نظرة تحليليّة نقديّة على الواقع الجنسي في الغرب الأوروأمريكي والشّرق العربيّ

الجنس قضية جد حساسة في حياة الإنسان فردا ومجتمعا، فهو مرتبط باستمرار النوع الإنساني بيولوجيا، كما أنه مرتبط بالتكوين الحيوي والنشاط الجسدي والنفسي والذهني والفكري للكيان الفردي، ومرتبط بالعلاقة المباشرة مع الآخر الإنساني بصفته الجنسية، ومرتبط جوهريا بالنظام الاجتماعي بما له من دور محوري في تأسيس الأسرة كلبنة أساسية في المجتمع، وبما يقتضيه ذلك من نواظم وضوابط لهذه المسألة، إضافة إلى ضوابط ونواظم العلاقة بين الجنسين نفسها.

المسألة الجنسية شديدة الحساسية والخطورة في البيئات المحافظة، وهي عادة محاطة- بل محاصرة- بمنظومة صارمة من الضوابط العرفية والقيمية، التي يعتبر خرقها من الكبائر، ويعاقب عليها عادة بدرجة عالية الشدة من العقاب، وهذه الضوابط الجنسية يكون جلها غالبا قائما على أسس دينية، مع أنه لا يندر أن تحتوي التقاليد الجنسية درجات متفاوتة من الأعراف المتخارجة مع الدين نفسه، ومثل هذا يمكن أن يحدث أيضا في ميادين أخرى غير الجنس.

هذا الاقتران بين العرف الجنسي والتقليد الديني يجعل من المحتم حدوث تغيير جذري في الميدان الجنسي عندما يحدث مثل هذا التغيير في الميدان الديني، فبقدر ما يتشدد الدين يتشدد العرف الجنسي عادة، وبقدر ما يتسامح الدين يصبح العرف الجنسي أكثر مرونة، وإن انكفأ الدين أو انحسر، فهذا سيؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير كبير على الصعيد الجنسي، ولكن هذا لا يعني حكما التوافق والتوازي التام، فقد يكون التغيير الجنسي أحيانا أبطأ، وقد يمضي في طريق تطوّر أكثر خصوصية من النمط الذي يمضي فيه التغيير العقائدي‘ والرابط هنا بين الدين والجنس ليس خطيا تماما، فمما لا شك فيه هو أن الدين يؤسس لتقليد جنسي ويكرسه ويحميه، لكن مع مرور الوقت لا يعود هذا التقليد مجرد تقليد تابع تماما للدين، بل يصبح بدرجة ما عرفا اجتماعيا قائما بذاته وله استقلاليته الخاصة، ولذا ليس بالضرورة أن يتراجع أو ينحسر فور تراجع أو انحسار الدين نفسه، أو أن يحدث ذاك بنفس الدرجة، فانحسار الدين يجعل العرف الجنسي أكثر عرضة للتغيير، ويزيد من احتمال تطوره إلى أشكال جديدة، لكن هذا لا يرتبط بشكل ميكانيكي بالدين وحده بقدر ما يرتبط بالبدائل التي تحل محل الدين، فتراجع الدين يجرد العرف الجنسي من أحد دعائمه الأساسية من ناحية، ويعطي الإمكانية أكثر لتطور ثقافة عقلانية لتكون هي نفسها أيضا عاملا فعالا من عوامل تطوير الثقافة الجنسية، لكن من الممكن ألا يكون التطور العقلاني في حالة ما غير معادل لمقدار التراجع الديني، الذي يمكن أن تلعب فيه الظروف الاجتماعية والسياسية دورا فاعلا، دون أن يكون ذاك مرتبطا بنمو ثقافي فعلي، وبالتالي لن يكون هنا التقدم الجنسي معادلا لمدى التراجع الديني، ما يعني وجوب ربط التقدم الجنسي بتطور الثقافة العقلانية ككل أكثر من ربطها بتراجع الدين، وهذا يقودنا للقول بأن وجود مفعول بفعل فاعل لا يعني غيابه الحتمي أو تغيره الجذري عند غياب ذلك الفاعل، فهذا التغيير يحتاج أكثر إلى فاعل جديد، وثمة مناطق في شرقنا العربي شهدت تراجعا ملحوظا على الصعيد الديني، لكن هذا التراجع لم يتوافق مع تقدم مكافئ للثقافة العقلانية، وبالتالي لم يشهد الوضع الجنسي تطورا بقدر تراجع الدين، والسبب في ذلك هو أن تطور الثقافة العقلانية يحتاج إلى عوامل عديدة، وهو ليس محصورا فقط بمدى وحجم حضور الدين ودرجة تصلبه وتشدده، رغم أنه ثمة علاقة تعاكسية بين حضور كل من الثقافتين العقلية والدينية كما وكيفا، لكن هذا التعاكس ليس تعاكسا حصريا مغلقا ومتعلقا بهما فقط، فبشكل عام نمو الثقافة العقلانية هو عامل أساسي من عوامل تراجع الثقافة الدينية أو تغييرها باتجاه أكثر تعقلا ومرونة، لكن تراجع الثقافة الدينية يمكن أن يحدث نتيجة عوامل أخرى تدخل فيها السياسة والاجتماع والاقتصاد والتدخلات الخارجية وسواها، ومع أن هذا يعطي المجال أكثر أمام نمو الثقافة العقلانية، فقد يمنع الافتقار إلى عوامل أخرى مثل التعليم الصحيح والتنمية الاقتصادية والانفراج الاقتصادي وما شابه حدوث هذا الأمر كما ينبغي.

من منظورنا الشرقي المغرق في المحافظة يظهر الغرب الأوروبي الأمريكي بتقاليده الدينية والجنسية كافرا فاسقا، فكل ما نفعله عادة هو حمل قوالبنا المعتقدية والقيمية وإسقاطها عليه وعلى غيره، وعندما نجده هو أو غيره  غير قابل للقولبة أو الانحشار فيها، نحكم ببساطة بأن كل من وما يتخارج مع قوالبنا تلك هو متخارج مع الدين والخُلق السليمين، فكل من الدين والخـُلق وقفا لتصورنا لديهما طابع ميتافيزيقي سرمدي، منفصل ومتعال عن الواقع، ويعتمد على مرجعية فوق طبيعية وفوق واقعية، وبالتالي لاواقعية، ولذا فنحن بمعاييرنا الشرقية لا نحكم على الغرب حكما واقعيا ولا عقلانيا، وليس بمقدورنا فعل ذلك طالما أن أحكامنا لا تقوم على العقل ولا على الواقع، كونها تقوم على أساس فوق واقعي وفوق عقلاني، وتضرب جذورها بعيدا عن الواقع والعقل في سماء مزعومة متعالية منفصلة.

واقعيا ما نراه من تطور جنسي في الغرب، ونعتبره إباحية وفسادا، هو نتيجة حتمية للتطور الجذري الشامل الذي، الذي بدأ في الغرب مع مطلع عصر النهضة، وما يزال مستمرا حتى اليوم، ولكن هنا يجب الحذر عند استخدام مصطلح “حتمية”، لئلا نسقط  في فخ الفهم الميكانيكي للحتمية، الذي يقلصها ليجعلها خطية المنحى أو أحادية الشكل، فالحتمية هنا “حتمية الفعل” أو “حتمية الحدوث” ولكنها ليست حكما حتمية الشكل أو “حتمية الحدث المحدد”، والشكل النتيجي الذي وصل إليه التطور الغربي في العلاقات الجنسية هو شكل مرتبط بعوامل عديدة وينتمي العديد منها إلى مجال خصوصية التجربة الغربية، ويدخل في نطاقها متغيرات جذرية على الصعد الفكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية وسواها.

من المؤكد أن الأخلاق القروسطية الغربية ما كانت لتستمر بأي شكل من الأشكال، كونها كانت مرتبطة بواقع اجتماعي متمحور حول مسيحية القرون الوسطى، وقد كان من المحتم لذلك الواقع المأزوم أن ينهار وينتهي لأسباب ذاتية وموضوعية تاريخية، ومع انهيار ذلك الواقع وفقدان الكنيسة لدورها المركزي وانكفائها اللاحق، ونمو قوى فكرية واجتماعية واقتصادية جديدة، كان لابد وأن تنكفئ أيضا التقاليد الجنسية المرتبطة بالكنيسة وبمسيحية القرون الوسطى، وأن تنشأ تقاليد جديدة متوافقة مع مستجدات الواقع.

نظريا، عند فقدان شي ما لصلاحيته وقابليته للاستمرار، تتعدد احتمالات البديل، لكن واقعيا لابد وأن يرجح أحد تلك الاحتمالات، فيتحقق ويلغي بقية الاحتمالات، وهذا ما حصل في الغرب على كل صعيد من صعد الحياة، ولكن هذا التحقق -أو الحصول- لا يقفل باب التغيير على ما تحقق، وبقدر ما يكون الواقع ديناميكيا ومتناميا، ترتفع من جديد احتمالات التغيير وتتعدد اتجاهاته.

إن ما يميز التجربة الغربية هو أنها شكل من التغيير الجذري الشامل غير المسبوق تاريخيا، والمختلف كليا عن التغيير الشكلوي أو التغيير الجزئي، فسابقا كان يتم استبدال دين بدين أو حاكم بحاكم أو إصلاح ديني أو سياسي، أما ما جرى في أوربا النهضة فقد كان هذه المرة تغييرا شاملا وعلى مستوى الجذور، وليس على مستوى الأشكال أو الجوانب.

مما لا شك فيه أن انتشار وترسخ المسيحية السابق في أوروبا أدى بدوره إلى تغيرات كبيرة، غيرت شكلها على كافة الصعد، ومع أن هذا الانتشار وما رافقه من تغيير..ونشأة المسيحية وتطورها نفسها لا يجوز بتاتا رؤيتها من منظور عقائدي منفصل عن بقية مكونات الواقع التاريخي، فذلك اعتمد من الناحية العقائدية على ذهنية عامة قابلة للإيمان الغيبي التسليمي، وتقر إيمانيا بوجود الآلهة وتدخلها في حياة البشر.

لكن التغيير النهضوي هذه المرة وجه ضربته الكبيرة المباشرة إلى هذه الذهنية الإيمانية التسليمية، وإلى مرجعيتها الميتافيزيائية، واستبدلها بالعقل والعلم والواقع، وهنا أصبح العقل هو المرجع وليس الإله الغيبي التسليمي، وحل الفكر العقلاني محل الدين، وحل الواقع محل السماء المزعومة، والعلم محل الغيب والتسليم.

واعتمادا على مرجعية العقل أصبح من الضروري-بل والمحتم-مراجعة كل ما كان قائما على الدين، بما في ذلك الأخلاق بعموميتها وبما فيها الجانب الجنسي.

وهنا صار لزاما على العقل أن يقر بحرية الإرادة والاختيار للإنسان بصفته كائنا عاقلا، فمن المسلم به أن العقل الإنساني هو عقل جمعي، وذو طبيعة جمعية وليس فردية، وهذه الجمعية تقتضي حكما التعدد والاختلاف والاختيار، ومن خلال هذا التعدد الجدلي يمكن الوصول إلى نتائج معرفية أو موقفية إما بمقارنة البدائل والأطروحات العقلية ومفاضلتها أو بمكاملتها مع بعضها البعض، مع إبقائها في كلتا الحالتين مفتوحة على كل جديد.

عقليا، وجب إقصاء الدين عن الشأنين العام والرسمي وعن عملية بناء المجتمع، بسبب ميتافيزيقية الدين ولاعقلانيته ولاعلميته، ونسقيته المغلقة التي تقوم على فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة المقدسة، ما يجعل الأطروحة الدينية معصومة منتهية، لا تقبل النقاش والاختلاف والبديل، وقسرية، لا حرية إزاءها ولا خيار في رفضها أو قبلوها.

هذه المشكلة عاد العقل الحر فواجهها مع الإيديولوجيا، فالإيديولوجيا عندما تتطرف تصبح بدورها -رغم حفاظها على الإقرار ببشريتها، ونفيها لأية مرجعية ميتافيزيائية- نسقا مغلقا يقوم على فكرة الحيازة الحصرية للحقيقة التامة المطلقة الوحيدة على غرار الدين، وهي هنا كثيرا ما تضع العقل الفردي فوق العقل الجمعي، وكأنها بذلك تضع مؤسسها في مقام النبي، أو حتى الله نفسه عندما تغرق في عبادة الفرد، ليغدو عندئذ أتباعها أكثر صلفا وغرورا من المؤمنين الدينيين الذين كثيرا ما يتصفون بالبساطة والتواضع، اللذين يجب أن يتصف بهما البشر ككائنات ضعيفة محدودة أمام العظمة الإلهية اللامتناهية وفق الإيمان الديني.

الإيديولوجيا معرضة دوما للتطرف، وعندما تتطرف فهي تتحول إلى دين بلا إله.

لكن غربيا لا نجد اليوم أية إيديولوجيا غربية أخلاقية محددة، ومجال الأخلاق واسع ومرن وغني بالاختلافات والخيارات البناءة وغير البناءة، والبنّاء في كل هذا بالمطلق هو الإقرار النهائي بالاختلاف والتنوع كجزئين لا يتجزأان من منظومة القيم الأخلاقية نفسها.

هذا المنطق الأخلاقي التنوعي، القائم على العقل، والمقترن بحرية الإرادة، هو ما يحدد الموقف من الجنس في الغرب، فقد أقر الغرب بشكل نهائي بالحرية الجنسية كجزء غير قابل للفصل عن باقي الحريات الإنسانية، ولكنه لم يحدد أشكال هذه الحريات، التي لا تعود حريات لو حددت أشكالها، بل تتحول إلى فروض وحدود جديدة، وهذا ينطبق بالطبع على الحرية الجنسية، فتـًُرك للشخص أن يختار الصيغة الجنسية التي تناسبه‘ سواء كان ذاك جنسا حرا أو جنسا زوجيا حصريا أو تبتلا جنسيا، أو أي شكل آخر من أشكال الجنس، بشرط أن يكون هذا قائما على خيار واع حر، وألا يتسبب بأي أذى للذات أو الغير، وعلى المستوى الفردي والجمعي والعمومي.

وبناء على ذلك فالشرعية العامة للعلاقة الجنسية بين الشريكين الجنسيين تقوم غربيا ليس على عقد الزواج القانوني كما هو الحال في المجتمعات المحافظة، بل على الإرادة الحرة للشريكين بأن تقوم بينهما هذه العلاقة، أما الزواج فهو أمر متعلق بالدرجة الأساسية بالتنظيم القانوني والاجتماعي لعملية إنشاء الأسرة.

الزواج في المجتمعات المحافظة هو في المقام الأول ترخيص وتشريع للعلاقة الجنسية، وحتى الأمس القريب لم يكن من النادر أن يتم رغما عن إرادة المرأة، بل والرجل أحيانا؛ أما بناء الأسرة فيتم على هذه الرخصة والشرعية.

بينما في المجتمعات المتحررة، تتحدد شرعية الجنس بالإرادة، فهو شرعي بحرية الخيار، وليس بعقد الزواج الذي يمتلك صفة اجتماعية وقانونية محض.

سيكون القول أن ما نسميه “إباحية جنسية” في الغرب هو شكل غير متخارج مع العقل فعلا جللا بمعيارنا الشرقي ذي المرجعية اللاعقلانية! لكن هذا هو الواقع! فالعقل الغربي يعترف تماما بهذه العلاقة ويقر بها ويشرعنها، وهو الشكل الأكثر تطورا من العقل البشري حتى اليوم، ولكن حتى العقل الغربي نفسه لا يقول بأن الشكل الغربي الاستهلاكي السائد للجنس اليوم هو الشكل المثالي أو النهائي، بل يعترف عموما بواقعية ومنطقية بأن هذا الشكل هو شكل جم العيوب، وهو قطعا ليس بالشكل الأجدر بإنسانية الإنسان.

هذا الشكل يتموضع في الدرجة الأدنى من المعيارية الأخلاقية والنفعية الإيجابية، وإيجابيته تقوم على ما فيه من حرية ذاتية للمشتركين فيه، وعلى عملانيته كونه يلبي حاجتهم الحيوية على مستواها الغريزي لا أكثر، وعلى كونه أفضل كليا من الكبت..لكنه مع ذلك يبقى شكلا محض استهلاكيِّ، وجد متدن في أبعاده الإنسانية والروحية، وهذا عائد يشكل عام إلى هيمنة نظام الحياة المادي الرأسمالي على الحياة بمجملها.

لكن في التجربة الاشتراكية السوفييتية، لم يغير النظام السوفييتي شيئا لا في شكل العلاقة ولا في مضمونها، وبقيت الاستهلاكية الجنسية هي السائدة، ولم تختلف ممارسة الجنس في الشرق الاشتراكي المزعوم عما هي عليه في الغرب الرأسمالي في شيء يذكر، فقد بقي كل من الرجل والمرأة عبارة عن وسيلة لقضاء الحاجة الجنسية بالنسبة لبعضهما البعض، ولم تخرج العلاقة عن إطار الاستهلاك وترتقي فوقه.

وهذا الشكل الاستهلاكي رغم أنه مرفوض بحدة في أعراف ومعتقدات الثقافات المحافظة كالثقافة العربية، إلا أنه كذلك بالنسبة لأبناء هذه الثقافة فقط عندما يكون هؤلاء موجودون داخل بيئتهم المحافظة، لكن عندما يخرج هؤلاء الشرقيون المحافظون من شرقهم إلى بيئة غربيّة، فهم عادة يتخلون بسهولة عن شرقيتهم، ويصبحون مثل الغربيين، بل ويتجاوزونهم في غربيتهم الجنسية في كثير من الأحيان..كردة فعل معاكسة على حرمانهم وكبتهم السابق –وربما اللاحق أيضا- في  شرقهم!

وما تقدم يجعلنا نتساءل لماذا يفعل الشرقيون المحافظون هذا؟!

ولماذا لا تتعدى فضيلتهم في حقيقتها التشدق بالأخلاق الجنسية فقط عندما يكون في شرقهم، الذي يصِمون وهُم فيه الغرب بأشد صفات الفسق والفجور والانحطاط الأخلاقي، ولكن عندما تتاح لهم الفرصة السعيدة للتواجد في ذاك الغرب، فهم يقبلون بحماسة وخاطر طيب- بل وبتكالب في الكثير من الأحيان- على ما يسمونه فسقا وفجورا!

وهنا يجوز لنا أن نسألهم: أو ليس في هذا اعترافا لا واعيا ولا إراديا منهم، بأن ما يسمونه بالإباحية الجنسية هي رغم عيوبها البالغة شكل أرحم وأقل سوءا بكثير من الكبت الجنسي الشرقي الجاثم على صدورهم باسم الدين والفضيلة؟!

الدين في مجتمعاتنا الشرقية اليوم ليس أفضل حالا مما كان عليه الدين في أوروبا القروسطية،

وليست دعوى حصر التطور الغربي في إطار ردة الفعل على فساد كنيسة القرون الوسطى إلا دعوى باطلة، وغير قائمة على أي أساس عقلي ومحاولة للتهرب من استحقاق التغيير، فالقضية ليست قضية كنيسة فاسدة وكنيسة صالحة، ولا قضية مسيحية منحرفة وإسلام حنيف، ودين باطل وآخر غير باطل، فهذه الادعاءات يروجها الإسلاميون السياسيون والتقليديون ليبرروا ويمرروا بها أطروحة حلهم الإسلامي المزعوم، المتجه إلى الماضي، ولإبقاء الإسلام في شكله الموروث من الماضي البعيد الأساسَ الذي يقوم عليه شبها الدولة والمجتمع، والإطار الذي تتحرك فيه حركة التطور، وهؤلاء يرفضون حتى أي إصلاح يضفي بعض العصرنة على الإسلام.

عقليا وعلميا لا فرق بين أي دين وأي دين آخر، والدين بكافة دياناته وأشكاله ومظاهره هو منتج بشري محض، وهو بشكل عام ظاهرة لاعقلانية بكل من بعديه التاريخي الموضوعي والبنيوي الذاتي، وهو ظاهرة تسليمية غيبية وسلفية ماضيوية، وهي متخارجة مع تماما مع العقل العلمي المعاصر، وبالتالي مع العقل والعلم والعصر، وغير صالحة من حيث المبدأ لبناء المجتمع الحديث والدولة الحديثة، ومكانه المناسب الوحيد في المجتمع هو حصريا “الِشأن الفردي الخاص”، وله في هذا الشأن أن يلعب دوره الخاص صغر أم كبر، وعن طريق هذا الشأن الخاص يمكنه أن يعود جزئيا إلى الشأن العام بصفته الثقافية المحض، لكن بعيدا عن أي دعوى بالعصمة والقداسة، وعن أي مسعى للتحول إلى ثقافة رسمية أو شمولية، فبالنسبة للعقل الحر لا وجود لشيء اسمه “ثقافة رسمية أو شمولية”، فأي رسمنة أو شمولية للثقافة هي فعل قسري تعسفي ومعرقل حقيقي لنمو وتطور الثقافة، التي يجب أن تتقدم بشكل حر تماما.

في الغرب الكافر الفاسق.. الذي يتمنى جل شباب شرقنا المؤمن الفاضل العيش فيه والاستمتاع بنعيم كفره وفسقه، يعتبر الإنسان كائنا عاقلا مسؤولا، ولذلك يقر الغرب بحرية الاختيار كمبدأ مطلق، ويترك للإنسان الحرية في خياراته الإنسانية، ومع أن هذا المبدأ ما يزال على بعد شاسع من حقيقة الصيرورة مبدأ حاكما كليا للواقع الفعلي المعاش، إلا أنه لم يعد مجرد طرح نظري أو حلم خيالي، فقد أصبح له الكثير من المفاعيل الجوهرية على أرض الواقع، وباب التقدم ما يزال مفتوحا.

أما في شرقنا المؤمن الفاضل فالإنسان هو عبد للرب الإلهي المزعوم، الذي لا يمكن إثبات وجوده بالعقل الحقيقي، ولكن باسم هذه الربوبية المزعومة يرغم الإنسان على العبودية لهذا الإله المفترض وطاعة دينه المفروض، والرضوخ لخلفاء هذا الرب وممثليه على الأرض من شيوخ الدين وأصحاب السلطان، فإن رفض إنسان ما هذا، فله الويل والثبور على ما اقترفه من كفر في الدنيا والآخرة.

شرقنا المتدين يعطي لنفسه الحق التام بمصادرة حرية- بل وإنسانية- الآخرين وفرض دينه عليهم اعتقادا منه بأنه دين سماوي منزل، وأنه الدين الوحيد المقبول عند الله، مع أنه لا يقبل هذا الدين عن طريق العقل – ولا يمكنه فعليا ذلك-، وإنما يأخذه بشكل إيماني تسليمي متوارث وعن طريق التلقين الاستلابي، ولا فرق في ذلك بين مسلم ومسيحي أو هندوسي أو سواهم، وهم جميعا في هذه الآلية التلقينية التسليمية لا يختلفون عن أية وثنية بدائية في أسلوب إيمانها! فكلهم ورثة عقائد غيبية تسليميون ومستلبون، يأخذون دينهم بلا خيار ولا اختيار، وبمعزل عن الإرادة والعقل.

هؤلاء أمرهم واضح!

لكن المشكلة ليست فيهم وحدهم، بل معهم على حد سواء في كل من المتطرفين الإيديولوجيين وأشباه العَلمانيين (بفتح العين)، الذين يتعاملون بدورهم مع أفكارهم وكأنها حقائق منزلة، ولا يكلفون أنفسهم عناء مراجعتها أو مقارنتها مع سواها.

إن ما لا يعجب المتدينين الشرقيين العرب والمسلمين في الغرب – وما أكثره-  كثيرا ما يحيلونه إلى المؤامرة الصهيونية الماسونية ذات البعد التاريخي السحيق بتصورهم، التي تسعى للقضاء على الأديان لكي ينتشر الفساد في الأرض، فيسهل عليها بذلك السيطرة على العالم.

وهذا التفسير المؤامراتي للتاريخ ليس بغريب على الذهنية الغيبية التي لا تبصر الواقع ولا ترى التاريخ، اللذين يتآمر عليهما دوما الشيطان لإغواء الناس وتضليلهم وإخراجهم عن الصراط المستقيم.

أما أن ينضم علمانيون مزعومون وبينهم شيوعيون مفترضون إلى هذا الزعم المؤامراتي، فهذا شيء جد مخز!

مثلا..ثمة أدعياء علمانية وعقلانية يرون في الكثير من مفاصل التاريخ الأوروبي الحديث ومنتجات نهضته بدعا وخدعا ودسائس ماسونية، ومن بين ذلك الديموقراطية الليبرالية، وحقوق الإنسان، والحركة النسائية، والحريات المدنية ومن بينها الحرية الجنسية.

وإلى هذه الجوقة ينضم شيوعيون عديدون يرون أن الاتحاد السوفييتي سقط بمؤامرة صهيونية-ماسونية، وأن الماسونية في الغرب تتآمر على أديان – نعم على أديان- وأخلاق وفضائل وضمير الغرب والعالم (المرتبطة بها)! فيصطفون جنبا إلى جنب مع المتباكين المزعومين على الأديان التقليدية والأعراف اللاعقلانية والكبت والعنف الجنسيين من أتباع الأديان والأعراف التقليدية المتوارثة من قديم الأزمنة، الذين يرى الكثيرون منهم أن الشيوعية بدورها هي إحدى كبائر الدسائس والمكائد الماسونية.

هل ثمة فرق بين يقول أن التقاليد الجنسية الغربية المعاصرة هي رجس من عمل شيطان الماسونية، سواء كان هذا القائل إسلاميا أو شيوعيا أو غيرهما؟!

وهل يختلف من يـُسقط الاتحاد السوفيتي بيد الماسونية عمن يـُقيمه بها؟!

الفرق الحقيقي هو ليس في الموقع الذي يتموقع فيه هذا الشخص أو ذاك أو في المظهر الذي يتخذه، أو القالب العقائدي الذي يتقولب فيه! فالفرق هو في منهجية التفكير، فإما أن تكون عقلانيا عِلمانيا (بكسر العين)، فتنظر إلى كل ما يجري من أحداث في التاريخ بعين العقل والعلم وتفسره تفسيرا عقليا علميا، وإما ألا تكون من المنتمين إلى نطاق العقل والعلم، ولا عجب عندها أن تؤمن بمختلف أنواع الخرافات والشياطين والعفاريت الزرق، والمؤامرات الصهيونية والماسونية والشيطانية التي تغير العالم وفق إرادتها، ولا عجب عندها أيضا أن تكفـّر أو تخوّن أو تعهـّر كل من يختلف عنك أو معك وترجمه إن استطعت إلى ذلك سبيلا!

وخلاصة..

ليست الغاية من هذا المقال هي الدفاع عن التقاليد الجنسية الغربية المعاصرة، ولا طرحها كنموذج قدوة! بل الغاية هي الدعوة للتعامل مع قضية الجنس ككل ومع سواها من القضايا الملحة بمنهجية عقلانية علمية، وتفسيرها ومعالجتها منطقيا بناء على حيثياتها الذاتية والموضوعية.

الشكل الغربي الحالي للجنس.. خرج من مشكلة الكبت الجنسي ولبى الحاجة الجنسية على مستوى الغريزة، الغريزة فقط! ولكنه أفرغ الجنس من محتواه الإنساني، وهذه مشكلة حقيقية، لكنها بقدر ما هي جنسية في وجهها الخاص، هي أيضا جزء من مشكلة أعم ، تحولت الحياة الغربية فيها  ككل إلى نمط معيشة يعاني بشدة من الفراغ الإنساني ومن الإغراق في الاستهلاك وثقافة اللاثقافة!

وهذا مرتبط جوهريا بهيمنة السوق ونظام الاقتصاد والاجتماع الرأسمالي من جهة، وبانتشار ثقافة الجسد القائمة على التفكير المادي والوضعي والمثالي المجرد، حيث يصبح الإنسان مجرد جسد، ولا شيء غير الجسد، فهو في الفكر المادي والوضعي جسد مادي، وفي الفكر المثالي المجرد “جسد لامادي”، رغم أن هذا التعبير يبدو صارخ التناقض! إذ يجب أن يتطابق الجسد مع المادة فقط أما اللامادي فيجب أن يعني اللاجسدي كما هو شائع.

هذا بالطبع موضوع فلسفي آخر لا مجال للخوض فيه في نهاية هذا المقال، وسنكتفي بالقول أن مدارس الفكر المثالي عموما ليست بأفضل حالا من مدارس الفكر المادي في تعاملها مع قضية الإنسان، فالمبدأ الإنساني الروحي غائب عنها بقدر غيابه عن المدارس المادية، التي تنقسم بدورها إلى جسدية بيولوجية محض، أو إنسانية مادية!

الإنسان يجب أن يكون وأن يبقى دوما إنسانا، وأن يتطور في إنسانيته، وهذا يقتضي الحفاظ على بعده الروحي والتركيز عليه وتنميته، والقضية الجنسية الإنسانية لا تنفصل عن هذا الأفق الإنساني الروحي، وعلاقتها به هي علاقة الجزء بالكل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أيمن

    تحليل جميل وسلس ومنطقي للواقع الشرقي والغربي بالنسبة للجنس ولكن يبقى السؤال دائما ما هي الحالة المثلى في التعاطي مع الجنس كحاجة ومسؤولية طبعا على صعيد المجتمع وليس الفرد؟
    الى الان لم نستطع ان نحدد العلاقة المثالية مع الجنس او ان نصيغ شكل يوافق بين الجانب المادي والروحي الموجود في الجنس.

أضف تعليق