الدوافع العدوانيّة داخل ثنائية الفطري والمكتسب

إنّ دراسة بعض الظواهر الاجتماعية والطقوس الشعائرية القديمة قد توحي بأنّ النزعة التدميريّة لها جذورها النظرية في طبيعة الإنسان. إلّا أنّ التحليل المتعمّق لدلالات هذه الظواهر يثبت أنّ كلّ الممارسات الّتي تؤدي إلى التدمير ليست ناتجة بالضرورة عن ” شغف بالتّدمير”. وخير مثل على ذلك ما نسميه اليوم بـ”العطش”, أي الرّغبة في إراقة دماء الخصم أو قتله. ذلك أنّ ” الدّم” كان يعتبر، في المراحل المتعاقبة للتاريخ البشري، مادة الحياة الحيويّة… وإذا كان بعض الدارسين يذهب إلى التّأكيد بأنّ إراقة الدماء تعبر عن نزعة تدميريّة فطرية لدى الإنسان المعاصر، فإنّ الملاحظات الّتي أوردناها  فيما تقدم إنّما تهدف إلى عدم تفسير كلّ سلوك تدميري بوصفه النتيجة العملية لغريزة تدميريّة في بنية الطبع البشري والنّظر إليه على أنّه في الغالب حصيلة دوافع ونزعات ليست طبيعية بالضرورة، بل ذات علاقة وثيقة بالممارسات والشعائر الطقوسيّة الدينيّة.

إنّ وثائق تاريخ العالم المتحضر توفّر لنا الأمثلة الكثيرة على ظهور الممارسات التدميريّة (العفوية منها وغير العفوية)، وليس تاريخ الحروب الطويل سوى شاهد على ذلك. إذ في استعراضنا لتاريخ البشر، تتكرّر المجازر وأعمال القتل والتدمير… إلى غير ذلك من الشواهد، غير أنّ ما تسفر عنه هذه النزاعات من مآس وقتل وتدمير، يشفّ عن أسباب تتعدّى البنية النظريّة للطبع البشريّ… إذ توجد على الدوام شروط موضوعيّة (حروب أو نزاعات دينيّة أو سياسيّة، الفقر والازدحام السكاني، الروتين وفقدان قيمة الفرد) تساهم في تغذية النزاعات الداخلية والسيكولوجيّة (نرجسية الجماعة)، على الصعيد القومي أو الديني…

إذن ليست الطبيعة البشريّة نفسها هي الّتي تدفع فجأة إلى القيام بهذه الممارسات، بل هناك طاقة تدميريّة كامنة تغذيها بعض الظروف الخارجيّة والأحداث المفاجئة فتدفع بها إلى الظهور.

*****

فروم: العدوانية المؤذية والعدوانية غير المؤذية، إعداد بسام حجار، الفكر العربي المعاصر، بيروت، مركز الإنماء القومي، العدد 27 /28، 1983، ص 107.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق