الشعر بين مثابتين أفلاطون وأدونيس

(صراع البرهان والخيال)

مقدمة:

تعالج هذه المقالة، لمحة موجزة عن موضوعة الشعر، من وجهة نظر مقارنة، وذلك عبر عرض وجيز، للفظة الشعر في المعجم العربي والفرنسي، وبالتالي؛ يكونُ هذا مجمل المحور الأول، أما المحور الثاني فيتعلق بطبيعة تصور أفلاطون للشعر والشعراء من خلال نسقه المعرفي وتصوره للعدالة. بينما المحور الثالث والرابع، فهو عرض لوجهة نظر أدونيس للشعر في الثقافة العربية. مع خلاصة تركيبة نشبك بها التصورات ونبث رؤيةً تحتاج الى عمل وجهد للإجابة عن الأسئلة التي طرحت في ثناياها.

1- على سبيل البدء: دلالة الشعر في المعاجم

أ- في اللسان العربي

للشعر في اللّسان العربي معانٍ عدة فمنها مايأتي بإطلاق ومنها مايأتي مخصوصاً مقيداً، أي ما مايكونُ معناهُ عام مثل: “شَعر به وشَعر يشعر شعراً وشعرا وشعرة ومشعورة وشعورا وشعورة وشعرى ومشعوراء ومشعورا، الأخيرة، عن اللحياني، كله: علم[1] “. ومنهُ ما يتعلق بالإحساس والشعور مثل: “ما شعرت بمشعوره حتى جاءه فلان”، وأيضاً يأتي لبيانِ ومعرفةِ الشيء مثل: “وأشعره الأمر وأشعره به: أعلمه إياه. وفي التنزيل “وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أي وما يدريكم” ويأتي معنى الشعر بحسبِ المقتضى الذي نريده وهو: “شعر فلان وشعر يشعر شعرا وشعرا ، وهو الاسم ، وسمي شاعرا لفطنته . وما كان شاعرا، ولقد شعر بالضم وهو يشعر. والمتشاعر: الذي يتعاطى قول الشعر[2]“.

وهاكَ بعضاً من ما ذكر في التنزيل من أيٍ متقلباتِ الدلالة والمعنى: ” وما علمنه الشعر وما ينبغي له” أي أنّ الرسول لا يتلقى الوحي عن طريق الشعر، بل هو علم لدني من الله. أو قوله: ” والشعراء يتبعهم الغاوون” بمعنى أنّ الرّسول يتبع تعاليم الوحي وآدابه التي شرع لرسولهِ، وليس تلبية وتبعية لحال الشعراء في زمانه من هجاءٍ وقدحٍ.

بهذا المعنى اتضح معنى الشعر على مستوى الدلالة، الذي يوحي باشتمال “المفهوم” على خصائص ومعانٍ واسعة، لم نأتي على ذكرها جملة لكن حصرنا القول ومايخدم وجهتنا في هذا المستوى. فما هي دلالة الشعر في اللّسان الفرنسي؟

ب- في اللّسان الفرنسي:

يأتي لفظ الشعر في اللّسان الفرنسي بمعانٍ عدة نحصر منها مايأتي: “الشعر عبارة عن عمل ابداعي وهو الهام جواني. ويعني أيضا قطعة موسيقية أوبرالية، تعكس جوانب الشعرية في القطعة. لكن هناك معنى محدد للشعر في اللسان الفرنسي وهو: أن الشعر عمل ابداعي/فني، يقوم على النظام الذي تعتمده القصيدة (القافية، الاوزان، الابيات الشعرية، الاسطر الشعرية) وهي نظام وشكل ثابت من القواعد[3].

2- أفلاطون والشعراء

الحديث عن الشعر تحت أي ظرفٍ زماني أو مكاني، يخلق جلبة، مجادلة، أخذ ورد، وهذا طبيعي جداً بالرجوع إلى الصيغة التي تؤطر الوعي وتصدر عنهُ الرؤى. وسيكونُ طبيعياً جداً أيضا، حينما نرجع هذا الامر إلى الذائقة الفردية أولاً، ثم إلى المشروع الإيديولوجي الذي يصدر عنه متلقي الشعر.

من المعلوم أنّ أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م) الحكيم اليوناني، له تصور عن الشعر، حتى أنّ المشاع عنه أنه طرد الشعراء من جمهوريتهِ. لكن لما هذا الاقصاء؟ هل يتعلق تحديداً بموقفه من الشعراء باعتبارهم مفسدوا الديمقراطية؟ أم أن موقفه هذا يتمثل في طبيعة الشعر اليوناني؟ أم من الشعر عامة؟

أفلاطون ذاك الذي أبصر الحقيقة من عالم الكهف[4]، فخرج على قومه يسح دموعهُ هاهي الطريق من هنا! نحو الأعلى مالكم مكبلين بالأصفاد، غارقين في لجّ الوهم والزيف! هذه الحياة ما هي إلاّ صدى أنتم صورٌ لها! الحقيقة نحو عالم المثل هناك فقط يمكننا إبصار النور وتمييز خيوطهِ من الظلام! كانَت هذه هي لحظة ميلاد نظرية أفلاطون المعرفية، التي لا تعرف طريقاً إلا للكليات، أي أنه لا علم إلا بالكليات. هذه الكليات عبارة عن منظومة برهانية تتأسس قواعدها على الرياضيات والجدلين الصاعد والنازل[5]. وطبقاً لهذا النظام أتى تصور أفلاطون لنظريتهِ السياسية التي هي تربوية في الأساس. أي تأسيس جمهورية قوامها العدل، يكونُ الحاكم فيها فيلسوفاً عادلاً، ومنه تتوزع العدالة في جسم المجتمع.

أفرد أفلاطون في كتابه “الجمهورية”  La respublica””، مجموعة من القواعد التي تبنى عليها نظريتهُ في السلطة، بحيث نجده في الكتاب الأول والثاني من الجمهورية يؤكد على أن جوهر الدولة هي العدالة، لكن بأي معنى تتأسس هذه العدالة؟

يعتقد أفلاطون أن العدالة لا تتأسس إلا باستبعاد عناصر التشويش في الدولة، وهذه العناصر تنطلق من التربية أساساً، فإذا كان من الواجب تربية الأطفال على ذائقة فنية تهذبهم وترقي سلوكهم، فيجب الابتعاد عن الشعر. لكن ما طبيعة هذا الشعر؟ يرى أفلاطون أن الفن عبارة عن محاكاة لعناصر تخيلية، أي ليست حقيقية، سرد ودمج لشخصيات وملحميات، هي من نسج الخيال، وليست حقيقية. بل أكثر من هذا انّ هذه الملاحم تقدم تصوراتها في إطار تخيلي مثلما يحدث مع الالهة. لهذه الأسباب سنتدرج في معرفة رأي أفلاطون في الشعر والشعراء عموما. ذلك أنّ عنصر التخييل الذي يقدمه الشعراء في ملاحمهم، يفسد النىشئ وعلى المربين والساسة أن يسهروا على ألا يتلقى الأطفال هذا النوع من الشعر لأنه يفسد عقولهم. لكن ما طبيعة الشعر الذي يراه أفلاطون مناسباً لجمهوريتهِ؟

يرتكزُ هذا الشعر على النسق الافلاطوني الذي أسسه في نظريته المعرفية، وهو نسق يرتكزُ أساساً على العقلانية، أي إقامة دولة ذات حقيقة برهانية، وأفلاطون يعتبر أن الشعراء مجالهم الخيال لذا يجب استبعادهم. رغم اعجابه الشديد بهوميروس وغيره من كتاب التراجيديا، لكن استبعادهم يضمن للدولة الاستمرار، لان الدولة مجالها الحقيقة لا الوهم.

هناك سر أخر وراء استبعاد أفلاطون للشعراء، وهو أن الشعر الذي كان يقدمه كتاب الملاحم، هو شعر ذو طابع تمثيلي، أي فرجوي بالأساس وغير تجريدي، ليس فيه من العمق شيء، يجلب الفرجة فقط، سواء على خشبات المسرح أو في المجال العمومي. لذا فضل أفلاطون أن يضحي بالشعر والشعراء في دولتهِ، َلكن هل انتصر رأي أفلاطون ومن بعده تلميذه أرسطو في تصوراتهم المتنازعة بين الفلسفة باعتبارها برهاناً وبين الشعر باعتباره خيالاً أي مجالاً للوهم والزائف؟ هذا موضوع طويل ومن الصعب المساهمة في الجواب عنه في هذه الحال. لكن ما يمكن قوله هو أن تاريخ الفلسفة والادب هو تاريخ صراع طويل، من أجل الاعتراف. ومن هذا المنطلق سنلج تصور مفكر يجمع بينَ دقة التحليل والتركيب، وعمق الأسلوب والتعبير، وهو المفكر والشاعر السوري أدونيس، فهل يمكن أن يجتمع البرهان والخيال في نسقٍ واحد؟

3- أدونيس والشعر

إنّ المدخل للوقوف على دلالة الشعر كما يتصورهُ أدونيس، لا يبتدأ من تتبعِ أثارهِ اللغوية، أو سياقات تطورهِ وتفاعلهِ مع بيئتهِ. بل إن التصور الذي يقدمه أدونيس للشعر، ينطلق من موقفهِ من اللغة العربية في مساريها قبل الإسلام وبعده. أي أنّ تصوره للشعر يقف بينَ عتبةِ الإسلام الذي همش الشعر لصالح الوحي، إذ صار عبارة عن أداة إعلامية له فقط أو بتعبير أدونيس نفسهِ إيديولوجية فنية[6]. واعتباراً من هذا فإنّ الشعر ثم احتوائه في مجال الوحي، أي رديفاً للخيال والوهم والغواية. ويتقدم الوحي باعتبارهِ مجالاً للحقيقة وللمعرفة الدينية واللغوية، فاللغة الشعرية قبل مجيء الإسلام كانت وثنية تقدم نفسها كوعاء معرفي وكخلاصة للتجربة الفردية والجمعية. لكن الإسلام ألغى هذا الدور، أو بالأحرى وظفه تمجيداً للحقيقة التي يحتويها الإسلام. وهو ما جرد الشعر من ماهيته –حسب أدونيس- وهي الاستبصار والكشف[7]. ما جعل الشعر عبر دوران الزمان يفقد اصالته أو براءته التي كان عليها من قبل، أي ” أنّ الشعر في المجتمع العربي، بدءاً من الإسلام، كان يهزل ويردُؤ، بقدر ما كان يتدين، أو يبشر، أو يلتزم سياسياً وإيديولوجياً[8].

انخرط الشعر العربي في المؤسسة بعد ترسخ الإسلام في الأبنية الذهنية للإنسان العربي، وبعد تغلغله في جسم المجتمع كنظام system شامل لمناحي الحياة. طبعاً هذا يؤدي إلى مطابقة الذات للموضوع، أي أنّ الشعر سيعكسُ البنية التي تشكله باعتبارها نظاماً شاملاً. اذن في هذه الحالة ماهي وضعية الشعر؟

من الطبيعي أن تنتقل طبيعة الشعر العربي ووظيفته في ظل المجتمع الإسلامي (الفتي)، الى طبيعة تطابق فيها تصور الموضوع (الإسلام) بحيث يغدو الشعر في هذا المستوى منفياً أو ملغياً وبصيغة أوضح هامشياً. تصير الذات لا ذات، أي أن اطر الوعي العربي أضحت في أسر الموضوع[9]. هذا الموضوع هو عبارة عن حقيقة نصية لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال طرحُ تساؤل يزحزح تمثلها المطلق، وبالأحرى التشكيك في يقينيته ومشاكسة مسلماته. وفقاً لهذه التغيرات الجوهرية في طبيعة المجتمع العربي، اخذت علاقة الشعر تتحدد بوصفه تعليميا أي يتبع مضامين الوحي، وفي أفضل حالاته تعبيراً عن وقائع وأحداث جمعية تمثل الكل لا الجزء. هنا تذهب ماهية الشعر الأولى باعتباره شعورا دائما ووعداً بالبدء، عبر الذات المتكلمة، التي لا يكون لها وجود إلا بالإفصاح عن فرادتها وتجربتها الجزئية المنسحبة نحو الذات الجمعية. وفي هذه الوضعية تكون العلاقة بين: ذات- ذات، وهي وضعية كانت تجعل من الشعر إطاراً لوعي وجودي بامتياز. بينما الوضعية التي أضحى عليها الشعر العربي هي وضعية وظيفية، يخدم الإطار الأيديولوجي لدعوةِ الإسلام. الشيء الذي جعل من النص الشعري سلعة استهلاكية، على إثرها تستعيد الذاكرة الشعرية علاقة الماضي بالحاضر. الذي (الماضي) يصنع بسهولة قيوداً معيقة تعيد الانسان إلى الماضي، وهو ما يفسره أدونيس بهيمنة الماضوية على الذهنية العربية السائدة، “وتعني الماضوية في سياق بحثنا رفض المجهول وغير المألوف، والخوض فيه وفي هذا أيضا ما يفسر كيف أن هذه الهنية عندما تواجه شعراً أو فكراً لا ينبع مما تعرفه مباشرة، تحاول أولاً أن تفهمه بالمقارنة مع موروثها الديني- اللغوي، أي مع ما تعرفه، وبقدر ما يكون هناك تباعد، تنظر إلى هذا النتاج، بوصفه غريباً وخطراً، ويهدد موروثها. فالمهم هو الوضوح المندرج في الخطّ الواضح المباشر الذي يربط عضوياً بين الماضي والحاضر[10]“.

ينعكس هذا الوضع تحديداً على الشعر والشاعر، فالشاعر تلغى ذاتيته ورؤيته إلى العالم، والقصيدة تكمن نجاعتها في مدى تفاعلها مع المجتمع والاستجابة لحاجته هو. وهو ما يؤكد على أن الشعر صار سلعة كأي السلع قابل للتداول وذلك حينما يصيرُ تابعا لمتطلبات السوق (المجتمع)، وهذا ما يكرس تقليدية الشعر العربي، منذ دخوله في أسر المؤسسة. هذه الظاهرة منافية لطبيعة الشعر الذي يرشحُ بالحركة والتناغم مع الاحداث والمناسبات الفردية، والقصيدة تكون عبارة عن ” نوع من الغذاء، يستند في تقويمها إلى لذته في تناولها_ أقصد سماعها. لهذا، لم يكن الكلام هو أول ما يراه في الشعر، بل ظرفه ومناسبته. وما كان ينتظره منه هو، تبعا لذلك، أن يدخله في ظرفه ومناسبته- أن يخاطب حياته وجسده، أن يشاركه حركاته وأعماله. وكان ردّ فعله المباشر حين يسمعه هو القول عنه: إنه صحيح، صادق، أو العكس، لا القول: جميل أو قبيح. كانت علاقة الشعر بما يحب أو يكره، بما يثبت أو ينفي، أكثر قوة منها، بالجمال أو القبح[11]“.

يعني هذا أنّ الشعر يتحدد بمقاييس الجمال والتجربة الفردية، ما يجعل من المخيلة الشعرية، إبداعية بحق. عكس الكتابة الشعرية الحاضرة التي انحصرت في سياج الصناعة التقنية التي لا تكون الا إعلامية وايدولوجية، وهذه الوضعية هي من أحد مزالق الشعر العربي المعاصر بالإضافة إلى انخراطه في المؤسسة منذ صدر الإسلام.  لكن ماهو الشعر الذي يطمح اليه أدونيس؟ بمعنى أخر ما هو نموذج الشعر والشاعر في تصور أدونيس؟

يعتبر أدونيس أن الشعر سقط في ثقافة الاستهلاك، وهو بذلك أضحى بين فكي ثقافة التفاهة والسهولة، وعلى الشعر العربي أن يستعيد ألقه بتكسير الحواجز التي كبلته لقرون مديدة. “فالشعر بحث عن مجهول لا يمكن الوصول إليه. من هنا تجئ، بعد صعوبة السهولة، الصعوبة التي يولدها الاستقصاء. الضوء الذي قد يلقيه هذا الاستقصاء على المجهول يزيد في اتساعه، مشيراً إلى الاعمق والاقصى. بل كأن هذا الضوء ينقلب إلى ليل. الضوء يفتح الأفق واسعا على ليل العالم، لكن الحد الذي يعبره الشعر بفضل هذا الضوء، يسلمه إلى اللامحدود[12]“. هكذا يغدو الشعر عند أدونيس، إنهُ انفتاح على الكوني والإنساني، أي ضداً على ثقافة الحجر والحجز التي تسقط في المزاعم الهووية. الشعر عند أدونيس أن تصبح الذات بحد ذاتها شعراً يقول: ” شعري أنا، هو شخصي. إنني شاعر بالنطفة. إنني، كذلك، وحدة كلمة وحياة. يستحيل أن يكون إنسان شاعراً ما لم تقم وحدة كلامه وحياته. لا أؤمن بشاعر حياته شيء وشعره شئ تتشكل على إثر ذلك الكتابة كجرح ذاتي عبره ينكشف للعالم، هذا عن الشعر[13]. فما هو الشاعر عند أدونيس؟

إنه الشاعر الذي يفجر المعنى، إنه الذي يتوهج كالجمر، يتكلم فيشتعل، يصمت فيشتعل، أي أنه اللهب ذاته. واللهب ما هو إلاّ حرية وحب وتطلع للمستقبل[14]. الشاعر الذي يتعجب من عصره ويتمرد عليه، وبالتالي يرضخ المجتمع إلى هذا التمرد الامر أشبه بقلب قيم في المجتمع، إنه نموذج الأخطل وأبو نواس والجواهري والرصافي وشوقي والسياب[15]. هذه النماذج وإن كانت قليلة –حسب ادونيس- فإنها كفيلة بأن تدفع حركة الشعر العربي نحو مستقبل أكثر نموذجية وحداثية، بحيث يصيرُ الشعر وعاءً وجودياً يصنع وعي الافراد والجماعات بمخيلات أكثر حداثة أي إبداعية.

4-الشعر مختبر الفكر

لا يتوانى أدونيس عن الحديث عن مشروعهِ الذي نذر لهُ نفسه، وهو الصراع بينَ القدامةِ والحداثة، والدفاع عن مشروعية الحداثة. من منطلقات عدة، أهمها: الشعر العربي، وكيفَ يمكنُ إعادة صياغتهِ واستثمارهِ. لاسيما وأنهُ يقيمُ عدة نقط تماس بينَ روافدَ تراثية، وأخرى غربية حداثية. وتأكيدهِ على ضرورة استيفاء شروط الحداثة في العالم العربي.

يمكنُ الوقوفَ عند هذا، في كتابهِ ” الصوفية والسوريالية”، الذي يقر في مقدمتهِ، بأنهُ ليسَ من الصعبِ في شيء أو من الغرابةِ، في أنْ يخرجَ الإبداع الصوفي، عن جبةِ النظامين الديني والمعرفي البرهاني (الفلسفي). فالكتابة الصوفية تقدمُ نسقاً تأويلياً من داخل بنية النص الديني، لكنهُ خارج عن عنصرها الأساس. فإذا كانَ النص الديني يمحي الذات ويلغيها، فإنّ الصوفية تقلبُ هذه العلاقة، إذ تصير علاقة الذات والموضوع، علاقة حوار وتخاطب. وبهذا تغدو الكتابة الصوفية عبارة عن تواجد ذات مع ذات، بسبب رد الوحدة إلى الكثرة في الفكر الصوفي، وبسبب فكرة الفناء.

تتحدد الكتابة الصوفية، انطلاقاً من تجربة الذات التي تتوجهُ نحو الذات. وهي بهذا كسرت أفق الكتابة وفقَ النظامين الراسخين في التراث العربي. فإذا كانَ هذا هو الأفق العرفاني في الكتابة الصوفية. فاللغة الشعرية الصوفية كما يراها أدونيس “تناقضُ اللغة الدينية- الشرعية من حيث أنّ هذه تقولُ الأشياء، كما هي بشكل كامل ونهائي. بينما اللغة الصوفية لا تقول إلا صوراً منها، ذلك أنها تجليات المطلق- تجليات لما لا يقال، ولما لا يوصف، ولما تتعذرَّ، الإحاطة بهِ. فما لا ينتهي لا يعبر عنه إلا ما لا ينتهي. والكلامُ منتهٍ، والمتكلم منتهٍ. ستظل قدرة الكلام، إذن، إشارية، ورمزية، وسوف يظل القول الصوفي شأن القول الشعري، مجازاً، ولن يكون حقيقةً، كمثل القول الديني الشرعي[16].

وبما أنّ اللغة الشعرية الصوفية، تستطيعُ أن تفجر كينونة اللغة التي تنضح باسم الوجود والذات. فإنها- حسب أدونيس- قادرة على خلق أطر وعي مغايرة عن ذاك الذي أسسهُ النظام الديني والمعرفي في التراث. فما هو الأفق الذي تتيحهُ اللغة الشعرية الصوفية والشعر عامة؟

لا يركنُ أدونيس في تصورهِ عن الشعر إلى الإرث التراثي الذي تراكم لقرون، ونظرتهُ لطبيعة الشعر العربي، الذي انقلبَ على معناهُ الأصيل، والذي نقف عند أثرهِ الأولى في تعريفات المعاجمِ للشعر. فالتصور الأدونيسي يتلخصُ في كونِ النظام التراثي العربي المعرفي، هو المدان الأول في هذه الرؤية الهامشية للشعر، الذي حول معناه إلى مرادف للخيال والإمتاع الوجداني. لكن أدونيس يرى العكس أنّ أول خاصية للشعر أنهُ ينفلت من اليقيني الذي تتموضعُ فيهِ المعرفة الدينية، ويفكر كغيرهِ[17] من الأنظمةِ المعرفية البرهانية، بل هو على الوجهِ الواضح سؤال منفتح لا حدودَ لهُ، يتموقع في الشك والتساؤل والحيرة، لذا يظل الشعر “رؤيا كيانية، وتجربة نفسية-تأملية. وهو استبصار معرفي، لكن أداته ليست النقل ولا العقل وليست البرهان ولا المنطق. إنه الحدس، أو البصيرة، أوعين القلب”[18].

إذن الشعر حركة، وسؤال ممتد عبر ديمومة الزمان، وما يرتبطُ بها من كينونة تلقي بظلال المعرفة المتسائلة. والتي تقذف الوعي الى أفق الوجودِ والموجودِ. وهو منبع التساؤل أو على الأقل المختبر الأول الذي تعتملُ فيهِ الأسئلة الكبرى، التي تمت مصادرتها وفقاً لأنظمة معرفية، شرّعت الأسئلة الأساس من صميم ذاتها. الشيء الذي أدى مباشرة إلى فصل الشعرية والفكر، والشعرية بالطبع وتبعا للنظام المعرفي البرهاني لا تتجاوز حدودَ الخيال، والمتعة الجمالية واللذة النفسية، ” فمجال الشعر هو الكذب، واللاّمعقول، أو عنصر الحساسية والمتعة. الشعرية، بعبارة ثانية، نقص أو عنصر سلبي في مقاربة أشياء العالم وأسراره. والشعر، في أحسنِ ما يوصف بهِ، لعبٌ ومحاكاة وتخييل”[19]. وبما أنّ هذا هوَ تموضع الشعر العربي، في مجموع المعرفة العربية، فإنّهُ مهما علت أشكالهُ ومضامينهُ قديماً وحديثاً، فإنهُ لا يبرحُ مكانتهُ الأساس وهي الإمتاع، بل سنقول بقليلٍ منَ الجرأة أنّ طبيعة التعامل مع الآدب العربي، في الجملة، هو تعامل امتاعي، يؤدي وظيفة الإمتاع والترويح عن النفس بالدرجة الأولى، ومن ثم يعني مباشرة إقصائهُ، والنتيجةُ استمرار القطائع المعرفية بينَ مكونات الثقافة العربية، أو بمعنى آخر ندرة الاعتراف المعرفي بينَ مكونات الثقافة العربية.
لحظة ميلاد الأدب في الثقافة الأوربية (عصر النهضة) هي لحظة ميلاد الفرد، وهو ما يؤدي إلى ميلاد ثقافة الفردانية، ماذا يعني هذا؟ لايعني سوى محاولة الخروج من البراديغم الأفلاطوني، والانتقال إلى براديغم آخر جديد. وإذا كان القرن السابع عشر هو عصر النهضة الفنية، بما فيه الآدب فإنّ التحول الشامل الذي شملَ هذا الآدب هو العودة إلى اللحظات التراجيديا في الثقافة الاغريقية الكلاسيكية. لذا تحرر الانسان بفعل عوامل عدة تظافرت فأنتجت لنا هذا النسق الأوربي المهيمن على جوانب الحياة وأسسها.

أتينا على ذكر بنيتن معرفيتين مختلقتين، الأولى: اغريقية كلاسيكية، والثانية: عربية معاصرة (راهنة). تأسست الأولى في رفضها للشعر من منطلق معرفي محض، هو صراع وتصور فلسفي لطبيعة المعرفة (أفلاطون) أما الثانية فقد أسست موقفها من الشعر والشعراء، انطلاقاً من نص ديني. تحررت الأولى حينما راجعت ذاتها وطرق فهمها لطبيعة المعرفة، بينما دخلت الثانية في ثقافة المنع، بدءً بأطر التأويل التي تراكمت عبر طبقاتٍ تاريخية حجبت المعنى الأصلي للنص القرأني. لهذا لا نستغرب موقف أدونيس من الثقافة العربية (رغم أنّ له مشروع يتحدد في الصراع بين القدامة والحداثة فإنّ ثقافة المنع سائدة وبقدر عالٍ). ومن بعض تصوراته التي تبدو صادمة لغيرهِ بحق الثقافة العربية. لأنه من الواضح أن طرد الشعراء في كلاتا الثقافتين حدث فعلاً، لكن ما هي الأسباب التي أدت بالثقافة العربية للثبات على موقفها إزاء الشعر والشعراء؟ وما الذي اكتسبته الثقافة العربية بثباتها هذا؟

خاتمة:

الشعر ينطق الصمت، أي أنه عمل فينومينولوجي بالأساس، ينزع نحو الماهيات والأشياء، نحو الأشياء في ذاتها. يحول الأشياء الجامدة إلى حركة، يصنع منها موضوعات، قابلة للعيش واللمس والحكي. لذا إذا خرجَ الشعر عن معناه الأساسي وهو الابداع نحو وظيفة أيديولوجية، فإنّ وجوده من عدمهِ سيان.

*****

[1]  ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عامر أحمد حيدر، مراجعة عبد المنعم خليل أحمد إبراهيم، (بيروت: لبنان- دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 2009) ص 476.

[2]  ابن منظور، لسان العرب، ص 474.

[3] Larousse, Dictionnaire, http://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/po%C3%A8me/61959.

[4] تأسست الحقيقة في كهف أفلاطون، وهي صورة طبعت الفكر الغربي بكاملهِ، أي أن الحياة التأملية هي من أسس لحظة التفكير في الفكر الأوربي، وهو ما تراه حنة أرندت حين اعتبرت ارتباط الحقيقة بالانعزال مرده الى الفكر الافلاطوني في امثولتهِ عن الكهف، وهو تقليد يضرب الفكر السياسي الأوربي-الغربي، برمته.  حنة أرندت، بين الماضي والحاضر ستة بحوث في الفكر السياسي، نقله إلى العربية: عبد الرحمن بوشناق (بيروت- لبنان الطبعة الأولى تشرين الأول/ أكتوبر 2014) ص 168.

[5] يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية (القاهرة- مصر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، طبعة 2012) من ص88 إلى ص 99.

[6]  أدونيس، النّص القرآني وآفاق الكتابة (بيروت- دار الآداب، الطبعة الثانية 2012) 61.

[7]  أدونيس، المرجع نفسه، 60- 61.

[8]  أدونيس، المرجع نفسه، 61.

[9]  أدونيس، نفس المصدر، يقول: ” الذات في مثل هذه التنشئة مستلبة سلفاً. بل لا وجود فيها ولا مكان للأنا المتسائلة. ولّما كان الإسلام، في فهمه السائد، هو الرسالة الأخيرة التي أرسلتها السماء إلى أبناء الأرض، وخاتم الكلام الإلهي، فإن كل كلام يجئ بعدها، خصوصاً كلام الانسان، لا يمكن أن يقول جديداً”. ص 62.

[10]  أدونيس، المرجع نفسه، ص 63- 64.

[11]  أدونيس، المرجع نفسه، ص 65.

[12]  أدونيس، نفس المرجع، ص 67- 68.

[13]  أدونيس، نفس المرجع، ص 151- 152.

[14]  أدونيس، نفس المرجع، ص 150.

[15]  أدونيس، نفس المرجع، ص 150- 152- 154.

[16]  أدونيس، الصوفية والسوريالية، (بيروت-لبنان، دار الساقي، الطبعة الرابعة 2010) ص 24.

[17]  أدونيس، الشعرية العربية، (بيروت-لبنان، دار الآداب، الطبعة الثالثة 2000) ص 73.

[18]  أدونيس، نفس المرجع، ص 71.

[19]  أدونيس، نفس المرجع، ص 59.

*****

لائحة المصادر والمراجع:

أ- المعاجم:

ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عامر أحمد حيدر، مراجعة عبد المنعم خليل أحمد إبراهيم.

Dictionnaire, Larousse, http://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/po%C3%A8me/61959.

ب- الكتب:

أرندت، حنة، بين الماضي والحاضر ستة بحوث في الفكر السياسي، نقله إلى العربية: عبد الرحمن بوشناق بيروت- لبنان الطبعة الأولى 2014.

سعيد، أحمد علي (أدونيس)، النّص القرآني وآفاق الكتابة، بيروت- دار الآداب، الطبعة الثانية 2012.

سعيد، أحمد علي (أدونيس)، الصوفية والسوريالية، بيروت-دار الساقي، الطبعة الرابعة 2010.

سعيد، أحمد علي (أدونيس) الشعرية العربية، بيروت- دار الآداب، الطبعة الثالثة 2000.

كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة اليونانية، القاهرة- مصر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، طبعة 2012.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق