الآخر”، يردف “غربالي”، “أعتقد أن إتاحة مساحة من الحرية في الفضاء العمومي هي من صميم الديمقراطية. فالديموقراطية المتسامحة هي تلك التي تعترف بذاتية الفرد بوصفه ذاتاً تتوق للتحرر. تحرر يجب أن يتماشى مع ضمان دعائم اقتصادية سيظلّ من دونها تحرّر الشبيبة التونسية على المستوى الشخصي منقوصاً”.

ويختم الباحث في علم الاجتماع حديثه عن عقوبة القبلة السالبة للحرية “يجب ألّا نمنع الحب في المدينة فهو من صميم الحرية”.

عن موقع درج

 

++++++++++

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق