عودة ابن رشد… الحلقة المفقودة في الفكر الفلسفي / فريد الزاهي

ثمة لوحة تجسد القديس طوما الإكويني، الراهب واللاهوتي والفيلسوف السكولائي الأوروبي الشهير وهو يتربع على كرسي أشبه بالعرش (عرش المعرفة الغربية)، وفوقه في المستوى الأول يسوع المسيح وتحته مباشرة فلاسفة اليونان، وتحته ابن رشد في جلسة غريبة (وكل مرة أغرب) محاطا بمفكرين آخرين منبوذين. وللوحة تنويعات كثيرة تظهر بعضُها ابن رشد وهو منبطح أرضا وكأنه يجتر هزيمته الفكرية… إنها لوحات تترجم طبعا كيف تعرض ابن رشد بعد مماته، بعد أن لاقى ما لاقى في حياته من حرق لأعماله، لإهانات كان أصلها عدم فهم لموقعه في السلسلة الفلسفية الإنسانية، ولتبكيت راجع إلى أنه جاوز المفهوم البسيط للدين والمعتقد والفلسفة…

أركيولوجيا الذاتية، واستعادة ابن رشد

حين انطلق الفيلسوف والمحقق والمترجم الفرنسي “ألانْ دو ليبيرا” في ترجمة التفسير الكبير لكتاب النفس لأرسطو، الذي لا توجد له نسخة مكتملة، كانت المغامرة تنطلق عميقا من الآثار التي تركتها فلسفة هوسرل وهايدغر في المفكرين الفرنسيين، بعد أن تحرروا من الفهم الاختزالي الذي مارسه سارتر عليها والذي انفضحت هشاشته. كان كتابا سارتر عن المتخيل ثم عن الخيال والمخيلة قد استعادا تصورا سلبيا عتيقا وتليدا مارس تعطيلا لهذين المفهومين الهامين في الفلسفة والفلسفة العربية بالأخص. وكانت التصورات التي أشاعها القديس طوما الإكويني وغيره عن ابن رشد، والتي خصها ألان دو ليبيرا بكتاب يبيّن فيه الخصومة العنيدة التي جعلت طوما يعتبر ابن رشد زنديقا ومحرفا لأرسطو، قد وجدت مرتعا خصبا لها في الفكر الغربي، بحيث إن إسهام ابن رشد طُرد شرّ طردة من عملية التواتر التي كان فيها حلقة أساسية في الفلسفة الإنسانية، مع الكندي والفارابي وابن باجة وابن طفيل… إنه العداء الذي تكشف عنه لوحة انتصار القديس طوما (طبعا انتصاره على العربي الهرطيق ابن رشد).

لقد اكتشف ألان دو ليبيرا ومن بعده الفيلسوف الشاب جان باتيست بروني أن الغرب قد فهم خطأ موقع ابن رشد في تاريخ الفلسفة بين أرسطو وديكارت. ما الذي حدث بالضبط؟ هل كان ابن رشد مجرد مفسر وشارح ومترجم لأرسطو؟ لماذا أخطات أوروبا حداثتها الفكرية؟ ولماذا تناسى ديكارت ابن رشد في بلورة الكوجيطو ومسألة الذات والتفكير؟ وهل لابن رشد موقع معين يلزم الكشف عنه في تاريخ علم النفس والفلسفة؟

ليس مرمانا هنا أن نمنح لابن رشدنا موقعا أسطوريا (تعبنا من لازماته) بقدر ما نرغب في متابعة هذه الاستعادة الأركيولوجية التي لسوء حظنا لم يقم بها الرشديون العرب (جمال الدين العلوي ومحمد عابد الجابري ومحمد المصباحي وغيرهم)، كي ننتظر حفدة القديس طوما المستعربين ليقوموا بها. لقد أبانت دراسات ألان دو ليبيرا أن موقع ابن رشد حاسم في تاريخ الذات subject والذاتية، وعلاقتها بالعقل والفكر والمخيلة. وفي هذا يقول: “إن عملي هو ثمرة القراءة المباشرة لابن رشد والرشديين اللاتينيين، وبالأخص للمعادين لابن رشد، الذين، من طوما الإكويني إلى لايبنتز، لم يكفوا عن مناقشة أطروحة وحدانية العقل، أي وحدانية ذات الفكر والعقل الوحيد الأوحد المنفصل عن نفس الإنسان وجسده. من الذي يفكّر؟ ما هو أو من هي الذات المفكرة؟ إن المأزق الذي وضع فيه ابن رشد الكوجيطو يسلط ضوءاً ساطعاً على الإشكاليات الحديثة للشخص، والأنوية و”الهذا” أو “هذا” التي، حسب عبارة ليشتنبرغ، استعادتها عقولٌ مختلفة عنه اختلافا، كشيلينغ وفتغنشتاين بالشكل التالي: “فكِّر فيَّ”.

إن الرشدية التي ابتكر إرنست رينان أنموذجها عن ابن رشد نتيجة لانصهار ثلاثة “كوابيس” وسيطية: الأولان منهما لاهوتيان مسيحيان اعتبرا أن ما كتبه الفيلسوف المسلم يجعل من اللاهوت خرافة، والدين محروما من أي علاقة بالمعرفة، بحيث لا يحافظ على أي جدوى اجتماعية. والثاني هو بترارك الذي كان يرى في الأرسطيين في عصره ضربا من الإلحاد الغريب الذي يرغب في أخذ مكان المسيحية. والحقيقة، كما يرى ألان دو ليبيرا، ومن بعده جان باتست بروني، أن ابن رشد لم يقدِّم لهؤلاء كلهم كي يؤثثوا هذه “الاستيهامات” إلا عبارات منتزعة من سياقها. وهو الأمر الذي اعتبر في تاريخ الفلسفة النشاز المنبوذ والاعتقاد والتسيب اللاهوتي.

أتذكر هنا وأنا أشتغل على مفهوم الذات، من سنوات خلت، كيف أن بول ريكور، فيلسوف التأويل والذاتية والتاريخ، المسيحي المشبع بقيم الإنسية الدينية، وهو يتحدث عن الفرد والفردية كما الهوية وغيرها، لم يشر أبدا لابن رشد ولا لابن عربي. إنه الصمت الذي لا يستطيع أحد أن يكسره إلا إذا كان مستغرقا في الفكر الشمولي، الذي يشمل الإسلام كما البوذية، في سماء ليس فيها ديانة واحدة يمكن أن تختزل حقيقة التديّن…

في كتاب ابن رشد المخيف، كما في كتاب أتصور إذن أنا موجود، ابن رشد والفضاء الممكن (الذي شرعت في نقله للعربية بالكثير من المتعة والمعاناة)، يتابع الفيلسوف المستعرب الشاب، الأستاذ بالسوربون، جان باتست بروني، هذا المسير الذي بدأه أستاذه ألان دو ليبيرا، لا من خلال إعادة الاعتبار لابن رشد، فهو في نظره ليس بحاجة إلى ذلك؛ ولكن من خلال البحث في موقعه الاستثنائي الذي أسيء فهمه في تاريخ الفلسفة، بسبب المعادين اللاهوتيين والسكولائيين الغربيين، وبالأخص منهم القديس طوما الإكويني. فلقد أشار أستاذه ألن دو ليبيرا إلى أن من الضروري في الوقت الراهن البحث في موقع ابن رشد في نظرية النفس، وبالتالي عن نماذج للنشاط الذهني، وتحليل علاقة الروح بالجسم، وهو المجال الذي يمكن القول إن المعالجة الرشدية هي الأكثر راهنية والأكثر تطلبا للاهتمام الفلسفي. بيد أن راهنية ابن رشد ليست فقط رهينة بعلم النفس أو بالعلوم المعرفية.

فيلسوف الذاتية الأول…

يشكل مذهب ابن رشد في النفس المجال الذي انزاح فيه عن المعلم الأول (أرسطو)، والذي، بسبب سوء التفاهم ذي الطابع اللاهوتي الذي مارسه القديس طوما وغيره، قد جعل مسألة العقل والتفكير التي انتهجها تنحجب عن الفكر الفلسفي الغربي. فالكوجيطو الديكارتي يعتبر أن التفكير cogitare من فعل العقل intellect. والحال أنه لدى ابن رشد يرتبط بالخيال. التفكير عند فيلسوفنا ليس أثرا للعقل، ولو أنه يلزم أن يتمّ بحضوره كما لو أنه يشرف عليه. التفكير فعل نفسي تحت عقلاني، أي أنه عملية للنفْس في جسمها. وما هو موطنه؟ إنه الجمجمة. هذا المعطى، الذي أغفله ديكارت يجعل الاستيهام أو التفكير بالصور هو الفضاء الذي يمنح للفكر وللنفس علاقتها بالعالم. أنا أفكر، كما يفهمه ابن رشد، يعني أنا أستوهم. والتصور فعل المخيلة. والتفكير بالصور يمنح للعقل مرتبة متعالية عن الفكر والتفكير، لأن العقل مفارق للجسد، والتفكير يتم بالجسد. هذا ما يكتشفه جان باتيست بروني، ويعيده للأذهان. وهو بذلك يمنح للفكر طابعا ذاتيا يتصل بشكل كبير بما يمكن تسميته عقلا باطنا، أي ما يقابل بشكل ما اللاوعي.

التفكير لدى ابن رشد له ملَكته الخاصة التي هي القوة المفكّرة، كما لدى أفلوطين، التي تشتغل في السعْي الدائم بين الصورة الخام والذاكرة. بذلك تصبح وظيفة “الفنطزماتا” إنتاج الصور في فضاء ممكن يتموقع بين الجسد والعقل. وفي ذلك يقارب الباحث الفرنسي بين ابن رشد والتحليل النفسي (ونيكوت بالأساس)، فيما يعيب على ديكارت ونظريات الذات subject عدم انتباهها لما قدمه لها بشكل مبكر ابن رشد في تأويله للنفس لدى أرسطو.

البعد الصوفي لابن رشد؟

لا أدري لماذا لا يشير جان باتيست بروني، ولا ألان دو ليبيرا قبله إلى ما يقارب بين مذهب ابن رشد في التفكير، بما هو يمنح للخيال والصورة مكانة مميزة وبينية، وبين نظرة أندلسي آخر للصورة ولفكر الصورة هو ابن عربي. ولقد أكد لي هذا التقارب بين الرجلين، حين يعود بروني إلى تأويل ابن سينا للنور ورمزه القرآني “الذي ليس غربيا ولا شرقيا”. ونحن إذا أضفنا إلى ذلك صورة الرجل المعلق بين السماء والأرض، فإننا سنجد أنفسنا قريبين من منظور ابن عربي للصورة باعتبارها برزخا واصلا وفاصلا بين عالم الحق وعالم الخلق. وبما أن التصور أو القوة المفكرة تشتغل في جسد مفكر يكون العقل الفعال مرتبطا به ارتباطا يشبه ارتباط الخالق بالمخلوق، فإن عالم الصور أو حضرة الخيال هو عالم التفكير بالصور لدى ابن عربي، بالرغم من التعارض الواضح بين “الفلسفتين”. ولعل ما يؤكد فرضية هذا اللقاء، من الجانب العربي الإسلامي هو أن كوجيطو ابن رشد كما يصوغه جان باتيست بروني هو: أنا أفكر إذن نحن نستوْهم (نمارس الفنْطازم).

لقد تأكّد لي هذا الطرْح وأنا أناقش فكرتي تلك مع الفيلسوف جان باتيست بروني نفسه، من أيام فقط بباريس. كما تأكد لي ذلك من أن فيلسوفا منح للتفكير بعدا مغايرا لديكارت (هو هايدغر) قد أبان في الكثير من كتاباته عن بعد لاهوتي وصوفي…. فالطابع الاستثنائي لمذهب ابن رشد في الذات والتفكير والعقل والذاتية (علم النفس الرشدي) يأتي من أنه يندرج في فضاء ثقافي عربي إسلامي لم يسلم فيه التصوف من الفلسفة (السهروردي وابن عربي والغزالي وابن سبعين)، كما لم تسلم فيه الفلسفة من بذرة التصوف (ابن باجة وابن سينا وابن رشد أيضا). هذه الفرضية تفسر لماذا كانت فلسفة ابن رشد في النفس إضافة نوعية أرعبت الفكر الغربي فتم نفيه منها… من ثم لا يمكننا أن نتناول الفلسفة العربية في جدَّتها من غير سياقها المعرفي الذي كان التصوف أحد مكوناته!

عن ملحق “ضفة ثالثة”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق