علويو سورية: الحرب، الدين، والسياسات في المشرق / رضوان زيادة

كتاب علويو سورية مثير للاهتمام من عدة جوانب، ليس فقط في كونه يدرس صعود وهوية طائفة لعبت دوراً حاسماً في تاريخ سورية والمشرق العربي فحسب، وإنما للحيادية التي يتمتع بها، وللموسوعية التي تحلى بها لجهة دراسة الجوانب اللاهوتية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية لهذه الطائفة وتحولاتها في المشرق العربي وتحديداً في سورية ولبنان. وسيصدر الكتاب قريبا بالعربية عن منتدى العلاقات العربية والدولية في الدوحة.

لقد كانت الطوائف المختلفة دوما جزءا من المشرق العربي وتركيبته الدينية والاجتماعية والثقافية، وشكل تعايشها دوما نموذجا نادرا في العيش المشترك بين الطوائف، ربما شهد لبنان استثناءات كانت تتكرر باستمرار في عام 1860 ثم الحرب الأهلية عام 1975، بيد أن سورية كانت دوما حصينة على مثل هذا النوع من الانقسام الطائفي أو الحرب الأهلية، لكن مع قيام الحراك العربي 2010-2011 وضع النسيج السوري الطائفي على المحك، فالقضية الطائفية التي خمرها الاستبداد على مدى خمسة عقود تقريبا انفجرت دفعة واحدة بسبب عدم حسمها سياسيا بطرق سلمية، وصعد الصراع السني – العلوي على السطح كما يذكر الكتاب في مقدمته، فاستعاد العلويون صراعهم مع الغالبية السنية في خضم حربٍ أهليةٍ شرسة. ومنذ مطلع هذا النزاع الصفري، تعامل النظام السوري ذو القيادة العلوية مع المسألة على أنها “مؤامرةٍ غربية”. وفي الفترة ما بين عامي 2014- 2015، كانت معارضة النظام السوري المدعومة من الخارج قد تم السيطرة عليها من قبل فصائل متفرعة من تنظيم القاعدة والتي أرادت إقامة دولة في المناطق الداخلية السنية. لقد استدعى هذا تدخل الغرب، ليس بهدف إحداث تغييراتٍ على النظام الحاكم، بل لإيقاف المد الجهادي. إن التعامل مع الحرب السورية بوصفها وليدة تدخل طرفٍ أجنبي أو نتيجةً للطائفية، من شأنه أن يشوه حقيقة التجربة العلوية المعاصرة المعقدة وردود الفعل الحاصلة اتجاهها.

بدأ الحراك السوري، والذي أدى لنشوب الحرب الأهلية، في قريةٍ صغيرةٍ في مدينة درعا الواقعة قرب الحدود الأردنية، في آذار 2011. وذلك عقب قيام قوى الأمن السوري بالتصدي بعنفٍ للمظاهرات السلمية المناهضة للنظام، فقاموا بإطلاق النار وقتل المدنيين المتظاهرين الأمر الذي استثار سخط الجماهير من كافة شرائح المجتمع السوري ضد نظام بشار الأسد. وبسرعةٍ امتدت المظاهرات إلى المدن والبلدات السورية الأكبر، لتتحول تدريجياً إلى عصيانٍ مسلح.

لقد قام النظام في سعيه للبقاء، بتكثيف طاقاته لحشد أبناء الطائفة العلوية خلفه، فلقد شكل النزاع أنموذجا مثالياً لما يطلق عليه علماء الاجتماع مسمى “استثارة الاختلافات” الطائفية والعرقية – والذي يعمل على التركيز على إيقاظ الوعي بالاختلافات المدركة بين الأفراد داخل الجماعة ومن هم خارجها.

يحاول الكتاب أن يسلط الضوء على ما يسميهم علويو المشرق في محاولة لاستيعاب وفهم ماهية هذه “الاختلافات” التي تم استثارتها وتفعيلها في واقع الحرب الأهلية السورية. فمن غير الجلي ما هي محددات الهوية العلوية التي جعلت النظام السوري يلجأ إليها مفترضاً أنها وسيلة ناجعة لجعل أبناء الطائفة العلوية ينصاعون إليه في حملته الشرسة للحفاظ على السلطة أياً كان الثمن.

وفي محاولة الكتاب لفهم هذه المعضلة، كما يسميها، توسع نحو درس العلاقات بين النظام الحاكم والعلويين، الطبيعة المرنة والمتبدلة للهويات العلوية، والدور الذي لعبه أفراد الطائفة العلوية داخل المعارضة والمنظمات الموالية للنظام خلال السنوات الأولى للحرب الأهلية. لقد شارك في الكتاب خبراء بارزون خبيرون بالمشهد السوري في محاولة لتقديم رؤىً جديدة حول التاريخ العلوي المعاصر، وسياساته وطبيعة مجتمعه، محللينَ النظام الحكومي السوري، اقتصاده السياسي، والنخب الحاكمة، إضافةً إلى ردود الأفعال العلوية المتباينة الاختلاف حول الحرب الأهلية، والتي قام النظام لحدٍ كبير بالتعتيم عليها عبر تركيزه على ربط مصير المجتمع العلوي ببقائه في السلطة. ومن خلال هذا الكتاب تم وضع التجربة العلوية ضمن إطار مقامها التاريخي، كما إنه يقدم قراءاتٍ للرحلة العلوية بدءاً من أواخر العصر العثماني حين كانت مجتمعاً ريفياً يسوده الغموض، مروراً بالاستقلال السياسي في ظل الانتداب الفرنسي، الهجرة والتطور الاجتماعي- الاقتصادي في سورية المستقلة، ومن ثم التمتع بالتفوق السياسي تحت حكم الرئيس الأسبق حافظ الأسد الذي عمل جاهداً على تأسيس دولةٍ وطنيةٍ عربيةٍ علمانية، وأخيراً تفكك وتَكَشُف هذه الدولة خلال الثورات العربية الأخيرة، وطريقة تعامل الرئيس بشار الأسد مع السنوات الأولى للحرب الأهلية السورية.

فبالنسبة للعلويين، وهم جماعةٌ علمانيةٌ لحدٍ كبير سكنت الشرق الأوسط منذ أكثر من ألف عام، فإن الدين يمثل المحدد الثقافي الأبرز الذي يميزها عن باقي الأغلبية السورية السنية. ينحدر العلويون من سلالة أتباع محمد بن نصير، وهو تابعٌ انشق عن المذهب الشيعي الإسلامي في القرن التاسع للميلاد. والعلويون طائفةٌ باطنيةٌ مبتَدعة ترجع أصولها إلى العراق ومن ثم استوطنت الأرض السورية. وبسبب الدلالات السلبية التي سببتها تسمية “النصيرية” لهذه الجماعات في المشرق، فقد تم استبدالها في العصر الحديث بتسمية “العلويين”، نسبةً لأتباع علي، وهو ابن عم الرسول محمد، ويمثل بالنسبة لمسلمي الشيعة خليفته الشرعي. هذا وتبلغ نسبة العلويين حوالي 12% من كامل سكان سورية. ويمثلون أغلبيةً في المناطق الساحلية لمدينتي اللاذقية وطرطوس اللتين تحدان تركيا ولبنان تباعاً، وعبر موجات الهجرة الداخلية التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين استقر العلويون في مدنٍ مثل حلب، دمشق، حماة وحمص.

في سورية المعاصرة، لا تعني ممارسة الواجبات الدينية الشيء الكثير لأفراد المجتمع العلوي وبالتأكيد هم لا يفصحون عن ذلك علناً. وفي الواقع، وعلى حين احتفظ العلويون بسرية دينهم، إلا أنهم أبدوا مهارةً سلوكيةً ومرونةً اجتماعيةً لا يستهان بهما – بدءاً من نجاحهم في الحصول على استقلاليتهم عبر قيامهم بتأسيس دولةٍ علويةٍ في ظل الانتداب الفرنسي حيث يدرس ماكس ويس في الفصل الثالث حضورهم وتواجدهم خلال فترة الوجود العثماني في المشرق العربي، وصولاً إلى استحواذهم على السلطة وتوغلهم عبر جميع مستويات المجتمع على يد حافظ الأسد خلال فترة هيمنة حزب البعث الاشتراكي حيث يركز ريموند هينيبوش في الفصل الخامس على صعودهم من خلال اللجنة العسكرية. فالانتماء العلوي كان رمزاً ثقافياً طائفياً أكثر من كونه ظاهرةً دينيةً عميقة الجذور، وسيتضح لنا ذلك بسهولة. لدى مقارنة التجربة العلوية مع تجربتي الديانتين الإسلامية والمسيحية في المنطقة. ومن وجهة نظرٍ إجمالية، يمكننا القول إن الهوية العلوية تعتمد على الطبيعة التناحرية للمجتمع السوري الممزق، كما تخضع لتأثير معارضي نظام الأسد الذين سعوا لتأطير معارضتهم ضمن مفهوم هويةٍ طائفية. ولعل أوضح مثالٍ على هذا التناحر قبل اندلاع الحرب الأهلية يتضح بقرار حافظ الأسد عام 1982 بالقضاء عسكرياً على عصيان مدينة حماة الذي قاده الإخوان المسلمون كما يشرح رافئيل ليفيڤر في الفصل السادس. وعلى عكس العديد من خصومه خلال الحرب الأهلية السورية، فلم يُرجِع الأسد ولا مؤيدوه موقفه إلى شريعةٍ دينية.

هذا ولا يُذكر أن الدولة كانت قبل اندلاع الحرب الأهلية، قد قامت بالترويج العلني لهويةٍ ذات نواةٍ علوية كما لم تتم تعبئة المجتمع وفقاً لهذا الأساس. بل كان الحال عكس ذلك: فشعور الذات بالحاجة لحماية نفسها قد شكل جزءاً مكملاً لنسيج الهوية العلوية، الأمر الذي دفع الجماعات العلوية إلى مواصلة إظهار رغبتها الفطرية للترويج لقيام مجتمعٍ سوريٍ علماني يتيح لها الاندماج ضمنه. لقد تم المضي قدماً في هذا الاتجاه وتم ترسيخ هذه الهوية عبر إقامة شبكاتٍ اجتماعية تعمل وفق المحسوبية يسيطر عليها مسؤولون علويون استفاد أبناء الطائفة العلوية من وجودهم في ظل حكم البعث الحاكم. هذا وحافظت السرية على كونها جزءاً جوهرياً من الهوية العلوية والتكيف الاجتماعي – وعملت الشبكات الاجتماعية بشكلٍ سري على ترقية العلويين إلى مناصب المسؤولية داخل الجيش، ومكاتب الدولة وحزب البعث.

لكن المفارقة، أنه خلال السنوات العشر الأخيرة وعلى وجهٍ خاصٍ منذ اندلاع الحرب الأهلية، بدأت الرموز الدينية والثقافية التي تميز العلويين عن أبناء باقي المجتمعات السورية تلعب دوراً بارزاً ومتنامياً باستمرار في الحفاظ على “العصبية” – كما يذكر ليون غولد سميث. فمثلاً، قبل قيام الحراك، كان العلوي يستغرق عدة سنواتٍ ليُتِم طقوس “التلقين”. فعملية تأكيد الانتماء الطائفي هذه كانت تمثل رحلةً اجتماعية روحية، إلا أنها بالتأكيد لم تكن تُنفذ عموماً. لكن ومع اندلاع الحرب الأهلية، صار “التلقين” العلوي يمثل طقساً من الواجب اتباعه من قبل الشباب العلوي الراغب بالانضمام إلى مليشيا “الشبيحة” الموالية للدولة، والتي عملت كقوىً مساعدة لقوات النظام كما يحلل آرون لوند في الفصل العاشر. وهكذا تم تحوير الوظيفة السياسية “للتلقين” وصارت تمثل صحواً طائفياً لا صحواً دينياً، ممثلةً بذلك محدداً عرقياً ترعرع ونما جزئياً كردة فعلٍ على تطرف الحركات المعارضة السنية.

من جهةٍ أخرى فقد صارت طقوس “التلقين” والتي تجري على يد شيخٍ أو راعٍ ديني مرادفاً للتعبئة الاجتماعية. كما تم تعريف الملقنين الجدد على مجتمعهم ليس فقط بناءً على ما هو عليه هذا المجتمع ولكن أيضاً بناءً على ما ليس هو عليه، و إلى هذا تعزى طريقة تعامل هؤلاء مع الغالبية السنية بشكلٍ أساسيٍ. ومن هنا، فإن الوظيفة السياسية الرئيسية للديانة بالنسبة للمجتمع العلوي تنحصر بتحديد هويته الطائفية، فأن تكون علوياً في سورية المعاصرة يعني أن تكون جزءاً من شبكةٍ تُسهل التعبئة الاجتماعية، الفرص السياسية، وأن تنال نصيبك من الانتعاش اقتصادياً. لقد نتج عن هذا الوضع نتائج اجتماعية سلبية، فقد طفح الكيل بالكثيرين من معارضي النظام بسبب الحظوة السياسية والاجتماعية-الاقتصادية التي نالها العلويون. هذا وغالباً ما كانت هذه البغضاء بسبب الفوارق الاجتماعية وليس بسبب اختلاف الديانة. ومع هذا، وكما هو الحال في أي مجتمعٍ ممزقٍ دينياً وعرقياً، فقد تم استشعار واستخدام هذه الحساسيات من قبل التصدعات الطائفية السورية، ومؤخراً تم استثارتها نتيجةً للطريقة الشرسة التي تعامل بها النظام مع الثورة السورية.

من جهةٍ أخرى، وقياساً على تجربتي الحرب الأهلية في لبنان والعراق، فقد تولد لدى جميع الطوائف السورية مخاوف مضمرة من احتمال انهيار وضعها المركب فيما إذا ما قامت بمعارضةٍ علنيةٍ للنظام. الأمر الذي يشكل نقطة بالغة الأهمية في تفسير مرونة وديناميكية النظام، خصوصاً على صعيد مقدرته على الحفاظ على درجةٍ عاليةٍ من الوحدة العلوية. وإذا ما أخذنا بالاعتبار الدور البارز للخطاب الطائفي في سيناريو الحرب الأهلية لكلٍ من النظام والمعارضة الإسلامية الأصولية، فلعله سيكون من المبرر لنا الاعتقاد بعلو شأن الدين لدى العلويين.

من جهةٍ أخرى، فقد كان الصراع بالنسبة للطوائف السورية الأخرى، من غير السنة، صراعاً مجتمعياً أكثر من كونه دينياً، إلا أن ممارسات وخطاب كلٍ من النظام وتلك المجموعات الراغبة باقتطاع دولةٍ إسلاميةٍ في المشرق قد غرس في صدورها مخاوف وجوديةً مشتركة.

وعلى عكس ما كانت عليه الأمور بداية الحراك، فقد أصبحت الهوية الطائفية محركاً أساسياً للحرب الأهلية. فلقد نجح النظام بالتلاعب بذكاءٍ بهذا المتغير، من خلال سعيه للحفاظ على “العصبية” العلوية والحصول على دعم مجتمعات الأقليات الأخرى. فما ينادي به الجهاديون من إرساءٍ للشرعية وإقامة دولتهم في المشرق لم يغادر إطاره التقليدي، فقضيتهم الدينية تقوم على أساس مصداقية مذهبهم المتزمت، كما أنهم أشعلوا حربهم المعاصرة تحت راية وحدانية العقيدة. فوراء هذه الواجهة يكمن مشروع إقامة دولةٍ عرقيةٍ-وطنية تستند إلى قواعد سنيةٍ عربية – فهذه القوى تنشد انتزاع دولةٍ في سورية والعراق على حساب أولئك الذين قاموا باضطهاد المجتمع السني في هذين البلدين. فإذا ما اعتبرنا تاريخ ظهور هذه الجماعات في 2012 (عندما ظهرت جبهة النصرة لأول مرة) نقطة تحولٍ في الحرب الأهلية السورية، فإن تاريخ 2014 هو حيث ظهرت الوحدة العلوية بشكلها الكامل.

ونتيجةً لذلك، فقد أدى هذا التوطيد الدعائي المتبادل إلى حجب خطاب المعارضة العلمانية الذي تبناه المجلس الوطني السوري كما يشرح كارستين ويلاند والذي ضم علويين، وكذلك إلى حجب خطاب الإخوان المسلمين. كما أن امتداد سيطرة داعش وجبهة النصرة عام 2014 جعل الغرب يغير مساره ويتخلى عن التزامه بتغيير النظام بغية التحول نحو إعاقة المد الجهادي.

هذا وما يزال التساؤل قائماً حول إذا ما كان العلويون جماعة مسلمةً شرعية أم أنهم مجرد بدعة. وعلى الرغم من جهود حافظ الأسد لحل المسألة، فإن الجماعات الإسلامية السنية الأصولية المناهضة للنظام ما تزال تنظر إلى العلويين والجماعات الدينية الأخرى في المنطقة بوصفهم زنادقة. ومع أن بشار الأسد قام بالتقرب من السنة عبر الزواج، بناء المساجد السلفية، الهبات السعودية، وإدخال رجال الدين السنة ضمن الطية السياسية، إلا أن المجتمع العلوي كان قد شهد تحت حكم حافظ الأسد عملية تشييع، فقد عمد حافظ الأسد إلى تقريب المجتمع العلوي أكثر من التيار الشيعي الرئيسي، بشكلٍ متزايد بسبب توطد علاقات سورية الاستراتيجية مع إيران الثورية في فترة عقب الحرب الباردة. ولعل هذا قد أسفر عن حصول العلويين على درجةٍ أكبر من المصداقية الإسلامية في بعض البلدان الإسلامية، إلا أنه من جهةٍ أخرى قد عمق اعتماد النظام على إيران وقام بوضع الطائفة العلويين على أحد جانبي الشقاق السني- الشيعي حسب رؤية الكثيرين من الغالبية السورية.


لطالما كان العلويون مسكونين بمخاوفهم الوجودية وما سيؤول إليه مصيرهم في سورية ما بعد الأسد، ولقد استغل النظام أثناء الحرب الأهلية هذه المخاوف وتلاعب بخيوطها ليباعد بين العلويين والمواطنين السنة.


في سورية المعاصرة، يعتبر شيوخ العلوية الباطنية شخصياتٍ هامشية، فهم ليسوا كمؤسسي الدولة السعودية الوهابية أو كآية الله في إيران الثورية، ولا يشبهون الإيديولوجية الشيعية لحزب الله أو المتعصبين السنة من القاعدة أو داعش. بل على عكس ذلك، فقد خضع العلويون لعملية “إعادة- تشكيل للهوية العلوية” خلال العقد الماضي، كما حصل مع علويي لبنان وتركيا كما يشرح بالتفصيل كريغ لاركينغ وأولفيا ميدها في الفصل التاسع. هذا وقد زادت شعبية المواقع والأماكن الدينية الواقعة في جبال العلويين والتي تحوي أضرحة الرموز الدينية، فتزايد عدد الحجاج الوافدين إليها وظهرت ظاهرة اللجوء إلى الرموز الدينية، وفق مناسباتٍ ودلالاتٍ جديدة. هذا ويمكن اعتبار هذه النزعات جزئياً ردود فعلٍ أظهرها العلويون رداً على العصيان السني المناهض للنظام، على الرغم من محاولات الشخصيات العلوية البارزة في المعارضة إبعاد أبناء الطائفة العلوية عن النظام ومحاولات قادة المعارضة الإسلامية المعتدلة والمعارضة العلمانية لتوحيد الطائفة وإبعادها عن السلطة.

لطالما كان العلويون مسكونين بمخاوفهم الوجودية وما سيؤول إليه مصيرهم في سورية ما بعد الأسد، ولقد استغل النظام أثناء الحرب الأهلية هذه المخاوف وتلاعب بخيوطها ليباعد بين العلويين والمواطنين السنة. وعلى مر سنوات الأزمة، كانت الانشقاقات في الجيش والحكومة أقل بكثير مما طمحت إليه المعارضة، ومع أن الخوف من الانتقام شكل العامل الأكبر وراء قلة هذه الانشقاقات، إلا أن هذا يوضح على نحوٍ جليٍ عمق ما أرساه النظام.

فمنذ بداية الحراك، استند خطاب المعارضة المعتدلة إلى الأسطورة جيدة الحبك بأن الشعب السوري شعبٌ متوحد: فلا وجود لأي نزاعٍ طائفي، وليس ثمة أي شقاقٍ بين جماعات الطوائف والأديان المختلفة، وسورية ما بعد الأسد لن تكون وطنيةً، علمانيةً، ومتوحدة فحسب، بل إنها ستصير ديمقراطيةً أيضاً. ولدى الأخذ في الحسبان، التعبير الصريح عن “الوطنية السورية” والذي ظهر مع بدء الحراك 2011، فلقد استطاعت المعارضة بادئ الأمر استقطاب الكثيرين، من خلال إقناعهم أن انهيار النظام لم يغد وشيكاً فحسب، بل ثمة قوى سياسية معتدلة متواجدة داخل المجتمع السوري المدني مؤهلة لتحل مكانه على نحوٍ أفضل منه. إلا أن الأمر لم يطل عقب اندلاع الصراعات العنيفة، حتى صارت الهوية الدينية الطائفية آخر ما يشغل المواطن السوري ويحدد علاقته بالدولة السورية. فعلى الرغم من العروض التقديمية العظيمة عن سورية الوطنية، إلا أنه لدى انسحاب النظام من المناطق الكردية في الشرق الشمالي للبلاد واجتياح الصراعات لحمص وحلب، سرعان ما ظهر وتكشف التمزق داخل بنية الشعب السوري، وتفاقمت الانقسامات العرقية والقبلية داخله، وأخذت بنيته تتشظى إلى أجزاء ومزقٍ متفرقة.

ولدى تقلص دور المعارضة العلمانية، وتعرض الإصلاحات التي قدمها النظام إلى تهديد انتقام الإسلاميين، بسبب غياب الدعم الغربي الكافي، فقد تطلع عددٌ كافٍ من السوريين إلى النظام، على الرغم من انعدام شعبية الأسد والتضعضع الواضح لنظامه، إما بدافع الولاء، الخوف، أو كليهما، على أنه أهون الشرين. فلقد بدأ الموالون للنظام يزعمون أنهم يقاتلون من أجل الحفاظ على دولةٍ وطنيةٍ وعلمانية ضد القوى الطائفية المدعومة من الخارج. لقد كان الموقف الذي اتخذوه بسيطاً جداً: إن لم يصمد النظام، فسيقوم الإسلاميون السنة بالانقلاب على الدولة، مطبقين فتاوى ابن تيمية على النصيرية بالقيام بالتطهير العرقي للأقليات غير الراغبة باعتناق الإسلام، والقيام بتأسيس دولةٍ إسلاميةٍ أصولية.

وفي عام 2014، لم يقم الثوار الإسلاميون بعرقلة نظرائهم العلمانيين فحسب، بل وجهوا قلق دول الغرب الداعمة للمجلس الوطني السوري نحو مسألة من سيتولى احتواء وهزيمة الإسلاميين، أكثر من اكتراثها بمن سيطيح بالأسد. من جهةٍ أخرى، فإن قيام النظام بادئ الأمر بتسهيل انتشار المجموعات الجهادية الأصولية في سورية والعراق من خلال إطلاق سراحهم من السجون يعتبر أحد الأمثلة على طول الشوط الذي كان متـأهباً للعبه للحفاظ على استمراره في السلطة وعلى ما يبدو، فقد آتى هذا التكتيك أكُله، فبعد عامين فقط من اندلاع الحرب الأهلية، أصبح هذا السيناريو المنذر بكارثة، نبوءة مُرْضية. ففي عام 2013، شهد جيرمي بوين من الBBC حملةً قتاليةً قامت بها قوات الجيش السوري وقوى الدفاع الداعمة للحكومة لاستعادة المدينة المسيحية العريقة معلولا من أيدي جماعات المعارضة التي ضمت جبهة النصرة. لقد زعم حينها موالون مسيحيون للنظام أنهم كانوا يتصدون للجهاديين بأن الغرب “يدعم الجانب الخطأ وعليه مساعدتهم لقتال الثوار الجهاديين”. كما قال رجلٌ لبوين “أخبر الاتحاد الأوروبي وأميركا أننا أرسلنا إليهم القديس بول منذ ألفي عامٍ مضى ليخرجكم من الظلام، وأنتم أرسلتم إلينا الإرهابيين ليقتلونا”.

لدى اندلاع الثورات المناهضة للاستبداد والتي عمت المنطقة في 2010- 2011، كانت المعاناة الطبقية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي هي ما أثار المعارضة السورية المحلية ضد نظامٍ يُنظر إليه بوصفه علوياً علناً، متفاخراً بفساده، ومستبداً على نحوٍ همجي.


لدى اندلاع الثورات المناهضة للاستبداد والتي عمت المنطقة في 2010- 2011، كانت المعاناة الطبقية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي هي ما أثار المعارضة السورية المحلية ضد نظامٍ يُنظر إليه بوصفه علوياً علناً، متفاخراً بفساده، ومستبداً على نحوٍ همجي. فمنذ بداية قيام الحراك لم يمتلك بشار الأسد أي برنامج إصلاحٍ سياسيٍ موثوقٍ يستطيع بواسطته احتواء أو تنظيم ما مثل الأزمة المحلية الأكثر تهديداً التي واجهها النظام منذ بدايات الثمانينيات. ففشله في تحقيق مشروع بناء سورية وتدهور البلاد نحو الحرب الأهلية يمكن أن يعزا جزئياً لعدم قدرته على محاكاة نجاح سياسة والده الخارجية. أيضاً، وعلى نحوٍ لا يقل أهميةً، فعلى حين استند حافظ الأسد في حكمه إلى دعم حزب البعث وإلى دعم الجيش، متمتعاً بسلطةٍ مطلقةٍ داخل مكتبه الرئاسي، فإن مساعي بشار الأسد لتوطيد سلطته السياسية خارج غطاء الوصاية التقليدية لبلاط والده قد جعلته يهوي نحو ممارسة الإكراه وزيادة الوحدة العلوية. أما على الصعيد الداخلي، فقد شهدت السنوات التالية لتسلمه السلطة انهيار التعددية السياسية السورية، فقد تراجعت مكانة حزب البعث وانكمش النظام على نفسه نحو تشكيل قاعدةٍ علوية مكونة من أفراد العائلة، القبيلة والجماعة العلوية. ومع حلول عام 2005، يمكننا القول، إنه كان قد تخلص من أبرز الشخصيات السنية المحورية في حكومة والده واستبدل بها موالين علويين من الجيل الجديد. ولعل هذا يفسر جزئياً سبب ترابط النظام وقدرته على تجاوز العقبات خلال السنوات الأولى للحرب الأهلية.

حتى تاريخ تحرير هذا الكتاب، كان مستقبل الطائفة العلوية ما يزال مرتبطاً بشكلٍ وثيقٍ بمصير نظام الأسد، فمصيرها مرهونٌ بأسلوب تعامل بشار الأسد مع الواقع السياسي داخل صراعٍ صفريٍ تجاوز الحدود السورية، الأمر الذي سيكون له تأثيرٌ كبيرٌ على توازن القوى في المنطقة مستقبلاً. على حين ما زال الغموض يشوب ماهية التركيب الجغرافي والسياسي لسورية ما بعد الحرب، كما أنه لا يلوح في الأفق في الوقت الراهن أي حلٍ سياسيٍ أو عسكريٍ للصراع السوري متعدد الوجوه. ومن هنا، فإن التغيرات التي خضع لها المجتمع العلوي سياسياً، اجتماعيا، جغرافياً وعلى صعيد مفهوم الهوية خلال السنوات الخمس الماضية تعتبر تغيراتٍ بالغة الأهمية، فقد تم انهيار مشروع حافظ الأسد في بناء دولةٍ علمانية ذات قوميةٍ عربية. هذا ووفقاً للقراءات المتعددة للتجربة العلوية المعاصرة التي يقدمها هذا الكتاب، فإنه وعلى الرغم من قيام الحرب الأهلية، إلا أن المجتمع العلوي ونظام الأسد ليسا الشيء ذاته. ومع هذا، فلقد أثارت الحرب الأهلية الفوارق العرقية والطائفية – فلقد تم إيقاظ الفتن الدينية، الثقافية، والاجتماعية بين أبناء مجتمعٍ متباينٍ متعايشٍ، مما حوله إلى مجتمعٍ متشظٍ ومنقسم – وسيظهر أن هذا الأمر سيدوم طويلاً.

في عام 2014، ولدى سؤال مجموعةٍ من طلاب مدرسةٍ ثانويةٍ في قرية العزيزية في ريف حلب عن رؤيتهم حول مستقبل سورية، أجاب صبيٌ علويٌ بأنه “لطالما عاش الشعب السوري في ظل شعارٍ واحد – التعايش السلمي”. وهو مقتنعٌ أن أبناء الطائفة السنية قد قاموا بخرق اتفاقية التعايش العلماني هذه، متخلين عن وحدة المجتمع، كما قام زملاؤه في الصف بالتلويح بصور رئيسهم وهتفوا بشعار العلوية خلال الحرب الأهلية: “الله، سورية، بشار وبس” فالنظام العلوي لا يتوقع شيئاً غير هذا من الطائفة العلوية ولن يتوقع غير ذلك. فهو لم يملك النية للقيام بالتسوية مع أيٍ من قوى المعارضة المجابهة له في الحرب السورية، كما أن غالبية الشباب العلوي والذين يكبرون في ظل هذا الصراع سيعتقدون دون أدنى شك أن هذه القوى تمثل تهديداً لوجودهم.

*The Alawis of Syria

War, Faith and Politics in the Levant

Edited by Michael Kerr and Craig Larkin

Oxford University Press; 1 edition (2015)

علويو سورية: الحرب، الدين، والسياسات في المشرق

تحرير مايكل كير وكريغ لاركين

منشورات جامعة أوكسفورد، 2015

عن ملحق “ضفة ثالثة”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق